Responsive image

16
نوفمبر

الجمعة

26º

16
نوفمبر

الجمعة

 خبر عاجل
  • "أونروا" تؤكد تجاوز أزمة التمويل الناجمة عن قرار ترامب
     منذ 9 ساعة
  • نتنياهو يجتمع مع رؤساء مستوطنات غلاف غزة
     منذ 9 ساعة
  • جيش الاحتلال يهدد سكان غزة
     منذ 9 ساعة
  • "إسرائيل" تصادر "بالون الأطفال" على معبر كرم ابو سالم
     منذ 9 ساعة
  • نجل خاشقجي يعلن إقامة صلاة الغائب على والده بالمسجدين النبوي والحرام الجمعة
     منذ 12 ساعة
  • الخارجية التُركية: مقتل خاشقجي وتقطيع جثته مخطط له من السعودية
     منذ 17 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:50 صباحاً


الشروق

6:15 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:38 مساءاً


المغرب

5:03 مساءاً


العشاء

6:33 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

التعددية الحضارية في الإسلام ونظرية صراع الحضارات الأمريكية

إعداد: عبير عبد الرحمن
منذ 139 يوم
عدد القراءات: 436
التعددية الحضارية في الإسلام  ونظرية صراع الحضارات الأمريكية

العالمية الإسلامية

الإسلام ليس منهجه قائم على صراع الحضارات وإنما على التلاقي الحضاري والتفاعل الحضاري وسنة التدافع الكونية للأمم ولكي نقف على التعددية الحضارية في الإسلام لابد من توضيح معالم هذه المناهج والمفاهيم في ضوء السياق التاريخى للإسلام وحضارته ولهذا سيكون تناول هذا الموضوع عبر هذه المحاور :

(1) عالمية الإسلام وخصوصيتة الحضارية
(2) موقف الإسلام في بدايته الأولى من الحضارات السابقة
(3) أسس التعامل مع الغير في حالة السلم والحرب

1-عالمية الإسلام وخصوصيتة الحضارية

تعني أن الإسلام دعوة عامة ومنهج شامل للناس إنه رسالة شاملة تخاطب كل الأمم وكل الأجناس وهذا ما وضحه القرآن في كثير من الأيات كقوله تعالي ( قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا )" الأعراف:185 وقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) سبأ:38 وقوله تعالى: ( ومأرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء:107 وبهذا العموم الذي يقرره القرآن يتميز الإسلام عن غيره من الرسالات السابقة التي اختص كل منها بقوم معينين .. وكان من مقتضى هذه العمومية للإسلام أنه سوي بين أتباعه على اختلاف أجناسهم وألوانهم وصهرهم في أمة واحدة الكل فيها سواء لافضل لعربي على عجمى ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح فقال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات:13 وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم(1) وأحاديثه تؤكد على هذه المساواة فقد روى عنه أنه قال: " إن أمّر عليكم عبد أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا ) رواه مسلم. ولقد امتاز الإسلام بمبادئ جعلته بأن يكون دين صالح للبشرية على اختلاف زمانها ومكانها والباحثون الغربيون أنفسهم قدموا شهاداتهم بهذا الخصوص والتي تجيء كاعتراف حر وموثق بالرؤية المقارنة لما تتضمنه حضارة الإسلام من قيم وخصائص متميزة وفعالة يمكن أن تمارس دورها في صياغة حاضر الإنسان ومستقبله .

فرجل القانون الفرنسي المعاصر بوازار يقول "إن هذا الدين يعود إلى الظهور في العالم العربي المعاصر بوصفه أحد الحلول للمشكلات التي يطرحها مصير الإنسان والمجتمع " ولطالما أعرب عن إقتناعه "بأن في وسع العالم الإسلامي –من بين عوالم أخرى- أن يقدم مشاركة أساسية في تكوين المجتمع الدولى المرتقب" وأهمية المشاركة الإسلامية تبدو في نظر (بوازار) في التوازن الذي يمنحه الإسلام.. بين التقدم المادي (التقني) وبين المطامح الروحية والإنسانية عامة ..لاسيما وأن "الإنخراط في المجتمع التكنولوجي والمواجهة بين الإسلام والثورة التقنية لاتدفع المسلم إلى انكار موقفه الديني بل إلى تعميقه أمام العالم وأمام الله متوجبا عليه.. محاولة إدراك الإمكانيات بشكل أفضل في إطار إسلامي شامل.."(2)
فالحضارة تأرجح في اتجاهين متطرفين الأول هو سيرها في الجانب المادي فحسب والذي إذا سار فإن المدينة لا تكون إلا في الآلات والمباني والترف والبذخ وتصير المادة غاية الحياة يعبدها الناس ويتصارعون عليها إما إذا سار الجانب الثاني الروحي فإن الحضارة تذوي ويقف نمو الإنسان الفكري والمادي ولكن ماتلبث الضرورات الحيوية لدى الإنسان أن تثور على هذه السلبية وهذا ما حدث في أوربا حين ثورتها على الدين(3).

 ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    سيرة ابن هشام ج2/ص148 ينظر إلى بحث عالمية الإسلام والعولمة: د.عبد المقصود وعبد الغني من كتاب "الإسلام في عصر العولمة" المؤتمر الدولى الرابع للفلسفة الإسلامية ص282، 285
(2)    الوسيط في الحضارة الإسلامية ص387، 388
(3)    مستقبل الحضارة: يوسف كمال ص142     

"فالإسلام نظام متوازن يقوم على الوسطية والجمع بين الثنائيات أو المتقابلات التي يحسب كثير من الناس إلتقائها ضربا من المحال مثل المادية والروحية والمثالية والواقعية والربانية والإنسانية والفردية والجماعية والدنيوية والأخروية والعقل والوحي والنص والإجتهادات والثبات والتطور وهذا هو المنهج المتكامل الذي يقدمه الإسلام للبشرية رحمة للعالمين وهداية للحائرين وعدلا وإخاءا وسلاما للناس أجمعين"(1)

وفي هذا الصدد يقول على عزت بيحوفيتش: ليست الثنائية فلسفة سامية وإنما هى نوع من الحياة الإنسانية السامية.. ومن هنا جاءت أهمية الإسلام لأنه يعترف بالثنائية في طبيعته ("فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون) الروم:30 وأي حل مختلف يغلب جانبا من طبيعة الإنسان على حسلب جانبه الآخر من شأنه أن يعوق إنطلاق القوى الإنسانية أو يؤدي إلى الصراع الداخلى إن الإنسان بطبيعته الثنائية أكبر حجة للإسلام(2)

وقد أدى غياب هذه النظرة الثنائية للطبيعة الإنسانية في الفلسفة الغربية إلى أن تحول العالم إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف ويتحكم في عصره عبر مؤسسات مصطنعة لخدمة هذه الأغراض ومانراه من تفجير للصراعات في كل مكان وخاصة في منطقتنا العربية ليس عنا ببعيد ويعكس لنا جارودي صورة الإنسان في الحضارة الغربية تحت عنوان "أساطير التقدم والحداثة" كما صوره فلاسفة الغرب والذي أنتج ثقافة تقوم علي ثلاثة فروض أساسية:

الفرض الأساسي لـ "ديكارت": "جعلنا أسيادا وملاكا للطبيعة" الطبيعة المنتقصة المختزلة في شكلها الميكانيكي.

 والفرض الأساسي لـ "هوبنز" عرف العلاقات بين البشر: "الإنسان ذئب للإنسان" علاقات تنافس على الأسواق مواجهات الغابة بين الأفراد والجماعات ..

 الغرض الأساسي لـ "مارلو" في كتابه فاوست الذي أعلن مسبقا وفاة الإلاه قائلا : "أيها الإنسان عن طريق عقلك القوي تصبح إلاها المالك والسيد لكل العناصر"

 هكذا تم تكريس القضاء على الأبعاد السامية لإنسان والرفض لكل القيم المطلقة (وأصبح) المعيار الوحيد للتقدم في هذا المنظور الثقافي الشاذ هو النمو العلمي والتقني الذي من خلاله تقاس قدرة الإنسان على الطبيعة وعلى الآخرين من البشر"(3) وهذه النظرة المادية والمتوحشة في آن واحد كانت تمثل المناخ الذي انبثق عنه صياغة نظرية"صدام الحضارات" لصمويل هنتجتون فبحسب عبارته " الكره شيء إنساني ولتعريف النفس ودفعها يحتاج الناس إلى أعداء منافسين في العمل خصوصا في الإنجاز وفي السياسة "(4)
 
ويذكر هنتجنون أن "الحضارة الغربية هي الوحيدة التي كان لها تأثير رئيسي وأحيانا مدمر على كل الحضارات الأخرى بسبب رغبة هذه الحضارة في فرض نموذجها الحضارى وثقافتها على الآخرين ومايؤدي إليه ذلك من رد فعل مضاد من جانب الحضارات الأخرى بسبب رفضها لهذا النموذج وتمسكها بخصائصها وهويتها الثقافية فهو فرض وهيمنة من جانب ورفض ونفور من جانب آخر"(5). وهكذا تم ترجمة الأسس النظرية التي قامت عليها الفلسفة الغربية إلى واقع مرير يعيشه الإنسان في ظل علاقات تحكمها الهيمنة والغطرسة والإستعمار فهو مناخ يغذي الكراهية بين الإنسانية جمعاء ويؤجج لنار العداوة من أجل رغبات مادية لا
ــــــــــــــــــــــــ
(1)    أمتنا بين قرنين: يوسف القرضاوي ص251
(2)    الإسلام بين الشرق والغرب : على عزت بيحوفيتش ص318، 319  
(3)    حفار والقبور الحضارة التي تحفز للإنسانية قبرها: روجيه جارودي: ص94،95 ترجمة عزة صبحي، دار الشروق
(4)    صدام الحضارات: لصموئيل هنتجتون ص21، 36
(5)    المرجع السابق ص293 ولمزيد ينظر إلى بحث "الإسلام والغرب في ظل العولمة" د.عبد الحميد مدكور" من كتاب الإسلام في عصر العولمة ص413 : 445  

تنتهي تزهق من أجلها ملايين الأرواح وتهدر فيها كرامة الإنسان وترفع شعارات براقة لا نجد لها ترجمة عملية في واقع الحياة إلا اللهم كان من أجل مصلحة الغرب نفسه ولغرض هيمنته رمى الإسلام بالإرهاب هكذا على العموم

ولكن وجد من يدافع عن الإسلام في تلك الناحية وأخذ ذلك منحيين الأول يقول: إن الإسلام هو ضحية الإرهاب
والثاني: بيان الأساس السليمة التي أقام الإسلام عليها علاقته مع غيره وفي كلا الناحيتين سوف نعكس وجهة نظر المفكرين الغربيين المنصفين

فبالنسبة للجانب الأول:
وهو الذي يمثله بعض الباحثين الغربيين والسياسيين* والذين يحاولون كشف الثام عن أرضيه مشتركة للتعايش السلمي بين الغرب والإسلام قائمة على الإحترام المتبادل للثقافة التي تقوم عليها كلتا الحضارتين وتتسع لعلاقات من الحوار والتعاون رافضين نظرية كل من فوكوياما وهنتجتون المؤججه للصراع ومن أبرز هؤلاء المفكرين :

"هاليداي" في كتابه "الإسلام وخرافة المواجهة" الذي يرفض ما يسمى بالخطر الإسلامي ويصفه بأنه خرافة ونوع من الحماقة أنه ليس هناك خطر عسكري تثيره قوات إسلامية موحدة وكما يقول: "إن البلدان الإسلامية تابعت مصالح دولها القومية الفردية وفي أحيان كثيرة حاربت بعضها بعض"(1) ثم يرفض اتهام الإسلام بأنه يسوغ الإرهاب بأن الإسلام ليس له علاقة بالإرهاب وأن الإرهاب عندما ظهر في القرن التاسع عشر لم يكن المسلمون هم الذين شقوا طريقه وإنما نشأ الإرهاب على أيدي غيرهم"(2) وعلى أي حال لم يكن العالم الإسلامي هو الذي نظم مذبحة اليهود في الحرب العالمية الثانية ولاهو الذي طرد السفارديم من أسبانيا وفي كثير من البلدان اليوم نجد أن المسلمين هم ضحايا القمع والإرهاب –في بورما وكشمير وفلسطين وفي البوسنة- ولايستطيع أحد أن يزعم أن المسلمين المناضلين هم المسئولون عن هذه الأزمات إن كانوا مسئولين أصلا"(3)

وفي هذا الصدد أيضا يذكر فوللر وليسر في كتابيهما "الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة" نحن لانعتقد أن العلاقات بين الإسلام والغرب تمثل بذاتها المجال المقبل للصراع الأيديولوجي العالمي. فالإسلام كعقيدة ليس على طريق التصادم مع الغرب"(4)
ثم يقولا إن العالم الثالث وهذه الأنماط السلوكية تتجه في الغالب نحو بلدان إسلامية أكثر ما تتجه إلى الغربيين(5) وأن تاريخ العالم زاخر بالحوادث الدموية عبر شرق آسيا وغرب أوربا والشرق الأدنى فيما قبل الإسلام وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وإذا مانظرنا إلى الأمر من زاوية التكوينات العرقية سنجد أن الأوربيين البيض هم أكثر الأعراق إثما من حيث الدم المسفوح في الصراعات وهو مايظهر على نحو يقيني في القرن العشرين"(6)

2- الأساس الذي أقام عليه الإسلام علاقته مع الآخر (العلاقات الدولية)

العلاقة مع الأخر لاتخرج عن كونها حالة سلم وهذا منهج الإسلام وحالة حرب لايعترف بها الإسلام من مثل الحروب العدوانية إلا إذا حدث اعتداء على ديار الإسلام فهناك كان الجهاد فرض عين حتى على الزوجه لها أن تخرج دون إذن زوجها للجهاد ضد المعتدين وفي كلتا الحالتين كانت هناك أخلاقيات أقرها الإسلام وطبقها المسلمون وكان قدوتهم في ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام

*الأمير تشارلز: الإسلام في عصر العولمة د. حمدى زقزوق ص37 كلينتون مقال عاطف القمري صحيفة الأهرام 30/9/1998 بعنوان "الدعوة المشبوهة المسماة صراع الحضارات، هيلموت شميث مستشار ألمانيا ، صحيفة الأهرام 5/5/1999 ، وروبن كوله
(1) الإسلام وخرافة المواجهة: ص134 ويقول إن الحركات الإسلامية نفسها معنية بما يجرى داخل العالم الإسلامي وليس بفتح العالم ص142
(2)،  (3) المرجع السابق ص44 – ، 46  ص134
(4) فوللر وليسر: "الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة" ص14 مشار إليه في مبحث: د. عبد الحميد مدكور
(5)،  (6) المرجع السابق ص177 ، ص155

يقول دكتور محمد عبد الله دراز في كتابه "دراسات إسلامية في العلاقات الإجتماعية والدولية" لوأننا بحثنا فكرة القانون الدولي في أوربا في العصور الحديثة ما وجدنا فرق كبير بينها وبين ذلك العصور الأولى* على الرغم من التقدم الفعلى في تدوين قواعد هذا التشريع العام ذلك أن فكرة تساوى الناس أمام القانون لم تتخذ بعد في نظر الغربيين صبغة القانون العام الشامل ألم يقل "استيوارت ميل" : باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية؟ (ولور يميير) قسم العالم الي مناطق ثلاثة تخضع كل منها لقانون مختلف فالعالم المتمدين يجب أن يتمتع في نظره بحقوق سياسة كاملة والعالم نصف المتمدين يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزاما قانونيا وجاء ميثاق عصبة الأمم فأقر هذا التقسيم الثلاثي وأكسبه سلطة القانون. وأخيرا شكلت "جمعية الأمم المتحدة" بعد الحرب العالمية الثانية فماذا رأينا؟ أليس روح التفريق وعدم المساواة لايزال مسيطرا فيها على عقول الذين يتحكمون في مصائر الإنسانية؟ ثم يقول : أنه إذا أردنا أن نظفر بتشريع دولي عام يصطبع بالصيغة العالمية الحقيقية فعلينا أن نصغ بذاكرتنا إلى عصر رسول الإسلام(1)

ففي حالة الحرب والسلم يقول مراد هوفمان : "بأن مفهوم الحرب المقدسة" حتى المصطلح نفسه لاوجود له في الإسلام".. فالسلام فرض أساسي في القرآن والذي ينهى عن الحرب العدوانية ويسمح بالحرب الدفاعية ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) الحج:39 وقوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين" البقرة:190 .. وعلى أي حال الحرب في عصر السلاح النووي والبيولوجي والكيماوي.. تجعلنا نرى نظريات علماء الكاثوليكية والإسلام في الحرب العادلة أو الدفاعية قد عفا عليها الزمان.. ثم يذكر قانون الإسلام الدفاعي وهو يحوى الأسس الأخلاقية التي أقرها الإسلام مع الأعداء في حالة الحرب(2).

 فالحرب في نظر الإسلام شر لايلجأ إليه إلا المضطر فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء خير من انتصار باهر تزهق فيه الأرواح. كما حدث في غزوة الحديبية والرسول صلى اله عليه وسلم يجيب سائليه عن السر في العدول عن مكة بقوله: "والله لاتدعوني قريش إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه".. وفي الحرب الدفاعية القرآن أمر بألا يقاتل إلا المقاتل والسنة النبوية تكفل إتقاء شرور الحرب عن الضعفاء كالأطفال والشيوخ والمرضى والنساء والفلاحون في حرثهم والرهبان في معابدهم ويستنكر تعذيب الأعداء ومعاملتهم بقسوة وأمر بالعفو عنهم متى كفوا عدوانهم فقال تعالى: ( "ولاتقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا) وهذا دليل على أن الإسلام لا يرمى إلى القضاء على أعدائه والإستيلاء عليهم بالقهر .. ولكن هدفه إيجاد العلاقات العامة مع الناس قاطبة(3)
 
بالإضافة إلى ماسبق فإن الإسلام دعى إلى أن يكون الإختلاف بين البشر باعثا إلى التعاون والتسابق في الخيرات لا على الصراع والعدوان كما في قوله تعالى: ( "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ) البقرة 148 كما دعى إلى التسامح والرفق وعدم المسارعة إلى العدوان ("ولايجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوي ولاتعاونوا على الإثم والعدوان") المائدة:2 ونهى عن الظلم الذي قد يدفع إليه البغض والكراهية

 ـــــــــــــــــــــــــــ
*اليوناني والروماني ولا في العصور الدينية الأولى اليهودية والمسيحية
(1) دراسات إسلامية في العلاقات الإجتماعية والدولية ص141
(2)الإسلام كبديل ص148، 149
(3) دراسات إسلامية: ص143، 144 ولمزيد ينظر إلى الصفحات التالية

( ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) المائدة:8 بل إنه دعا إلى البر والإقساط مع غير المؤمنين ماداموا يكفون عن أهل الإسلام عدوانهم.. وقدم لذلك بأنه ليس من المستحيل أن تتحول العداوة إلى مودة. ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم. لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) الممتحنة:7، 8.

كما دعى إلى عدم جدالهم إلا بالتي هى أحسن ( ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولول آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) العنكبوت:46 وهذه المبادئ الإسلامية وأمثالها مما وصفه الإسلام من أسس التعامل مع الآخر صالحة في عصر العولمة(1).

والخلاصة في هذا الموضوع هي تلك المقارنة التي وضعها جارودي بين الحضارة الإسلامية والغربية والتي كان نتيجتها بعد دراسة متعمقة هى قوله: "يمكن للإسلام أن يقدم للعالم ما ينقصه وهو معنى الحياة..فالإسلام دين الوحدة وهو بذلك دين المعنى والجمال بينما يقوم عالمنا اليوم على التنافس العددي الكمي وتبدو الأحداث كما أنها محصلة قوى عمياء غاشمة للمجابهة والعنف(2).

3- الإسلام والمحافظة على آثار وثقافة الحضارات السابقة

إن مما يؤكد احترام الإسلام للحضارات السابقة أن الصحابة رضوان الله عليهم الذين فتحوا البلاد شرقا وغربا وجدوا فيها الكثير من المتاحف والتماثيل لم يمسوها بسوء وخاصة مصر وكان ذلك منة عظيمة أسداها الصحابة للعالم مقارنة بالهمجية التي تعامل بها الغرب الإستعماري الذي أتي إلى مصر بعد الفتح الإسلامي بما يقرب من اثنى عشر قرنا بقيادة نابليون الذي سلط مافعه على أبي الهول حتى هشم أنفه وشوه وجهه.(3)

وحرب بغداد التي مازلنا نعيش مرارتها مما فعل بأثارها وحضارتها ليس عنا ببعيد وقد وجدنا من الغربيين من كان يصرخ للمحافظة على الإرث الحضاري بها من الهمجية االأمريكية وحلفائها لما عرف عنهم من أنهم أبعد ما يكونوا عن القيم الحضارية الإنسانية ومن هؤلاء العالم الفرنسي ببيرروس* الذي صرح قبل أيام من بدء قصف بغداد بالقنابل والصواريخ عام 2003 قائلا: "انتبهوا إلى ماتلحقه الحرب من أذى في آثار بابل والرافدين احرصوا على متحف بغداد ومكتبتها كيلا تعاد صورة هولاكو إلى قرننا"(4) وماذا كانت نتيجة الهجمة البربرية الشرسة على بغداد نهب متحفها وأحرقت مكتبتها الوطنية في محاولة لوأد الذاكرة العربية بكل مايربطها بتراثها الذي به عزتها

ولعل مما حدا بالمسلمين الأوائل إلى إبقاء هذه الآثار نظرية الإسلام في "تدافع الأمم" وليس صراع حضارات كما يذهب الغرب حيث إن الأمة التي تتولى مقاليد السلطة في الأرض وتستغل ذلك لنشر الفساد والمظالم يسلط الله عليها أمة أخرى تدفعها عن مكانها وتمحو فسادها ومظالمها ثم إذا سارت الأمة الحديثة بسيرة ما قبلها جرت عليها سنة الله في الهلاك وبالتالي كان بقاء هذه الأثار لحضارات الأمم السابقة من أجل العظة والإعتبار(5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ارتبط هذا العالم الفرنسي بالعالم العربي واعترف بفضل الحضارة العربية الأولى على الحضارات الأخرى أثناء إعدادة لرسالة الدكتوراة في حضارة الإغريق والذي اكتشف ماهية هذه الحضارة الإغريقية والرومانية التي تدق لها الطبول في الغرب فأخذ يوجه نداءه للغرب أفيقوا فإن العروبة تسرى في دمائنا وليس من حضارة وجدت إلا وهى تلميذه الحضارة العربية الأولى مشار إليه فيه "مسح الصورة وتحريف تراث الأمة" سلسلة عندما نطق السراة ص158 جمعية التجديد الثقافية بالبحرين
(1)    بحث الإسلام والغرب في ظل العولمة: أ.د.عبد الحميد مدكور كتاب الإسلام في عصر العولمة ص442، 443
(2)    جارودي والإسلام وغضب الصهيونية : محمود فوزي ص43
(3)    الحضارة صراع أم حوار بحث لدكتور أحمد حمد من كتاب الإسلام وحوار الحضارات ص178، 179
(4)    هل الذاكرة العربية مهددة: حسين حموي، جريدة الأسبق الأدبي العدد 861، 7/6/2003
(5)    ينظر إلى الإسلام وحوار الحضارات ص176، 177 ولمزيد في هذا الصدد ينظر إلى سندا القرآن في قيام الحضارات وانهارهامحمد هيثور رسالة ماجستير عين شمس وهى منشورة "إصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي"  


المحافظة على التراث الثقافي للحضارات السابقة

حينما فتح العرب دول عديدة وامبراطوريات كالفرس والروم وغيرهم قاموا بالمحافظة على هذا التراث الحضاري من خلال حركة ترجمة واسعة شملته وتم العكوف على دراسته وبذل من أجل ذلك كل غال ووجد العناية بهذا التراث من أعلى سلطة في الدولة فلولا ما قام به المسلمون من ترجمة للتراث اليوناني والمحافظة عليه ما كان الغرب ليعرف عنه شيئا ومن المواقف المشهورة في هذا الصدد "أن هارون الرشيد طلب بعد فتح الجيش الإسلامي لعمورية وأنقرة تسليم المخطوطات الإغريقية القديمة وأن المأمون عندما انتصر على ميخائيل الثالث قيصر بيزنطة طالبه بتسليم كتب الفلاسفة القدماء وسجل ذلك في وثيقة الصلح.. وتعلق المستشرقة الألمانية (زيغريد هونكه) على ذلك قائلة: أليس هذا فتحا جديدا في عالم الحرب؟ أليس ذلك دليلا فذا على أن الحروب الإسلامية كانت حروب سلامه وأمن ومجد؟!(1)

وأجمع المؤرخون أن حركة الترجمة العربية التي نمت على أيدي مترجمين كانوا نصاري أو يهود أو صابئة- أنقذت التراث القديم كله من الضياع فلم تكن أوربا يؤمئذ تهتم به أو تعرف عنه شيئا(2)

وبناء على ماسبق لايبقى مجال للشك بأنه في ظل الإسلام وحضارته كان هناك اقرارا بتعددية للحضارات قائمة على أسس ومبادئ دعى إليها الإسلام قرآنا وسنة وتأكدت من خلال التطبيق العملي لما قام به الفاتحون المسلمون من المحافظة على آثار هذه الحضارات وعلى الإرث الثقافي لها ومن خلال كل ذلك أسس الإسلام مبادئ وأسس القانون الدولي على قاعدة المساواة والعدل والحرية والتي لم تعرفها البشرية خلال مراحل حياتها إلاّ على أيدي المسلمين حتى في وقتنا الحاضر. وهذا ماأكد عليه المفكرون الغربيون ونلمسه من التطبيق العملي للإستعمارين الجدد متسربل بنظريات "كنهاية التاريخ" و (صدام الحضارات) وتحويل حياة البشر إلى جحيم وعمرانهم إلى خراب تحت مظلة مؤسسات دولية هم يتحكمون في صنع القرار فيها بعكس منهج الإسلام الذي يعتبر ذلك مقرارات إلاهية لايجوز للإنسان أن يتدخل فيها لأنها تتعلق بالمحافظة على العيش في آمان. في هذا الكوكب لكل الأجناس والأعراق والحضارات وهذا مافعله الاسلام حين كانت الحضارة بيده

وأختتم هذا الموضوع بما ذكره علماؤنا من انه " ليست للاسلام وأمته وحضارتة مشكلة مع علاقات دولية عادلة فالتعددية في الشرائع ومن ثم في الحضارات بالنص القراني سنة الهية وقضاء تكويني لاتبديل له ولاتحريف واقامة العلاقة بين فرقاء هذه التعددية بالمعروف وعلي قاعدة المساواة في الكرامة فالتكريم الالهي هو لبني آدم وليس لشعب او جنس أو حتي لأبناء دين بعينه (ولقد كرمنا بني آدم ...) والعدالة في تبادل المنافع هي تكليف الهي والتفاعل بين الحضارة الاسلامية وسائر الحضارات الانسانية البائدة منها والحية هو أيضا تكليف الهي أقامه المسلمون بانفتاحهم علي كافة الحضارات ...فالسياسة الشرعية لاتقف عند البلاغ القرآني والبيان النبوي وانما يدخل فيها كل مايحقق الصلاح وينفي الفساد اذ هي في تعريف السلف : الأعمال والتدابير التي يكون الناس معها أقرب الي الصلاح وأبعد عن الفساد وان لم ينزل بها وحي أو ينطق بها رسول (3)

والمسلمون مدعوون الي طلب الحكمة من أي مصدر أو حضارة وكما يقول الرسول (ص) : " الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها " رواه الترمذي وابن ماجه وهي في التعريف النبوي " الاصابة في غير النبوة " رواه البخاري

واذا أردنا توصيف لحضارتنا بما يميزها عن الحضارات الاخري فانها كما قيل : " حضارة ايمانية عقيدية ملتزمة أصيلة منفتحة قديرة علي الاستجابة للتحديات متوازنة شاملة ايجابية بنّاءة واقعية قديرة علي التحقق في كافة مناحي الحياة والوجود ثم هي في اطارها ونسيجها انسانية تعبر عن طموح الانسان لعمارة العالم وتحضيره وتسعي للاستجابة لأشواق الانسان أيا كان الانسان في الزمن والمكان والانتماء ..."(4)
 
ومفهوم الخلافة الاسلامية والاماني التي تتراءي للبعض بعودتها وتخوف اخرين منها  للوقوف بذهنيتهم عند المساوئ التي شهدتها الممارسة السياسية للحكام بعد تحول السلطة الي حكم عضوض مستبد قد تكلم فيه الكثير من علمائنا قديما وحديثا لاجلاء هذا المفهوم وتوضيحه فمثلا  هي كما دعا اليها الأفغاني الاتحاد في الغاية والعمل بالقران مع امكانية استقلال الدول الاسلامية تبعا لقومياتها المختلفة لكن مثل هذه الوحدة لن تؤتي ثمارها الا اذا أخذ المسلمون بوسائل العلم الحديث وتعاليم الدين الصحيح وهذه الأفكار الأساسية للنهضة لا تخرج عما ذهب اليه المودودي والندوي((5) فهي تماثل مانراه بين دول الاتحاد الأوربي في صورته المثالية

كما أنه ليس ثمة حصانة الهية مسبقة لحضارة ما بسبب نزوعها الديني أوالايماني فان استمرارية الحضارة رهن بما يصنع أبناؤها أنفسهم في ضوء جملة من الضوابط والمعايير والعوامل التي اذا أسئ التعامل معها سيقت الحضارة الي مصيرها المحتوم وسقوط أية تجربة يجئ بمثابة عقاب الهي مباشر أو غير مباشر عن طريق السنن التاريخية التي تعمل من خلال الانسان والجماعة وبسبب نكوث الأخيرة عن أداء دورها المطلوب وتملصها من مسئولية الاستخلاف تكون الجماعة قد استنفدت مبررات استمرارها لتفسح الطريق أمام جماعات أكثر فاعلية وفقا لمفهوم المداولة في القران الكريم وكما يقول تعالي : (وربك الغني ذو الرحمة ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم مايشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) الأنعام : 133 . (فان تولوا فقد أبلغتكم ماأرسلت به اليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ان ربي علي
كل شئ حفيظ ) هود : 57

و القران الكريم يخاطب الجماعة المسلمة نفسها كما يخاطب أي جماعة مؤمنة بأنها ستلقي المصير نفسه بمجرد تخليها عن أداء دورها الفعال في العالم والذي قادها الي مواقع القيادة والشهادة علي الناس (وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) محمد : 38(6)


ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)    شمس العرب تسطع على الغرب: زيغريد هونكه، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي ط دار الآفاق بيروت
(2)    تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون: عمر فروخ ص275 دار العلم لليمين بيروت ، مشار إليه فيه مبحث "المجتمع الإسلامي بين حركتى الفكر والوافد والإستشراق" د.محمد المسير من كتاب "الإسلام وحوار الحضارات" ص143   
(3)    هل الاسلام هو الحل : محمد عمارة ص187 ، اعلام الموقعين : ابن القيم ج4 /372
(4)    مدخل الي الحضارة الاسلامية : عماد الدين خليل ، 178
(5)    مشكلة التخلف الحضاري عند المسلمين : حامد طاهر ص 71، 72
(6)    الوسيط في الحضارة الاسلامية : 300 -303

 

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers