Responsive image

22º

19
سبتمبر

الأربعاء

26º

19
سبتمبر

الأربعاء

خبر عاجل

وزير قطاع الأعمال: 48 شركة حكومية تتعرض لخسائر فادحة

 خبر عاجل
  • وزير قطاع الأعمال: 48 شركة حكومية تتعرض لخسائر فادحة
     منذ دقيقة
  • اعتقال رئيس الوزراء الماليزي السابق على خلفية قضاية فساد
     منذ 4 دقيقة
  • جماهير غزة تشيع شهيدين ارتقيا قنصًا برصاص الاحتلال أمس
     منذ 15 دقيقة
  • مفتي فلسطين يدعو لشد الرحال للمسجد الأقصى
     منذ 16 دقيقة
  • مساع أردنية لحشد الأموال لـ"أونروا" قبيل انعقاد المؤتمر الدولي
     منذ 17 دقيقة
  • وحدات "الزواري" تعلن عودة إطلاق بالونات العودة بشكل مكثف من قطاع غزة تجاه مستوطنات ابتداءً من اليوم
     منذ 17 دقيقة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:13 صباحاً


الشروق

6:36 صباحاً


الظهر

12:49 مساءاً


العصر

4:18 مساءاً


المغرب

7:01 مساءاً


العشاء

8:31 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

الحرية السياسية في الاسلام (التصور السياسي للدولة في الاسلام)

إعداد: عبير عبد الرحمن
منذ 40 يوم
عدد القراءات: 277
الحرية السياسية في الاسلام (التصور السياسي للدولة في الاسلام)

حرية المظاهرات الفئوية ومسئولية الحاكم عن ظلم عماله 
وهذه احدي الوسائل لممارسة الأمة حقها حين تري عجزا من ممثليها في البرلمان أو النقابات ولذلك فان القول بأن الشرعية للبرلمان هو محض خطأ لان سلطة البرلمان لازالت حتي بعد الثورات وقبل انتكاسها كانت ضعيفة في فرض ارادته علي الحكومة في الوقت الذي كان ممارسة أي ضغط مباشر من جهة الشارع كان المجلس العسكري اثناء الفترة الانتقالية التي تلت الثورة يعمل لها حساب وان اتت بصورة متعنتة الا انه في آخر الأمر كان هناك رضوخا للارادة الشعبية وهذا درس يجب أن لا نغفل عنه في تصحيح مسارنا فلابد من تكاتف جميع المؤسسات الشعبية المنتخبة في صورتها الرسمية مع القوي الشعبية في المجتمع والتي تمثل عنصر قوة لها في مواجهة الفساد الذي أحدثه النظام السابق ولاتحتكر تلك المؤسسات مع التقدير لها هذا الحق ولا تدعي العصمة لنفسها من الوقوع في المسالب سواء بقصد أو بدون وحق التظاهر السلمي وممارسته والوقوف علي متطلباته نراه يمارس بدون أي مشاكل في المجتمعات الغربية وفي أمور تجاوزت كثيرا المطلبات بمناهضة الفساد كما في مجتمعاتنا الي الحق في العيش في بيئة نظيفة ....الخ 

وعلي الدولة النهي عن البطش بالمتظاهرين او الداعين لها اذا كان هناك ظلم واقع علي تلك الفئة حتي يتم استجابة الدولة لمطالبهم بل ومحاسبة المسئول عن تردي أو ضاعهم وهذا موقف الاسلام الذي عكسه قول الامام علي لأحد ولاته عن ضرورة الإسراع في قضاء الحوائجوالتي قد يماطل فيها المساعدون للوالي: " ثم أمور لا بد لك من مباشرتها منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك ....النهي عن المن فيما هو حق الرعية خالص لها أو الرجوع عما قطعه على نفسه من وعود لهم وفي هذا يقول: " و إياك و المن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك ( الافتخار ) أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق والخلف يوجب المقت عند الله و الناس، قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }الصف:3 

ومن دلائل المراقبة المستمرة للعمال والولاة والإحساس بعظم المسئولية ما كان من عمر بن الخطاب الذي يقول: " أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما عليّ ؟ قالوا: نعم. قال: لا حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته به أم لا "([1]
ولا يتهاون عمر في عزل أي وال إذا صدر منه أي تقصير في حقوق الناس ولو ضئيل من ذلك أنه
كان رضي الله عنه إذا قدم عليه الوفد سألهم عن أميرهم : أيجيب العبد ؟ كيف صنيعه ؟ .....فإن قالوا لخصلة منها: لا ، عزله " ([2]
وفي عظة لعماله من الولاة يشدد على أن يحفظوا كرامة الناس ويقيموا فيهم العدل ويقضون حوائجهم قائلاً : .......ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس فإن فعلتم شيئاً من ذلك فقد حلت بكم العقوبة ثم يشيعهم فإذا أراد أن يرجع قال: إني لم أسلطكم على دماء المسلمين ولا على أبشارهم ولا على أعراضهم ولا على أموالهم ولكن بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة وتقسموا فيهم فيئهم وتحكموا بينهم بالعدل ...ألا فلا تضربوا العرب فتذلوها ولا تجمّروها فتفتنوها ولا تعتلوا عليها فتخرموها " ([3]) ولا تخلوا موعظة إلى عماله من النهي المشدد عن سفك الدماء " فعن أبي خزيمة بن ثابت قال كان عمر رضي الله عنه إذا استعمل رجلاً أشهد عليه رهطاً من الأنصار وغيرهم يقول : إني لم استعملك على دماء المسلمين فذكر بمعناه "
وعلى نفس نهج عمر بن الخطاب كان عمر بن عبد العزيز فمن محاسن أفعاله في هذا الصدد ما يُروى من أن عدي بن أرطأة والى البصرة كتب إلى عمر ابن عبد العزيز يقول له : إن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله عز وجل مالا عظيماً لست أرجو استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب فإن رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعلت ........فكتب إليه عمر بن عبد العزيز:" العجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب الله وكأن رضاي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل فانظر من قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه البينة ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقربه .. وايم الله لأن يلقوا الله عز وجل بخيانتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم " وحدث مثل ذلك من واليه على الموصل الذي كتب إليه يقول: إني قدمت الموصل فوجدتها من أكثر البلاد سرقا و نقباً فإن أذنت لي آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة فعلت ولن يصلحهم غير ذلك فكتب إليه عمر يقول : " خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله "([4]
وكل ذلك دلائل على تورع خلفاء المسلمين عن انتهاك حرمة الناس وكرامتهم وسفك دمائهم وأمرهم عمالهم على البلدان بألا يقعوا في هذا الإثم مهما دعت إليه الظروف ولم يعتدوا بأي مبررات تتيح تعذيب الناس لإدراكهم عظم الذنب عند الله لمن يرتكب ذلك ويعد الغزالي اهتمام الحكام بمراقبة عمالهم الأصل الثالث في الأصول العشرة لإقامة العدل في الرعية فيقول : " الأصل الثالث ألا يكتفي العبد برفع يده عن الظلم ولكن يهذب غلمانه وأصحابه وعماله ونوابه فلا يرضى لهم الظلم فإنه يُسأل عن ظلمهم كما يُسأل عن ظلم نفسه "([5]
وابن المقفع يبين منافع هذه المراقبة من خوف المسيء وزيادة المحسن فيقول : " احرص الحرص كله على أن تكون خابرا أمور عمالك فإن المسيء يفرق (يخاف) من خُبرتك قبل أن تصيبه عقوبتك وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك "([6]) وقد قال أبو الفتح البستي : ومن حسن التدبير أن يأمن أهل الورع والسلامة خوف عقوبتك ويوطن أهل الريب والدعارة أنفسهم على نفوذ نقمتك حتى يتخيلوا في خلواتهم أن في ذلك عيونًا على صنائعهم " ([7])

حرية المعارضة 


" إن مبادئ الإسلام لم تر أي حق للدولة يجيز لها حظر المعارضة حيث أباح الإسلام عمل المعارضة واعتبره حقا مشروعا للجميع ولكن بشرط أن لا تحمل السلاح وتهدد أمن الشعب. والرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأجهوا الكثير من الخصوم السياسيين والمعارضين ومع ذلك لم يقابلوا هذه المواقف والأزمات بالعنف والقسوة (8)

والإمام على نموذج لصورة الحاكم حين يتعرض لمعارضة شديدة فالإمام لم يقاتل الخوارج بسبب الأفكار التي تبنوها أو بسبب خروجهم عليه وإنما قاتلهم بسبب عدوانهم على المسلمين واستباحتهم دمائهم وأموالهم يقول الإمام على ...وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها"(9)


يقول الامام علي في رسالته للأشتر حين ولاه مصر : "أجعل لذوي الحاجات منك قسما (أي المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم ) وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك (أي لا يتعرض لهم) من أحر اسك وشرطك حتي يكلمك متكلمهم غير متتعتع(المراد غير خائف) فإني سمعت رسول الله (ص) يقول في غير موطن (أي في مواطن كثيرة ) :"لن تقدس أمة (أي لا يطهر الله أمة )لا يؤخذ للضعيف فيها حقة من القوي غير متتعتع"
ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها:منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك (الاعوان يحبون المماطلة في قضائها : استجلابا للمنفعة أو إظهارا للجبروت ) 10)


وقال الإمام عبد الرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )ص20 "كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثارا لإقامة حق الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم واستسلاما للشهادة إن حصلت لهم ويجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر أو كسر جاه الفاسق أو تقوية قلوب أهل الدين"(11) وكان الإمام على يعزز هذه الشعور في نفوس أفراد المجتمع وأنهم أعزاء أحرار فيقول مخاطبا فيهم: "أيها الناس إن آدم لم يلد عبداَ ولا آمة وإن الناس كلهم أحرار"(12)


أن النظام السياسي الإسلامي ابتكر مؤسسات تحجم دور السلطة حين تغولها بل وصلت إلى حد العصيان والتمرد عليها بشرط أن تكون بطرق سلمية بعيدا عن العنف ووجدنا من تلك المؤسسات نظام الحسبة التي يقوم بها أهل العلم لمحاسبة الحاكم والدفاع عن حقوق المستطعفين وإن لم يرتدع فكانت الدعوة للأمة للثورة عليهم وعصيانهم لخيانتهم الأمانة في حق شعوبهم 

يقول المؤرخ د.أحمد عزت عبد الكريم: "إن التنظيم الديواني الذي شيده محمد على والنظام الدقيق الذي أقيم كسب منه المصريون كثيرا، ولكنهم فقدوا مقابل ذلك شيئا ثمينا تكتلهم في طوائف (مهنية) وهيئات لها كيانها هو هذا القدر من الحرية والحكم الذاتي الذي كانوا يتمتعون به في تدبير أمورهم وتنسيق علاقتهم بالحاكم وذكر أنه بفضل هذه الحرية والتكتل صمد المصريون لألوان من العسف والإرهاق ..وأنه لو قامت النظم الجديدة على رعاية التكتلات الطائفية وذلك القدر من الحرية والحكم الذاتي الذي كانت الطوائف تتمتع به ولو أفسح التنظيم الجديد لهذه الطوائف والهيئات لكان ذلك أساس طيب تبني عليه الدولة نظام الحكم الذاتي والحياة النيابية والشورية بحيث لا يكون مستمدا من الغرب ونظمه وإنما يجيء نابعا من كيان الشعب وتطوره التاريخي على نحو ما عرفته النظم الأوربية في تطورها(13)

وكان نتيجة  "إضعاف طائفة العلماء ترتب عليه إلغاء القيود والضوابط التي كانت مفروضة على سلطان الحاكم من الشريعة الإسلامية وفي هذه الظروف فإن الوسائل العسكرية والإدارية الأوربية قد أمدت الحاكم بأسلحة جديدة يعزز بها سلطانة وأن الإصلاح الآخر من الغرب أفاد إنطلاق سلطة الحاكم التقليدي من عقالها سواء كان العقال إجتماعيا كالطوائف والهيئات أو تشريعيا كأحكام الشريعة الإسلامية وأفضى إلى إنهيار التعددية بالمعنى التقليدي في المجتمع(14)


ثم يستدل على صحة ما ذهب إليه بأمثلة عملية وهى أن مجلس النواب الذي تقوم وظيفته الأساسية على مراقبة الحكومة ومحاسبتها ومساءلتها –وسحب الثقة من الحكومة وإسقاطها ولكن واقعنا كان عجيبا غريبا فلم يحدث أن أسقط مجلس النواب أية حكومة ولكن الذي حدث أن الحكومة هي التي كانت لتسارع فتحل مجلس النواب(15)


فهو لا يستنكر الشعارات الغربية مثل الديمقراطية" وغيرها ولكن هى بنت أو وليدة مجتمع يتنافى ثقافته مع أمتنا ومن أجل هذا كان لها تأثير سيء حين انتقالها لمجتمعاتنا وفي هذا يقول: "الحاصل أن النظم الوافدة ومنها التنظيمات المؤسسية والقانونية ساهمت في تفكيك هذه الأواصر (وهي الهيكل الإجتماعي التقليدي الذي كان يعرف العديد من المؤسسات المتجانسة والمتماسكة في ظل أنساق فكرية عقيدية وتنظيم قانوني وقيم حاكمة للسلوك وذات علاقات تقوم على التوازن ليحد كل منها من طغيان الأخرى) فعملت المؤسسات والنظم الغريبة على إذابة شعور كل من هذه الجماعات بذاتها وشعور الفرد بارتباطه وانتمائه جرى ذلك تحت عدد من الشعارات الحداثة الترشيد الديمقراطي وكلها ذات مدلولات صحيحة ولكنها بترت من سياقها ووضعت في سياق آخر لم تتمثل مكوناته التنظيمية ولم تتفاعل معها تفاعلا يقيمها على أساس واقعي في هذه البيئة الجديدة(16)


وفي الوقت نفسه من آداب المعارضة العادلة الناجحة عدم الاستقواء بالخارج والمقصود بالاستقواء بالخارج هنا هو التعامل المباشر مع رؤساء وحكومات أجنبية أو مؤسسات رسمية تابعة لتلك الدولوأن تقطع على نفسها الوسائل التي قد تجعلها ألعوبة في أيد خارجية مقابل ما تمنحه لها تلك الجهات الأجنبية من دعم مالي وإعلامي ودولي فمن صفات الشخص المعارض أن يتورع عن قبول الهدية والرشوة من بني وطنه فما بالنا بالأجنبي سواء كان على المستوى الفردي أو الجماعي كحزب أو تيار أو فئة أو أقلية...

حرية تكوين الأحزاب السياسية 

في الاسلام نجد اقرار بالتعددية الحزبية باعتبارها احدي الصور المناظرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علي ان تكون قائمة علي احترام الهوية الاسلامية للدولة . وفي هذا كتب د.سليم العوا قائلا: "فخلاصة الإجتهاد الجديد في هذا الأمر أن الإسلام لا يضيق نظامه السياسي بالتعددية الحزبية وأن كل حزب لايقوم على نقض الإسلام أو هدم مبادئه هو حزب يجوز له أن يدعو إلى ما يريد في الدولة الإسلامية والفيصل بين الأحزاب وبعضها هو صندوق الإنتخاب الحر الذي يقرر الناس فيه تولية من يختارونه لقيادة شئونهم مدة محددة من الزمن ثم يرد الأمر إلى الناس مرة ثانية ليأتوا بغير هؤلاء إن شاءوا أويعيدوهم إلى موقع القيادة إن أرادوا بغير ذلك نهدر حق الأمة في الإختيار وهو الأساس الأول في التنظيم السياسي الإسلامي.(17)

 كما جعلها الأستاذ جمال البنا إحدى الممارسات العملية لمفهوم الحرية في الإسلام ونفهم ذلك من قوله: "أي نظام يراد له البقاء لابد أن يتقبل الحرية.. ويدخل في مضمون الحرية حرية الفكر والإعتقاد وطبع الكتب وإصدار الصحف وتأليف الأحزاب والنقابات والجمعيات والنوادي وحرية الإجتماعات العامة والمعارضة السياسية"((18)


وهذا ماأشار إليه الدكتور فهمي هويدي بقوله: "إذا جاز للأمة أن تحتمل اختلافا في أمور الدين على ذلك النحو الذي تتفاوت بصدده إجتهادات الفقهاء فيما لاحصر له من نقاط فأولى بها أن تقبل إختلافا في أمور الدنيا التي تتراوح بين بدائل وحلول للمشكلات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تواجه الناس وبذلك تكون التعددية السياسية من نوع الإختلاف في الفروع يقول تعالي) : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) إن التعددية هي من تأسيسات نظام الحقوق التي ترى أن الحرية ضرورية إسلامية ملزمة كفلها الإسلام للإنسان حتى في نطاق العقيدة ومجالات الحياة الإنسانية الأخرى والحرية السياسية هى جزء من الحرية العامة(19)


ودكتور يوسف القرضاوي بعد أن أكد على أهمية هذه التعددية الحزبية وضرورتها كما سبق نراه يساوي بين وجودها وبين فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي به اكتسبت الأمة الإسلامية خيريتها في قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.." ويقول د.يوسف القرضاوي "إذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناها وقوتها وأثرها في عصرنا فلا يكفي أن تظل فريضة فردية محدودة الأثر محدودة القدرة ولابد من تطوير صورتها.. وقد استطاعت البشرية في عصرنا بعد صراع مرير وكفاح طويل أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعويم عوج السلطان دون إراقة للدماء وتلك هى وجود قوى سياسية لاتقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة وهى ما يطلق عليها الأحزاب" (20)

 وفي موضع أخر يربط التعددية الحزبية بالتعددية المذهبية وذلك حين يقول: "تعدد الأحزاب في مجال السياسة أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه .. فالحزب مذهب في السياسة له فلسفة وأصوله ومناهجه المستمدة أساسا من الإسلام الرحب وأعضاء الحزب أشبه بأتباع المذهب الفقهي كل يؤيد ما يراه أولى بالصواب وأحق بالترجيح(21) ولكنه يشترط فيها الإحترام للأديان عامة وألا تستخف بمقدسات الإسلام عقيدة وشريعة وأن لا تعمل لجهة معادية(22)


"من الحقوق الأساسية للمواطنين تأليف الأحزاب السياسية إذا لم تخالف الأمة في عقيدتها ولم تربط بدولة أجنبية في ولائها والفصل في ذلك أو في أي اتهام يوجه لحزب من الأحزاب من حق القضاء المختص كيلا تتحكم السلطة التنفيذية في هذا الحق وفي الحريات السياسية الأخرى .. وإن الثورة الإسلامية في ضوء ما تقدم أنه ليس لديها تحفظ على أي حزب منطلقة في ذلك من قناعاتها الراسخة أن الغلبة للحق والعاقبة للتقوى ضمن مناخات الحرية الكاملة". ينظر إلى بحث "من أصول العمل السياسي للحركة الإسلامية المعاصرةبقلم عدنان سعد الدين في كتاب " الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية" ص297، 298 

حرية الفكر وحرمة التكفير

" يعني القبول باختلاف الثقافات وتنوعها وضرورة التعايش والحوار فيما بينها فأبو حنيفة نقل عنه : لاتكفر أحد بذنب ولاتنفي أحد من الايمان "
وقد جاء في رسالة " السلفية المعاصرة إلى أين " أمثلة لسماحة الصحابة إزاء الإنحرافات الفكرية حتي في امر العقيدة ":
" فلم يكفر الصحابة القدرية الذين قالوا إن الله لم يقدر ولا يقدر على تقدير الهدى والضلال على أحد. ولم يكفر الصحابة الفرق التي زعمت أن الله أجبر الخلق وأكرههم على ماهم عليه بل إنه لما قتل إمامهم غسل وكفن وصلى عليه ودفن في مقابر المسلمين."

لأن الصحابة والتابعين قد فرقوا بين الكفر العملي والإعتقادي فمن قلد المشركين في بعض الأقوال والأفعال لا تعني البراءة والردة من دين الله لا كفر الإيمان أو شرك العقائد والتوحيد عياذا بالله. (معايير لمصداقية الحكم الإسلامي: جمال البنا ص49 :56 والمرجع السابق ص154)


وقد وسعت سماحة الصحابة حتى من رموهم بالكقر كما كان من أمر الخوارج مع على كرم الله وجهه الذين انحازوا عنه بسلاحهم ورموه بالكفر ونصبوا لهم أميرا غيره ومع هذا فلم يقاتلهم حتى قتلوا آمنا فلما طالبهم بقاتله قالوا (كلنا قتله) وعندئذ فحسب قاتلهمبل إنه لم يكفرهم وحين سئل عنهم قال: (إخواننا في الإسلام بغوا عليناالإسلام وحرية الفكر: ص155ن156 نقلا عن السلفية المعاصرة إلى أين. ص31-32 

فبالتعددية الفكرية أقيمت دولة الإسلام وظل ذلك فترة من الزمن ولم تتخلى عن ذلك إلا في العصور المتأخرة حين آفل نجم حضارتها ولهذا نجد عايد الجابري يستنكر أن تكون الشريعة – ( بمفهومها الشامل وليس المعنى الضيق المحصور في القصاص كما يعتقد البعض وإنما الشريعة هي الأسس والمبادئ التي أقام عليها الإسلام المجتمع سواء كان اجتماعيا اقتصاديا سياسيا فهى أسلوب حياة تفرد بها الإسلام عن غيره من النظم الأخرى ) - لم تطبق إلا في حقبة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين لأن ذلك كما يقول : سيؤدي إلى عدمية مخيفة تتركنا بلا هوية وبدون تاريخ. ويناقض ذلك مع المنطق وأين سنضع كتب الفقه والإجتهادات والفتاوى؟ نعم لقد أغلق باب الإجتهاد -في القرن الرابع الهجري- ولكن هذا لم يمنع الفقهاء من الإجتهاد داخل المذاهب الأربعة وداخل الفقه الجعفري الشيعي ولم يمنع ذلك الإغلاق قيام فقيه وأصولي عظيم مثل ابن حزم الذي حرم التقليد وأوجب الإجتهاد على كل شخص حتى على الرجل العاص ومثل الأصولي الكبير أبي اسحاق الشاطبي الذي عمل على إعادة تأصيل أصول الفقه والتجديد فيه وذلك بالمناداة بنقل الإجتهاد من اللفظ وأنواع دلالاته وبالقياس والتعليل.. الذي كان سائدا قبل ذلك إلى بنائه على مقاصد الشريعة وذلك باستقراء أحكام الشريعة وصيغتها في كليات ثم تطبق هذه الكليات على الجزئيات المستجدة. هذا ليس اجتهادا فقط بل هو عودة إلى إعادة تأسيس الإجتهاد بما يمكّن الفقه في الإسلام من أن يكون مسايرا للتطور وقابلا للتطبيق في كل زمان

(ندوة التراث والتحديات المعاصرة: د.عابد الجابري ص670، 671 وهذه الندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالقاهرة 1984م ، تاريخنا المفتري عليه: يوسف القرضاوي ص73-75 )

وتكاد تجمع كل المدارس الإسلامية على تنوعها من معتزلة وأشاعرة وحنبلية وشيعية وماتريدية على محاربة التقليد والدعوة لأوسع مدى للإجتهاد طالما لا يتعارض مع الأصول الإسلامية والنهي مما سببه التقليد من التعصب وإدعاء كل فريق أنه فقط عنده الحقيقة وكان ذلك سبيلا للشقاق هنا لابد من إعمال العقل وما يدعو إليه من الاقتداء بالرسول وصحابته من التسامح وسعة الصدر وعدم التعصب على المخالفين. ويقول ابن حزم في تحريم التقليد*: (فإنهم ماداموا آخذين بالقول لأن فلانا قال دون النبي صلى الله عليه وسلم فهم عاصون لله تعالى لأنهم اتبعوا مالم يأمرهم الله تعالى باتباعهالأحكام في أصول الأحكام: ابن حزم 6/60 
" وينبغى أن نعرف هنا أن التقليد المنهي عنه لأهل النظر والإستدلال أما العامة والتي لا تقدر على ذلك فيجوز التقليد لأي عالم دين حسنت ديانته"

فاختلاف هذه الفرق ليس على النص القطعي "وإنما في الظنيات والذي يدخل في باب التأويل الذي لا يكفر صاحبه إذا أخطأ ويؤكد هذا ما ذكره جمال الدين القاسمي في كتابه "تاريخ الجهمية والمعتزلة" من أن المعتزلة أو المرجئة وكثيرا من الفرق الإسلامية مجتهدون لهم ماللمجتهدين وذلك لعموم مفهوم الإجتهاد لغة واصطلاحا ووجودا ولأنها تستدل على دعواها بالقرآن والسنة.. فذهب كل فريق إلى ما رآه أوفق لكلام الله ورسوله وأليق بعظمته فكانوا لذلك مجتهدين وفي اجتهادهم مأجورين وإن كانوا في القرب من الحق متفاوتين ( مالايجوز الخلاف فيه بين المسلمين، عبد الجليل عيسى ص200 دار لبنان 1969


والتعددية الفكرية كانت تبرز معالمها من خلال المحاورات والنقد والجدل ومن دلائلها
أن الغزالي في (تهافت الفلاسفة) شن حملته على ابن سينا وغيره من أهل الفلسفة وتصدي ابن رشد في تهافت التهافت لإبطال حملته كان هذا كما يقول دكتور توفيق الطويل مصارعة فكر لفكر ومقارعة حجة بحجة وليس صحيحا أن حملة الغزالي هي التي أدت إلى ركود الفكر الفلسفي وإنما هو الغزو التركي ثم سقوط بغداد على يد المغول 
ثم هو يوضح كيف أن الدولة الإسلامية أتاحت حرية الفكر والتقدير للعلماء والمفكرين وأنه إذا حدثت بعض المحن فإنها لم تكن وليدة سياسية منظمة في مطاردة العلماء وأحرار الفكر وإنما بسبب وشاية الحاقدين عند السلطة فإبن رشد تعرض لمحنة صدر أثناءها منشور بتحريم الفلسفة .. ولكن الخليفة قد عاد وصحبه ورضي عن الفلسفة وألغى الأمر بتحريم الإشتغال بها. كما أن الجدل في خلق القرآن لم يكن من الممكن أن ينتهي إلى اضطهاد ومحنة لو لم يتدخل الحاكم السياسي لنصرة فريق على فريق وقبل هذا كان مصرع الحلاج بسبب الأحقاد والسياسة وقد صدق نيكلسون حين قال: إن موقف المسلمسن من هؤلاء الصوفية أمثال أبي يزيد البسطامي والحلاح وابن الفارض وابن العربي –مشبعا في العادة بروح التسامح توفيق الطويل: قضايا من رحاب الفلسفة والعالم ص304، 305 

والغزالي أنكر على المتسرعين في تكفير أهل الشهادتين قائلا: "لكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوى بسببها عن تكفير الفرق وتطويل اللسان في أهل الإسلام وإن اختلفت طرقهم ماداموا متمسكين بقوله "لاإله إلا الله محمد رسول الله صادقين بها غير متناقضين لهافيصل التفرقة: الغزالي ص45 ومانقله ابن تيمية عن أن "الإمام أحمد بن حنبل أنه لم يكفر أهل هذه الفرق بل صلى رضى الله عنه خلف بعض الجهمية وبعض القدرية وأن أكبر ما توصف به كل تلك الفرق عند ابن تيمية هو الفسق " شرعية الإختلاف: ص 256 نقلا عن الرسالة: للشافعى ص 50-53 بقول أبو عبيد القاسم بن سلام: " وأما الآثار والمرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي فإن معناها عندنا: ليست تثبت على أهلها كفرا ولا شركا يزيلان الإيمان عن صاحبه وإنما وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون "
( ينظر الي كتاب الصلاة لابن القيم ص53،54 )

وفي هذا أيضا وضع ابن تيمية قاعدة قال فيها "لايجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا بدعة ابتدعها –ولودعا الناس إليها- كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا. فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافرا أصلا" واستشهد .. بأن الصحابة لم يكفروا الخوارج رغم ظهور بدعتهم وقتالهم للأمة. لأن الخوارج وكما وجدنا في كتب التاريخ كانوا من أشد الناس إجتهادا في العبادة ولكنهم أخطأوا في التأويل. ومن أجل هذا لا ينبغي أن تطلق كلمة الكفر إلا من اعتنقه من قلبه وهذا الباطن لا يعلمه إلا اللهالفتاوي 7/217 نقلا عن كيف نتعامل مع التراث ص253 ولمزيد ينظر إلى ص251 :256 )

والخلاصة أن "المطلوب منا تطبيق منهج التعارف القرآني الأقرب من التسامح الي طبيعة الاسلام والتعارف هو المعرفة المتبادلة وهو الاعتراف المتبادل بالحق في الاختلاف (ولايزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذك خلقهم )ولاخشية علي الهوية والانتماء من الانفتاح لأن الهوية المنفتحة والمتجددة هي الباقية ولاواصل بين الثوابت والمتغيرات غير منهج التعارف"(التعدد والتسامح والاعتراف : رضوان السيد)
"فالتعارف هو المنظور القراني لتجاوز الآثار السلبية والسيئة لحالة الاختلاف والتعدد فطريق الوحدة في التجربة الاسلامية يأتي عن طريق احترام حقائق التنوع لأن التعدد والتنوع ليسا حالات أو وقائع مضادة للمنظور الوحدوي بل عناصر تثري مفهوم الوحدة وفي المقابل فان اقصاء هذه الحقائق لايوصلنا الي الوحدة بل بالعكس يفرغها من مضمونها الحضاري ويجعلها وبالا علي الكيان المجتمعي بأسره" (دراسة موجودة علي النت بعنوان : الوحدة والتنوع )

وضع ابن تيمية قاعدة للتسامح في حياته السلوكية والعملية ، هذه القاعدة هي مقولته المشهورة : " أحللت كل مسلم عن إيذائه لي"
بعض الأمثلة العملية لتسامح ابن تيمية :
(أموقف ابن تيمية من خصمه علي بن يعقوب البكري الصوفي .

ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مختصرة بعنوان ( الاستغاثة) وهي رسالة علمية بالأدلة الشرعية في حكم الاستغاثة، وكان الأليق بالعلماء الذين يختلفون معه أن يتصدوا لمثل هذه المسألة بالدليل والبرهان العلمي بعيداً عن التكفير والحكم بالزندقة والشتائم والسباب.
لكن الشيخ الصوفي علي البكري كان رده على هذه الرسالة بالحكم على شيخ الإسلام ابن تيمية بالكفر والزندقة والخروج عن ملة الإسلام!
ولم يكتف الشيخ الصوفي البكري - عفا الله عنا عنه - بمجرد التكفير بل بالغ في إيذاء ابن تيمية بالقول والعمل، فقد قام باستعداء العوام على الشيخ وحرض الجند وأصحاب الدولة على شيخ الإسلام وشهر به وأقذع الشتيمة في حقه .
وكان الشيخ الصوفي البكري من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنة الشيخ مع الصوفية سنة 707هـ حول قضية الاستغاثة طالب بعضهم بتعزير شيخ الإسلام، إلا أن الشيخ البكري طالب بقتله وسفك دمه!
وفي سنة 711هـ تجمهر بعض الغوغاء من الصوفية بزعامة الشيخ البكري وتابعوا شيخ الإسلام ابن تيمية حتى تفردوا به وضربوه، وفي حادثة أخرى تفرد البكري بابن تيمية ووثب عليه ونتش أطواقه وطيلسانه، وبالغ في إيذاء ابن تيمية !
في المقابل تجمع الناس وشاهدوا ما حل بشيخ الإسلام من أذية وتعدي فطلبوا الشيخ البكري فهرب، وُطلب أيضاً من جهة الدولة فهرب واختفى، وثار بسبب ما فعله فتنة، وحضر جماعة كثيرة من الجند ومن الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لأجل الانتصار له والانتقام من خصمه الذي كفره واعتدى عليه .
حينما تجمع الجند والناس على ابن تيمية يطالبون بنصرته وأن يشير عليهم بما يراه مناسباً للانتقام من خصمه البكري الصوفي؛ أجابهم شيخ الإسلام بما يلي :
" أنا ما أنتصر لنفسي!!
فماج الناس والجند وأكثروا عليه وألحوا في طلب الانتقام؛ فقال لهم :
"
إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله ، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى يشاء".
ولما اشتد طلب الدولة للبكري وضاقت عليه الأرض بما رحبت هرب واختفى عند من ؟
هرب واختفى في بيت ابن تيمية وعند شيخ الإسلام لما كان مقيماً في مصر، حتى شفع فيه ابن تيمية عن السلطان وعفا عنه!!
(ب) موقف ابن تيمية من خصومه الذين تسببوا في سجنه وطالبوا بقتله .
كان شيخ الإسلام - رحمه- من أكثر العلماء الجهابذة الذين تعرضوا لأذى الحساد من الأقران ، ولكنه كان من ألطف الناس وأرحمهم بالخصوميقول " ابن فضل الله العمري " :
(
اجتمع عليه عصبُ الفقهاء والقضاة بمصر والشام ، وحشدوا عليه خيلهم ورجلهم، فقطع الجميع، وألزمهم الحجج الواضحات أيّ إلزام ، فلما أفلسوا أخذوه بالجاه والحكام ) .
فبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبوا الحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب وحين تولي الحكم السلطان ناصر بن قلاوون اخرج شيخ الإسلام ابن تيمية وحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ما عملوه ضد السلطان وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزله وأخذ السلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاء العلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه وأنها حانت الساعة للانتقام منهم !
وأصر السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كي يخرج فتاوى في جواز قتلهم ولكن مع ذلك قام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة ، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، فقال للسلطان :(إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!)
فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً : لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارا ؟!
فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي ! وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلى سبيلهم !!
فحينما تناول شيخ الإسلام طائفة الشيعة بالنقد والتحليل، لمن يمنعه العداء والرد والنقض أن ينصف ويعدل مع هؤلاء الذين يراهم على باطل، ونصوصه في ذلك أكثر من أن تحصى، لكن منها على سبيل البيان والمثال :
يقول وهو يتحدث عن طائفة الشيعة الإمامية :( كثيراً منهم ليسوا منافقين ولا كفاراً، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله) .
وقال : ( والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد).
وقال منصفاً الشيعة :( وينبغي أيضاً أن يعلم أنه ليس كل ما ينكره بعض الناس عليهم يكون باطلاً، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعضهم، والصواب مع من وافقهم ).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لهم جهوداً في دعوة الكفار إلى الإسلام فدخل على أيديهم خلق كثير من الكفار.
وقال عن المعتزلة : أنه مع مخالفتهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على الكفار والملاحدة بحجج عقلية .
وقد عاب شيخ الإسلام على الإمام ابن فورك الأشعري تكفيره للمعتزلة وتأليب الحكام عليهم، يقول ابن تيمية عنه : ( وقصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم وكما كفرهم عند السلطان، ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنما هو ظالم لنفسه).
وقال عن الأشاعرة مع مخلفته لهم في كثير من الأصول والفروع
( إنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم).
وكان رحمة الله يتحرتج كثيراً من تكفير الأشخاص ، يقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي نقلاً عن زاهر السرخسي أنه قال : ( لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال : اشهد عليّ أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت - أي الذهبي - : وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم). ( التسامح مع الآخر ... في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية : كتبه : صخرة الخلاص)

 

المراجع :

(1)الإدارة في التراث الإسلامي : د. محمد بن عبد الله البرعي،د. عدنان بن حمدي عابدين جـ/ 260 مكتبة الخدمات الحديثة – السعودية .

(2) حياة الصحابة: الأول صـ 454 نقلاً عن الطبري جـ/33 ، الكنز جـ/ 3 / 166 

(3) المرجع السابق، صـ 455 ، الكنز جـ/3 / صـ 148

(4) أخلاقنا الاجتماعية: مصطفى السباعي صـ58

(5) التبر المسبوك في نصائح الملوك، صـ18-19 

(6) الأدب الصغير والأدب الكبير، صـ71

(7) العقد الفريد، ج1 / ص 206 , 377 – 378 والشهب اللامعة ص 319

(8) حرية المعارضة في الإسلام: الشيخ فاضل الصفار ، جريدة البنية
(9) الدولة في نموذج الإمام على

(10) نهج البلاغة : ص 640


(11) في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص110 نقلا عن الخلافة للشيخ محمد رشيد رضا ص66 
(12) الفقه الإسلامي في طريق التجديد: محمد سليم العوا ص67، 68 
(13) في الفقه السياسي الإسلامي ص205، 113، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي 

(14) في كتابه "دراسات تاريخية في النهضة العربية الحديثة" نقلا عن المستشار طارق البشري في بحث له بعنوان: الصيغ التقليدية والصيغ الحديثة في التعددية السياسية وكتابة الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص76، 77 
(15) بحث المستشار طارق البشري: ص3 مشار إليه في الحوار والتعدديه في الفكر الإسلامي
(16) السابق نفسه ص 7، 8 بتصرف 

(17) في كتابه "دراسات تاريخية في النهضة العربية الحديثة" نقلا عن المستشار طارق البشري في بحث له بعنوان: الصيغ التقليدية والصيغ الحديثة في التعددية السياسية وكتابة الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص76، 77 
(18)بحث المستشار طارق البشري: ص3 مشار إليه في الحوار والتعدديه في الفكر الإسلامي

(19) من فقه الدولة في الإسلام ص147 
(20) الفقه الإسلامي في طريق التجديد، ص59 
(21) مسئولية فشل الدولة الإسلامية: جمال البنا ص35 
(22) الوسيط في الحضارة الإسلامية ص218، 219،  من فقه الدولة في الإسلام ص149 ، 51، 148 بتصرف 
 

حرية المظاهرات الفئوية ومسئولية الحاكم عن ظلم عماله 
وهذه احدي الوسائل لممارسة الأمة حقها حين تري عجزا من ممثليها في البرلمان أو النقابات ولذلك فان القول بأن الشرعية للبرلمان هو محض خطأ لان سلطة البرلمان لازالت حتي بعد الثورات وقبل انتكاسها كانت ضعيفة في فرض ارادته علي الحكومة في الوقت الذي كان ممارسة أي ضغط مباشر من جهة الشارع كان المجلس العسكري اثناء الفترة الانتقالية التي تلت الثورة يعمل لها حساب وان اتت بصورة متعنتة الا انه في آخر الأمر كان هناك رضوخا للارادة الشعبية وهذا درس يجب أن لا نغفل عنه في تصحيح مسارنا فلابد من تكاتف جميع المؤسسات الشعبية المنتخبة في صورتها الرسمية مع القوي الشعبية في المجتمع والتي تمثل عنصر قوة لها في مواجهة الفساد الذي أحدثه النظام السابق ولاتحتكر تلك المؤسسات مع التقدير لها هذا الحق ولا تدعي العصمة لنفسها من الوقوع في المسالب سواء بقصد أو بدون وحق التظاهر السلمي وممارسته والوقوف علي متطلباته نراه يمارس بدون أي مشاكل في المجتمعات الغربية وفي أمور تجاوزت كثيرا المطلبات بمناهضة الفساد كما في مجتمعاتنا الي الحق في العيش في بيئة نظيفة ....الخ 

وعلي الدولة النهي عن البطش بالمتظاهرين او الداعين لها اذا كان هناك ظلم واقع علي تلك الفئة حتي يتم استجابة الدولة لمطالبهم بل ومحاسبة المسئول عن تردي أو ضاعهم وهذا موقف الاسلام الذي عكسه قول الامام علي لأحد ولاته عن ضرورة الإسراع في قضاء الحوائجوالتي قد يماطل فيها المساعدون للوالي: " ثم أمور لا بد لك من مباشرتها منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك ....النهي عن المن فيما هو حق الرعية خالص لها أو الرجوع عما قطعه على نفسه من وعود لهم وفي هذا يقول: " و إياك و المن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك ( الافتخار ) أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق والخلف يوجب المقت عند الله و الناس، قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }الصف:3 

ومن دلائل المراقبة المستمرة للعمال والولاة والإحساس بعظم المسئولية ما كان من عمر بن الخطاب الذي يقول: " أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما عليّ ؟ قالوا: نعم. قال: لا حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته به أم لا "([1]
ولا يتهاون عمر في عزل أي وال إذا صدر منه أي تقصير في حقوق الناس ولو ضئيل من ذلك أنه
كان رضي الله عنه إذا قدم عليه الوفد سألهم عن أميرهم : أيجيب العبد ؟ كيف صنيعه ؟ .....فإن قالوا لخصلة منها: لا ، عزله " ([2]
وفي عظة لعماله من الولاة يشدد على أن يحفظوا كرامة الناس ويقيموا فيهم العدل ويقضون حوائجهم قائلاً : .......ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس فإن فعلتم شيئاً من ذلك فقد حلت بكم العقوبة ثم يشيعهم فإذا أراد أن يرجع قال: إني لم أسلطكم على دماء المسلمين ولا على أبشارهم ولا على أعراضهم ولا على أموالهم ولكن بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة وتقسموا فيهم فيئهم وتحكموا بينهم بالعدل ...ألا فلا تضربوا العرب فتذلوها ولا تجمّروها فتفتنوها ولا تعتلوا عليها فتخرموها " ([3]) ولا تخلوا موعظة إلى عماله من النهي المشدد عن سفك الدماء " فعن أبي خزيمة بن ثابت قال كان عمر رضي الله عنه إذا استعمل رجلاً أشهد عليه رهطاً من الأنصار وغيرهم يقول : إني لم استعملك على دماء المسلمين فذكر بمعناه "
وعلى نفس نهج عمر بن الخطاب كان عمر بن عبد العزيز فمن محاسن أفعاله في هذا الصدد ما يُروى من أن عدي بن أرطأة والى البصرة كتب إلى عمر ابن عبد العزيز يقول له : إن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله عز وجل مالا عظيماً لست أرجو استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب فإن رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعلت ........فكتب إليه عمر بن عبد العزيز:" العجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب الله وكأن رضاي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل فانظر من قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه البينة ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقربه .. وايم الله لأن يلقوا الله عز وجل بخيانتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم " وحدث مثل ذلك من واليه على الموصل الذي كتب إليه يقول: إني قدمت الموصل فوجدتها من أكثر البلاد سرقا و نقباً فإن أذنت لي آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة فعلت ولن يصلحهم غير ذلك فكتب إليه عمر يقول : " خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله "([4]
وكل ذلك دلائل على تورع خلفاء المسلمين عن انتهاك حرمة الناس وكرامتهم وسفك دمائهم وأمرهم عمالهم على البلدان بألا يقعوا في هذا الإثم مهما دعت إليه الظروف ولم يعتدوا بأي مبررات تتيح تعذيب الناس لإدراكهم عظم الذنب عند الله لمن يرتكب ذلك ويعد الغزالي اهتمام الحكام بمراقبة عمالهم الأصل الثالث في الأصول العشرة لإقامة العدل في الرعية فيقول : " الأصل الثالث ألا يكتفي العبد برفع يده عن الظلم ولكن يهذب غلمانه وأصحابه وعماله ونوابه فلا يرضى لهم الظلم فإنه يُسأل عن ظلمهم كما يُسأل عن ظلم نفسه "([5]
وابن المقفع يبين منافع هذه المراقبة من خوف المسيء وزيادة المحسن فيقول : " احرص الحرص كله على أن تكون خابرا أمور عمالك فإن المسيء يفرق (يخاف) من خُبرتك قبل أن تصيبه عقوبتك وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك "([6]) وقد قال أبو الفتح البستي : ومن حسن التدبير أن يأمن أهل الورع والسلامة خوف عقوبتك ويوطن أهل الريب والدعارة أنفسهم على نفوذ نقمتك حتى يتخيلوا في خلواتهم أن في ذلك عيونًا على صنائعهم " ([7])

حرية المعارضة 


" إن مبادئ الإسلام لم تر أي حق للدولة يجيز لها حظر المعارضة حيث أباح الإسلام عمل المعارضة واعتبره حقا مشروعا للجميع ولكن بشرط أن لا تحمل السلاح وتهدد أمن الشعب. والرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأجهوا الكثير من الخصوم السياسيين والمعارضين ومع ذلك لم يقابلوا هذه المواقف والأزمات بالعنف والقسوة (8)

والإمام على نموذج لصورة الحاكم حين يتعرض لمعارضة شديدة فالإمام لم يقاتل الخوارج بسبب الأفكار التي تبنوها أو بسبب خروجهم عليه وإنما قاتلهم بسبب عدوانهم على المسلمين واستباحتهم دمائهم وأموالهم يقول الإمام على ...وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها"(9)


يقول الامام علي في رسالته للأشتر حين ولاه مصر : "أجعل لذوي الحاجات منك قسما (أي المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم ) وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك (أي لا يتعرض لهم) من أحر اسك وشرطك حتي يكلمك متكلمهم غير متتعتع(المراد غير خائف) فإني سمعت رسول الله (ص) يقول في غير موطن (أي في مواطن كثيرة ) :"لن تقدس أمة (أي لا يطهر الله أمة )لا يؤخذ للضعيف فيها حقة من القوي غير متتعتع"
ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها:منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك (الاعوان يحبون المماطلة في قضائها : استجلابا للمنفعة أو إظهارا للجبروت ) 10)


وقال الإمام عبد الرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )ص20 "كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثارا لإقامة حق الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم واستسلاما للشهادة إن حصلت لهم ويجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر أو كسر جاه الفاسق أو تقوية قلوب أهل الدين"(11) وكان الإمام على يعزز هذه الشعور في نفوس أفراد المجتمع وأنهم أعزاء أحرار فيقول مخاطبا فيهم: "أيها الناس إن آدم لم يلد عبداَ ولا آمة وإن الناس كلهم أحرار"(12)


أن النظام السياسي الإسلامي ابتكر مؤسسات تحجم دور السلطة حين تغولها بل وصلت إلى حد العصيان والتمرد عليها بشرط أن تكون بطرق سلمية بعيدا عن العنف ووجدنا من تلك المؤسسات نظام الحسبة التي يقوم بها أهل العلم لمحاسبة الحاكم والدفاع عن حقوق المستطعفين وإن لم يرتدع فكانت الدعوة للأمة للثورة عليهم وعصيانهم لخيانتهم الأمانة في حق شعوبهم 

يقول المؤرخ د.أحمد عزت عبد الكريم: "إن التنظيم الديواني الذي شيده محمد على والنظام الدقيق الذي أقيم كسب منه المصريون كثيرا، ولكنهم فقدوا مقابل ذلك شيئا ثمينا تكتلهم في طوائف (مهنية) وهيئات لها كيانها هو هذا القدر من الحرية والحكم الذاتي الذي كانوا يتمتعون به في تدبير أمورهم وتنسيق علاقتهم بالحاكم وذكر أنه بفضل هذه الحرية والتكتل صمد المصريون لألوان من العسف والإرهاق ..وأنه لو قامت النظم الجديدة على رعاية التكتلات الطائفية وذلك القدر من الحرية والحكم الذاتي الذي كانت الطوائف تتمتع به ولو أفسح التنظيم الجديد لهذه الطوائف والهيئات لكان ذلك أساس طيب تبني عليه الدولة نظام الحكم الذاتي والحياة النيابية والشورية بحيث لا يكون مستمدا من الغرب ونظمه وإنما يجيء نابعا من كيان الشعب وتطوره التاريخي على نحو ما عرفته النظم الأوربية في تطورها(13)

وكان نتيجة  "إضعاف طائفة العلماء ترتب عليه إلغاء القيود والضوابط التي كانت مفروضة على سلطان الحاكم من الشريعة الإسلامية وفي هذه الظروف فإن الوسائل العسكرية والإدارية الأوربية قد أمدت الحاكم بأسلحة جديدة يعزز بها سلطانة وأن الإصلاح الآخر من الغرب أفاد إنطلاق سلطة الحاكم التقليدي من عقالها سواء كان العقال إجتماعيا كالطوائف والهيئات أو تشريعيا كأحكام الشريعة الإسلامية وأفضى إلى إنهيار التعددية بالمعنى التقليدي في المجتمع(14)


ثم يستدل على صحة ما ذهب إليه بأمثلة عملية وهى أن مجلس النواب الذي تقوم وظيفته الأساسية على مراقبة الحكومة ومحاسبتها ومساءلتها –وسحب الثقة من الحكومة وإسقاطها ولكن واقعنا كان عجيبا غريبا فلم يحدث أن أسقط مجلس النواب أية حكومة ولكن الذي حدث أن الحكومة هي التي كانت لتسارع فتحل مجلس النواب(15)


فهو لا يستنكر الشعارات الغربية مثل الديمقراطية" وغيرها ولكن هى بنت أو وليدة مجتمع يتنافى ثقافته مع أمتنا ومن أجل هذا كان لها تأثير سيء حين انتقالها لمجتمعاتنا وفي هذا يقول: "الحاصل أن النظم الوافدة ومنها التنظيمات المؤسسية والقانونية ساهمت في تفكيك هذه الأواصر (وهي الهيكل الإجتماعي التقليدي الذي كان يعرف العديد من المؤسسات المتجانسة والمتماسكة في ظل أنساق فكرية عقيدية وتنظيم قانوني وقيم حاكمة للسلوك وذات علاقات تقوم على التوازن ليحد كل منها من طغيان الأخرى) فعملت المؤسسات والنظم الغريبة على إذابة شعور كل من هذه الجماعات بذاتها وشعور الفرد بارتباطه وانتمائه جرى ذلك تحت عدد من الشعارات الحداثة الترشيد الديمقراطي وكلها ذات مدلولات صحيحة ولكنها بترت من سياقها ووضعت في سياق آخر لم تتمثل مكوناته التنظيمية ولم تتفاعل معها تفاعلا يقيمها على أساس واقعي في هذه البيئة الجديدة(16)


وفي الوقت نفسه من آداب المعارضة العادلة الناجحة عدم الاستقواء بالخارج والمقصود بالاستقواء بالخارج هنا هو التعامل المباشر مع رؤساء وحكومات أجنبية أو مؤسسات رسمية تابعة لتلك الدولوأن تقطع على نفسها الوسائل التي قد تجعلها ألعوبة في أيد خارجية مقابل ما تمنحه لها تلك الجهات الأجنبية من دعم مالي وإعلامي ودولي فمن صفات الشخص المعارض أن يتورع عن قبول الهدية والرشوة من بني وطنه فما بالنا بالأجنبي سواء كان على المستوى الفردي أو الجماعي كحزب أو تيار أو فئة أو أقلية...

حرية تكوين الأحزاب السياسية 

في الاسلام نجد اقرار بالتعددية الحزبية باعتبارها احدي الصور المناظرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علي ان تكون قائمة علي احترام الهوية الاسلامية للدولة . وفي هذا كتب د.سليم العوا قائلا: "فخلاصة الإجتهاد الجديد في هذا الأمر أن الإسلام لا يضيق نظامه السياسي بالتعددية الحزبية وأن كل حزب لايقوم على نقض الإسلام أو هدم مبادئه هو حزب يجوز له أن يدعو إلى ما يريد في الدولة الإسلامية والفيصل بين الأحزاب وبعضها هو صندوق الإنتخاب الحر الذي يقرر الناس فيه تولية من يختارونه لقيادة شئونهم مدة محددة من الزمن ثم يرد الأمر إلى الناس مرة ثانية ليأتوا بغير هؤلاء إن شاءوا أويعيدوهم إلى موقع القيادة إن أرادوا بغير ذلك نهدر حق الأمة في الإختيار وهو الأساس الأول في التنظيم السياسي الإسلامي.(17)

 كما جعلها الأستاذ جمال البنا إحدى الممارسات العملية لمفهوم الحرية في الإسلام ونفهم ذلك من قوله: "أي نظام يراد له البقاء لابد أن يتقبل الحرية.. ويدخل في مضمون الحرية حرية الفكر والإعتقاد وطبع الكتب وإصدار الصحف وتأليف الأحزاب والنقابات والجمعيات والنوادي وحرية الإجتماعات العامة والمعارضة السياسية"((18)


وهذا ماأشار إليه الدكتور فهمي هويدي بقوله: "إذا جاز للأمة أن تحتمل اختلافا في أمور الدين على ذلك النحو الذي تتفاوت بصدده إجتهادات الفقهاء فيما لاحصر له من نقاط فأولى بها أن تقبل إختلافا في أمور الدنيا التي تتراوح بين بدائل وحلول للمشكلات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تواجه الناس وبذلك تكون التعددية السياسية من نوع الإختلاف في الفروع يقول تعالي) : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) إن التعددية هي من تأسيسات نظام الحقوق التي ترى أن الحرية ضرورية إسلامية ملزمة كفلها الإسلام للإنسان حتى في نطاق العقيدة ومجالات الحياة الإنسانية الأخرى والحرية السياسية هى جزء من الحرية العامة(19)


ودكتور يوسف القرضاوي بعد أن أكد على أهمية هذه التعددية الحزبية وضرورتها كما سبق نراه يساوي بين وجودها وبين فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي به اكتسبت الأمة الإسلامية خيريتها في قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.." ويقول د.يوسف القرضاوي "إذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناها وقوتها وأثرها في عصرنا فلا يكفي أن تظل فريضة فردية محدودة الأثر محدودة القدرة ولابد من تطوير صورتها.. وقد استطاعت البشرية في عصرنا بعد صراع مرير وكفاح طويل أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعويم عوج السلطان دون إراقة للدماء وتلك هى وجود قوى سياسية لاتقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة وهى ما يطلق عليها الأحزاب" (20)

 وفي موضع أخر يربط التعددية الحزبية بالتعددية المذهبية وذلك حين يقول: "تعدد الأحزاب في مجال السياسة أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه .. فالحزب مذهب في السياسة له فلسفة وأصوله ومناهجه المستمدة أساسا من الإسلام الرحب وأعضاء الحزب أشبه بأتباع المذهب الفقهي كل يؤيد ما يراه أولى بالصواب وأحق بالترجيح(21) ولكنه يشترط فيها الإحترام للأديان عامة وألا تستخف بمقدسات الإسلام عقيدة وشريعة وأن لا تعمل لجهة معادية(22)


"من الحقوق الأساسية للمواطنين تأليف الأحزاب السياسية إذا لم تخالف الأمة في عقيدتها ولم تربط بدولة أجنبية في ولائها والفصل في ذلك أو في أي اتهام يوجه لحزب من الأحزاب من حق القضاء المختص كيلا تتحكم السلطة التنفيذية في هذا الحق وفي الحريات السياسية الأخرى .. وإن الثورة الإسلامية في ضوء ما تقدم أنه ليس لديها تحفظ على أي حزب منطلقة في ذلك من قناعاتها الراسخة أن الغلبة للحق والعاقبة للتقوى ضمن مناخات الحرية الكاملة". ينظر إلى بحث "من أصول العمل السياسي للحركة الإسلامية المعاصرةبقلم عدنان سعد الدين في كتاب " الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية" ص297، 298 

حرية الفكر وحرمة التكفير

" يعني القبول باختلاف الثقافات وتنوعها وضرورة التعايش والحوار فيما بينها فأبو حنيفة نقل عنه : لاتكفر أحد بذنب ولاتنفي أحد من الايمان "
وقد جاء في رسالة " السلفية المعاصرة إلى أين " أمثلة لسماحة الصحابة إزاء الإنحرافات الفكرية حتي في امر العقيدة ":
" فلم يكفر الصحابة القدرية الذين قالوا إن الله لم يقدر ولا يقدر على تقدير الهدى والضلال على أحد. ولم يكفر الصحابة الفرق التي زعمت أن الله أجبر الخلق وأكرههم على ماهم عليه بل إنه لما قتل إمامهم غسل وكفن وصلى عليه ودفن في مقابر المسلمين."

لأن الصحابة والتابعين قد فرقوا بين الكفر العملي والإعتقادي فمن قلد المشركين في بعض الأقوال والأفعال لا تعني البراءة والردة من دين الله لا كفر الإيمان أو شرك العقائد والتوحيد عياذا بالله. (معايير لمصداقية الحكم الإسلامي: جمال البنا ص49 :56 والمرجع السابق ص154)


وقد وسعت سماحة الصحابة حتى من رموهم بالكقر كما كان من أمر الخوارج مع على كرم الله وجهه الذين انحازوا عنه بسلاحهم ورموه بالكفر ونصبوا لهم أميرا غيره ومع هذا فلم يقاتلهم حتى قتلوا آمنا فلما طالبهم بقاتله قالوا (كلنا قتله) وعندئذ فحسب قاتلهمبل إنه لم يكفرهم وحين سئل عنهم قال: (إخواننا في الإسلام بغوا عليناالإسلام وحرية الفكر: ص155ن156 نقلا عن السلفية المعاصرة إلى أين. ص31-32 

فبالتعددية الفكرية أقيمت دولة الإسلام وظل ذلك فترة من الزمن ولم تتخلى عن ذلك إلا في العصور المتأخرة حين آفل نجم حضارتها ولهذا نجد عايد الجابري يستنكر أن تكون الشريعة – ( بمفهومها الشامل وليس المعنى الضيق المحصور في القصاص كما يعتقد البعض وإنما الشريعة هي الأسس والمبادئ التي أقام عليها الإسلام المجتمع سواء كان اجتماعيا اقتصاديا سياسيا فهى أسلوب حياة تفرد بها الإسلام عن غيره من النظم الأخرى ) - لم تطبق إلا في حقبة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين لأن ذلك كما يقول : سيؤدي إلى عدمية مخيفة تتركنا بلا هوية وبدون تاريخ. ويناقض ذلك مع المنطق وأين سنضع كتب الفقه والإجتهادات والفتاوى؟ نعم لقد أغلق باب الإجتهاد -في القرن الرابع الهجري- ولكن هذا لم يمنع الفقهاء من الإجتهاد داخل المذاهب الأربعة وداخل الفقه الجعفري الشيعي ولم يمنع ذلك الإغلاق قيام فقيه وأصولي عظيم مثل ابن حزم الذي حرم التقليد وأوجب الإجتهاد على كل شخص حتى على الرجل العاص ومثل الأصولي الكبير أبي اسحاق الشاطبي الذي عمل على إعادة تأصيل أصول الفقه والتجديد فيه وذلك بالمناداة بنقل الإجتهاد من اللفظ وأنواع دلالاته وبالقياس والتعليل.. الذي كان سائدا قبل ذلك إلى بنائه على مقاصد الشريعة وذلك باستقراء أحكام الشريعة وصيغتها في كليات ثم تطبق هذه الكليات على الجزئيات المستجدة. هذا ليس اجتهادا فقط بل هو عودة إلى إعادة تأسيس الإجتهاد بما يمكّن الفقه في الإسلام من أن يكون مسايرا للتطور وقابلا للتطبيق في كل زمان

(ندوة التراث والتحديات المعاصرة: د.عابد الجابري ص670، 671 وهذه الندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالقاهرة 1984م ، تاريخنا المفتري عليه: يوسف القرضاوي ص73-75 )

وتكاد تجمع كل المدارس الإسلامية على تنوعها من معتزلة وأشاعرة وحنبلية وشيعية وماتريدية على محاربة التقليد والدعوة لأوسع مدى للإجتهاد طالما لا يتعارض مع الأصول الإسلامية والنهي مما سببه التقليد من التعصب وإدعاء كل فريق أنه فقط عنده الحقيقة وكان ذلك سبيلا للشقاق هنا لابد من إعمال العقل وما يدعو إليه من الاقتداء بالرسول وصحابته من التسامح وسعة الصدر وعدم التعصب على المخالفين. ويقول ابن حزم في تحريم التقليد*: (فإنهم ماداموا آخذين بالقول لأن فلانا قال دون النبي صلى الله عليه وسلم فهم عاصون لله تعالى لأنهم اتبعوا مالم يأمرهم الله تعالى باتباعهالأحكام في أصول الأحكام: ابن حزم 6/60 
" وينبغى أن نعرف هنا أن التقليد المنهي عنه لأهل النظر والإستدلال أما العامة والتي لا تقدر على ذلك فيجوز التقليد لأي عالم دين حسنت ديانته"

فاختلاف هذه الفرق ليس على النص القطعي "وإنما في الظنيات والذي يدخل في باب التأويل الذي لا يكفر صاحبه إذا أخطأ ويؤكد هذا ما ذكره جمال الدين القاسمي في كتابه "تاريخ الجهمية والمعتزلة" من أن المعتزلة أو المرجئة وكثيرا من الفرق الإسلامية مجتهدون لهم ماللمجتهدين وذلك لعموم مفهوم الإجتهاد لغة واصطلاحا ووجودا ولأنها تستدل على دعواها بالقرآن والسنة.. فذهب كل فريق إلى ما رآه أوفق لكلام الله ورسوله وأليق بعظمته فكانوا لذلك مجتهدين وفي اجتهادهم مأجورين وإن كانوا في القرب من الحق متفاوتين ( مالايجوز الخلاف فيه بين المسلمين، عبد الجليل عيسى ص200 دار لبنان 1969


والتعددية الفكرية كانت تبرز معالمها من خلال المحاورات والنقد والجدل ومن دلائلها
أن الغزالي في (تهافت الفلاسفة) شن حملته على ابن سينا وغيره من أهل الفلسفة وتصدي ابن رشد في تهافت التهافت لإبطال حملته كان هذا كما يقول دكتور توفيق الطويل مصارعة فكر لفكر ومقارعة حجة بحجة وليس صحيحا أن حملة الغزالي هي التي أدت إلى ركود الفكر الفلسفي وإنما هو الغزو التركي ثم سقوط بغداد على يد المغول 
ثم هو يوضح كيف أن الدولة الإسلامية أتاحت حرية الفكر والتقدير للعلماء والمفكرين وأنه إذا حدثت بعض المحن فإنها لم تكن وليدة سياسية منظمة في مطاردة العلماء وأحرار الفكر وإنما بسبب وشاية الحاقدين عند السلطة فإبن رشد تعرض لمحنة صدر أثناءها منشور بتحريم الفلسفة .. ولكن الخليفة قد عاد وصحبه ورضي عن الفلسفة وألغى الأمر بتحريم الإشتغال بها. كما أن الجدل في خلق القرآن لم يكن من الممكن أن ينتهي إلى اضطهاد ومحنة لو لم يتدخل الحاكم السياسي لنصرة فريق على فريق وقبل هذا كان مصرع الحلاج بسبب الأحقاد والسياسة وقد صدق نيكلسون حين قال: إن موقف المسلمسن من هؤلاء الصوفية أمثال أبي يزيد البسطامي والحلاح وابن الفارض وابن العربي –مشبعا في العادة بروح التسامح توفيق الطويل: قضايا من رحاب الفلسفة والعالم ص304، 305 

والغزالي أنكر على المتسرعين في تكفير أهل الشهادتين قائلا: "لكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوى بسببها عن تكفير الفرق وتطويل اللسان في أهل الإسلام وإن اختلفت طرقهم ماداموا متمسكين بقوله "لاإله إلا الله محمد رسول الله صادقين بها غير متناقضين لهافيصل التفرقة: الغزالي ص45 ومانقله ابن تيمية عن أن "الإمام أحمد بن حنبل أنه لم يكفر أهل هذه الفرق بل صلى رضى الله عنه خلف بعض الجهمية وبعض القدرية وأن أكبر ما توصف به كل تلك الفرق عند ابن تيمية هو الفسق " شرعية الإختلاف: ص 256 نقلا عن الرسالة: للشافعى ص 50-53 بقول أبو عبيد القاسم بن سلام: " وأما الآثار والمرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي فإن معناها عندنا: ليست تثبت على أهلها كفرا ولا شركا يزيلان الإيمان عن صاحبه وإنما وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون "
( ينظر الي كتاب الصلاة لابن القيم ص53،54 )

وفي هذا أيضا وضع ابن تيمية قاعدة قال فيها "لايجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا بدعة ابتدعها –ولودعا الناس إليها- كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا. فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافرا أصلا" واستشهد .. بأن الصحابة لم يكفروا الخوارج رغم ظهور بدعتهم وقتالهم للأمة. لأن الخوارج وكما وجدنا في كتب التاريخ كانوا من أشد الناس إجتهادا في العبادة ولكنهم أخطأوا في التأويل. ومن أجل هذا لا ينبغي أن تطلق كلمة الكفر إلا من اعتنقه من قلبه وهذا الباطن لا يعلمه إلا اللهالفتاوي 7/217 نقلا عن كيف نتعامل مع التراث ص253 ولمزيد ينظر إلى ص251 :256 )

والخلاصة أن "المطلوب منا تطبيق منهج التعارف القرآني الأقرب من التسامح الي طبيعة الاسلام والتعارف هو المعرفة المتبادلة وهو الاعتراف المتبادل بالحق في الاختلاف (ولايزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذك خلقهم )ولاخشية علي الهوية والانتماء من الانفتاح لأن الهوية المنفتحة والمتجددة هي الباقية ولاواصل بين الثوابت والمتغيرات غير منهج التعارف"(التعدد والتسامح والاعتراف : رضوان السيد)
"فالتعارف هو المنظور القراني لتجاوز الآثار السلبية والسيئة لحالة الاختلاف والتعدد فطريق الوحدة في التجربة الاسلامية يأتي عن طريق احترام حقائق التنوع لأن التعدد والتنوع ليسا حالات أو وقائع مضادة للمنظور الوحدوي بل عناصر تثري مفهوم الوحدة وفي المقابل فان اقصاء هذه الحقائق لايوصلنا الي الوحدة بل بالعكس يفرغها من مضمونها الحضاري ويجعلها وبالا علي الكيان المجتمعي بأسره" (دراسة موجودة علي النت بعنوان : الوحدة والتنوع )

وضع ابن تيمية قاعدة للتسامح في حياته السلوكية والعملية ، هذه القاعدة هي مقولته المشهورة : " أحللت كل مسلم عن إيذائه لي"
بعض الأمثلة العملية لتسامح ابن تيمية :
(أموقف ابن تيمية من خصمه علي بن يعقوب البكري الصوفي .

ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مختصرة بعنوان ( الاستغاثة) وهي رسالة علمية بالأدلة الشرعية في حكم الاستغاثة، وكان الأليق بالعلماء الذين يختلفون معه أن يتصدوا لمثل هذه المسألة بالدليل والبرهان العلمي بعيداً عن التكفير والحكم بالزندقة والشتائم والسباب.
لكن الشيخ الصوفي علي البكري كان رده على هذه الرسالة بالحكم على شيخ الإسلام ابن تيمية بالكفر والزندقة والخروج عن ملة الإسلام!
ولم يكتف الشيخ الصوفي البكري - عفا الله عنا عنه - بمجرد التكفير بل بالغ في إيذاء ابن تيمية بالقول والعمل، فقد قام باستعداء العوام على الشيخ وحرض الجند وأصحاب الدولة على شيخ الإسلام وشهر به وأقذع الشتيمة في حقه .
وكان الشيخ الصوفي البكري من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنة الشيخ مع الصوفية سنة 707هـ حول قضية الاستغاثة طالب بعضهم بتعزير شيخ الإسلام، إلا أن الشيخ البكري طالب بقتله وسفك دمه!
وفي سنة 711هـ تجمهر بعض الغوغاء من الصوفية بزعامة الشيخ البكري وتابعوا شيخ الإسلام ابن تيمية حتى تفردوا به وضربوه، وفي حادثة أخرى تفرد البكري بابن تيمية ووثب عليه ونتش أطواقه وطيلسانه، وبالغ في إيذاء ابن تيمية !
في المقابل تجمع الناس وشاهدوا ما حل بشيخ الإسلام من أذية وتعدي فطلبوا الشيخ البكري فهرب، وُطلب أيضاً من جهة الدولة فهرب واختفى، وثار بسبب ما فعله فتنة، وحضر جماعة كثيرة من الجند ومن الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لأجل الانتصار له والانتقام من خصمه الذي كفره واعتدى عليه .
حينما تجمع الجند والناس على ابن تيمية يطالبون بنصرته وأن يشير عليهم بما يراه مناسباً للانتقام من خصمه البكري الصوفي؛ أجابهم شيخ الإسلام بما يلي :
" أنا ما أنتصر لنفسي!!
فماج الناس والجند وأكثروا عليه وألحوا في طلب الانتقام؛ فقال لهم :
"
إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله ، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى يشاء".
ولما اشتد طلب الدولة للبكري وضاقت عليه الأرض بما رحبت هرب واختفى عند من ؟
هرب واختفى في بيت ابن تيمية وعند شيخ الإسلام لما كان مقيماً في مصر، حتى شفع فيه ابن تيمية عن السلطان وعفا عنه!!
(ب) موقف ابن تيمية من خصومه الذين تسببوا في سجنه وطالبوا بقتله .
كان شيخ الإسلام - رحمه- من أكثر العلماء الجهابذة الذين تعرضوا لأذى الحساد من الأقران ، ولكنه كان من ألطف الناس وأرحمهم بالخصوميقول " ابن فضل الله العمري " :
(
اجتمع عليه عصبُ الفقهاء والقضاة بمصر والشام ، وحشدوا عليه خيلهم ورجلهم، فقطع الجميع، وألزمهم الحجج الواضحات أيّ إلزام ، فلما أفلسوا أخذوه بالجاه والحكام ) .
فبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبوا الحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب وحين تولي الحكم السلطان ناصر بن قلاوون اخرج شيخ الإسلام ابن تيمية وحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ما عملوه ضد السلطان وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزله وأخذ السلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاء العلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه وأنها حانت الساعة للانتقام منهم !
وأصر السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كي يخرج فتاوى في جواز قتلهم ولكن مع ذلك قام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة ، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، فقال للسلطان :(إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!)
فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً : لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارا ؟!
فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي ! وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلى سبيلهم !!
فحينما تناول شيخ الإسلام طائفة الشيعة بالنقد والتحليل، لمن يمنعه العداء والرد والنقض أن ينصف ويعدل مع هؤلاء الذين يراهم على باطل، ونصوصه في ذلك أكثر من أن تحصى، لكن منها على سبيل البيان والمثال :
يقول وهو يتحدث عن طائفة الشيعة الإمامية :( كثيراً منهم ليسوا منافقين ولا كفاراً، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله) .
وقال : ( والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد).
وقال منصفاً الشيعة :( وينبغي أيضاً أن يعلم أنه ليس كل ما ينكره بعض الناس عليهم يكون باطلاً، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعضهم، والصواب مع من وافقهم ).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لهم جهوداً في دعوة الكفار إلى الإسلام فدخل على أيديهم خلق كثير من الكفار.
وقال عن المعتزلة : أنه مع مخالفتهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على الكفار والملاحدة بحجج عقلية .
وقد عاب شيخ الإسلام على الإمام ابن فورك الأشعري تكفيره للمعتزلة وتأليب الحكام عليهم، يقول ابن تيمية عنه : ( وقصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم وكما كفرهم عند السلطان، ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنما هو ظالم لنفسه).
وقال عن الأشاعرة مع مخلفته لهم في كثير من الأصول والفروع
( إنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم).
وكان رحمة الله يتحرتج كثيراً من تكفير الأشخاص ، يقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي نقلاً عن زاهر السرخسي أنه قال : ( لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال : اشهد عليّ أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت - أي الذهبي - : وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم). ( التسامح مع الآخر ... في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية : كتبه : صخرة الخلاص)

 

المراجع :

(1)الإدارة في التراث الإسلامي : د. محمد بن عبد الله البرعي،د. عدنان بن حمدي عابدين جـ/ 260 مكتبة الخدمات الحديثة – السعودية .

(2) حياة الصحابة: الأول صـ 454 نقلاً عن الطبري جـ/33 ، الكنز جـ/ 3 / 166 

(3) المرجع السابق، صـ 455 ، الكنز جـ/3 / صـ 148

(4) أخلاقنا الاجتماعية: مصطفى السباعي صـ58

(5) التبر المسبوك في نصائح الملوك، صـ18-19 

(6) الأدب الصغير والأدب الكبير، صـ71

(7) العقد الفريد، ج1 / ص 206 , 377 – 378 والشهب اللامعة ص 319

(8) حرية المعارضة في الإسلام: الشيخ فاضل الصفار ، جريدة البنية
(9) الدولة في نموذج الإمام على

(10) نهج البلاغة : ص 640


(11) في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص110 نقلا عن الخلافة للشيخ محمد رشيد رضا ص66 
(12) الفقه الإسلامي في طريق التجديد: محمد سليم العوا ص67، 68 
(13) في الفقه السياسي الإسلامي ص205، 113، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي 

(14) في كتابه "دراسات تاريخية في النهضة العربية الحديثة" نقلا عن المستشار طارق البشري في بحث له بعنوان: الصيغ التقليدية والصيغ الحديثة في التعددية السياسية وكتابة الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص76، 77 
(15) بحث المستشار طارق البشري: ص3 مشار إليه في الحوار والتعدديه في الفكر الإسلامي
(16) السابق نفسه ص 7، 8 بتصرف 

(17) في كتابه "دراسات تاريخية في النهضة العربية الحديثة" نقلا عن المستشار طارق البشري في بحث له بعنوان: الصيغ التقليدية والصيغ الحديثة في التعددية السياسية وكتابة الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص76، 77 
(18)بحث المستشار طارق البشري: ص3 مشار إليه في الحوار والتعدديه في الفكر الإسلامي

(19) من فقه الدولة في الإسلام ص147 
(20) الفقه الإسلامي في طريق التجديد، ص59 
(21) مسئولية فشل الدولة الإسلامية: جمال البنا ص35 
(22) الوسيط في الحضارة الإسلامية ص218، 219،  من فقه الدولة في الإسلام ص149 ، 51، 148 بتصرف 

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers