Responsive image

19º

24
سبتمبر

الإثنين

26º

24
سبتمبر

الإثنين

 خبر عاجل
  • الصحة الفلسطينية : استشهاد مواطن واصابة 11شرق غزة
     منذ 9 ساعة
  • انتهاء الشوط الأول بين ( الزمالك - المقاولون العرب) بالتعادل الاجابي 1-1 في الدوري المصري
     منذ 9 ساعة
  • إصابة متظاهرين برصاص قوات الاحتلال شرق البريج وسط قطاع غزة
     منذ 10 ساعة
  • قوات الاحتلال تطلق الرصاص وقنابل الغاز تجاه المتظاهرين شرق غزة
     منذ 10 ساعة
  • الحكم بالسجن المؤبد على مرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع في قضية "أحداث عنف العدوة"
     منذ 17 ساعة
  • وزارة الدفاع الروسية: إسرائيل ضللت روسيا بإشارتها إلى مكان خاطئ للضربة المخطط لها وانتهكت اتفاقيات تجنب الاحتكاك في سوريا
     منذ 20 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:16 صباحاً


الشروق

6:39 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:14 مساءاً


المغرب

6:55 مساءاً


العشاء

8:25 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

الفقهاء والفلاسفة.. تفنيد مباحث الإلهيات فى الفلسفة اليونانية(4)

حملة الفقهاء على الميتافيزيقا اليونانية كانت لحماية المسلمين من خزعبلاتها

منذ 1650 يوم
عدد القراءات: 9483
الفقهاء والفلاسفة.. تفنيد مباحث الإلهيات فى الفلسفة اليونانية(4)

 

الفقهاء والفلاسفة.. ابن تيمية يبدأ الحملة على أرسطو قبل علماء عصر النهضة

>> ابن تيمية: لا «حد» المناطقة يفيد التصور ولا قياسهم طريق لليقين.. والمنطق لا يصلح لدراسة الطبيعة.. والاستقراء هو المنهج العلمى

>> فرانسيس بيكون: بعد ألفى سنة من تخريط المنطق وفرمه بالآلة التى اخترعها أرسطو.. سقطت الفلسفة وفقدت الاحترام

>> روجر بيكون: لو تُركَت لى الحرية لأحرقت كتب أرسطو جميعًا.. فدراستها لا تؤدى إلا إلى الضياع والجهل

لم يدرس ابن تيمية الفلسفة باحثا عن الحقيقة، كما كان مدخل الغزالى إلى دراستها، ولكنه درسها ليتمكن من بيان بطلان ما يعارض الدين منها؛ فهو -بتعبير الشيخ أبى زهرة- «آمن بما جاء به الرسول أولا، ثم أراد أن ينفى عنه خبث الفلسفة».

ولم يتقيد ابن تيمية فى تفكيره إلا بالكتاب والسنة ومناهج الصحابة والتابعين فى فهمهما، وبحكم العقل المستقيم. وقد هاله ما زعمه الفلاسفة من أن أدلة القرآن ظنية لا تفيد اليقين القطعى، وأنهم محتاجون إلى منطق أرسطو لإقامة أدلة برهانية يقينية. وننقل هنا عبارته: «لو سُوِّغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم، لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به هدى ولا علم؛ فالذين سلكوا هذا السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه.. فثبت بشهادته وإقراره على نفسه، أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه بيقين يطمئن إليه، ولا معرفة يسكن بها قلبه، والذين ادعوا فى بعض المسائل أن لهم معقولا صريحا يخالف الكتاب، قابلهم آخرون من ذوى المعقولات فقالوا: إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول، فصار ما يدعى معارضة الكتاب به من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صريح، إما بشهادة أصحابه، وإما بظهور تناقضهم، وإما لمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات؛ فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة لم يصلوا فيها إلى معقول صريح يناقض الكتاب، بل إما إلى حيرة وارتياب، وإما إلى اختلاف بين الأحزاب، فكيف بغير هؤلاء؟!».

والفكرة التى يؤكدها ابن تيمية هي أن اختلاف الفلاسفة فيما بينهم ومعارضتهم بعضهم بعضا يؤكد أن الوسائل التى يتبعونها ليست يقينية كما يزعمون، وإلا لكان كل من يعرف كيف يستخدمها يصل إلى الحقيقة، والحقيقة واحدة لا يختلف الناس بشأنها؛ فهذا الاختلاف يؤكد أن المناهج الفلسفية إنما تقود إلى نتائج ظنية احتمال الخطأ فيها قائم، ولا يمكن التعويل على مثل هذه المناهج فى معارضة القرآن. ويعود إلى هذه الفكرة بشكل أوضح فى كتابه «موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول» فيقول: «العلم الإلهى لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلى يستوى فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولى تستوى فيه أفراده؛ فإن الله سبحانه ليس كمثله شىء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوى أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة فى المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى يقين، بل تناقضت أدلتهم».

وسنقصر عرضنا على بعض ما ساقه ابن تيمية للبرهنة على تواضع قيمة منطق أرسطو كأداة تضمن سلامة التفكير وصحة نتائجه؛ ليتضح لنا موقفه من الفلسفة، دون أن نحاول شرح المناهج البديلة التى وضع أصولها واعتمد عليها فى تفكيره؛ فلهذا مجال آخر.

 

منطق أرسطو

 

قال المناطقة إن العلم إما تصور وإما تصديق. والتصور يهدف إلى معرفة حقيقة ما هو موجود، والتصديق يتعلق بإصدار حكم عقلى فى قضية معينة.

أما التصور فلا سبيل إليه –عندهم- إلا التعريف التحليلى، أو ما يطلقون عليه «الحد»، وهو -حسب تعريفهم- «القول الدال على ماهية الشىء»؛ وذلك مقابل التعريف الوصفى، الذى يطلقون عليه «الرسم»، وهو -حسب تعريفهم- «القول المؤلف من أعراض الشىء وخواصه». وهذا الرسم لا يفيد عندهم فى تصور الماهية الحقيقية للشىء؛ لأنه يصفه من الظاهر فقط.

وأما التصديق فلا سبيل إليه –عندهم- إلا «بالقياس المنطقى» الذى يتكون من مقدمة كبرى تكون قضية كلية يقينية، ومقدمة صغرى هى قضية جزئية، وينتج عنهما النتيجة؛ فعلى سبيل المثال: «كل ضدين لا يجتمعان» مقدمة كبرى، و«السكون ضد الحركة» مقدمة صغرى، والنتيجة هى أن الجسم لا يكون متحركا ساكنا معا؛ وذلك فى مواجهة «التمثيل» [قياس الفقهاء] الذى هو إضافة حكم شىء معلوم حكمه إلى آخر مجهول حكمه لاشتراكهما فى علة الحكم، و«الاستقراء»، الذى هو تصفح بعض الجزئيات لاستخراج حكم كلى مشترك ينسحب على كل الجزئيات الأخرى المشابهة التى لم تُفحَص.

وعند أرسطو فالتمثيل والاستقراء ليسا من القياس الصحيح، ولا يفيدان اليقين ولا يصلحان للبرهان فى قضايا المنطق.

والمناطقة يؤكدون أن سبلهم هذه هى التى تقود وحدها إلى العلم اليقينى، وأن غيرها لا يصلح للعلم اليقينى. وابن تيمية يؤكد أن الدعويين كاذبتان؛ فلا طرقهم تقود حتما ودائما إلى العلم اليقينى، ولا طرق غيرهم كلها عاجزة تماما عن الوصول إلى العلم اليقينى.

 

«الحد» لا يصور الحقيقة

 

ففى التصور يرد عليهم: «إنه [فى قولهم] لا تحصل التصورات إلا بـ(الحد)؛ [فهذه] قضية سالبة [وتحتاج إلى إثبات] وليست بديهية؛ فمن أين لهم هذا؟! وإذا كان هذا قولا بلا علم، كان أول ما أسسوه القول بلا علم أساسا لميزان العلم الذى يزعمون أنه (آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل فى فكره). إن (الحد) هو مجرد قول الحادّ [الشخص الذى يضع الحد] ودعواه؛ فإنه إذا قال: حد الإنسان -مثلا- أنه (الحيوان الناطق أو الضاحك) فهذه قضية خبرة، ومجرد دعوى خالية من حجة؛ فإما أن يكون المستمع لها عالما بصدقها من دون هذا القول أو لا يكون؛ فإن كان عالما بصدقها ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد، وإن لم يكن عالما بصدقها فإنه بمجرد قول المخبر الذى لا دليل معه لا يفيده العلم، كيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم فى قوله؟! فقد تبين أنه على التقديرين: ليس الحد هو الذى يفيد معرفة المحدود».

والواقع أن كلام ابن تيمية يصعب تفنيده: إذا لم تكن تعرف ماهية الشىء فعلا فلن يمكنك قبول «الحد» الذى يدعى الفيلسوف أنه هو ماهية هذا الشىء؛ لأن إجراءات المنطق لا تنطوى على عملية إثبات صحة الحد؛ فكيف يصرون على أن التصورات لا يمكن تحصيلها إلا بالحد، فى حين أن التصور يجب أن يكون موجودا بالفعل وإلا لم يمكن قبول الحد.

وفى كتابه «نقض المنطق» يسرد ابن تيمية ستة عشر وجها لبطلان زعم المناطقة أن الحد هو السبيل الوحيد لتصور ماهية الشىء. وانظر إلى واحد منها فقط لتعرف أسلوبه العقلى فى المناقشة:

«إن الله جعل لابن آدم من الحس الظاهر والباطن ما يحس به الأشياء ويعرفها، فيعرف بسمعه وبصره وشمه وذوقه ولمسه الظاهر ما يعرف، ويعرف أيضا بما يشهده ويحسه بنفسه وقلبه ما هو أعظم من ذلك. أما الكلام فلا يتصور أن يعرف بمجرده مفردات الأشياء إلا بقياس تمثيل أو تركيب ألفاظ. وليس شىء من ذلك يفيد تصور الحقيقة؛ فالمقصود أن الحقيقة إن تصورها بباطنه أو ظاهره استغنى عن الحد القولى، وإن لم يتصورها بذلك امتنع أن يتصور حقيقتها بالحد القولى.. فإن من عرف المحسوسات المذوقة –مثلا– كالعسل، لم يفده الحد تصورها، ومن لم يذق ذلك، كمن أخبر عن السكر وهو لم يذقه، لم يمكن أن يتصور حقيقة الكلام بالحد، بل يمثل له ويقرب إليه، ويقال له طعمه يشبه كذا، أو يشبه كذا وكذا. وهذا التشبيه والتمثيل ليس هو الحد الذى يدّعونه. وكذلك المحسوسات الباطنة، مثل الغضب والفرح والحزن والغم والعلم ونحو ذلك؛ من وجدها فقد تصورها، ومن لم يجدها لم يمكن أن يتصورها بالحد، ولهذا لا يتصور الأكمه [المصاب بعمى الألوان] الألوان بالحد، ولا العِنّين [العاجز جنسيا] الوقاع [الاتصال الجنسى] بالحد؛ فإذن القائل بأن الحدود هى التى تفيد تصور الحقائق، قائل للباطل».

 

والقياس المنطقى لا يفيد اليقين

 

وفى التصديق يفند قولهم: «إنه لا يُعلم شىء من التصديقات إلا بالقياس» –قياس الفلاسفة الشمولى لا قياس الفقهاء التمثيلى- فيقول: «هذه قضية سلبية نافية ليست معلومة بالبديهة، ولم يذكروا على هذا السلب دليلا، فصاروا مدعين ما لم يبينوا الدليل؛ فمن أين لهم أنه لا يمكن لأحد من بنى آدم أن يلم شيئا من التصديقات التى ليست عندهم بديهية إلا بواسطة قياسهم المنطقى الشمولى؟! وقالوا: العلوم اليقينية لا تحصل إلا بالبرهان -الذى هو عندهم القياس الشمولى- وعندهم لا بد فيه من [مقدمة تكون] (قضية كلية موجبة).. فلا بد من العلم بتلك القضية أنها (كلية)؛ إن كان العلم بها بديهيا أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا بطريق الأولى [أى لا يحتاج إلى برهان]، وإن كان نظريا [أى يكون الوصول إليه بالنظر العقلى] احتاج إلى علم بديهى [ليعمل كمقدمة فى البرهان]، فيفضى هذا إلى (الدور المُعْيِى) أو التسلسل، وهو باطل عقلا [أى أن المقدمات إما أن تكون هى نفسها بديهية، أو يلزم للبرهان على صحتها استخدام مقدمات بديهية]. وما من قضية من هذه القضايا الكلية التى تجعل مقدمة فى البرهان إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان». ويضرب على ذلك أمثلة عديدة؛ منها: «كل إنسان يعلم أن الشىء لا يكون متحركا ساكنا معا، ولا يحتاج إلى معرفة القضية الكلية (كل ضدين لا يجتمعان).. وهكذا فى كل ما يعلم تضادهما؛ إذا علم تضاد المعنيين علم أنهما لا يجتمعان [فهذا لازم فى العقل من لوازم التضاد]. وإن لم يعلم تضادهما لم يغنه العلم بالقضية الكلية (كل ضدين لا يجتمعان). إن معرفة أن هذين المعنيين ما داما ضدين فلن يجتمعا يمكن [الوصول إليها] بدون العلم بالمقدمة الكبرى (إن كل ضدين لا يجتمعان)؛ فلم يفتقر العلم بذلك إلى القياس الذى خصوه باسم البرهان».

وبالجملة، فإن ابن تيمية يرى أن حاصل القياس المنطقى فى أغلب الأحوال هو إثبات ما هو ثابت بالفعل، كقولك كل إنسان حيوان، وأحمد إنسان، إذن أحمد حيوان، لو لم تكن تعرف من قبل أن الإنسان أحمد هو حيوان لما أمكنك قبول أن كل إنسان حيوان.. وهكذا.

 

بذور المنهج العلمى

 

وليس معنى ذلك أن ابن تيمية ينكر قيمة القياس المنطقى بالكلية، ولكنه يرى «أن ما ذكروه من صور القياس ومواده، مع كثرة التعب العظيم، ليس له فائدة علمية، بل كل ما يمكن علمه (بقياسهم) المنطقى يمكن علمه بدونه. أما ما كان فى الموجودات الجسمانية ويسمونه بالعلم الطبيعى، فوجه قصوره [أى القياس المنطقى] أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التى تستخرج بالحدود والأقيسة، كما فى زعمهم، وبين ما فى الخارج [أى الموجودات المادية فى الطبيعة] غير يقينى؛ لأن تلك أحكام كلية ذهنية عامة، والموجودات الخارجية متشخصة بموادها. ولعل فى المواد ما يمنع من مطابقة الذهنى الكلى للخارجى الشخصى، إلا ما يشهد له الحس من ذلك؛ فدليله شهوده بالحس لا تلك البراهين؛ فأين اليقين الذى يجدونه فيه؟!».

وفى الفقرة الأخيرة نلمح الفكرة الأساسية لابن تيمية، وقد شرحها، لكن ليس هنا موضع التفصيل فيها، وهى الفكرة التى نشأ حولها منهج البحث العلمى التجريبى الحديث فيما بعد، وهى أن الأشياء الموجودة فى الطبيعة يجب فحصها وإجراء التجارب عليها لمعرفة خصائصها، ولا يصلح فى العلم الطبيعى قياسات منطقية ولا تأملات عقلية. وإذا كان هذا يبدو لك بديهيا واضحا الآن، فإن أرسطو كان فى الواقع يختلف معك تماما.

وهكذا نرى ابن تيمية لا يعترض على منطق أرسطو اعتراضا على التفكير العقلى، بل هو يعترض على زعم الفلاسفة أولا أن هذا المنطق هو الطريق الوحيد لليقين؛ فهناك طرق أخرى غيره، وعلى زعمهم ثانيا أنه طريق مضمون؛ فهو فى نظره لا يوفر ضمانة أكيدة، ويجوز أن يصيب أو يخطئ، وهو بعد ذلك «يطول العبارة، ويبعد الإشارة، ويجعل القريب من العلم بعيدا، واليسير منه عسيرا»، بالإضافة إلى مساهمة ابن تيمية الهامة فى لفت النظر إلى عدم جدوى المنطق فى البحث العلمى الذى ينبغى أن يقوم على الملاحظة والتجريب. ولعلك لاحظت أنه كان فى كل اعتراضاته يسلك منهجا عقليا مستقيما لا غبار عليه.

 

* * * * *

 

المنطق والعلم الحديث

 

أحسب أننا قد أثبتنا خطأ ما ذهب إليه الدكتور فؤاد زكريا وشيعته من أن علماء المسلمين رفضوا المنطق؛ لأنهم رأوا أن التفكير المنطقى سيبعد بالمسلمين عن الإيمان، بل على العكس تماما؛ لقد احتفى بعض أهم علماء السلف -حجة الإسلام أبو حامد الغزالى لم يكن الوحيد فى ذلك- بالمنطق، واستخدمه لإثبات أن الفلاسفة هم الذين أساءوا استخدامه. أما الذين هاجموا المنطق (ابن تيمية مثلا) فلم يهاجموا التفكير العقلى المنظم، بل أرادوا حماية العقل وإطلاقه من عقال المنطق الأرسطى الصورى إلى رحابة الفكر المنظم المستقيم بكل طرقه.. ولقد كانت هذه هى الإرهاصات الأولى لإطلاق سراح العقل فى الطريق إلى بناء المنهج العلمى التجريبى الحديث للبحث؛ فالعلم الحديث لم ينطلق إلا بعد أن تحرر من منطق أرسطو وسار فى الطريق الذى كان ابن تيمية من أوائل من سلكوه على درب الاستقراء المنهجى، طارحا خلفه قياس أرسطو.. ودعونا نسمع الشهود.

فأرسطو رأى أن القياس المنطقى الذى يبدأ من قضية كلية هو الطريق الوحيد للوصول إلى معرفة يقينية. أما الاستقراء فلم يعترف به إلا إذا تم تصفح كل جزئيات الموضوع. أما تصفح بعضها لاستنتاج حكم وسحبه بعد ذلك على سائر الأفراد فلم يعتبره منتجا للعلم اليقينى، ولكن العلم الحديث أقام بنائه كله على فحص بعض العينات وإجراء التجارب عليها واعتبار أن النتائج تصف خصائص كل الأفراد المتشابهة لا العينات موضوع البحث فقط.. هذا هو بالضبط الاستقراء الذى دافع ابن تيمية فى منهجه التجريبى عن قيمته فى مجال البحوث الطبيعية؛ وذلك ضد المناطقة الأرسطيين.

يقول ويل ديورانت فى كتابه «قصة الفلسفة»: «إن ما يثير فينا الاستياء من أرسطو فى المقام الأول هو إصراره على المنطق؛ فهو يعتقد أن القياس المنطقى هو وسيلة الإنسان الصحيحة للتفكير السليم، مع أنه مجرد وسيلة يلبس فيها المرء تفكيره لإقناع عقول الآخرين، وهو يفترض أن الفكر يبدأ بالمقدمات ثم يبحث عن نتائجها، بينما فى الحقيقة يبدأ الفكر بالنتائج الافتراضية ويبحث عن مقدمات تبررها».

ولقد كانت بداية المنهج العلمى التجريبى فى أوروبا عندما قام فرانسيس بيكون -الذى يصفه بعض مؤرخى الفلسفة بأنه أعظم عقل فى العصور الحديثة- بتأصيل أسس الاستقراء المنهجى -بعد ابن تيمية بنحو أربعة قرون- وقال فى كتابه «الأدلة على البحث الجديد»: «إن خطأ فلاسفة اليونان الكبير هو أنهم صرفوا وقتا كبيرا فى النواحى النظرية والقليل فى الملاحظة والبحث العلمى، ولكن الفكر يجب أن يكون مساعدا للملاحظة لا بديلا عنها»، ويقول: «والآن بعد ألفى سنة من تخريط المنطق وفرمه بالآلة التى اخترعها أرسطو، سقطت الفلسفة إلى درجة فقدت احترام الجميع. يجب أن نقذف بجميع نظريات القرون الوسطى والجدل والحوار والنظريات التى تحتاج إلى إقامة البرهان بعيدا وننساها». ويزخر كتابه «تقدم التعليم» بالهجوم على أرسطو وتلامذته فى العصور الوسطى، وعلى الاستدلال القياسى. وفى فقرات من كتابه «البناء الرائع» يقول: «إن القياس المنطقى لا يطبق على المبادئ الأولية للعلوم، ويطبق عبثا على البديهيات الوسطى، وهو فى هذا لا يبارى الطبيعة دقة، وهو يقود إلى التسليم بالقضية شكلا ويهرب منه الموضوع»، كما نجد أشد من هذا عند روجر بيكون: «لو تركت لى الحرية لأحرقت كتب أرسطو جميعا؛ وذلك لأن دراستها لا يمكن أن تؤدى إلا إلى الضياع وإلى الخطأ وزيادة الجهل».

ألا يلاحظ القارئ أن هذا الكلام لا يختلف فى جوهره كثيرا عن مقولة ابن الصلاح التى عايرنا بها الدكتور فؤاد زكريا: «من تمنطق فقد تزندق»؟!

قد لا نعترف بقيمة كبيرة لمنطق أرسطو كأداة للتفكير أو طريق للعلم، لكنه فى الواقع أداة جيدة لعرض الأفكار وإدارة الحوار. عندما يبدأ المتحاوران فى وزن المقدمة الكبرى، فإن اتفقا بشأنها فقد قطعا نصف الطريق إلى تفاهم كامل؛ فإذا عالجا المقدمة الصغرى واتفقا بشأنها فقد صار قبول النتيجة أمرا ميسورا، وإذا اختلفا حول شىء ما فى المقدمات فقد حررا موضع الخلاف ليتعاملا معه بهدوء. لكن اتفاق المتحاورين لا يعنى بالضرورة أنهما قد وصلا إلى علم يقينى واتفقا حول الحقيقة؛ فاتفاقهما على المقدمات لا يضمن فى حد ذاته أنها صحيحة.

لقد كانت حدة ابن تيمية -وقد كان حادا فى كل مناقشاته عامة- من مستلزمات حالة الاشتباك إبان احتدام الصراع. أما بعد أن انجلت المواقف وانقشع غبار المعارك، فإن الشيخ أبا زهرة يوضح لنا الموقف النهائى لعلماء المسلمين فيقول: «إن المنطق يزن الاستدلال ولا ينشئ الدليل؛ فهو يقيس مادة الدليل، ولكنه لا يوجِد هذه المادة، ومثله فى ذلك كل العلوم الآلية؛ فعلم العروض لا يزيد مادة الشعر ولا يعطى المتكلم عبارات، وعلوم النقد البيانى تزن مراتب الكلام وأسرار بلاغته، ولا تمد المتكلم بأساليب البلاغة والصور البيانية. وتعلم المنطق والعلوم الفلسفية لا نحتاج إليها لنؤمن، ولكن يسوغ تعلمها ذودا عن الإسلام وحماية له ومجادلة بالتى هى أحسن؛ فعساهم يهتدون، ومن استمر منهم على المماراة والمهاترة، كان فى دراسة أساليبهم ما يفحمه ويلجمه.. تلك هى جدوى المنطق؛ فهو بحدوده وأشكال القياس المنطقى، وضروب التمثيل، يوضح الزيف فى القول. ويكفى أن يوضع الكلام الزائف فى شكل قياس منطقى، وتعرف الحدود فى كل أجزائه، ويعرف العموم والخصوص فى مقدماته، ليتبين الخبيث من الطيب. ولكن المنطق لا يمكن أن يكون وحده طريقا للإنتاج العقلى؛ فإن ذرائع الإنتاج العقلى لا تتقيد بالمنطق. قد يكون ميزانا ضابطا، ومع ذلك ليس هو وحده طريق الضبط العلمى؛ فإن سلامة الفطرة واستقامة العقل قد تغنى عنه كل الغناء».

 

* * * * *

 

وبعد..

لقد ركزنا فى هذه الدراسة على دحض مزاعم العالمانيين من أن رفض الفقهاء للفلسفة كان نتيجة خوفهم من أن إعمال العقل قد يضعف الإيمان، وأوضحنا من تراثنا الفكرى أن الفقهاء لم يرفضوا الفلسفة نفسها، بل رفضوا مقولات بعض الفلاسفة، وأن عدم استخدامهم المنهج اليونانى لم يكن بسبب عزوفهم عن المنهج العقلى، ولكن لأنهم تبنوا منهجا عقليا إسلاميا خالصا، استنبطوه من آيات القرآن وطريقته فى عرض الأدلة والبرهنة على قضاياه، واستخدموا منهجهم فى العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية جميعا، ثم جاء الباحثون فى بدايات عصر النهضة الأوروبى ليعتمدوا المنهج ذاته ويبنوا عليه العلم التجريبى الحديث، لكننا لم نتوسع فى عرض النهج العقلى للمسلمين. ولعل هذا يكون موضع دراسة مستقلة؛ فقد كان هدفنا هو التصدى لمزاعم العالمانيين، هدانا الله وإياهم.

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers