Responsive image

19º

24
سبتمبر

الإثنين

26º

24
سبتمبر

الإثنين

 خبر عاجل
  • الصحة الفلسطينية : استشهاد مواطن واصابة 11شرق غزة
     منذ 2 ساعة
  • انتهاء الشوط الأول بين ( الزمالك - المقاولون العرب) بالتعادل الاجابي 1-1 في الدوري المصري
     منذ 3 ساعة
  • إصابة متظاهرين برصاص قوات الاحتلال شرق البريج وسط قطاع غزة
     منذ 3 ساعة
  • قوات الاحتلال تطلق الرصاص وقنابل الغاز تجاه المتظاهرين شرق غزة
     منذ 4 ساعة
  • الحكم بالسجن المؤبد على مرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع في قضية "أحداث عنف العدوة"
     منذ 11 ساعة
  • وزارة الدفاع الروسية: إسرائيل ضللت روسيا بإشارتها إلى مكان خاطئ للضربة المخطط لها وانتهكت اتفاقيات تجنب الاحتكاك في سوريا
     منذ 14 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:16 صباحاً


الشروق

6:39 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:14 مساءاً


المغرب

6:55 مساءاً


العشاء

8:25 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

الأقليات في المجتمعات الاسلامية

إعداد: عبير عبد الرحمن
منذ 93 يوم
عدد القراءات: 491
الأقليات في المجتمعات الاسلامية

مكانة الأقليات في الإسلام في ضوء شهادة مفكري الغرب

يقول د.إدوارد غالي: "إن خير مقياس يقاس به تحضر أي مجتمع من المجتمعات يتجلى في كيفية تعامله مع الأقليات التي تشاركة الحضاره والوطن الأقليات التي لاتساويه في القوة بحكم عددها والتي تخالفه في العقيدة الدينية أو السياسية أو العنصرية"(1) مستشهدا في ذلك بقول نجيب محفوظ: "يأنه لاقيمة لشعب ينجح في جميع مواد الحضارة إذا سقط في هذه المادة الأساسية التي كأنما ماوجدت إلا لتكشف عن المعدن الحقيقي لإنسانية الإنسان"(2)

وهنا نتسأل ماهو نصيب أمتنا من الحضارة بهذا المقياس؟ ومادلائل ذلك؟ وهذا ماسنحاول ابراز معالمه في هذا الفصل وإن كان دراسة هذا الفصل وإن كان دراسة هذا الموضوع يحتاج إلى بحث متصل يتناسب مع العمق التاريخي والحضاري لأمتنا ومدى التسامح في معاملة الأقليات والتي ساعد على بروز نجمهم في شتى ميادين المعرفة الإنسانية جنبا إلى جنب مع العلماء المسلمين دون تفرقة فكان منهم الأدباء والشعراء والفلاسفة والأطباء ويكفي أن نطلع على أي مصدر من كتب التراث الإسلامي في عصر الإذدهار الحضاري والذي استمر قرون عدة لنتأكد من تلك الحقيقة التي عكسها أحمد أمين عند بداية النهضة الحضارية للمسلمين في العصر الأموي بقوله: "الدين الإسلامي أتى بتعاليم جديدة ورسم للحياة مثلا أعلى يخالف المثل الذي كانت ترسمه تقاليد الجاهلية وفتح إسلامي مد سلطانه على فارس وماحولها فأذاب ما كان للفرس من دين ومدنية وعلم وماكان للمستعمرات الرومانية من دين ومدنية وعلم في المملكة الإسلامية جميعها وكون منها مزيجا واحدا مختلف العناصر.

 ومن نتائجها ماكان من حركة علمية ودينية في ذلك العصر"(3) هذا المزيج هو الذي يعنى تساوي كل الأجناس في الإسلام وإلتحامها سويا وعيشها في طمأنينة وحب وهذا ما سترعى انتباه الكثير من الغربين ورأوا في ذلك ميزة تفرد بها الإسلام عن غيره من المجتمعات الأوربية حتى في العصر الحديث وماتعانيه من قلق واضطراب
ومما يؤكد ماسبق قول العلامة جوستات لوبون: "إن مما يستوقف النظر مانراه التضاد بين ثبات نظم الشرقيين ... والإماء السائد لمختلف طبقاتهم ومن ثورات الأوربين الدائمة وهجرهم وتنازعهم الإجتماعي ومن أظهر ما يتصف به الشرقيون أدبهم الجم وحلمهم الكبير وتسامحهم العظيم نحو الناس والأموال وقد منحهم إذعانهم لمقتضيات الحياة طمأنينة روحية قرية من السعادة المنشورة وقد أورثتنا أمانينا واحتياجاتنا المصنوعة قلقا نفسيا بعيدا عن بلوغ تلك السعادة .."(4) ولاينسى في هذا الصدد الحرب العالمية الأولى والثانية التي قامت في أوربا وحصدت ملايين الأرواح وأذاقت شعوب ليس لها في الحرب ناقة ولاجمل البؤس والشقاء ومنها منطقتنا العربية*
وهذا المجتمع الإسلامي الذى سعدت في ظله كل الأقليات كانت بسبب الرحمة والحب التي طالما أكد على ممارستها أعلى سلطة في الدولة فالإمام على في وصيته لمالك الأشقر يقول: "..وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"(5) وخلق الصحابة وسماحتهم وعطفهم على غير المسلمين في الكثرة التي لاتحصى وعلى نفس الخطي كان المسلمون في العصور التالية     
ـــــــــــــــــــــــ
(1)    معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي: د.إدوارد غالي ص145
(2)    نجيب محفوظ. وجهة نظر- مقياس الحضارة صحيفة الأهرام 25/8/1983
(3)    فجر الإسلام: أحمد أمين ص139   
(4)    حضارة العرب جوستاف لوبون ترجمة عادل زعيتير ص275
(5)    النظم الإسلامية : حسين الحاج ص275
*فمن آثار هذه الحرب أن جزء منها قام في منطقاتل مثل معركة العلمين في مصر وزرعت ملايين الألغام التي تقف الآن حجر عثرة أمام النهوض بهذه المنطقة والتي هي مليئة بالكنوز وأرضاها صالحة للزراعة كما ذكر د.فاروق الباز

وخلق التسامح هذا لم تعهده أوربا في تاريخها حتى بينهم وبين أنفسهم ومن دلائل ذلك قول الراهب ميشو في كتابه "رحلة دينية في الشرق" من المؤسف أن لا تقتبس الشعوب النصرانية من المسلمين التسامح الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوة"(1)

ويقول "ول ديوراندة" في كتابه قصة الحضارة الغد كان أهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون   والصائبون وإليهود يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام.. فكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضائهم وقوانينهم"(2)

ويقول توماس أرنولد وهو يتحدث عن المذاهب الدينية بين الطوائف المسيحية: "ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال التي تنطوي على الظلم بل كان المسلمون على خلاف غيرهم إذ يظهر لنا أنهم لما يألوا جهدا في أن يعاملوا كل رعاياهم من غير المسلمين بالعدل والقسطاس.."

وأشاد د.حسن ابراهيم بتوماس أرنولد الذي رضح في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" وبالأدلة التاريخية مئات الوقائع من شتى الأمصار والأعصار والمصادر وهى تدل دلالة قاطعة على السماحة التي يتمتع بها المسلمون في معاملة المخالفين.(3) ويقول خوستاف لوبون أيضا "إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا دينا سمحا مثل دينهم(4)

ويقول المستشرق مونتجمري عن الإسلام بةصفه ديناتمتزج فيه كل الأجناس والأقليات كما وضع أحمد أمين سابقا وتتلاش فيه الحواجز المصطنعة بين أفراد المجتمع على تنوعاته بقوله: "إن فكرة الأمة كما جاء بها الإسلام هى الفكرة البديعة التي لم يسبق إليها ولا تزال إلى هذا الزمن ينبوعا لكل فيض من فيوض الإيمان يدفع بالمسلمين إلى الوحدة في أمة واحدة تختفي فيها حواجز الأجناس واللغاتوهصبيات النسب والسلالة وقد تفرد الإسلام بخلق هذه الوحدة بين أتباعه من العرب والفرس والهنود الصينيين والمغول والبريد والسود والبيض على تباعد الأقطار.. ولم يخرج من حظيرة هذه الأمة أحد لينشق عليها ويقطع الصلة بينه وبينها بل كان المنشقون عنها يعتقدون أنهم أقرب ممن يخالفونهم إلى تعزيز وحدتها ولم شملها.(5)
والمسلمون في أي بلاد يصلون إليها كانوا ينشرون علومهم وتعاليمهم السمحاء مما أدى إلى سيادة الرخاء والرقي الحضاري لهذه البلاد ودخولهم في الإسلام أفواجا فكانت نهضة الإسلام لأوربا نعمة ورخاء وسكينة واطمئنان وهذا ما جعل المسيحيين يعترفون في صراحة أنهم يؤثرون حكم العرب على حكم الفرنج أو القوط(6). وما ذلك إلا لأن العرب ساووا بينهم وبين غيرهم في التعامل فلم يكن هناك عصبية لجنسهم. أما في العصر الحديث فتقطعت الأواصر التي تربط بين المسلمين بعضهم ببعض تحت مسمى الجنسية وهذا يتعارض مع الإسلام ومن دلائل ذلك أيضا ما قاله محمد عبده فى إحدى فتواه "جاء الإسلام فألقى تلك العصبية ومحا آثارها وسوى بين الناس في الحقوق فلم يبق للنسب ولالما يتصل به أثر في الحقوق ولا في الأحكام فالجنسية لا أثر لها عند المسلمين قاطبة فقد صلى الله عليه وسلم:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    حضارة العرب: حاشية ص128 نقلا عن تارخنا المفتري عليه ص189
(2)    قصة الحضارة ج13/ص131
(3)    الدعوة إلى الإسلام: توماس أرنولد ترجمة حسن إبراهيم وينظر إلى تاريخنا المفترى عليه ص188، 193
(4)    من روائع حضارتنا: مصطفى السياعي ص131- 135
(5)    مجلة الوعي الإسلامي ص68 عدد303 /1995 وينظر إلى بحث د.سعد خلف عبد الوهاب إلى الإسلام ودورة في النهضة من كتاب "الإسلام ومشروعات النهضة" ص165: 212
(6)    عالمية الإسلام: د.أحمد شلبي ص95 العدد 11 من سلسلة قضايا إسرمية 1996 نقلا عن المبحث السابق   

"إن الله أذهب عنكم عُبية الجاهلية-(أي عظمتها)- وفخرها بالأباء وإنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب"(1) وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس من من دعا إلى عصبية"(2) هذا ما تقتضي به الشريعة الإسلامية هلى اختلاف مذاهبها لاجنسية في الإسلام ولاامتياز في الحقوق بين ومسلم  ومسلم والبلد الذي يقيم فيه المسلم من بلاد المسلمين هو بلده ولأحكامه عليه السلطان دون أحكام غيره(3)
 
موقف مفكري الاسلام من الأقليات

وفي هذا الصدد أيضا قال حسن البنا: "إن الإسلام كما هو عقيدة وعبادة هو وطن وجنسية.. قضى على الفوار والنسبية بين الناس فهو لايعترف بالحدود الجغرافية ولايعتبر الفوارق الجنسية الدموية ويعتبر السلمين جميعا أمة واحدة ويعتبر الوطن الإسلامي وطنا واحدا مهما تباعدت أقطاره.. فالقومية الخاصة هي الأساس الأول للنهوض والوحدة العربية هي الحلقة الثانية.. والجامعة الإسلامية هي السياج الكامل للوطن الإسلامي العام .. فلا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الإعتبار فكل منها تشد أزر الأخرى وتحقق القاية منها"(4)
ويقول د.محمد عمارة معقبا على ماسبق "بأن ذلك منهاج الفطرة الإسلامية الذي هو منهاج الفطرة الإنسانية السليمة "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" الروم:30 تعددية وتكامل في دوائر الإنتماء..(5)

فالمجتمع الإسلامي طبقة واحدة يتماسك أفراده برباط الأخوة والتفاضل بينهم يتم على أساس تقوي الله "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" والذي متن رباط الأخوة بين المسلمين هو نظام الزكاة –شرعه الإسلام ليسد بها حاجة الطبقات المحرومة وجعل القرد منهم يشعر بمحبة الآخرين له(6)
وعلى نفس الشاكلة هناك رباط الأخوة مع الأقليات الأخرى والإنفاق والكفالة للمحتاج منهم في المجتمع الإسلامي ومن دلائل ذلك.

قول د.يوسف القرضاوي: "إخواننا الأقباط في مصر" فالأخوة الدينية بين المسلمين بعضهم وبعض لا ينفي وجود أخوات أخرى منها الأخوة الوطنية والأخوة القومية ويستشهد على ذلك بما نص عليه القرآن فى قوله تعالى: "كذبت قوم نوح المرسلين(105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون" فأثبتت الآية أخوتهم لنوع برغم تكذيبهم له وكفرهم به لأنه واحد منهم ولهذا كان يقول لهم: (ياقوم)  وكذلك ذكر القرآن عن هود وقومه عاد وصالح وقومه ثمود ولوط وقومه.. ولكن في هذه السورة قال: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) فلم يقل لهم أخوعم شعيب "لأنه لم يكن منهم .. فدل هذا على أن للأخوة القومية اعتبارها.

أما من دلائل رحمة المسلمين بغيرهم أنه مكان هناك الإنفاق على الضعفاء والمساكين وكبار السن وكل من له حاجة من أمور الدنيا من ذلك على سبيل المثال لا الحصر كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة جاء فيه: "وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار السلام فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام ليس على المسلمين فليس على المسلمين النفقة على عيالهم"(7)       
  ــــــــــــــــــــــــــ
(1)    رواه أبو داوود
(2)     في البخاري ومسلم والترمزي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد "ليس من دعا بدعوى الجاهلية"
(3)    تاريخ هذه الفتوى 9 رمضان1904 في (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج2 ص505 -508 محمد عمارة
(4)    مجموهة الرسائل-رسالة دعوتنا ص176، 178، 19 ، محمد عمارة هل الإسلام هو الحل ص169
(5)    نفس المرجع والصفحة
(6)    حضارة العرب في صدر الإسلام ص288  
(7)    حضارة العرب في صدر الإسلام ص280 نقلا عن تاريخ العرب : لجورجي زيدان

ويقول الطبري عن المساواة فر الواجبات بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى بأنه كان على المسلمين الزكاة وعليهم الجزية غير أن فريقا من النصاري حارب مع المسلمين فسقطت بذلك عنه الجزية لأن الغرض منها قد انتفي ولم يعد هناك ما يبرر بقاءها.(1) وهذا ما ذهب إليه علماؤنا في العصر الحديث*

وصور التآخي والتعاطف بين المسلمين وغيرهم كثيرة منها أيضا أن عمر يأمر بصرف معاش دائم يهودي وعياله من بيت مال المسلمين ثم يقول: قال الله تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" التوبة 60 وهذا من مساكين أهل الكتاب.(2) وروى أبن أبي شيبة عن جابر بن زيد: "أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع فقال: في أهل المسكنة من المسلمين وأهل ذمتكم "(3)
بالإضافة إلى الكثير من مظاهر التآخى من مثل حرية الإعتقاد والتدين والمشاركة لهم في أفراحهم وأثراحهم كالمشاركة في جنائزهم ومواساتهم مما فصل فيه الحديث علماؤنا وكثرت المؤلفات والبحوث في هذا الصدد**

الكنائس في الشريعة الإسلامية

قدسية دور العبادة ظل المسلمون على امتداد تاريخهم مقيمين على إعمال وصية نبيهم في المحافظ على كنائسهم وفي ذلك يقول د. يوسف القرضاوي: لقد ظل قبر المسيح وكنائس المسيح وكل ما يقدسه النصاري محفوظ ومحروسا ومرعيا من قبل المسلمين لا تمتد إليه يد بعدوان لأن من يفعل ذلك يستحق عقوبة ولي الأمر وسخط الرأي العام الإسلامي الذي يرى الحفاظ على مقدسات المسيح والمسيحيين من لوازم عقد الذمة والوفاء به فريضة على المسلمين حكاما ومحكومين(4). وقد شهد علماء الغرب والمسلمين وحكامها في هذا الشأن

واعترف ترثون بتسامح الحكام المسلين فقال "كان سلوك الحكام المسلمين في الغالب أحسن من القانون المفروض عليهم تنفيذه على الذميين وليس أدل على ذلك من كثرة استحداث الكنائس وبيوت العبادة في المدن العربية.. كما اعتاد المسلمون المساهمة في الأعياد المسيحية"(5) وقد كفل الرسول صلى الله عليه وسلم للنصاري من المزايا والضمانات مالم ينعموا به في ظل ملوك دينهم وألزم أتباعه حماية المسيحيين والذب عن كنائسهم"(6) وكان ذلك منطلقا للمسلين فيما بعد في حسن معاملة غيرهم من أهل الديانات الأخرى كما سمح الرسول للمسيحيين بجواز الصلاة في مساجد المسلمين من ذلك "أن وفد نجران وهم من النصاري لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة دخلوا عليه مسجده بعد العصر فكانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.(7)
ــــــــــــــــــــــــــــــ  
*محمد شوقي الفنجري "الإسلام والضمان الإجتماعي ص99 وهبة الزحبلي نظام الإسلام ص203 يوسف القرضاوي "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" ص35 وفهمي هويدي مواطنون لاذميون وينظر في هذا إلى "معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" إدوارد غالي  
** في كتاب د.إدوارد غالي "معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" ويحوي كثير من المراجع الهامة لعلمائنا في هذا الصدد وقد سبق ذكر الكثير منها ونضيف لذلك كتاب د.محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة ص44: 46 وينظر إلى تاريخنا الفتري عليه "ونلخص هذه التعاملات في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية مع اليهود والنصارى فقد كان بذورهم وومكرمهم ويحسن إليهم ويسود مرضاهم ويأخذ منهم ويعطيهم" ص184
(1)    الطبري ج4/ص152
(2)    فقه الزكاة: د.يوسف القرضاوي ج5 ص705-706 مقلا عن الإخراج لأبي يوسف ص26
(3)    المرجع السابق نقلا عن مصنف بن أبي شيبة 10409
(4)    تاريخنا المفتري عليه ص 213، 214 وفي هذا السياق يقارن د.يوسف القرضاوي بين ذلك وبين مافعلته الحروب الصليبية في المسلمين   
(5)    أهل الذمة في الإسلام ص256
(6)    بحث التسامح في الإسلام وأثره في درء التعصب والإرهاب د.انعام محمود ص311 من كتاب "الإسلام وحوار الحضارات"
(7)    السيرة النبوية

وعقب ابن القيم على هذه القصة "بجواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين.. وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا..  

وهكذا فقد تمتع أهل الذمة في ظل الحكم الإسلامي بمزايا عديدة .. كما سمح لهم بإعادة بناء ما تهدم من كنائسهم وبيعهم ويؤيد ذلك وثيقة نادرة محفوظة حاليا في "جمعية اليهود السفارديم" في فلسطين بالقدس المحتلة برقم سجل 25 تحمل خاتم وتوقيع مفتي القدس الشريف الشيخ نجم الدين ومن نهى الوثيقة يلاحظ أن شريعة الإسلام تجيز ذلك بل وأجاز المفتي أن يهدم اليهود معا يدهم بأيديهم بغرض تجديدها وتطويرها وفي هذا إشارة واضحة لعدم التعصب والتشدد حيالهم من قبل ولاة أمور المسلمين(1)

"النزعة الإسلامية في الحضارة الإسلامية" بحث الدكتور سعيد مغازي ونص الوثيقة بالكامل في كتاب الإسلام وحوار الحضارات362،364 نقلا عن ابراهام حابيم" التطورات التي مرت على طائفة اليهود السفارديم نشر المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة العدد رقم21/1989 ص23   

إذا يتضح ما سبق أن المجتمع الإسلامي كان كيانا واحدا لا تفرقه ولاعنصرية ولاعصبية تكون سبيلا لاستعلاء قوم عن قوم أوسببا للظلم وهضما للحقوق وإنما شمله روح الحب والتعاون والتسامح ونبذ العنف بشتى صوره نتيجة هذه القواعد التي أرساها الإسلام للتعاييش في الإسلام وآمان وشهد بذلك علماء الغرب لدرجة اقرارهم أن المجتمعات الغربية في العصر الحديث عاجزة عن تقديم هذا النموذج الإسلامي الذي جمع بين المثالية والواقعية في آن واحد وفي ذلك أبلغ رد على الدعوات التي تتعصب لنموذج الغرب وتهون من شأن الإسلام حين تطرح أسئلة مثل
إذا كانت مبادئ الإسلام في تنظيم أمور المجتمع سلبية وكفيلة بضمان السعادة للبشر فما بال المسلمين في حال لا ييسر صديقا ولا عدوا (ويجيب د.حمدي زقزوق) بأن تلك الأسئلة لها ما يبررها ولكن يجب التمييز بين الزاقع المتدني للمسلمين وبين تعاليم الإسلام فالتخلف القائم في المجتمع الإسلامي يعد عقوبة مستحقة على المسلمين من الإسلام لتخليهم عنه لالتمسكهم به كما يظن بعض الجاهلين ومن ناحية أخرى فإن صلاح المسلمين بأيديهم ولن ينزل عليهم ذلك من السماء فلابد أن يغيروا أولا من أحوالهم حتى يمكن أن يأتيهم مدد السماء(2) "إن الله لايغيروا مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الرعد11  

الحقوق السياسية لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي

1-    حق المواطنة
لقد ذكر د.إدوارد غالي نماذج عديدة لمفكري الإسلام وأدلتهم المستقاه من الكتاب والسنة على اعتبار غير المسلمين في المجتمع الإسلامي مواطنون من الدرجة الأولى نكتفي من ذلك "مايغنينا عن التكرار"ماذكره فهمي هويدي من "أن أول وثيقة مكتوبة في تاريخ الإسلام التي حررها النبي وهو يرسى أسس المجتمع الإسلامي في المدينة والتي عرفت باسم (الصحيفة) تضمنت نصا اعتبر اليهود مع المسلمين "أمة واحدة" بحيث عوملوا كمواطنين في الدولة الإسلامية الوليدة ولم يعاملوا كأجانب أو رعايا من الدرجة الثانيه"(3)
ــــــــــــــــــــــــــ
* فقهاء المسلمين من يجيز بناء الكنائس في الأمصار الإسلامية وذكر المقرنيزي أن جميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلاخوف ويسبق ذلك عهد همر بتأمين الكنائس القائمة وقت الفتح الإسلامي وعهد خالد لهم أن يضربوا نواقيسهم في أي وقت شاءوا مغاليل أو نهار وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم، يوسف القرضاوي: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ص7، 9، 21
(1)    زاد المعاد: ابن القيم 3/638
(2)    هموم الأمة الإسلامية: حمدى زقزوق ص110
(3)    التدين المنقوص: فهمي عويدي ص126 "ومواطنون لاذميون" فهمي هويدي ص154

وفي هذا الصدد يقول د.محمد سليم العوا: "هذه الوثيقة تجعل غير المسلمين المقيمين في دولة المدنية مواطنين لهم من الحقوق مثل ماللمسلمين وعليهم من الواجبات مثل ماعلى المسلمين"(1)
ويقول الدكتور جمال الدين محمود: "الحقيقة أن أقباط مصر هم مثلنا أصحاب البلد وأهله وأبناؤه لهم في مصر مثل مالنا تماما..(2)
ويقول فضيلة الشيخ الشعراوي: "إن الإسلام هو صاحب مبدأ الوحدة الوطنية بين الأكثرية والأقلية وبين المختلفين في العقائد على حد سواء.. ومن واجب الهيئة العامة للكتاب أن تذيع "صحيفة المدينة" وأن تنشرها بين الناس مع شروح وافيه لها من أساتذة التاريخ وعلماء الحضارة والإجتماع .."(3)

2-    حق الإنتخاب والترشيح

أجاز علماء المسلمين ولاية غيرهم انطلاقا من حق المواطنة الذي سبق ذكره وقاعدة (لهما مالنا وعليهم وما علينا) وأن النهي عن ولاية غير المسلمين التي قررتها آيات الكتاب ووردت بها السنة كلها محصورة مفيدة يكون المنهي عن ولايتهم في حالة اعتدال حربي على الملة والأمة ويخطئ من ظن أن النهي عن المخالف في الدين مطلقا"(4) وهذا ما ذهب إليه أيضا الشيخ محمد الغزالي "فالايات جميعا واردة في المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله وتنفير أفراد الأمة من خصومها واجب يتجدد في كل عصر"(5)

ويقول الأستاذ فريد عبد الخالق عن حق الإنتخاب والترشيح لغير المسلمين: "قد خلصنا إلى أن تقرير هذين الحقين من الحقوق السياسية لغير المسلمين في الدولة الإسلامية غير محظور في الإسلام ولاحرج من مشاركة غير المسلمين في ممارستها بوصفهم أمة من المسلمين(6)

ويقول الدكتور عبد الكريم زيدان عن حق الإنتخاب والترشيح والإشتراك في انتخاب رئيس الجمهورية بأنه "يجوز للذميين المشاركة في هذا الإنتخاب لأنهم غير ممنوعين من المشاركة في شئون الدولة الدنيوية أما إنتحاب ممثليهم في مجلس الأمة وترشيح أنفسعم لعضويتهم فنري جواز ذلك لهم أيضا لأن العضوية في مجلس الأمة تفيد إبداء الرأي وتقديم النصح للحكومة وعرض مشاكل الناخبين ونحو ذلك وهذه الأمور لا مانع من قيام الذميين بها ومساهتهم فيها"(7)

ويؤكد أستاذ فريد عبد الخالق على أحقبة اختيار غير المسلمين لرئيس الدولة ضد المشككين في ذلك بقوله نظام الخلافة نظام صاغه الصحابة وهم أهل الحل والعقد وقام على أصل الإجماع لأعلى أصل من نصوص الكتاب أوالسنة فالصياغات التي تنظم بها حياة المجتمع ويتحقق عن طريقها مصالح الناس متروكة للإجتهاد لأنها مما يتغير بتغير الظروف والأزمان "وأول إجتماع يعتبره الشافعي هو إجماع الصحابة ثم إجماع المجتهدين في أي عصر بعدهم"(8) وقد تقتضي سنة التطور وتغير الظروف مالم تقتضه في صدر الإسلام فيرن أهل الحل والعقد وأهل الإجتهاد وجواز المساواة بين غير المسلمين في الحقوق السياسية"(9)
 ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرجع السابق ص37
(2) جمال الدين محمود مقال "أقباط مصر..عم أبناء هذا البلد" صحيفة الأخبار 24/6/1992
(3) محمد متولي الشعراوي يوميات الأخبار صحيفة الأخبار 16/7/1993 وينظر إلى معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، ص116، 123
(4) تفسير المنار: ج6 ص354، 355، ج4 ص68 نقلا عن في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص169
(5) التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام : الشيخ محمد الغزالي ص40 مشار إليه فى مواطنون لاذميون: فهمي هويدي
(6) في الفقه السياسي الإسلامي ص170
(7) أحكام الذميين المستأمنين: د.عبد الكريم زيدان ص71، 83 مشار إليه في مواطنون لاذميون ص168، 170
(8) الشافعي حياته وعصره، آراؤه وفقهه: محمد أبوزهرة ، ص178
(9) في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص171

أما الدكتور فتحي عثمان فإنه يقول في هذه المسألة: "إذا كان تولى الذمي لمنصب وزارة التنفيذ قد وسع الماوردي فضلا عن أنه حدث في واقع التاريخ الإسلامي فكم كان من الواجب أن يدفعنا ذلك لتقرير حتى الذمي في الإنتخاب والترشيح دون تردد(1)

أقباط مصر والحقوق السياسية

أما الأستاذ فهمي هويدي فإنه يستدل على هذا الحق السياسي لغير المسلمين بأدلة قطعية من الكتاب والسنة وفقهاء المسلمين مفندا بذلك أي شبهة تنتقص من هذا الحق أو تشك فيه نجمل حديثه في ذلك. بأن الشريعة الإسلامية ومنذ أربعة عشر قرنا قررت في "وثيقة المدينة" حق المواطنة الكاملة لغير المسلمين في الدولة الإسلامية ولأخيرة للمسلمين في أمر قد حسمه الشارع في قوله تعالى: "وماكان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" الأحزاب:36 وهو حق يقضي بالمشاركة السياسية على أساس القاعدة الشرعية (لهم مالنا وعليهم ما علينا) فلا يلتفت إلى اجتهادات فردية تخالف أصلا ثابتا في الإسلام ويؤكد على ذلك بما ذهب إليه العلماء منهم :
الشيخ محمد مصطفي شلبي في كتابه "الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية" يقول: "إن الأحكام لم تكن محض أوامر ونواة تعبيرية قصد بها إخضاع المكلفين بها ولكنها جاءت لتحقيق مصالحهم فتجلب لهم المنافع وتدفع عنهم المضار.. فخيقا تةجد المصلحة فثم شيء الله" ووجه المصلحة والمفسدة ظاهرة في المسألة التي نحن بصددها فالمصلحة في توكيد الوحدة الوطمية في الإساءة إليها

ثم إن العرف السياسي أثبت للأقباط الحقوق السياسية.. دون تفرقه لسبب الدين وكتب المذاهب المختلفة تفيض بذكر العرف تقعيدا وتفريعا عليه فتكلم فيه فقهاء مثل القرافي وابن العربي والسرخي وابن عابدين وجاء في قواعدهم: "والعادة محكمة" والمعروف عرفا كالشروط شرطا" والتعيين بالعرف كالتعين بالنص"(2)

كما أن القلة التي تعترض على هذا الحق لا تفقد كما يقول أستاذ فهمي هويدي على دليل قطعي يفيد المنع من الكتاب والسنة وهي من السياسات الجزئية القابلة للنظر والإجتهاد وكما يقول الزركشي: "أعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدا للتوسعة على المكلفين فلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع(3). وذكر رشيد رضا في تفسير المنار "أن السلف لم يحرموا شيئا إلا بدليل قطعي أو نص قرآن"(4)  
وهكذا ذهب جمهور علماء المسلمين من أن الإسلام بوسطيته ومرونة شريعته وسماحته وواقعيته التي لاتفارق قيمه العليا ومثاليته هو أمنع حصن لحماية حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية عامة وأن النبي خص قبط مصر بالذكر ووصى الأمة يهم خيرا وقررأنهم أمة مع المؤمنين فكيف يمكن أن يثور بعد ذلك تساؤل أو تقع مخاوف أو ليس في الأمر وتعريف السياسة في الإسلام كما يقول ابن عقيل: "ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح ةأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولانزل به وحي(5) . فلايجوز شرعا أن يزعم أحد أن ثمة تناقض بين تطبيق الشريعة وماتتطلبه الوحدة الوطنيه من حماية واجبة(6)
ــــــــــــــــــــــــــ
1.    الشافعي حياته وعصره، آراؤه وفقهه: محمد أبوزهرة ص178
2.    في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص171
3.    بحث "مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بوضع غير المسلمين" فتحي عثمان مجلة الآمان بيروت نقلا عن المرجع السابق
4.    ينظر: إلى الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية" : محمد مصطفي شلبي ص92: 94
5.    الإختلافات الفقهية: د.أبوالفتح البيانوني ص23
6.    تفسير المنار" ج10 ص324
7.    الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم ص31، 41
8.    في الفقه السياسي الإسلامي ص187 :191

وهذا ما ذهب إليه دكتور يوسف القرضاوي ردا على فتوى في هذا الصدد ولايخرج عما ذهب إليه علماء وفقهاء المسلمين الذين سبق ذكرهم وأجاز أن يعطي المسلم صوته لغير المسلم مزيلا اللبس حول من يشكك في ذلك معقدا على سوء الفهم لبعض الأيات والجهل بأسباب نزولها وملابستها ومؤكدا على ضرورة المودة والألفة ونبذ الدعوات التي تفرق الأمة ولاتخدم إلا أعداءها. يريدون أن يمزقوها شر ممزق وكل بلد يخترعون له من الوسائل والآليات ما يفرق بين أبنائه ففي بعض الأقطار يثيرون قضية سنة وشيعة وفي بعضها يثيرون قضية عرب وبربر أو عرب وأكراد.. ومسلمين وغير مسلمين وإذا لم يجدوا شيئا من هذا سيبتكرون شيئا يفرق بين الأخ وأخيه(1) "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" الأنفال:30  

وفي هذه القضية* قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي: "يضيف أنه بفتح باب الإجتهاد يمكننا التوفيق بين الحكم الديني والحكم القومي لأنه لا يلزم أن يكون هناك خلاف بينهما ..إن الإسلام ينظر إلى أبناء الوطن الواحد من مسلمين وغير مسلمين على هذا الأساس لهم مالنا وعليهم ماعلينا وفي هذا الأساس تجتمع الحكومة الإسلامية والحكومة القومية" ويوص بالمفر في سبيل المصلحينا محمد عبده رجال الدين الأفغاني(2)

من كل ما سبق يتضح أن علماء المسلمين في العصر الحديث وعبر مدار تاريخنا الإسلامي ومنذ بدايته الأولى قرروا حق غير المسلمين في الإنتخاب والترشيح للمجالس النيابية أو ماشابة بل المشاركة في انتخاب رئيس الدولة وعلى أحقبة إعطاء أصوات المسلمين لهم إذا كانت فيهم من الصفات الخلقية ما يؤهلهم لتولي هذا الأمر الذي ينبغي ألا يكون التفاضل فيه بين المسلم وغيره على أساس الدين وإنما السيرة الحسنة وبمقدار القدرة على تلبية مطالب الناس ورفع الظلم وقد شهد تاريخنا الإسلامي القديم والحديث تطبيقا لهذه الأسس النظرية وهذا ما سوف نؤكده .

3-    التطبيق العملي لمبدأ المساواة في الحقوق السياسية

لقد تأكد لنا أن الإسلام قرر المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات والمسئوليات وكان التطبيق العملي لهذا الإقرار هي من الأمور البديهية في الإسلام فاليهود والمسيحيين في أرض الإسلام الخضوع لأحكام دينهم متى أرادوا ذلك من دون فرض لأحكام عقيدة الإسلام عليهم وفي المقابل عليهم احترام حق الأغلبية المسلمة متى أرادت تطبيق الشريعة وهذا ما خلص إليه علماؤنا انطلاقا من تعاليم الكتاب والسنة والممارسة العملية لذلك في تارخنا الإسلامي وكذلك الكثير من الرموز المسيحية لما لمسوة من عدالة للإسلام لم يوجد لها نظير في أي نظام آخر ومن الدلائل على ذلك والتي لم تثتسني منها أي مرحلة تاريخية منذ بدأ الإسلام
 
عدالة ولاة أمور المسلمين في القرن الأول الهجري مع كل من خالفهم في العقيدة من حفظ حقوقهم وأموالهم وأعراضهم والإستعانة بهم في أعمال الديوان وفي إدارة شئون البلاد حيث تم استعمال بعض أهل الذمة كعمال يحكمون باسم الدولة في العديد من الأقاليم في مصر والشام "فقد ذكر ساويرس بن المقفع" . "أن والى إقليم الصعيد في عهد الخليفة الأموي عبد العزيز بن مروان كان يدعى "بطرس" وكان حاكم مدينة مريوط في الصعيد من أهل الذمة أيضا ويدعى "ناقوس". وكان حاكم الغيوم يدعى "شنودة"(3)
ــــــــــــــــــــــ
*دستور جمهورية إيران الإسلامية جعل من حق غير المسلمين كالزرادشت واليهود والنصارى والكلدانيين أن يكونوا أعضاء في مجلس الشورى ومعلوم أن مجالس الشورى كما تشرع القوانين .. فإنها تضطلع بخطيفة الحسبة على الحكومة والحكام" النظام السياسي الإسلامي د.محمد عبد القادر أبوفارس ص118 مشار إليه في "الفقه السياسي الإسلامي"
(1)    من فقه الدولة في الإسلام: يوسف القرضاوي ص163:198
(2)    "من أين نبدأ" : عبد المتعال الصعيدي ص76 -77 مشار إليه فيه "بين الجامعة الدينية والجامعة الوطنية في الفكر السياسي الإسلامي" طارق البشري
(3)    تاريخ وآثار مصر الإسلامية: الهيئة العامة للإستعلامات ص765

ومن الحكام على الأقاليم أيضا حاكم يدعى"ميناس" كان هرقل قد ولاه أعمال المنطقة الشمالية في مصر ثم بعد فتح مصر استبقاه المسلمون على حكم نفس المنطقة نظرا لخبرته في شئونها.(1) . وقد حملت لنا البرديات العربية أسماء حكام أقاليم مسيحيين في عهد الوليد بن عبد الملك والذي ولى "قرة بن شريك العيسى" حكم مصر على الصلاة والخراج الذي حفظ حقوق الرعية سواء كانوا أهل ذمة أو مسلمين والبرديات* تعكس لنا خطابات من هذا الوالي إلى حكام الأقاليم تحمل توجيهات ونصائح وفض منازعات بين بعض أهل الذمة فمن البرديات التي تكشف إسناد مهمة حكم منطقة في صعيد مصر لأحد أهل الذمة ويدعى بسيل برديه عربية محفوظة حاليا في معهد البرديات بجامعة هايدبرج بألمانيا مؤرخة في شهر ربيع الأول سنة 91هـ / 710 م وفيها "بسم الله الرحمن الرحيم" من قرة بن شريك إلى بسيل صاحب إشقوة... (فإن أهل أرضك) وهى تعني أن بسيل من أهالى نفس المنطقة وأنه أسند إليه مهمة قيادة هذه المنطقة وحكمها. وفي عهد شريك أيضا سجلت إحدى البرديات خطاب بينه وبين ذكريا" حاكم أو المسئول عن قرية أسمون يطلب منه شريك الحكم في قضية رد دين لأحد أهل الذمة قائلا في ختامها ما يدل على حرص الوالي شريك على تحري الدقة وتجنب الظلم في إصدار الأحكام بقوله: "فما كان له من حق فاستخرجه له ولا يظلمن عندك "ويبدأها بقوله "بسم الله الرحمن الرحيم" من قرة بن شريك إلى زكريا صاحب أشموه العليا** فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو.."(2)

وفي هذا العصر أيضا تم استخدام بعض كتاب النصاري في أعمال الديوان زمن الخليفة عبد العزيز بن مروان وذكر "ساويرس بن المقفع" منهم اثنين أحدعما يدعى اثناسيوس والآخر يدعى اسحاق. ولك لخبراتعم الطويلة في الإجراءات المالية للدولة.(3) أن الإعتبار هنا للكفاءة والإخلاص ويقول الادكتور فتحي عثمان "أما الشريعة الإسلامية نفسها فلاشأن لها في استبعاد أهل الذمة عن الوظائف فكان معاوية أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أفقه الناس في الدين وأعرفهم بسياسة عمر ومع ذلك استعمل على ديوان الخراج سرجون بن منصور وكان نصرانيا وكانت وظيفته تشبه وظيفة وزير المالية في الوقت الحاضر.. ولقد أشرك المسلمون والمسيحيون واليهود في دولتهم وكانت هذه المشاركة تشتد أحيانا حتى تكاد تطغي وقد لاحظ ذلك المستشرق "آدم منز" فكتب يقول: من الأمور التي تعجب لها كثرة عدد العمال والمتصرفين غير المسلمين في الدول الإسلامية فكان النصاري هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام وقد قلد ديوان جيش المسلمين لرجل نصار في مرتين في أثناء القرن الثالث عشر، وكان المتصرفون النصاري واليهود يقسمون اليمين شأنهم شأن المسلمين.."

وفي النصف الثاني من القرن الرابع اتخذ كل من حضر الدولة في بغداد والخليفة العزيز بالقاهرة وزيرا نصرانيا.. وقد ولى المأمون على مدينة بورة بمصر عاملا مسيحيا.. وقد أظعر خلفاء الفاطميين الأولون لأهل الذمة تسامحا نعجب له.. وفي عهد العزيز بالله زاد بلاط الخليفة في إكرام النصاري وذلك أنه كان العزيز أصهار مسيحيون.. (4)
 ـــــــــــــــــــــــــــــ
 *مجموعة البرديات العربية والتي عثر عليها في قرية كوم إشقاو" وهي تقع بين أبي تيج وضعها من مديرية جرجا وهذه البرديات موزعة حاليا بين العديد من المكتبات والمتاحف والجامعات في أوروبا وأمريكا ودار الكتب المصرية وأغلبها تم نشره ينظر إلى بحث "النزعة الإنسانية في الحضارة الإسلامية في ضوء نصوص برديات القرن الأول الهجري" د.سعيد مغازي محمد من كتاب "الإسلام وحوار الحضارات" المؤتمر الدولي الخامس للفلسفة الإسلامية ص351 -370
**أشمون قرية مصرية قديمة ذكرها الإدريسي في القرنين 5-6هـ/11-12 بقوله: "مدينة صغيرة كثيرة العمارات والبساتين وهي تقع بمحافظة المنوفية، ينظر إلى: "نزهة المشتاق في إختراق الآفاق" للإدريسي ص155 -160
(1)    ينظر إلى أ.س ترتون: أهل الذمة في الإسلام ترجمة حسن حبشي دار الفكر 1949م ص20، 21
(2)    د.أرلف جروهات: أوراق البردي العربية بدار الكتب المصرية ترجمة د.حسن إبراهيم ط دار الكتب ج3/ ص15
(3)    أهل الذمة في الإسلام ص20 – 21
(4)    عبقرية الإسلام في أصول الحكم: د.منير العجلاتي ص439، 440 دار النفائس مشار إليه في بحث د.فتحي عثمان "مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بوضع غير المسلمين" مشار إليه في "مواطنون لاذميون" فهمي هويدي
ويشير د.فتحي عثمان إلى أن منصب رئاسة الوزراء لا يتصور أن يكون من غير المسيحيين في أية دولة علمانية ديمقراطية غربية.(1)

وقد أثني الكثير من العلماء الغربين على التسامح الذي تعامل به الإسلام مع غيرهم لدرجة أن تولوا مراكز قيادية فيها دون اعتبار لاختلاف الديانة منهم . المستر درابير الأمريكي المشهور الذي قال: "إن المسلمين الأوائل في زمن الخلفاء لم يقتصروا في أهل العلم من النصاري السطوريين ومن اليهود على مجرد الإحترام بل فوضوا إليهم كثيرا من الأعمال الجسام ورقوهم إلى مناصب الدولة حتى إن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة "حنا بن ماسويه" ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم ولا إلى الدين الذي ولد فيه بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة "
ويقول السير "مارك سايس" في وصف الإمبراطورية الإسلامية في عهد الرشيد: "وكان المسيحيون والوثنيون واليهود والمسلمون على السواء يعملون في خدمة الحكومة"

ويقول "ليفي بروتسنال" في كتابه إسبانيا الإسلامية في القرن العاشر: "إن كاتب الذمم كثيرا ما كان نصرانيا أو يهوديا والوظائف مما يقلده النصاري واليهود وقد كانوا يتصرفون للدولة في الأعمال الإدارية والحرية ومن اليهود ومن كانوا ينوبون من الخليفة بالسفارات إلى دول أوربا الغربية"

ويقول المؤرخ الشهير المعاصر "ولز" في صدر بحثه عن تقاليد الإسلام: "إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم.. وأنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم إجتماعي عما في أية جماعة أخرى سبقها .. إن الإسلام ملئ بروح الرفق والسماحة والأخوة"

وقد وصل أهل الذمة لأعلى المناصب في الدولة العباسية وهذا ما أشار إليه "ترتون" المؤرخ بقوله: "يمكن إتخاذ ابراهيم بن هلال مثلا لما قد يصير إليه الذمي من بلوغ أرفع المناصب في الدولة فقد تقلد ابراهيم الأعمال الجليلة فامتدحه الشعراء.. وكان بينه وبين الصاحب اسماعيل بن عباد والشريف الرضي مراسلات ومواصلات رغم اختلاف الملل.."(2)

فالمساواة في تولي الوظائف العامة في الدولة الإسلامية معيارها هو أن يوسد الأمر لأهله وعلى ولى الأمر أن يولى على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل قال النبي صلى الله عليه وسلم "من ولى أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" رواه الحاكم في صحيحه. وقال عمر بن الخطاب: "من ولى أمر المسلمين شيئا فولي رجلا لمودة أو قرابة بينها فقد خان الله ورسوله والمسلمين" فيجيب البحث عن المستحقين للولايات..فالناس في نظر الإسلام سواسية كأسنان المشط (لافضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى)(3) متفق عليه

وختاما في هذا الموضوع الذي نجمله بما أشار إليه المستشار طارق البشري بعد استقرار لهذا الشأن بقوله "بشكل عام يمكن القول بأنه لاحجة في الإدعاء بأفضلية التشريعات المستقاة من اللاتيني والجرمان والسكوت على الشريعة* وأن الشريعة عنصر موحد للعرب كافة وهي بذلك تعتبر مجالا أصيلا للإلتقاء بين التيارين الديني والقومي وفضلا عن ذلك فهى في نطاق الوحدة
ـــــــــــــــــــ
*لمزيد في هذا الصدد ينظر إلى كتاب في الفقه السياسي الإسلامي " للأستاذ فريد عبد الخالق حيث ذكر أمثلة عديدة على عدم المساواة في القوانين الوضعية والدساتير العربية. بخلاف ما أقرته الشريعة الإسلامية من أحكام تقرر المساواة دون خوف عليها ص238 : 246
(1)    المرجع السابق وينظر إلى في الفقه السياسي الإسلامي: ص172، 173 الحاشية
(2)    من روائع حضارتنا: مصطفي السباعي مشار إليه في تاريخنا المفتري عليه ص193، 194
(3)    السياسة الشرعية: لابن تيمية ص169، 18، 19 مشار إليه في "في الفقه السياسي الدستوري"

العربية عنصر جامع أيضا لغير العرب من الأقليات القومية كالأكراد والبربر. ولاصحة كذلك في قول يزعم أن أسس الشريعة الإسلامية من حيث هي كذلك لا تصلح أداة لطموحات التقدم والنهضة الإقتصادية والإجتماعية وقد احتوى الفكر الإسلامي من قبل تيارات للعدالة الإجتماعية والثورة ضد الإستبداد والظلم الإجتماعي وهو قادر بجهد المجتهدين أن يؤدي رسالته في هذا السبيل.(1)

 


ــــــــــــــــــــــــ


بين الجامعه الدينية والجامعة الوطمية ص39

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers