Responsive image

20º

24
سبتمبر

الإثنين

26º

24
سبتمبر

الإثنين

 خبر عاجل
  • قوات الأمن تقتحم جريدة "المصريون" وتعتقل الصحفيين وتصادر الأجهزة
     منذ 25 دقيقة
  • النقض تؤيد أحكام الإعدام لـ20 معتقلًا والمؤبد لـ80آخرين بـقضية"مركز شرطة كرداسة"
     منذ 2 ساعة
  • تأييد حكم المؤبد على المعتقل "سامية شنن" بقضية "مركز شرطة كرداسة"
     منذ 2 ساعة
  • وزارة الدفاع الروسية: موسكو تسلم سوريا خلال أسبوعين منظومات الدفاع الصاروخية إس-300
     منذ 4 ساعة
  • وزير الدفاع الروسي: موسكو ستسلم سوريا أنظمة آلية للتحكم بجميع وسائل الدفاع الجوي
     منذ 4 ساعة
  • إيران: القبض على "شبكة كبيرة" على صلة بهجوم الأحواز
     منذ 4 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:16 صباحاً


الشروق

6:39 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:14 مساءاً


المغرب

6:55 مساءاً


العشاء

8:25 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

د/عاصم الفولي يكتب "حتى لا يعود الشاة"

دروس لثورتنا المصرية

منذ 1563 يوم
عدد القراءات: 3316
د/عاصم الفولي يكتب "حتى لا يعود الشاة"

 حتى لا يعود الشاه

ما حدث لثورة مصدق وما يحدث لثورتنا 
ملاحظة قبل القراءة: 
هذه كتبت أثناء أحداث محمد محمود قبل انتخابات مجلس الشعب، أي قبل تولي الرئيس مرسي للرئاسة
 
هذه ليست محاولة لفهم ما حدث لثورة مصدق في إيران   بقدر ما هي محاولة للتحذير مما قد يحدث لثورتنا في مصر.
أثناء إنشغاله بالبحث عن الوثائق التي تتناول علاقة الغرب بالحركات الإسلامية عثر رفيق الصبا والشباب أخي المهندس شريف وشاحي على بعض الوثائق التي تروي ما حدث لثورة مصدق في إيران، والطريقة التي استطاعت بها المخابرات البريطانية (M16) والمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) أن تجهضا هذه الثورة بعد عامين من بدايتها، ولا تكتفيان بإجهاض كل مكاسبها، بل وتعيدا تصميم الحياة السياسية في إيران بشكل يضمن إستقرار المصالح الغربية فيها .. ولاحظ صديقي العزيز بذكاء أوجه الشبه بين ما حدث عندهم وقتها وما يحدث عندنا الآن.
نحن لا نكتب بحثا تاريخيا، ولا يهمنا كثيرا ما الذي حدث بالضبط في إيران منذ وصل مصدق إلى السلطة في مايو 1951 حتى الإطاحة به في أغسطس 1953، إن ما نبحث عنه هو الأسلوب الذي استخدم في مواجهة هذه الثورة .. الطريقة التي فكر بها هؤلاء الذين أرادوا إجهاضها وطريقتهم في العمل وأدواتهم في تنفيذ خططهم، وأرجو أن تكتشف معنا أن ما يحدث في مصر الآن يتفق تماما وبصورة مدهشة مع تلك الطريقة في التفكير وذلك الأسلوب في العمل، ربما لا تتطابق كل الأحداث، فمصر اليوم ليست إيران من 60 سنة، لكننا نجد ذات المنطق و ذات الطريقة في التفكير، وإذا عرفنا كيف يفكر العقل الذي يقف خلف الأحداث فربما أمكننا أن نتصور خطواته المستقبلية، كي نحتاط لأنفسنا ونحمي ثورتنا.
إن أحداث ثورة مصدق مدونة ومعروفة، فكل ما كتب عن ثورة الخوميني – تقريبا – يبدأ بسرد هذه الأحداث، كما يمكنك أن تكتب على أي محرك بحث على الشبكة العنكبوتية "ثورة مصدق" لتحصل على عشرات المداخل التي ترويها من وجهات نظر مختلفة، ونحن نستعرض هذه الأحداث بإختصار في الفصل الأول حتى يمكن للقارئ التفاعل مع موضوعنا وفهمه.
أما الفصل الثاني فهو محور هذا الكتيب، نعرض فيه أهم ملامح الخطة "أجاكس" وخطوات تنفيذها، تلك الخطة التي وضعها فريق عمل مشترك بين المخابرات البريطانية والمخابرات المركزية الأمريكية ونفذها عملاؤهما لإسقاط مصدق ونظامه، وكل ما نعرضه إستقيناه من مصدرين، الأول كتاب مارك كيرتس “Mark Curts” بعنوان "التواطؤ الإنجليزي والإسلام السياسي" “Secret Affairs .. Britain’s Collusion with Radical Islam’، والثاني هو وثيقة سرية كتبها أحد خبراء وكالة المخابرات المركزية سنة 1954 ونشرتها التايمز في سنة 2000 بعد رفع الحظر عنها.
أما الفصل الثالث فهو بعض الدروس التي لا نشك أن القارئ يمكنه إستخلاصها بنفسه، لكننا آثرنا وضعها في نهاية الكتاب، فربما يفوت بعضها على القارئ الذي لم يكن يقرأ بالتركيز الكافي لإستخلاص كل الدروس.
ينبغي أن أوضح أن الفضل الأول في خروج هذا الكتاب هو للجهد الذي بذله المهندس شريف وشاحي في الوصول إلى مصدريه الرئيسيين، وإلى ملاحظاته التي استفدت منها كثيرا، أما الصياغة فإنني أتحمل مسئوليتها وحدي، وأرجو ألا تكون قد أضاعت بعض من جهد صديقي العزيز، ولكن الفصل الثالث هو أفكاري الخاصة التي أرجو ألا يكون فيها ما يختلف معه صديقي العزيز.
لقد كنا في عجلة لإخراج الكتاب فلم نشغل أنفسنا بإحالة إقتباساتنا إلى أماكنها في مصادرنا، لكن متن الفصل الثاني كله مستخرج من الكتاب و الوثيقة المذكورين عاليه، أما المعلومات والتواريخ الواردة في الفصل الأول فقد حصلنا عليها من الإنترنت ومن كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل "مدافع آيات الله" نشر دار الشروق.
نسأل الله أن يتقبل عملنا هذا وينفع به. 
...........................................................
الفصل الأول
ثورة مصدق – الوقائع
 
ولد محمد مصدق (1882 – 1967) لعائلة عريقة من سلالة القاجاريين الذين حكموا إيران لعدة قرون، وفي عام 1906، وهو في سن الرابعة والعشرين، إنتخب نائبا في البرلمان الإيراني عن أصفهان، ثم سافر إلى فرنسا لدراسة القانون وبعدها حصل على الدكتوراه في القانون الدولي من سويسرا، وبعد عودته إلى إيران أصبح وزيرا للمالية في حكومة أحمد قوام السلطنة عام 1921، ثم وزيرا للخارجية في وزارة مشير الدولة عام 1923.
أعيد إنتخابة في البرلمان وظهرت بوضوح ميولة الديمقراطية المعارضة لحكم العسكر عندما صوت ضد إنتخاب رضا خان (والد محمد رضا بهلوي) شاها على إيران في عام 1925، لكن رضا خان حاز أصوات الأغلبية، فاحتل مصدق مكانه كمعارض بارز، وشارك في تأسيس حزب الجبهة الوطنية (جبهة ملي) وأصبح قائدا له   .. فشخصية الدكتور محمد مصدق وآراؤه ومواقفه ونضاله كانت معروفة تماما للإيرانيين قبل وصوله للسلطة بربع قرن. 
بسبب ميول رضا خان إلى الألمان خلال الحرب العالمية الثانية قام الحلفاء بعزلة وتنصيب إبنه الشاب محمد رضا بهلوي شاها على إيران محله.
في ذلك الوقت سيطرت إنجلترا على صناعة البترول، مصدر الدخل الرئيسي لإيران، وذلك من خلال شركة البترول الإنجليزية الإيرانية (AIOC) والتي عرفت فيما بعد بالبريطانية للبترول (BP)، وكانت هذه الشركة تدار من لندن ومملوكة للحكومة البريطانية مع مساهمين من القطاع الخاص الإنجليزي .. وفي أوائل الخمسينات غدت هذه الشركة دولة داخل الدولة.
كانت الحكومة الإيرانية تحصل على نسبة لا تتجاوز 12% من دخل الشركة مقابل حقوق التنقيب، بينما تحصل الحكومة البريطانية على 30% كضرائب، والباقي يعود إلى المساهمين – حكومة وقطاع خاص – والذين كانوا كلهم إنجليز .. شعر الوطنيون الإيرانيون بالغضب الشديد من هذا الوضع الذي يجعل عائدات البترول البريطانية أعلى بكثير من عائدات إيران.
في أوائل 1950 إحتل مقعد رئاسة البرلمان الإيراني واحد من حلفاء مصدق الرئيسيين، هو آية الله قاشاني، الذي كان أكبر زعيم ديني في إيران، وهو أستاذ آية الله الخوميني ومعلمه، وفي مارس 1951 صوت البرلمان الإيراني بالموافقة على قرار بتأميم شركة البترول.
في 28 إبريل 1951 إنتخب البرلمان الإيراني الدكتور محمد مصدق رئيسا للوزراء بأغلبية كاسحة (79 صوتا معه مقابل 12 صوتا ضده)، وبعد يومين فقط من توليه السلطة نفذ مصدق قرار البرلمان وأعلن تأميم شركة البترول الإنجليزية الإيرانية، وأصدر أية الله قاشاني فتواه الشهيرة "كل من يعارض قرار تأميم النفط الإيراني هو عدو للإسلام".
بمجرد صدور قرار التأميم سارعت إنجلترا إلى سحب كل فنييها العاملين في الشركة، وقادت حصارا دوليا على مبيعات النفط الإيرانية بدعوى أن إيران قد إنتهكت حقوق الشركة البريطانية، الأمر الذي أدى بالتدريج إلى تردي الأوضاع الإقتصادية في إيران إلى درجة بالغة السوء، وفي نفس الوقت بدأت حملة دعاية سوداء مكثفة وواسعة النطاق ضد مصدق وحكومته (وهو نفس ما قامت به ضد جمال عبد الناصر عندما أمم قناة السويس، غير أنها لم تفلح في مسألة مقاطعة القناة نظرا لعدم وجود بديل آخر للقناة المصرية بعكس البترول الإيراني).
في بداية عهد مصدق إلتف حوله اليمين واليسار، فقد كانت أهدافه وسياساته موضع إتفاق، فكان كل الوطنيين يدعمون تأميم البترول وتحجيم النفوذ البريطاني وإعادة السلطة للشعب .. أما الإسلاميون فقد كان أكبر علمائهم – آية الله قاشاني – حليفا رئيسيا لمصدق وساهم بشكل فعال في وصوله إلى السلطة عندما كان يرأس البرلمان الذي إنتخبه رئيسا للوزراء، واستمر لمدة عام تقريبا داعما لمصدق، ومن جهة أخرى فقد وجده الحزب الشيوعي الإيراني – حزب تودة – شخصية مناسبة لقيادة البلاد في هذه الفترة، فمصدق راغب في تقليص النفوذ الغربي ورافض للدخول في الأحلاف الغربية التي كانت أمريكا تسعى لتطويق الإتحاد السوفياتي بها، وبالمقابل فإن مصدق – رغم معاداته للشيوعية – كان في حاجة لحزب تودة، بتنظيمه الحديدي وكفائته السياسية العالية، لموازنة الضغوط التي يتعرض لها حكمه من الشاة ومن الغرب.
سعى مصدق لتحرير القرار السياسي من سيطرة قادة الجيش والإقطاعيين وكبار موظفي الحكومة، فعمل على تغيير بنية الجيش كي لا يكون حكرا على أبناء الطبقة الأرستقراطية، محاولا زعزعة ولاء الجيش التقليدي للشاة، فقد أصبح جزء من رجال الجيش يحمل طموحات للتغيير تتناغم مع المد الشعبي السياسي القائم، ولضرب سلطة كبار الملاك بدأ في تطبيق الإصلاح الزراعي، وهذه الإجراءات أكسبته بالطبع عداء الطبقة العليا التقليدية، لكنها أكسبته ثقة وولاء كتل اليساريين، وخصوصا الشيوعيين الإيرانيين، وحققت له تأييدا واسعا بين الطبقات الشعبية.
وفي 16 يوليو 1952، أثناء محاولته الحصول على الموافقة الملكية لإعادة تشكيل الوزارة، أصر مصدق على حق رئيس الوزراء الديمقراطي في تسمية وزير الحربية ورئيس أركان الجيش، لكن الشاة رفض، فاستقال مصدق وتوجه إلى الشعب معلنا: "إن الصراع الذي بدأه الشعب الإيراني لم يمكن تتويجه بالنصر".
أثارت إستقالة مصدق عاصفة سياسية وشعبية عنيفة راح ضحيتها كثير من المتظاهرين، وتميزت هذه الحركة بتحالف مؤقت وعابر، ولكنه كان مفيدا، بين مختلف الإتجاهات والحركات السياسية يسارية ودينية وليبرالية، وأصدر آية الله قاشاني فتوى بوجوب إنضمام عناصر الشرطة إلى المتظاهرين ضد الشاة وإعلان العصيان، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلعب فيها رجل دين دورا في الحياة السياسية .. وكانت مقدمة لما تلاها.
إنتهت الأزمة بتسليم الشاة بطلبات مصدق وعودته لرئاسة الوزارة، وربما ظن المراقب وقتها أن قطار الثورة قد إكتسب زخما هائلا وبات يصعب إيقافه قبل أن يصل إلى مداه.
لكن، وبرغم كل شيء، توترت العلاقة بين مصدق وقاشاني في بداية 1953، ولا يبدو لنا واضحا السبب الحقيقي في التباعد بين الرجلين، فبعض المصادر تعزو ذلك إلى تشكك قاشاني في نوايا مصدق بسبب تحالفه مع الحزب الشيوعي .. هذا التحالف كان بمقدور الدعاية الإنجليزية إستخدامه للتشكيك في توجهات مصدق، لكننا نعتقد أن قاشاني كان بالتأكيد يعرف أن عداء مصدق للشيوعية كان أصيلا، نتيجة نزعته القومية وأصوله الأرستقراطية ومبادئه التحررية.
وهناك مصادر أخرى تذكر أن السبب هو نزعة مصدق للإستحواذ على السلطة، لكن هذا أيضا لا يبدو لنا معقولا، فإيمان مصدق بالديمقراطية لم يكن قناعا يتخفى خلفه ديكتاتور، وصراعه مع الشاة على تسمية الوزراء لم يكن صراع على سلطة لكنه كان موقفا صلبا لإنتزاع حق ديمقراطي يملكه كل رئيس وزراء في ملكية دستورية .. ولم يكن قاشاني منافسا محتملا على السلطة، فنظرية ولاية الفقيه لم تكن قد ظهرت بعد ، وكان قاشاني مخلصا للنظرة الشيعية الإمامية التقليدية التي تذهب إلى أن السلطة هي حق فقط للإمام الغائب في كهف سامراء والذي ينتظرون خروجه ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما (حتى الآن كلما ذكروه يقولون: الإمام الغائب عجل الله فرجه).
ربما كان مصدق يضيق أحيانا برغبة قاشاني في التدخل في القرارات السياسية باعتباره رئيسا للبرلمان، ولكن أسلوب مصدق في إدارة دفة الأمور يرجح عندنا أنه كان أذكى من أن يخسر حليفا قويا، فالرجل الذي كان بإمكانه إدارة تحالف مع الشيوعيين مع كراهيته الأصيلة للشيوعية تجعلنا نستبعد عجزه عن التعاون مع قاشاني الذي كان حليفا له قبل وصوله إلى السلطة.
إذا صدقت المزاعم التي يحكيها "مارك كيرتس" في كتابه والتي سنذكرها في الفصل الثاني فربما إقتنعت أن السبب الحقيقي هو الإسفين الذي دقه عملاء المخابرات البريطانية بين الرجلين، دون أن نستبعد وجود بعض أو كل الأسباب الأخرى، لكنها لو وجدت فعلا ما كانت لتؤدي إلى هذه القطيعة بين الرجلين لولا هذا الإسفين.
أيا ما كانت الأسباب فقد إنتهت بإقصاء قاشاني عن رئاسة البرلمان ليتحول بعدها إلى صفوف المعارضين لمصدق، بل إلى واحد من ألد خصومه، وليصل الأمر إلى إندلاع أعمال شغب في طهران في فبراير 1953، وإلى مهاجمة منزل مصدق في محاولة لإغتياله.
وبعدها بقليل بدأت تتردد على ألسنة المسئولين الأمريكيين – بمن فيهم الرئيس الأمريكي نفسه – نغمة عدم إرتياح الولايات المتحدة لعزوف حكومة مصدق عن الإنضمام إلى شبكة الأحلاف التي كانت أمريكا تحاول أن تحيط بها الإتحاد السوفياتي للحد من نفوذه في المنطقة.
إشتد إستحكام الأزمة الإقتصادية في إيران بسبب الحظر الدولي الذي قادته إنجلترا على صادرات النفط، حتى وصل الأمر في أغسطس 1953 إلى أن الحكومة باتت تعاني من أزمة سيولة تنذر بعدم قدرتها على دفع رواتب موظفيها في نها ية الشهر، لكن الشهر لم يصل إلى نهايته إلا ومصدق خارج السلطة، ولم تكن الأزمة الإقتصادية هي السبب الوحيد، فمنذ إقصاء قاشاني عن رئاسة البرلمان تواترت أحداث الشغب والفوضي في شوارع طهران، وبدا واضحا أن رجال الدين الشيعة، وعلى راسهم قاشاني بالطبع، يتخذون موقفا عدائيا واضحا من مصدق ويدعون لإسقاطه، حتى أصدر بعضهم فتوى أن مصدق عدو للإسلام، وفي النهاية جاء الإنقلاب.
في 15 اغسطس حاول بعض رجال الحرس الشاهنشاهي مهاجمة منزل مصدق وإعتقاله، غير أن بعض وحدات الجيش الموالية لمصدق أحبطت المحاولة وبدأت مطاردة من قامت أدلة على تورطهم فيها، وهرب الشاه إلى بغداد ثم روما، بعد أن ترك خلفه فرمانا بعزل مصدق وتعيين الجنرال فضل الله زاهدي رئيسا للوزراء، وحاول مصدق تجاهل هذا الفرمان وإخفاءه، لكنه طبع وتم توزيعه على نطاق واسع، فحاول مصدق الدفاع عن موقفه بأن رئيس الوزراء لا يكتسب سلطة شرعية إلا إذا كان منتخبا من البرلمان (وكان هذا الدفاع صحيحا)، لكن في 19 أغسطس إندلعت المظاهرات الشعبية في طهران وعدد من المدن الكبرى تؤيد الشاه وحقه في تعيين من يراه وتنادي بسقوط مصدق، وعند الظهيرة تحركت بعض وحدات الجيش للقبض على مصدق ورجاله، وبث راديو طهران بيانا من الجنرال زاهدي أعلن فيه أنه هو الرئيس الشرعي للحكومة، ولم ينته النهار إلا وكل رجال نظام مصدق إما معتقلين أو هاربين، وتوالت بيانات التأييد لللشاه ولزاهدي، وكان ثاني المتحدثين في إذاعة طهران هو محمود إبن آية الله قاشاني.
عاد الشاه إلى طهران وقبض على زمام الأمور بيد من حديد، وصار شيئا فشيئا طاغية مستبد يعتمد في حكمه على جهاز السافاك (أمن الدولة الشاهنشاهي) الرهيب، وألغى كل الأحزاب عدا الحزب الحاكم .. أما زاهدي فقد استمر رئيسا للوزراء لمدة عامين، وصل خلالهما إلى تسوية لموضوع البترول أعطت 40% من العائدات لإنجلترا ومثلها لأمريكا، وتبقى لإيران 20%،وحوكم مصدق محاكمة وصفت بأنها صورية، إنتهت بالحكم عليه بالإعدام، وخفف الحكم إلى الحبس ثلاث سنوات ثم وضعه رهن الإقامة الجبرية في منزله بقرية أحمد أباد حتى وفاته في 1967.   
 
.....................................................
الفصل الثاني
الدور الأنجلو أمريكي في الإطاحة بمصدق
 
يعتمد هذا الفصل على مصدرين يرويان من الوثائق السرية الطريقة التي عمل بها جهازي المخابرات البريطانية (M16) ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) للإطاحة بمصدق، وهما: 
1-كتاب مارك كيرتس “Mark Curts” بعنوان "التواطؤ الإنجليزي والإسلام السياسي" “Secret Affairs .. Britain’s Collusion with Radical Islam’ .. وهو كتاب يعتمد على الوثائق البريطانية السرية، بعد رفع السرية عنها، وعلى تصريحات علنية لبعض الساسة والديبلوماسيين الإنجليز، ومذكرات لرجال مخابرات متقاعدين.
2-التقرير السري الذي أعده دونالد ويلبر Donald N. Wilber في سنة 1954 ، بعد عام من سقوط مصدق، عن الخطوات التي إتخذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودورها في العملية، وقد كتبه بتكليف من الوكالة بإعتباره واحد من الخبراء الذين شاركوا في العملية ليحكي فيه قصة التخطيط والتنفيذ والمشاكل والحلول، ليكون وثيقة مرجعية سرية داخلية عن العملية والدروس المستفادة منها، وحمل التقرير عنوان “Overthrow of Premier Mossadeq of Iran” .. ونشرته التايمز في سنة 2000 بعد رفع حظر السرية عنه.
لقد حرصنا على أن تكون كل الأفكار الواردة في هذا الفصل نقلا عن هذين المصدرين، لم نتدخل إلا بالترجمة والصياغة فقط، ووضعنا تعليقاتنا ووجهة نظرنا في الهوامش حتى لا يلتبس الأمر على القارئ ولا تختلط أفكارنا مع أفكارهم.
******
مهلة للتخطيط
كانت المعارضة الإيرانية الوطنية تعبر دائما عن غضبها الشديد من وضع شركة البترول الإنجليزية الإيرانية، داعية إلى تأميم هذه الشركة ليكون بترول الإيرانيين للإيرانيين، وفي المقابل كان الموقف الإنجليزي هو كما ورد على لسان السفير البريطاني في إيران: "من المهم منع الإيرانيين من تدمير أهم مصدر لإيراداتهم .. عندما يريدون إدارته بأنفسهم .. إن ما تحتاجه إيران ليس هو أن تدير بنفسها صناعة البترول فيها – لأنها لن تستطيع ذلك – ولكن ما تحتاجه هو أن تستفيد من القدرات الفنية الغربية في ذلك" .. لكن بالطبع (وهذا رأي مارك كيرتس) أثبتت الحوادث فيما بعد ما كان يعرفه البريطانيون منذ البداية .. كان الإيرانيين بالفعل قادرون على إدارة صناعتهم بكل كفاءة.  
عندما أعلن مصدق تأميم شركة البترول سارعت إنجلترا إلى سحب كل فنييها العاملين في الشركة، وقادت حظرا دوليا على صادرات البترول الإيرانية، لكن لم يكن واضحا في البداية ما الذي يمكن عمله لإستعادة الشركة، الأمر المؤكد وقتها كان هو أنه يجب إرباك مصدق وعمل كل ما يمكن لضمان عدم إستقرار حكومته.
لكن سرعان ما وصل خبراء المخابرات البريطانية إلى أنه من المستبعد إمكانية الوصول إلى أي حل مع وجود مصدق، كما أعلن مسئول بريطاني فيما بعد: "كانت سياستنا هي التخلص من مصدق باقصى سرعة ممكنة"، وقال السفير البريطاني: "إن أفضل حل لإيران هو ديكتاتور يمكنه عمل الإصلاحات الإقتصادية المطلوبة وتأمين حل مشكلة البترول على أسس مرضية" .. وكان يقصد بالطبع عكس عملية التأميم.
بدءا من نوفمبر 1952 (بعد 18 شهرا من التأميم) بدأت الترتيبات الفعلية للتعاون بين المخابرات البريطانية والأمريكية في حل مشكلة مصدق في إيران، لقد استغل البريطانيون تحالف مصدق مع حزب تودة الموالي للسوفيات لدفع الأمريكان للتعاون معهم من خلال إثارة مخاوفهم من وقوع إيران في فلك السوفييت، وذلك كما قال مسئول بريطاني فيما بعد: "سيكون الأمريكيين أكثر إستعدادا للتعاون معنا في إيران إذا كان المطلوب هو محاصرة المد الشيوعي مما لو كان الهدف هو إستعادة وضع شركة البترول"   .. ومع ذلك فلا الملفات البريطانية ولا الأمريكية أظهرت وجود أية مخاوف حقيقية من سيطرة الشيوعيين على إيران، لكن الخطر الحقيقي الذي تظهره هذه الملفات هو التهديد الكامن في المثل الذي يضربه إستقلال مصدق عن المصالح الغربية والذي يمكن أن يكون قدوة للقوى الوطنية في سائر دول المنطقة. 
في مارس 1953 إتخذت الحكومة الأمريكية قرارها، وقامت وزارة الخارجية بإخطار وكالة المخابرات المركزية رسميا بأن وجود حكومة مصدق يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وأن المطلوب إزاحته لتحقيق الأهداف التالية:
الهدف الأساسي هو أن تعتلي السلطة حكومة تصل إلى إتفاق مقبول بشأن البترول الإيراني.
ويمكنها تحقيق إستقرار إقتصادي لإيران وتوفير سيولة مالية للعمل الحكومي. 
ويمكنها معاقبة الحزب الشيوعي الإيراني الذي أيد مصدق. 
وفي  16 إبريل إنتهى خبراء وكالة المخابرات المركزية من تقرير يحمل التقديرات الأولي تحت عنوان “Factors Involved in the Overthrow of Mossadeq”  .. ووصل التقرير إلى أن التخلص من مصدق يمكن أن يتم من خلال إنقلاب بعمل مشترك مع المخابرات البريطانية، وبنهاية إبريل تم تشكيل فريق عمل مقره قبرص لوضع الخطة وتقديمها للعرض على قيادات المخابرات ووزارتي الخارجية في البلدين، وفي 3 يونيو سافر السفير الأمريكي في طهران إلى أمريكا ليشارك في مناقشة أهداف ونوايا وكالة المخابرات المتعلقة بخطة الإنقلاب.
إنتهى الخبراء من وضع أول خطة لمشروع "أجاكس" (الأسم الكودي لعملية الإنقلاب على مصدق) في 10 يونيو 1953 وسلمت إلى كيرميت روزفلت – مسئول قسم الشرق الأدنى وأفريقيا في المخابرات المركزية – لدراستها مع باقي فريق العمل، وأرسلت نسخة منها إلى لندن في 14 يونيو.
وفي 19 يونيو قدم كيرميت روزفلت الخطة بعد مراجعتها مع فريقه إلى وزير الخارجية الأمريكية ومدير وكالة المخابرات وسفير أمريكا في إيران، وفي نفس الوقت أرسلت نسخة منها إلى وزارة الخارجية البريطانية.
طلبت وزارة الخارجية الأمريكية التأكد من نقطتين قبل إعتماد الخطة:
الأولى:  أن الحكومة الأمريكية سيكون لديها الفرصة أن تقدم دعما مناسبا للحكومة التي ستحل محل مصدق بحيث يضمن بقائها في السلطة لحين تسوية موضوع البترول.
الثانية: أن تقدم الحكومة البريطانية تعهدا كتابيا للخارجية الأمريكية بأنها ستعمل على الوصول بسرعة إلى إتفاقية مناسبة للبترول مع الحكومة الجديدة في طهران. 
وقد حصلت الخارجية الأمريكية على إجابات مرضية لها في كلا النقطتين.
وفي أوائل يوليو 1953 إنتهى فريق العمل من وضع كل التفاصيل وأعطت كل من وزارتي الخارجية الأمريكية والبرطانية موافقتها على تنفيذ الخطة، وتم تحديد منتصف يوليو لبدء التنفيذ. 
***********
- محمد رضا بهلوي
كان تعاون الشاه أمرا حيويا لنجاح الخطة، وذلك لضمان تأييد بعض قطاعات الجيش في طهران للإنقلاب، والأهم: لإضفاء الشرعية على رئيس الوزراء الجديد، ولما كان الشاه ينظر إليه وقتها على أنه متردد وعديم القدرة على إتخاذ قرارات كبيرة، فقد قرروا أنه يجب أن تمارس عليه بعض الضغوط كي "يتعاون"، فاقتضت الخطة أن يتم الضغط من خلال ما يلي:
أن يرسلوا إليه الأميرة أشرف بهلوي – أخته التوأم والتي كانت في أوروبا وقتها – لتمارس تأثيها عليه، والذي كان كبيرا، لتضغط لإقصاء مصدق، وعليها أن تخبره أن حكومتا أمريكا وإنجلترا طلبتا منها أن تفعل ذلك.
أن يذهب إليه الجنرال شوارتسكوف، الذي كان الشاه معجبا به ويكن له قدرا كبيرا من الإحترام، ليشرح له الخطة ويقنعه بإصدار فرمان شاهنشاهي بإقصاء مصدق وتعيين الجنرال فضل الله زاهدي مكانه.
أن يقوم العميل الرئيسي للمخابرات البريطانية في إيران، والذي كان قد وطد علاقته بالشاه، بمقابلته لتدعيم طلبات شوارتسكوف، ولكي يؤكد للشاه أنها عملية مشتركة بين الحكومتين الأمريكية والبريطانية.
تتويجا للخطوات السابقة يقوم كيرميت روزفلت، باعتباره ممثلا شخصيا للرئيس الأمريكي، بإقناع – أو الضغط على – الشاه لتوقيع الفرمان الذي طلبه شوارتسكوف، على أن يتسلم روزفلت الفرمان ويحتفظ به عنده، بحيث لا يظهر إلا في الوقت المناسب، عندها ستسلمه المخابرات المركزية للجنرال زاهدي.
وتم التأكيد على أن المخابرات المركزية، من خلال عملائها في الجيش الإيراني، ستعمل على ضمان أن تدعم قوات الجيش في طهران رئيس الوزراء الجديد الذي عينه الشاه .. ومع ذلك قرر فريق التخطيط أن الشاه يجب أن يكون خارج طهران يوم الإنقلاب، وذلك لتفادي إحتمال أن يتراجع في اللحظة الحاسمة ويفسد الخطة، أو أن يتم الضغط عليه لسحب توقسعه على الفرمان، أو ببساطة يتم إغتياله وإعلان الجمهورية .. المهم أن يكون الشاه خارج البلاد في اللحظة التي يقوم فيها زاهدي، متسلحا بالفرمان وبمعاونه رجاله في الجيش، بالإستيلاء على السلطة.  
***************
4- قبل الإنقلاب
ذكرنا أن خطة الإنقلاب لم يتم إعتمادها إلا في يوليو 1953، وأن قرار الإنقلاب لم يتخذ إلا بعد حوالي سنة كاملة من تولي مصدق رئاسة الوزارة، لكن هذا لا يعني أنهم ظلوا ساكنين بدون حركة حتى يتم وضع خطة لينفذوها، فالواقع أنهم بدأوا من أول لحظة في إتخاذ كل الخطوات التي تربك عمل مصدق وتحاصره، كما شرعوا في تجنيد الأعوان وكسب الولاء لهم وللشاه في مواجهة مصدق، وكان أهم جهودهم هو ذلك الذي توجه لكسر التحالف بين مصدق وقاشاني، وقد أنجزوا خطوات كبيرة في كل ما سبق قبل أن يكون لهم خطة واضحة المعالم للإنقلاب.
يذكر مارك كيرتس أن الحكوميين البريطانيين كانوا يعرفون أن حكومة مصدق كانت بصفة عامة حكومة ديمقراطية وصالحة، وطنية ومعادية للشيوعية، وفي أحاديثه الخاصة كان السفير البريطاني في إيران يعترف: "إن ما يميز حزب مصدق هو أن كوادره عموما لم يتورطوا في ممارسات إستغلال السلطة لتحقيق منافع خاصة" .. وهذا بالطبع لا يمنع من إسقاطه طالما كان وجوده متعارضا مع مصالحهم.
شرعت المخابرات البريطانية في إستخدام المدفوعات المالية المنتظمة لتأمين تعاون بعض قادة الجيش والشرطة ونواب في البرلمان، ورجال دين وتجار ومحرري صحف وبعض كبار موظفي الحكومة، كما بدأت في الشهور الأخيرة من 1952 في تزويد قادة القبائل المتمردة في الشمال بالسلاح، وأوضح مسئول في المخابرات البريطانية أن هؤلاء "المتعاونين" هم الذين سيمكنهم السيطرة على طهران والمدن الرئيسية عندما يحين الوقت، ومن الأفضل أن يتم ذلك بدعم من الشاه، ولكنهم سيستطيعون الحركة وإنجاز المطلوب حتى بدون هذا الدعم إذا إقتضت الظروف.
ولقد ساهم إثنان من عملاء المخابرات البريطانية، واللذان كانا أيضا على صلات جيدة بالقصر الملكي، في توتر العلاقة بين مصدق وقاشاني وسائر القادة الدينيين في إيران (لم تذكر المصادر التي بين أيدينا شيئا عن التكتيكات الفعلية التي إستخدموها للوقيعة، لكنها تؤكد أن هذين العمليين كان لهما الفضل الأكبر في تحقيقها)، وكانا هما قناة الإتصال بين قاشاني والبريطانيين، ومن خلالهما وصل التمويل الإنجليزي إلى قاشاني،  ويقول ستيفن دوريل – واحد من رجال المخابرات البريطانية – أن عصابات الزعران (البلطجية) التي قامت بأعمال شغب واسعة النطاق في طهران في فبراير 1953، بعد إقصاء قاشاني من البرلمان، قد تم تمويلها جزئيا من أموال تلقوها من قاشاني، ومن تمويل مباشر من البريطانيين إلى زعيم زعران طهران.
كما تضمنت الأعمال التحضيرية – التي تمت قبل وضع خطة الإنقلاب – إستخدام عملاء المخابرات البريطانية والأمريكية ليعملوا في الشارع الإيراني كما لو كانوا أعضاء في تودة (الحزب الشيوعي الإيراني) وليقوموا ببعض العمليات الإرهابية، بهدف تعميق الفجوة بين مصدق وقاشاني ورجال الدين، وبهدف ضرب شعبية مصدق.
وحسب مارك كيرتس فأن الإنجليز كان لهم عملاء منخرطين في عضوية حزب تودة، فاستخدموهم مع بعض البلطجية ليتصرفوا كما لو كانوا أعضاء تودة، ليقوموا بأعمال شغب في الشوارع ويلقوا الأحجار على واجهات المحلات التجارية – وكان التجار بصفة عامة مناصرين لقاشاني – ولإلقاء الحجارة على المساجد وعلى رجال الدين، مظهرين بوضوح أن هذا من فعل تودة، وذلك ليثيروا الذعر بين الإيرانييين ويشعرونهم بأن إنتصار مصدق سيكون إنتصارا للشيوعيين.
وفي تقريره السري كتب دونالد ويلبر أن: "عملاء وكالة المخابرات المركزية أعطوا إهتماما كبيرا لتخويف القادة الدينيين في طهران من حزب تودة، وذلك من خلال نشاط الدعاية باسم تودة .. وشمل ذلك تهديد هؤلاء القادة بعقاب قاس إن هم عارضوا مصدق، وانهالت عليهم مكالمات تليفونية تحمل هذا النهديد باسم تودة، مع إلقاء القنابل على منازل بعضهم". 
***************
5 - الإنقلاب
وقع الإختيار على الجنرال فضل الله زاهدي – العسكري القوي – كأفضل خليفة لمصدق، فهو الوحيد من الشخصيات ذات الثقل في إيران الذي يعارض مصدق علنا، كما أنه الوحيد الذي له أتباع في الجيش مازالوا يدينون له بالولاء،  وتم الإتصال به وإعلامه بخطة تنصيبه كخليفة لمصدق، وطلبوا منه تعيين مندوب له من العسكريين ليشارك في وضع تفاصيل الأعمال المطلوبة لتنفيذ الإنقلاب.
بعد إقرار الخطة صدرت عدة تصريحات للرئيس الأمريكي ووزير خارجيته تعلن عدم إرتياح الحكومة الأمريكية لأداء حكومة مصدق ولنمو نشاط الحزب الشيوعي، وصاحب ذلك قيام عدد آخر من المسئولين الأمريكيين  رفيعو المستوى بالإدلاء بتصريحات بكل المعاني التي تؤدي لإلغاء أي أمل لدى الإيرانيين في أن الحكومة الأمريكية قد تقدم أي معونة إقتصادية لمصدق، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة في إيران كان لمثل هذه التصريحات أثرها الفعال.
وقامت وكالة المخابرات ووزارة الخارجية الأمريكية بالعمل على ظهور مقالات في كبرى الصحف الأمريكية كان لها أثر كبير في حرب الأعصاب الموجهة ضد مصدق وحكومته عندما ترجمت ونشرت في إيران، كما بدأت ماكينة الدعاية البريطانية والأمريكية في طهران في حملة مركزة من خلال مقالات الصحف وخطب بعض رجال الدين المتعاونين مع أجهزة المخابرات لإضعاف حكومة مصدق وزعزعة الثقة فيها بكل طريقة ممكنة.
وفي 15 أغسطس، بعد ضغوط كبيرة من الأميرة أشرف والجنرال شوارتسكوف، وبعد عدة زيارات من كيرميت روزفلت للشاه، وقع الأخير في النهاية على فرمان عزل مصدق وتعيين زاهدي رئيسا للوزراء،وتسلم روزفلت الفرمان على ألا يظهر إلا في الوقت المناسب، وتم الإتفاق على أن يبدأ التنفيذ في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي، 16 أغسطس، توجه رئيس الحرس الشخصي للشاه بصحبة شاحنتين مملوئتين بالجنود للقبض على مصدق، لكن العملية فشلت بسبب تفوق القوات الموالية لمصدق والتي كانت متواجدة في نفس اللحظة بعدد أكبر .. إرتبكت الخطة تماما في هذا اليوم، وعندما علم الشاه بذلك هرب إلى بغداد، وكان هذا من جانبه عملا يتسم بالتهور، لكنه كان متسقا مع الخطة على أي حال، أما زاهدي فقد استمر في مخبأه في حماية المخابرات الأمريكية، وتمكن هو وكبار أنصاره من الضباط من الإختفاء عن أنظار رجال الأمن التابعين لمصدق.
وصل السفير الأمريكي إلى طهران في اليوم التالي، 17 أغسطس، ورتبت المخابرات الأمريكية بطريقة سرية مؤتمرا صحفيا لزاهدي، كما طبعت ووزعت عددا كبيرا من المنشورات التي تعلن أن زاهدي هو رئيس الوزراء الشرعي وأن مصدق يغتصب سلطته، وقام عملاء المخابرات الأمريكية بتوزيع كميات ضخمة من صورة فرمان إقالة مصدق وتعيين زاهدي، وعملوا على إستثارة سكان طهران بمعلومة أن الشاه أضطر للهرب بسب مصدق. 
إتصل سفير أمريكا بالشاه في بغداد وطمأنه إلى أنه سيعود قريبا إلى طهران برغم كل هذا الإرتباك، وعندما وصل إلى روما بعد ذلك إتصلوا به أيضا لشد أزره.
أكد كيرميت روزفلت ورجاله في طهران أنه برغم ما يبدو من أن الخطة تتجه إلى الفشل فإن هذا يبدو في الظاهر فقط، فعنده إشارات صلبة أن الجيش ما زال على ولائه للشاه، وأن الخطة يمكن أن تنجح، ونصحوا بشدة أن على الحكومتين الأمريكية والبريطانية أن تضغطا بكل السبل على الشاه ليصدر تصريحا علنيا يحث الجيش والشعب على رفض مصدق وقبول زاهدي رئيسا للوزراء.
في 19 أغسطس خرجت من منطقة البازار – معقل أنصار قاشاني – مظاهرة مؤيدة للشاه، وبالطبع كان لعملاء المخابرات المركزية مساهمة كبيرة في بداية هذه المظاهرات، لكنها تضخمت بسرعة كبيرة مشيرة إلى أن الشاه مازال يحظى بالولاء في الشارع الإيراني.
بحلول الظهيرة إنضم الجيش في طهران للحركة المؤيدة للشاه، وفي مناطق أخرى من إيران كان الشارع تحت سيطرة المتظاهرين وبعض وحدات الجيش المؤيدة للشاه .. وبدا أن الخطة العسكرية يمكن تنفيذها الآن.
أعطت محطة المخابرات المركزية الإشارة، فخرج زاهدي من مخبأه ليقود الحركة، وكان أول ما فعله هو بث بيان من إذاعة طهران يعلن فيه أنه الرئيس الشرعي والفعلي للحكومة، وتم إعتقال كبار الضباط الموالين لمصدق، كما تمت مهاجمة منزل مصدق، وفي نهاية يوم 19 أغسطس 1953 كانت إيران بالكامل تحت سيطرة رئيس الوزراء الجديد، بينما كل أنصار مصدق وأعضاء حكومته إما هاربين أو رهن الإعتقال.
وبعدها بقليل عاد الشاه إلى إيران وحظى بإستقبال حافل. 
أما زاهدي الذي كان عاجزا عن دفع مرتبات الموظفين بحلول أول الشهر، ولم يكن من الممكن إنتظار الإجراءات الرسمية للحكومة الأمريكية لتقديم مساعدات مالية له، فقد حولت له وكالة المخابرات المركزية خلال يومين من توليه السلطة مبلغ خمسة ملاييين دولار يحل بها مشكلته.

الفصل الثالث:
الدروس
 
ينبغي علينا أن نقاوم إغراء محاولة تمثيل ما يحدث في مصر بما حدث في إيران، ليس لأننا نرفض الفكرة من حيث المبدأ، ولكن لأن الإختلاف كبير بين الظرفين، مما يجعل محاولة تصور الترتيبات الخفية التي تكمن وراء الأحداث أمرا محفوفا بالمخاطر، فمن الصعب أن نحدد الآن طبيعة الأحداث التي نراها غير مفهومة، هل كانت مجرد رد فعل إنفعالي غبي ولذلك لا نجد لها مبررا، أم أن من قاموا بها كانوا مأجورين لا يمكنك معرفة دوافع منطقية لأفعالهم إلا لو عرفت من الذي إستأجرهم، أم هم عملاء مندسون كأنصار لقوى معينة يعملون تحت رايتها وهم ليسوا منها، لذلك يتصرفون بطريقة لا يمكن تفسيرها في ضوء مبادئ وأفكار ومصالح هذه القوى، ولفهمهم لابد من أن تعرف من الذي دسهم.
لكن هذا لا يمنع من محاولة إستخلاص بعض الدروس مما حدث في إيران، بالذات عندما نرى ثورتنا تتكرر فيها ذات الأخطاء، ونترك للزمن، أو لتفكير كل قارئ على حدة، ليتبين العلاقة التي تربط ما تواجهة ثورتنا وما واجهته ثورة مصدق.
إحتاجت القوى المضادة للثورة في إيران لسنة ونصف تقريبا حتى يستقر رأيها على ما الذي تريد أن تفعله بالضبط، وخلال هذه الفترة كان كل جهدها منصبا على ضرب تحالف القوى الشعبية التي تدعم الثورة، وعلى إدخال السلطة الثورية في دوامة البحث عن طرق الخروج من أزمة إقتصادية، وإرباكها بكل الطرق الممكنة، حتى يكون الشارع مستعدا لتقبل الخطوات التي ستقوم بها لإجهاض الثورة عندما تحدد القوى المضادة ما الذي تريد القيام به .. هذا ما حدث في إيران التي جاءت فيها القيادة الثورية عبر نظام برلماني مستقر، فمن البديهي أنه عندما يفتقر الوضع لنظام مستقر أن تعرقل القوى المضادة كل محاولات بناء نظام، فهذا أسهل من تركنا نضع نظاما ثم يكون عليها زعزعته قبل تغييره.
لقد أمكن لقيادة الدكتور محمد مصدق أن تضم معا كل أطياف القوى السياسية من ليبراليين وإسلاميين ويساريين (حتى الشيوعيين كانوا ضمن التحالف)، واستمر هذا لأكثر من عام، وأمكن لهذا التحالف أن يقف في وجه الشاه ويفرض إرادته عليه، ولم تكن قدرتهم على إقامة هذا التحالف راجعة إلى خصوصية في الشعب الإيراني ولا إلى الظرف التاريخي لتلك الفترة، وإنما لطبيعة الأهداف التي كان على ثورة مصدق إنجازهها: إستقلال الإرادة السياسية، والسيطرة على الموارد الإقتصادية للأمة، وبناء حياة ديمقراطية، وهذه أهداف يمكن أن تتجمع حولها كل القوى الوطنية متى إهتدت إلى صيغة ملائمة للتجمع، لا يوجد هدف منها يمكن أن يثير النزاع بينها .. هل لدينا أهداف مختلفة تسبب التنازع بيننا؟ أم كانوا هم أذكى منا فوصلوا لصيغة ملائمة لهم وعجزنا نحن عن الوصول لصيغة ملائمة لنا؟ أم أن القوى المضادة لم تبدأ في العمل الجدي عندهم إلا بعد سنة كاملة بينما تعمل عندنا من اليوم الأول؟
إن القول بوجود أياد خفية تعمل لضرب الثورة ليس قولا ساذجا يتبنى نظرية المؤامرة ليبرر عجزة عن التعامل مع الواقع وفشله في تحقيق أهدافه، ليس الأمر كذلك، فقد كشفت الوثائق السرية وقائع المؤامرة في إيران وأعلنت بعض أسماء المتآمرين وخططهم وكيف نفذوها، لكن هذا تم بعد أكثر من ربع قرن عندما تم رفع حظر السرية، ولسنا مضطرين للإنتظار كل هذه المدة لتتبين لنا الأمور عندنا .. صحيح أننا لا يجب أن نركن دائما لتفسير كل مشكلة بأنها من صنع قوى خارجية وتبرير كل فشل بأنه نتيجة تآمر الأعداء، ولكن من الصحيح أيضا أن هذا الإحتمال يجب أن يوضع دائما في الإعتبار، وأن يتم التحسب له، وأن نقوم بتمحيص الوقائع لإكتشافه عندما يكون هو التفسير الصحيح.
إن قيام مصدق بإقصاء قاشاني عن رئاسة البرلمان يوضح لنا أن قيادة مخلصة ومحنكة سياسيا يمكنها أيضا أن ترتكب أخطاء سياسية فادحة، فما بالك بقيادة تفتقر للخبرة السياسية؟ .. وفي جميع المحاولات يجب الإنتباه إلى أن تصحيح الأخطاء لا ينبغي أن يتضمن الإصرار على معاقبة هذه القيادة، فمعاقبة القيادة في الظروف الثورية قد تؤدي ليس إلى التضحية بهذه القيادة فقط ولكن بالثورة نفسها.
وتحول موقف قاشاني من مصدق من التحالف إلى العداء وإلى الإشتراك في جهود إسقاطه يبرز لنا نقطتين:
الأولى: في مراحل الثورة الحرجة يجب ألا تتورط الفصائل الوطنية المختلفة في الصراع على القيادة (الصراع غير التنافس، فالتنافس بقوم على توسيع قاعدة أنصاري، أما الصراع فيقوم على محاولة إضعاف خصمي)، فالصراع بين الثوار قد ينتهي – وهوغالبا ما يحدث – بأن يضعف الطرفان بعضهما لصالح طرف ثالث هو غالبا القوى المضادة.
والثانية: أن قوى شريفة ومخلصة من الممكن أن يتم إستدراجها لإتخاذ مواقف والقيام بأعمال تخدم في النهاية مصالح القوى المضادة للثورة .. قد يتم هذا من خلال التضليل والكذب وتزوير الأدلة، وأحيانا بإصطناع مواقف غير حقيقية ونسبتها إلى الخصوم السياسيين .. المهم أنه ليست كل الأعمال التي يقوم ناس شرفاء تحت شعارات وطنية هي بالفعل في صالح الوطن، فأحيانا يقوم بعض الثوار بأعمال ضارة جدا بثورتهم.    
 
 
 
 
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers