Responsive image

22º

20
سبتمبر

الخميس

26º

20
سبتمبر

الخميس

 خبر عاجل
  • حسن نصر الله :الاسرائيليون غاضبون لأن مشروعهم في المنطقة سقط
     منذ 22 دقيقة
  • حسن نصر الله: إذا ما فرضت إسرائيل حرباً على لبنان ستواجه ما لم تتوقعه
     منذ 23 دقيقة
  • حسن نصرالله: مهما فعلت إسرائيل لقطع الطريق عبر سوريا فإن المقاومة باتت تمتلك صواريخ دقيقة
     منذ حوالى ساعة
  • قبول طلب "علاء وجمال مبارك" برد قاضي "التلاعب بالبورصة"
     منذ حوالى ساعة
  • الدفاع التونسية تنفي وجود قوات أمريكية في البلاد
     منذ 2 ساعة
  • إصابة شابين برصاص الاحتلال شرق رفح ونقلهم الى مستشفى النجار
     منذ 12 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:14 صباحاً


الشروق

6:37 صباحاً


الظهر

12:48 مساءاً


العصر

4:17 مساءاً


المغرب

7:00 مساءاً


العشاء

8:30 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

المساواة بين المسلمين والأقباط في ضوء الإسلام والمفاهيم الفكرية المعاصرة

بقلم: عبد المنعم على الجناينى
منذ 2496 يوم
عدد القراءات: 4466

 ظهر موضوع المساواة بين المسلمين والأقباط (النصارى) بعد التغيرات السياسية في مصر هذا العام بصور متعددة ومكثفة ، مثل إمكانية أن يشغل غير المسلم منصب رئيس الدولة ، أوالمطالبة بحقوق الاقباط المنقوصة ، أو دولة المواطنة ، أو اعتراض بعض الأقباط وطائفة تؤيدهم من المسلمين على تطبيق الشريعة لأن ذلك يعد انتقصا لحقوق غير المسلمين ، أو في تناول الحكومة وأجهزة الإعلام والمؤسسات الفكرية والعامة لتوترات طائفية بين المسلمين والأقباط. ويتميز الطرح العام للموضوع عادة بالضحالة الفكرية من ناحية أوالمواقف المسرحية من ناحية أخرى. فالكنيسة وبعض النصاري لا يدركون الواقع الذين يعيشون فيه فتجد مطالب تتميز بالعداء ولغة يغلب عليها الإثارة وأفعال تتسم بعدم المسئولية ، وردود أفعال المؤسسات الإسلامية مثل الأزهر والجماعات الإسلامية لا تخرج عن إطار العلاقات العامة والنفاق السياسي ، مثل زيارات شيخ الأزهر لبابا الكنيسة القبطية ، أو كلام الجماعات الإسلامية باختلاف أطيافها عن دعم الوحدة الوطنية ، أو لافتات التهنئة من فرد أو هيئة مسيحية للمسلمين بعيد الفطر ، أو تهنئة من عضو سابق في مجلس الشعب لأبناء دائرته من الأقباط بعيد الميلاد ، إلى غير ذلك من المظاهر التي هي أقرب إلى التهريج الجماعي منها إلى النظرة الموضوعية والحوار الجاد ومحاولة إيجاد معادلات للتعايش السليم بين أطياف الأمة. وكان هذا المناخ العام جزءًا من مخطط النظام البائد للسيطرة على كل من الأقلية والأغلبية. فقدم نفسه للأقباط على أنه القوة التي تحميهم من "غول" التطرف الإسلامي ، وأعطى للمسلمين إيماءات بأن الحكومة بحكمتها السياسية هي الجانب الذي يقف في وجه المطالب المتزايدة للنصارى المدعومين بقوى خارجية تستهدف أمن الوطن. وغاب عن ميدان الصراع المفكرون الجادون والمصلحون المخلصون إلا قلة قليلة ، مثل المستشار طارق البشري الذي كتب ثلاث دراسات حول هذا الموضوع ، ضاع صوتها الخافت في ضوضاء السيرك السياسي والغوغائية الشعبية. ونود أن نطرح هنا الجوانب الأساسية للمشكلة ، ووجهة النظر الإسلامية فيها ، ونلقي أيضا نظرة سريعة في ضوء المفاهيم الفكرية المعاصرة ، آملين أن يقوم أحد المفكرين المسيحيين بإضافة تكميلية للموضوع من وجهة نظر الأقباط ، وأن يؤدي ذلك إلى موقف مشترك مستنير يحقق مصالح الأمة ويوازن بين حقوق الجميع.

يمثل النصارى أقلية صغيرة في مصر ، وسواء كان عددهم 5 - 6 مليون (6 -7 %) كما تقول الإحصاءات الرسمية ، أو كان عددهم 12 مليونا كما تقول الكنيسة (14 %) فليس لهذا أثر في النقاش ، لأن حقوق الأقلية لا تزداد طرديا مع نسبتها العددية ، بل تستند على مبادئ إنسانية سامية. ونستطيع أن نقول أنه إذا كان النصارى يمثلون 1% أويمثلون 20% فإن حقوقهم كأقلية يجب ألا تتأثر. يختلف هذا الوضع عن بلد تتقارب فيه أعداد الأقلية مع أعداد الأغلبية (مثل نيجيريا) ، أو تتعدد فيه الأقليات بلا أغلبية مطلقة من طائفة بعينها (مثل لبنان أو العراق أو أيرلندا الشمالية) ، لأن مفاهيم أخرى مثل تقاسم السلطة تصبح جزءا من التوازنات التي يجب ملاحظتها. فما هي الحقوق التي يجب أن يتمتع بها النصاري في مصر بما يحقق المساواة بين أبناء الوطن؟ وهل في مصر اضطهاد للأقباط؟ وهل يمثل تطبيق الشريعة انتقاصا جماعيا من حقوق غير المسلمين؟ ولماذا لا يحق للمسيحي تولي رئاسة الدولة وفيهم من هو أفضل ألف مرة من الطواغيت من " المسلمين " الذين نهبوا البلاد ودمروا الحرث والنسل؟ وماذا عن التمثيل في المجالس النيابية والهيئات السياسية؟ ولكن قبل أن نبدأ بالإجابة على هذه الأسئلة وكثير من مثيلاتها نود أن نوضح بعض المفاهيم الأساسية لأن معظم الغبش السائد في النقاش ناتج عن عدم التحديد الدقيق للمفاهيم ، ومحاولة تعويضه بالشعارات الرنانة والكلام الأجوف. وأول هذه المفاهيم هو مفهوم المساواة. ماذا نعني بكلمة المساواة؟

أولا- المساواة من المنظور الفكري الغربي:
نعرض في هذا الجزء كلاما مختصرا لبعض المفكرين الغربيين البارزين حول مفهوم المساواة. وأشرنا إلى مصدر الكلام ورقم الصفحة لمن أراد مزيدا من التفصيل.
كتابات دانيال بل[1]

إن هناك من الناحية المنطقية – ثلاثة أبعاد للمساواة:
-- المساواة في الأوضاع (conditions)
-- المساواة في الوسائل (means)
-- المساواة في النتائج (outcome)

المساواة في الأوضاع ، إلى حد بعيد ، تتعلق بالمساواة في الحريات العامة. وهذه تشمل المساواة أمام القانون ، المساواة في حرية الحركة في الأماكن العامة ، مبدأ صوت واحد للرجل الواحد ، أي مجموعة الحريات التي نطلق عليها الحقوق السياسية والمدنية. والمبدأ العام هنا - بدون جدال – هو المعاملة المتساوية طبقا لمقياس عام. في هذه الحالة عندما يكون المواطنون غير متساويين بسبب التمييز ، فإننا نحاول أن نجعلهم متساويين حتى يعاملوا معاملة متساوية. ونفعل هذا من أجل أن يستطيع كل إنسان ممارسة حقوقه كمواطن في الكيان السياسي...

المساواة في الوسائل ... تعني المساواة في الفرص (opportunity) – المساواة في الوصول إلى الوسائل التي تسبب عدم المساواة. وهذا يعني ، تاريخيا ، حذف الوظائف العامة المخصصة توصيفيا (ascriptive inequality ، مثل تخصيص وظائف ضباط في الجيش لأبناء الأرستقراطيين ، توريث الوظائف في مهن معينة بقيود مهنية) ، وضمان حريةالوصول - دخولا وخروجا – للأسواق الإقتصادية ، والمساواة في الإلتحاق بالتعليم ، عندما يكون التعليم وسيلة للتأهيل للوظائف العالية. …

المساواة في النتائج مثل (الدخل ، الوضع الإجتماعي ، السلطة) ؛ ولكن أي محاولة لتحقيق المساواة في هذا المجال لابد أن ينتج عنها تضييق في قدرة الآخرين في الحصول على " المكان " أو القدرة على التصرف. بمعنى آخر ، فإن الجهود التي تبذل لتقليل المفارقات المتعلقة بالمساواة في النتائج تؤدي إلى التقليص أو التضحية بحريات البعض من أجل جعل الآخرين أكثر مساواة لهم[2].

والآن ، فإنه من الحمق أن ندعي أنه لايمكن لأي قيمة (value) أن تصبح مقيدة (qualified) ، ... ، فبعض الفروق في الدخل ، والمكانة ، والنفوذ قد اكتسبت بطريقة عادلة ... وأي محاولة بسيطة لإدعاء المساواة بين الناس ، ستكون بإهمال " الفروق المعتبرة " (relevant differences) ... ولنوضح الصعوبة هنا أولا بمثال فيما يخص الوضع الإجتماعي [المكانة] وهو عن تخصيص " النـِّسـَب " (quotas) [للأقليات أو النساء للإلتحاق بالجامعات ، مثلا]. إن المطالبة بمساواة أكثر في النتائج ، جعلت بعض أنصار المساواة يطالبون بنسبة معينة عند قبول الأقليات في الجامعات والمدارس المهنية ، وبنسبة للنساء والسود في وظائف الجامعات ، والمستشفيات ، وإدارات الحكومة. ولكن عند تقديم الحجج فإنهم كثيرًا ماينسون الفروق المعتبرة مثل المؤهلات ، والقدرات التنافسية التي تطبق خلال المراحل المختلفة. ... والصعوبة الأكبر تأتي بعد ذلك ، فهل سيتم كسر المعايير إلى آخر المدى؟ في ولاية بنسلفانيا مثلا ، فإن عددا غير متناسب من الطلاب السود لا يستطيعون اجتياز امتحان التأهيل للمحاماة ، والنتيجة أن البعض يطالب بامتحان خاص بالسود [ولكن من يريد أن يعطي قضيته لمحام حصل على تصريح ممارسة المهنة لإعتبارات خاصة؟]. ... وبالنسبة للأساتذة ، والأطباء ، والمديرين ، فإنهم يختبرون في قدراتهم بما يناسب الموقع ، وأي فكرة عن " تمثيل الشرائح الإجتماعية " لا معنى لها. ... فالمطالبة بالمساواة على أساس الجنس أو الطبقة يجب أن يرفض[3].

... وبالنسبة للثروة ، في الولايات المتحدة نجد الخدمات الطبية تقدم على أساس " رسوم-مقابل-خدمة " ،وهذا يعني ميزة لأصحاب الدخول المرتفعة ، لأنه يستطيع الإستفادة من جراحين أفضل ، وأطباء وخدمات تمريض أفضل ، وما إلى ذلك. فإذا كان الشخص قد اكتسب هذا المال فإن من حقه أن ينفقه كيف شاء. ولكن الإنسان يتردد حيال شيء أساسي مثل الرعاية الصحية وأن توزع طبقا للدخل. ومن ناحية أخري ، إذا لم يكن الدخل هو المقياس ، فأي مقياس آخر إذن؟ ... إن حاسة العدالة ، وفكرة أن الحياة الإنسانية لها نفس القيمة ، تجعل هناك حاجة للبحث عن وسيلة للمساواة في الخدمات الصحية ، والتأكد من حصول كل فرد على الرعاية الأساسية بصرف النظر عن دخله أو مكانته. ولكن الإجابة بالتأكيد لن تكون بمنع بعض الأفراد من الإنفاق علي الرعاية الشخصية (مثل حجرة منفردة بالمستشفى ، أو طعام خاص) ، وإن كان هناك بعض الإتحادات المهنية في بريطانيا تطالب بذلك[4].

بالنسبة للشق الثالث من النتائج ، النفوذ ، ماذا نعني بعبارة " المساواة في النفوذ " (equal authority)؟ وفي أي دائرة تطبق؟ [ونعطي هنا مثالا] ... إن هدف أي جامعة يحدده سياستها التعليمية ، فلابد لها أن تستجيب (be responsive) لتقاليدها الفكرية (intellectual traditions) ، وأن تحترم مقاييسها التعليمية (standards of learning) ، وتراثها الثقافي (cultural heritage) ، وهي محاسبة من المجتمع عن مدي تشجيعها للقدرات ، ومسئولة عن الطلاب الذين التحقوا بها بحثا عن المعرفة. ولكن وضع السياسة التعليمية (ماذا يُـدَرَّس ، ومن يُدَرِّس ، والمقاييس التعليمية ، وضوابط الأداء (criteria of achievement)) ليس من حق ولا مسئولية المجتمع أو الطلاب ، لكنها مسئولية هؤلاء الذين لهم الكفاءة وأسندت إليهم سلطة القرار – أي هيئة الأساتذة. وعلى هذا لا يقوم الطلاب بالتصويت على درجاتهم العلمية ، ولا يقوم المدرسون المبتدؤون بالتصويت على الأمور التي تخص الأساتذة المتمرسين. ومن ناحية أخرى ، فالسياسة التعليمية ليست هل "كل" الجامعة. حياة الطلاب لها دائرتها الخاصة ، والجامعة تقوم بأبحاث ، وتقدم خدمات للحكومة وللشركات (المؤسسات) أو المجتمعات ، ومسئولية الموازنة بين كل هذه الأنشطة تقع على إدارة الجامعة ؛ ويحكم هذا كله مبدأ عملي
(operative principle) وهو: احترام طبيعة الدوائر المختلفة ، وأن تحصر امتيازات كل دائرة في الأبعاد المناسبة لطبيعتها: أي مبدأ "الفروق المعتبرة" (principle of relevant differences).[5]

إذا لوحظ مبدأ الفروق المعتبرة هذا يكون عندنا نظرة عامة إلى مسألة المساواة. نحن نعلم أنه حتي لو حذفنا الإعتبارات العشوائية مثل الطبقة ، الجنس ، سيظل هناك اختلافات بين الأشخاص في الدخل والوضع الإجتماعي والنفوذ ، وهي اختلافات تنشأ من الموهبة ، الباعث ، الجهود ، والإنجازات[6] ...

إن جوهر الحجة التحررية هي أن الناس مختلفون في قدراتهم ، حاجاتهم ، ومواهبهم. وعلى هذا فعلينا أن نفرق بين معاملة الناس بالتساوي وبين جعلهم متساويين. إن الجهود لجعل الناس متساويين لابد أن تقود إلى قرار ما من هيئة إدارية عن مدى الإختلاف وقيمة التعويض. وهذا يقودنا إلى معاملة الناس بطريقة مختلفة. وهذا منطق لا مهرب منه[7].

ولكن ، ولأسباب مختلفة ، قد يضطر الفرد لمعاملة الناس بطريقة غير متساوية. وأهم أسباب ذلك بالطبع ، هو أن أي "قيمة" (value) ، حتى لو كانت الحرية أو العدالة ، عندما تؤخذ في صورتها المطلقة والغالبة وتطبق بصرامة لابد أن تؤدي إلى تجاوزات ؛ ولا يمكن لأي "قيمة" منفردة أن توائم بين ماهو في طبيعته غير متناسق. وعلى هذا فعلى المرء أن يدرك ما سوف يضحي بة من أجل إزالة عدم التناسق. وقد لخص هذا اشعيا برلين[8]

... لا شيء يكتسب من خلط التعبيرات. لتجنب عدم المساواة الصارخ أو انتشار الشقاء فأنا على استعداد للتضحية ببعض أو كل حريتي: وربما أفعل ذلك بإرادتي وبحرية ؛ ولكن هي الحرية تلك التي أضحي بها من أجل العدالة أو المساواة أو حب إخواني في الإنسانية. ويجب أن أشعر بتأنيب الضمير ، وبحق ، إذا لم أكن في بعض الحالات مستعدا لبذل هذه التضحية. ولكن هذه التضحية لم تؤد إلى زيادة فيما ضحيت به ، أي الحرية ، بصرف النظر عن الحاجة الأخلاقية أو المقابل الذي أحصل عليه. الحرية هي الحرية ، وليست المساواة أو الإنصاف أو الثقافة أوالسعادة الإنسانية أو ارتياح الضمير. إذا كانت حريتي ، أو حرية الطبقة التي أنتمي إليها أو حرية أمتي تعتمد على شقاء عدد من الناس الآخرين فهذا غير عادل أو أخلاقي. ولكن إذا قيدت أو فقدت حريتي من أجل إزالة عار عدم المساواة ، ولم أزد في الحرية الشخصية للآخرين ، فقد نتج عن هذا فقدان للحرية على الإطلاق. وقد يعوض عن هذا مكسب في السعادة أو السلام ، ولكن الخسارة باقية، وهناك خلط "للقيم" عندما نقول أنه بالرغم من أن الحرية
الشخصية قد ذهبت أدراج الرياح ، فإن نوعا اخر من الحرية ، اجتماعية أو اقتصادية ، قد ازداد. وعلى الرغم من ذلك تبقى الحقيقة أن بعض الحريات قد تقيد في بعض الأوقات من أجل ضمان حرية الآخرين. فعلى أي مبدأ يتم ذلك إذن؟ إذا كانت الحرية مقدسة ، وقيمة لا يمكن المساس بها ، فلن يوجد مثل هذا المبدأ. أحد هذه المبادئ المتصارعة أو الآخر ، في أي صيغة عملية ، يتحتم التنازل عنه ، ولأسباب قد لا يمكن التعبير عنها بوضوح فضلا عن محاولة تعميمها إلى قواعد أو معطيات عالمية. ويبقى أنه من الممكن إيجاد حل عملي وسط[9].

كيف نحدد مايمكن التنازل عنه؟ فيما يتعلق بالمساواة فإننا نلجأ إلى مبدأ "الفروق المعتبرة". ولنأخذ أمثلة من مجالي الجريمة والضرائب. رجلان كلاهما ارتكب نفس الجريمة ، بالنسبة للقانون يعاملان نفس المعاملة حرفيا رغم اختلاف قدرتهما على تحمل العقاب (كلاهما غُرّم ١٠٠ دولار لتجاوز حد السرعة ، ولكن أحدهما مليونير والآخر معدم ؛ أو كلاهما يفقد رخصة القيادة وأحدهما يستطيع استخدام سائق والآخر لا يمكنه). ومع ذلك ففي حالة الضرائب ، فالرجلان المختلفان في الدخل لايدفعان قيمة مختلفة أو نسب مختلفة فقط ، بل إن الشخص الغني يدفع نسب متزايدة مع تزايد دخله. وعلى الرغم من ذلك فنحن نعترف بأن أعمالنا في الحالتين عادلة[10].

عندما يحرم الفرد من الحرية ، أو يعاقب على جريمة ، نميل إلى تقليل التقدير الإداري لتجنب المحاباة أو إساءة استخدام السلطة (وحتي لو وجد داعي للتقدير مثل تخفيف العقوبة للأحداث ، فيجب أن يكون هناك سبب.)
والتحيز هنا في جانب المعاملة المتساوية (equal treatment). في حالة الضرائب ، أي واجب حمل الأثقال المالية للمجتمع ، فإننا نقر بأن القادرين عليهم أن يتحملوا هذه المسئولية. في هذه الحالة عُومل الأفراد بطريقة غير متساوية. ... المساواة لم تعن مطلقا "الزحلفة"[11]. بمعنى محاولة تحقيق المساواة تحت كل الظروف ومن جميع الجوانب[12]

ثانيا- المساواة: نظرة إسلامية[13]
(من مقال للإمام الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور)

... إن الإسلام دين الفطرة ؛ فكل ماشهدت الفطرة بالتساوي فيه [بين أبناء الأمة] فالتشريع يفرض فيه التساوي بينهم.

فالمساواة في التشريع للأمة ناظرة ٌ إلى تساويهم في الخلقة وفروعها ، مما لا يؤثر التمايزُ فيه أثرًا في صلاح العالم. فالناس سواءٌ في البشرية " كلكم من آدم " ، وفي حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة ، ولا أثر لما بينهم من الاختلاف بالألوان والصور والسلائل والمواطن. فلا جرم ، نشأ عن هذا الإستواء فيما ذكر تساويهم في أصول التشريع ؛ مثل حق الوجود المعبر عنه بحفظ النفس وحفظ النسب. وفي وسائل الحياة المعبر عنها بحفظ المال ، ومن أول ذلك حقوق القرار في الأرض التي اكتسبوها أو نشأوا فيها ؛ مثل مواطن القبائل ، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة وهو المعبر عنه بحفظ العقل وحفظ العرض.

... فظهر تساوي الناس في نظر التشريع في الضروريِّ والحاجيِّ[14]... وإنما تنشأ الفروق عند وجود موانع معتبرة تمنع اعتبار المساواة. ، ولا نجد بينهم فروقا في الضروريِّ ، وقلما نجد فروقا في الحاجيِّ

فالمساواة في التشريع أصل لا يتخلف إلا عند وجود مانع ، فلا يحتاج إثبات التساوي في التشريع بين الأفراد أو الأصناف إلى البحث عن موجب المساواة ، بل يكتفى بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي ؛ ولذلك صرح علماء الأمة بأن خطاب القرآن بصيغة التذكير يشمل النساءَ. ولا تحتاج العباراتُ من الكتاب والسنة في إجراء أحكام الشريعة على النساء إلى تغيير الخطاب من تذكير إلى تأنيث ، ولا عكس ذلك.

وموانع المساواة : هي العوارض التي إذا تحققت تقتضي إلغاءَ حكم المساواة لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء أو لظهور مفسدة عند إجراء المساواة. وأعني بالعوارض اعتبارات تلوح في أحوال معروضات المساواة ؛ فيصير إجراء المساواة في أحوال تلك المعروضات غير عائد بالصلاح في بابه ، ويكون الصلاح في ضد ذلك ، أو يكون إجراء المساواة عندها – أي عند تلك العوارض – فسادا راجحا أو خالصا.

وليست تسميتها بالعوارض مرادا منه أنها أمور عارضة مؤقتة ؛ لأن هذه العوارض قد تكون دائمة أو غالبة الحصول ، وإنما تسميتها بالعوارض من حيث إنها تبطل أصلا منظورا إليه في الشريعة نظرًا أولَ ، فجعلت لأجل ذلك أمورا عارضة إذ كانت مبطلة أصلا أصيلا ؛ لأننا بينَّـا أن المساواة هي الأصل في التشريع. وقاعدة ُ اعتبار هذه الموانع واعتبار تأثيرها في منع المساواة : أن اعتبارها يكون بمقدار تحققها وبمقدار دوامها أو غلبة حصولها ، وأن اعتبارها موانع للمساواة يكون في الغرض الذي من حقها أن تمنع المساواة فيه لا مطلقا. فالفضائلُ مثلا تمنع مساواة الفاضل للمفضول في الجزاء والمنح. ، ولا تمنع مساواتَهُمَا في الحقوق الأخرى. والمرجع في تقدير ماتمنعُ هذه الموانعُ التساويَ فيه هو إمَّـا المعنى الذي اقتضى المنعَ ، وإمَّـا قواعدُ التقنين ، فمعرفة مساواة العالم بعلم ما لمن ليس بعالم به في آثار ذلك العلم ترجع إلى المعنى. وكذلك معرفة عدم مساواة غير المسلمين من أهل ذمة الإسلام للمسلمين في بعض الحقوق ، مثل ولاية المناصب الدينية – ترجع إلى هذا المعنى …

وأما معرفة مساواة غير المسلم للمسلم في معظم الحقوق في المعاملات الثابتة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا " ؛ فتلك حاصلةٌ من العلم بأصل المساواة بين الخاضعين لحكومة واحدة فلا يحتاج إلى التعليل. وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ذلك تنبيها على أن ذلك الأصل مقرر ثابت.

ثمَّ إن العوارض المانعة من المساواة في بعض الأحكام أقسام أربعةٌ : جبلـِّـيةٌ ، وشرعية ، واجتماعية ، وسياسية ، وكلها قد تكون دائمة أو مؤقتة ، طويلة أو قصيرة . فالجبلـِّـية والشرعية والاجتماعية تتعلق بالأخلاق واحترام حق الغير وبانتظام الجامعة على أحسن وجه. والسياسية تتعلق بحفظ الحكومة الإسلامية من وصول الوهَن إليها.

فالموانع الجبلـِّـيةُ الدائمةُ : كمنع مساواة المرأة للرجل فيما تقصر فيه عنه بموجب أصل الخلقة ؛ مثلُ إمارة الجيش والخلافة عند جميع العلماء ، ومثلُ القضاء في قول جمهور من علماء الإسلام. وكمنع مساواة الرجل للمرأة في حق كفالة الأبناء الصغار. ويُـلحق بالجبلـِّي ما هو من آثار الجبلـّـة كمنع مساواة الرجل للمرأة في أنَّ زوجه تنفق عليه لما تقرر في العوائد من كون الرجل هو الكاسب للعائلة. وتلك العادةُ من آثار جبلـِّة الرجل المخوِّلة إياهُ بالقدرة على الاكتساب ونَـصَبه.

ويُلحقُ بالجبلـِّيّ أيضا صفات ٌ مكتسبة ناشئةٌ عن قابليةٍ وعن سعي تتركُ آثاراً في الخلقة لا يبلغ إلى مثلها إلا من اكتسب أسبابها ، فتفيد كماله في الإحساس والتفكير ، مثل تفاوت العقول والمواهب في الصلاحية لإدراك المدركات الخفية. ، فلا مساواة بين العالم وغيره في كل عمل فيه أثر بَـيِّـنٌ لتفاوت الإدراك ، مثل التصدي لتفهم الشريعة ، والقدرة على تلقِّـي ما طريق تلقية الاستنباط ُ. والمقدرة على تعرف أحكام الشريعة في مختلف النوازل ، وعلى تـنزيلها في الأحوال الصالحة لها كإدراك التفرقة بين مشتبه النوازل ، وإدراك حيل الخصوم ، وعدالة الشهود. فلذلك كان بلوغ مرتبة الاجتهاد موجبا ترجيحَ صاحبه لولاية القضاء ومانعا من مساواته لمن هو دون مرتبته من العلماء. وكذلك القرب من مرتبة الإجتهاد لذي البُـعد عنها.

فحقيق بالفقهاء وولاة الأمور أن يراعوا هذه الموانع ومقاديرَها وتأصُّـلها ، فيُـعمِلوا آثارَها في المساواة بعد تحقق ثبوتها ، ويعلَـموا ما كان منها متعلقا تعلُّـقا ضعيفا بالجبلَّـة يقبل الزوال لحصول أضداد أسبابه ، فلا ينوطوا به أحكاما دائمةٍ. وما كان منها خفيَّـا حصوله لا ينبغي مراعاتـُه إلا بعد التجربة.

وأما الموانع الشرعية : فهي ما كان تأثيرها بتعيين التشريع الحقِّ ؛ إذ التشريع الحق لا يكون إلا مستندا لحكمة وعلة معتبرة. ثم تلك الحكمةُ قد تكون جبلِّـية وقد تكون خفيةٍ ؛ فالشريعة هي القدوةُ في تحديد هذه الموانعِ وتحديد ما ينشأُ عن مراعاة أصول تشريعية تَـعتبرُ إجراءَها أرجحَ من إجراءِ المساواة. وتـُعرفُ هذه الأصول إما بالقواعد ؛ مثل قاعدة حفظ الأنساب في منع مساواة المرأة للرجل في إباحة تعدد الأزواج ؛ إذ لو أبيح للمرأة لما حصل حفظ الأنساب ، ومثل قاعدة إزالة الضرّ ... وإما أن تعرف بتتبع الجزئيات المنتشرة في الشريعة ، مثل اعتبارِ شهادةِ المرأتين في خصوص الأموال.

وأما الموانع الإجتماعية : فأكثرها مبني على مافيه صلاح المجتمع. وبعضها يرجع إلى المعاني المعقولة ، وبعضها يرجع إلى ما تواضع عليه الناس واعتادوه فتأصل فيهم. مثال الأول : منع مساواة الجاهل للعالم في التصدي للنظر في مصالح الأمة. ومثال الثاني … ومعظم الموانع الاجتماعية نجده مجالا للاجتهاد ولا نجد فيه تحديدات شرعية إلا نادراً.
وأما الموانع السياسية : فهي الأحوال التي تؤثر في سياسة الأمة فتقتضي إبطال حكم المساواة بين أصنافٍ أو أشخاص أو في أحوال خاصة. كل ذلك لمصلحةٍ من مصالح دولة الأمة. وهذا النوع من الموانع يكثر فيها اعتبار التوقيت …

ثالثا- الخلاصة: المساواة في الواقع المصري
نري مما تقدم أن المساواة بين الناس (سواء من وجهة النظر الفكرية الغربية أو وجهة النظر الإسلامية) هي مبدأ أصيل لا يمكن التقليل من شأنه أو إهماله. ولكننا نرى أيضا أن هذا المبدأ السامي لا يطبق في فراغات سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية ؛ وأن محاولة تطبيقة بصورة مطلقة لابد أن تلغي أو تؤثر على مبادئ أخرى لا تقل عن المساواة في قيمتها أو في سموها مثل الحرية والعدالة وحقوق الآخرين. فالمبادئ الإنسانية عند التطبيق ليست مبادئ مطلقة بل تتناقض وتتصارع فيما بينها في واقع البشر. فلابد إذن من الموازنة بين المبادئ والقيم عند التطبيق العملي لتحقيق أكبر قدر من المصالح العامة والمشتركة ، وإلا ضحينا ببعض المبادئ أوقلصنا من مجال تطبيقها من أجل سيادة قيمة أخري قد تكون أقل منها أهمية.

في الفكر الغربي ، طرح دانيال بل مفهوم " دوائر المساواة " ومفهوم "الفروق المعتبرة" ، وفي الفكرالإسلامي ، يقول الشيخ الطاهر بن عاشور أن المساواة بين الناس مبدأ أصيل ومقصد من مقاصد الشريعة ، ولكن قد تنشأ موانع تمنع من تطبيق المساواة تطبيقا حرفيا مطلقا في مجال معين ، سماها " عوارض المساواة " ، لما في ذلك من المفسدة المحققة أو تفويت بعض المصالح على الأمة. وفي كلا الرأيين لا يكون عدم تطبيق المساواة تطبيقا مطلقا في مجال معين ناشئ عن قصور الفرد عن مرتبة المساواة الإنسانية ، بل لظروف تتعلق بأهليته للمساواة بغيره في هذا المجال المحدد أو إمكانية وجدوى حدوث هذه المساواة. ولنضرب بعض الأمثلة.

عند محاولة الحصول على ترخيص للبناء أو رخصة للقيادة أوغير ذلك من المقاصد الضرورية والحاجية ، ومثل حق التصويت ، ومثل المعاملة أمام القانون ، لا يجوز أن تكون هناك لوائح وأنظمة للمسلمين ولوائح وأنظمة لغير المسلمين. وهذا هو مبدأ المساواة في الأوضاع كما يقول دانيال بل ، أو هو تطبيق مبدأ أصل المساواة كما يقول الطاهر بن عاشور. كذلك في الوسائل ، مثل التعليم العام والحصول على المسكن أو العلاج الذي تقدمه الدولة ، لا يمكن أن يكون هناك تمييز بين المسلم وغير المسلم. ولكن عند تطبيق مبدأ المساواة خارج هذا النطاق نجد أن هناك مشاكل أساسية ناشئة عن التطبيق المطلق لهذا المبدأ. فليس من حق أي فرد في الدولة أن يقوم بإجراء العمليات الجراحية أو ممارسة الطب تحت ستار المساواة. بل نأخذ هذا المثال خطوة أخرى. فلنفترض أن عدد المسلمين في مصر 80% وعدد النصارى 20% (لنخرج من دائرة الجدل حول النسبة الحقيقية) ، فعند تعيين أساتذة الجراحة في كلية الطب من بين الأطباء لا يمكن أن نختار 80% من المسلمين و20% من النصارى مراعاة لمبدأ المساواة. فقد يكون عدد الأطباء النصارى المؤهلين أكثر من غيرهم لشغل منصب أساتذة الجراحة يمثل 70% من الأماكن ، وقد يحدث العكس أي أنهم يمثلون 5% مثلا. فالمعيار هنا هو الكفاءة وتوفر الشروط المعتبرة وليس المساواة. وإلا ترتب عن ذلك مفسدة أكبر وهي أن يعالج الناسَ من يضر بهم.

ماذا عن تولي غير المسلمين منصب الرئاسة الولاية العامة في مصر؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نتعرف على طبيعة شغل هذا المنصب:

1- هل هو حق طبيعي من الحقوق الأساسية لكل فرد في الأمة ، مثل حق الحياة وحق التملك وحق الإنتقال؟ الجواب لابد أن يكون بالنفي ، وإلا لكان لزاما في أمة تزيد عن الثمانين مليونا أن يحكم كل فرد في جيل معين ، بالتناوب ، لمدة عشرين ثانية مثلا.

2- هل يمكن وضع شروط على من يشغل هذا المنصب ، وتكون هذه الشروط مخلة بمبدأ المساواة المطلقة؟ وهل يمكن أن تكون هذه الشروط غير لازمة عقلا؟ الجواب ، نعم. فكل دول العالم تضع شروطا على من يتولى منصب الرئاسة. ففي أمريكا مثلا لابد أن يكون المرشح للرئاسة مولودا في أمريكا ، ولهذا فإن هناك ملايين من المواطنين الذين يحملون الجنسية الأمريكية لا يحق لهم شغل هذا المنصب. وفي مصر لابد أن يكون المرشح فوق سن السادسة والثلاثين (وهو اختيار عشوائي) ، ويعلل ذلك بأنه سن لمظنة النضوج والعقل ، مع أن أكثر من نصف الشعب تحت هذه السن وفيهم بكل تأكيد من هو أصلح وأكفأ من جميع من هم فوق هذه السن. ويمنع من الترشح من كان متزوجا بأجنبية حتى لا تكون هناك مظنة لتدخلات خارجية، مع أن كثير من المتزوجين بأجنبيات قد يكونون أكثر أمانة وحفاظا على مصالح الأمة ممن شغلوا هذا المنصب ورأت الأمة منهم ما رأت. نرى من هذا أن مبدأ المساواة بين المواطنين في شغل هذا المنصب لم يكن أبدا محل اعتبار.

3- ماهي نظرة الإسلام لهذا المنصب مقارنة بغيرة من المناصب؟ بينما نجد في الثقافات الأخرى أن رغبة الفرد في تولي منصب الرئاسة قد يكون جزءا من الطموحات الشخصية ، حتى وإن صَاحَبَها حب لخدمة وطنه وأمته ، فإن للإسلام نظرة خاصة لهذا المنصب. إن شغل هذا المنصب هو تكليف من الأمة لمن تراه أصلح من يتولى أمرها ، فليس المنصب بذاته تشريف لصاحبه ( وإن جاز أن يكون ذلك بعدله وفضله) ، ولا سُلـَّما للوصول إلى غايات شخصية ومصالح عائلية. وأهم خصائص هذا المنصب أن يحفظ على المسلمين دينهم درسا وتعليما ، فهما وتطبيقا ، ولا يقوم بهذا غير المسلم.

4- ثم ماهو المطلوب حقيقة من رفع هذا الشعار أوالمطلب؟ هل المطلوب هو أن يتولى مسيحي فعلا رئاسة الدولة؟ لا يمكن فرض هذا على الشعب إذا كنا نتحدث عن إنتخاب الرئيس في إنتخابات حرة نزيه؟ فلابد أن يكون المقصود هو المساواة في الفرصة لتولى رئاسة الدولة ، أي مجرد الحق في الترشح لهذا المنصب. ولكن هذا يعود بنا إلى الملاحظة رقم 12 ، صفحة 4 ، أي كلام جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter):

كيف أن المساواة يمكن أن تأخذ وضع " فرض أخلاقي " (ethical postulate). ولكن كعبارة تعبر عن الحقيقة فإنها لايمكن أن تكون صحيحة بأي معنى يمكن إدراكه. ولهذا السبب فإن هذه الفرضية يتم تعديلها عادة لتعني "التساوي في الفرصة". وبصرف النظر عن الصعوبة الموجودة في كلمة "الفرصة" ، فإن هذا التعديل لا يزيل الإشكالية ﻷن المطلوب هو المساواة الحاصلة ، وليست المساواة الممكنة

ومعنى هذا أن هذه المساواة في الفرصة لا تعني شيئا حقيقيا ، إذا كانت الأغلبية المطلقة من الناخبين تعتبر أنه من غير الممكن شرعا إعطاء صوتها لمرشح غير مسلم. إن النتيجة الوحيدة هي زيادة التوتر والإحساس بالمرارة وإثارة الأحقاد بين الجانبين.
نتبين من هذ أن المطالبة بأن يكون من حق غير المسلم ان يتولى رئاسة الدولة ، في بلد يشكل المسلمون أكثر من 90% من سكانه ، هو مطلب غير واقعي لايستند إلى أساس فكري أو مبدأ إنساني ويتعارض مع عقيدة الأغلبية الساحقة من الشعب. ثم لماذا يريد أي مسيحي أن يرأس دولة إسلامية بشعبها وتراثها وإن كان فيها أقلية غير مسلمة؟ إن هذا المسيحي سيواجه مشاكل مستعصية من الفساد والفقر والجهل تراكمت على مدى عقود من الطغيان والقهر ، واحتمالات الفشل في هذه المرحلة ، لرئيس مسلم أو غير مسلم ، تفوق كثيرا إحتمالات النجاح، وأصابع الإتهام وسوء الظن لن يكونا أقل مشاكله في هذه الحالة. فأي حكمة في هذه الدعاوي والمطالب التي تثير حفيظة الكثرة الغالبة من أفراد الأمة الواحدة.

بحسب النصارى أن يكون موقف المسلمين من أبناء الوطن الواحد هو " لهم مالنا وعليهم ماعلينا".

ماذا عن التمثيل النيابي للأقباط (أوالأقليات بصفة عامة) في المجالس النيابية؟ نبادر فنقول أن الأقباط ، كأي أقلية في مجتمع ما (مثل المسلمين في أمريكا أو فرنسا) ، لهم مصالحهم الخاصة واهتماماتهم التي لا يستطيع المسلم ، وإن كان صادقا ، أن يعبر عنها تعبيرا حقيقيا. ولكن التاريخ شاهد على أن مرشح الأقلية لا يمكن أن يفوز في الإنتخابات بدون نوع ما من "الترتيبات" السياسية التي تتيح له النجاح. فكيف يمكن في ظل نظام يلتزم بحرية الإنتخابات ونزاهتها المطلقة أن نضمن التمثيل المتكافئ للأقلية؟ ولا يحتج أحد هنا بأن بعض الدول مثل الولايات المتحدة ينجح فيها أفراد من الأقليات في الإنتخابات العامة ، فالإنتخابات الأمريكية حرة ونزيهة شكلا ، ولكن تحكمها في الحقيقة تكتلات قوية ومراكز مالية وإعلامية مؤثرة ، وإلا فكيف يمكن تفسير الأرقام التالية : نسبة اليهود في أمريكا 2% ، عدد اليهود في مجلس الشيوخ 13 ( أي 13%) هذا غير المنتسبين إلى اليهودية بشكل ما (فوزيرة الخارجية الأمريكية وهي عضو سابق في مجلس الشيوخ مسجلة على أنها مسيحية في حين أن لها أصول يهودية وأخوها يهودي) مما يجعل النسبة الحقيقية تقارب 25 - 30 %. أما المواطنون السود في أمريكا فيمثلون حوالي 15 % ولم يكن لهم عضو واحد في مجلس الشيوخ حتى نجح باراك أوباما في شغل إحد المقاعد (وهو في الحقيقة ليس من أصل أمريكي أسود ، بل أبوه كيني مسلم ، وأمه أمريكية مسيحية بيضاء) ، والأسبانيون الأمريكيون يمثلون اكثر من 17% من سكان أمريكا ولفترة طويلة لم يكن هناك غير عضو واحد منهم في مجلس الشيوخ. والمسلمون في أمريكا حوالي 10 مليون (3%) وليس لهم صوت واحد. وللأسف فإن هذا النموذج الأمريكي (من تحكم التكتلات وأصحاب المصالح والأقليات) هو ما يحاول البعض من الذين كونوا ثروات طائلة في عهود الطغيان استيراده الآن والتبشير به في مصر.

ونود هنا أن نطرح حلا ، ليس بالضرورة في الإنتخابات المقبلة، يضمن حرية الإنتخابات ونزاهتها كما يضمن التمثيل الحقيقي للأقليات. في عصر الإتصالات والحاسبات الآلية (الكمبيوتر) يمكن تخصيص دوائر إفتراضية (virtual) خاصة للأقليات تبعا لنسبتهم العددية الدقيقة. فلو فرضنا أن النصاري ، طبقا لإحصات رسمية دقيقة يمثلون 10 % من السكان، فيتم تخصيص 10 % من المقاعد النيابية لتمثيلهم. هذه الدوائر لا تكون دوائر جغرافية ، ولكن يتم التسجيل فيها بناء على الإنتماء للأقلية صاحبة المصلحة مع عدم الحق في التصويت مرة أخرى في الدوائر الجغرافية. وبعبارة أبسط ، تكون هناك جداول خاصة بأسماء المنتمين للأقلية وتقسم أسماؤهم في دوائر خاصة تبعا لمحل إقامتهم ويكون عدد هذه الدوائر ممثلا لنسبتهم العددية في المجتمع. وقد يعترض البعض بأن هذا يؤدي إلى تقسيم الشعب والإستقطاب الطائفي والعزلة بين جناحي الأمة. ونقول أن هذا تخوف لا يقوم عليه أي دليل. فالمجلس النيابي ليس ميدان معركة ، ويجب ألا يكون ، بل هو تجمع يعبر فيه ممثلو الأمة عن مصالحها ، ويراقبون سياسة الحكومة وأدائها ، وخير ما يحفظ السلام الإجتماعي هو شعور كل مواطن بأنه ممثل تمثيلا حقيقيا وأن هناك من يحمل صوته إلى حيث يجب أن يصل. ثم إن هذه الإشكالية لا تختص بتمثيل المسلمين والنصارى. فقد تكلم علماء العلوم السياسية في الأصوات الضائعة عندما تعيش أقلية زراعية ، مثلا ، في بيئة صناعية. فالسياسات والمصالح التي تربط هؤلاء المزارعين بأمثالهم من المزارعين على بعد مئات الأميال ، أكثر مما يربطهم بجيرانهم عمال المصانع. وهذا هو في الحقيقة ما أدى إلى نشوء جماعات الضغط الفئوية أو المهنية ، مثل اتحادات العمال والنقابات ، لأنها ترى أن لها مصالح خاصة لا يمكن التعبير عنها من خلال التمثيل النيابي كما يتم الآن ، ولكن الآلية السياسية لهذه الجماعات والنقابات ليست التعبير والتصويت تحت قبة المجلس النيابي بل الضغوط السياسية والإضرابات أو التأثير عن طريق التكتلات الإنتخابية مما يلغي مبدأ الصوت الواحد للشخص الواحد.

[1] دانيال بل (Daniel Bell) عالم اجتماع أمريكي وأستاذ في جامعة هارفارد ، وعضو في الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم. ويعتبر من أهم علماء الإجتماع في القرن العشرين. له هذا الكتاب الي ننقل عنه : Cultural Contradictions of Capitalism , Basic Books Publication, 1996. وله كتاب هام هو: The Coming of the Post-Industrial Society ( وصول المجتمع مابعد-الصناعي ) ،Basic Books, Publication ، 1999
[2] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦٢
[3] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦٤ - ٢٦٥
[4] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦٦
[5] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦٧ ، بتصرف قليل لعدم الإطالة ، ولكن بدون الإخلال بالفكرة
[6] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦٨
[7] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦٠
[8] اشعيا برلين (١٩٠٩ – ١٩٩٧) Isaiah Berlin فيلسوف ومفكر سياسي بريطاني من أصل روسي يعتبر من أهم المفكرين في القرن العشرين ، وقام بالتدريس في جامعة اكسفورد وله كتاب عن مفهوم الحرية (The Concepts of Liberty) ، وآخر عن [عصر] التنويرالمضاد (Counter-Enlightenment) ، وأعمال أخرى.
[9] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦٠ - ٢٦١ ، والنص المقتبس من كلام اشعيا برلين أورده دانيال بل ص ٢٦١ مع المرجع الذي نقل عنه: أربع مقالات عن الحرية ، لأشعيا برلين ، ص ١٢٥-١٢٦
وكلام إشعيا برلين على تعقيده يطرح فكرة أساسية بسيطة توضح تصارع المبادئ : أن خلط المفاهيم لايفيد ، لأنني إذا طـُلِـبَ مني أن أضحي بحريتي في إختيار النظام السياسي الذي أؤمن به ، مثلا ، من أجل تحقيق المساواة لشخص آخر ، وبدون أن يؤدي ذلك إلى زيادة في حرية الآخرين، فإن المحصلة النهائية هي فقدان في الحرية ، وبذلك تتبين الحاجة إلى مراعاة الحدود التي تعمل داخلها هذه المبادئ ، اومراعاة التوازن بين المبادئ عند التطبيق.
[10] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص ٢٦١
[11] مثل تسوية الأرض (leveling) ، انظر تاج العروس مادة: زحلف
[12] دانيال بل ، التناقضات الثقافية للرأسمالية ، ص261 ؛ ويؤكد جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) هذا المعني في مقدمة كتابه " الرأسمالية ، الإشتراكية ، والديمقراطية " عند حديثه عن معنى المساواة بين النظرية السياسية والواقع الإجتماعي:

وهذا يمثل جزء من طبيعة المساواة الموجودة بقوة في النظرية التقليدية للديمقراطية وفي النظرية الشعبية للديمقراطية (mass democracy). وسوف نشير في وقت لاحق كيف أن المساواة يمكن أن تأخذ وضع "فرض أخلاقي" (ethical postulate). ولكن كعبارة تعبر عن الحقيقة فإنها لايمكن أن تكون صحيحة بأي معنى يمكن إدراكه. ولهذا السبب فإن هذه الفرضية يتم تعديلها عادة لتعني "التساوي في الفرصة". وبصرف النظر عن الصعوبة الموجودة في كلمة "الفرصة" ، فإن هذا التعديل لا يزيل الإشكالية ﻷن المطلوب هو المساواة الحاصلة ، وليست المساواة الممكنة ، في ممارسة الشئون في السلوك السياسي إذا كان صوت كل إنسان يحمل نفس الوزن لصوت أي إنسان آخر في عملية اتخاذ القرار.

[13] الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ، مقاصد الشريعة السلامية ، ص ١٠٦ -١١١ دار سحنون للنشر والتوزيع ، ودار السلام للطباعة والنشر، ٢٠٠٩.
الشيخ الإمام العلامة محمد الطاهر بن عاشور ، عالم بالأصول ، والتفسير ، والحديث ، وعلوم العربية ، والتاريخ. ولد سنة ١٨٧٩ وتوفي سنة ١٩٧٣. له أكثر من عشرين مؤلفا ، ومثلها من المخطوطات التي لم تنشر بعد. من كتبه التحرير والتنوير (تفسير) ؛ كتاب عن شرح ألفاظ الموطأ ، وتعليق على الجامع الصحيح للبخاري (حديث) ؛ وحاشية على "تنقيح الفصول" للقرافي (أصول الفقه) ؛ وكتب في الأدب والنحو والبلاغة ؛ وكتاب مقاصد الشريعة الإسلامية الذي نقلنا عنه هنا.
[14] يستخدم الشيخ المصطلحات الإسلامية في تقسيم مصالح الناس باعتبار قوتها وصلاح العالم بها إلى ضرورية كحفظ النفوس وحفظ العقول ، وحاجية وهو ما تدعو إليه حاجة الناس من غير أن يصل إلى حد الضرورة كعقود البيع والإجارة ، وتحسينية وهو ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكن يقع موقع التحسين.

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers