Responsive image

21
سبتمبر

الجمعة

26º

21
سبتمبر

الجمعة

 خبر عاجل
  • انفجار عبوة ناسفة أسفل سيارة بالمنصورة دون وقوع إصابات
     منذ حوالى ساعة
  • رئيس الأركان الصهيوني: احتمالات اندلاع عنف بالضفة تتصاعد
     منذ 10 ساعة
  • مقاتلة صهيونية تشن قصفا شرق مدينة غزة
     منذ 10 ساعة
  • واشنطن تدرج 33 مسؤولا وكيانا روسيا على قائمة سوداء
     منذ 10 ساعة
  • موسكو: واشنطن توجه ضربة قاصمة للتسوية بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني
     منذ 10 ساعة
  • الكونجرس ينتفض ضد ترامب بسبب فلسطين
     منذ 11 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:14 صباحاً


الشروق

6:37 صباحاً


الظهر

12:48 مساءاً


العصر

4:17 مساءاً


المغرب

6:59 مساءاً


العشاء

8:29 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

صعود الإسلاميين.. دلالاته ومآلاته

بقلم: د. غازى صلاح الدين
منذ 2426 يوم
عدد القراءات: 4605

 ينحو بعض المعلقين على الأحداث إلى الاعتقاد بأن صعود الإسلاميين عبر الانتخابات هو ظاهرة جديدة حدثت جراء ما سمي بالربيع العربي. وهذا اعتقاد غير دقيق قد يؤدي إلى استنتاجات غير صحيحة. إن صعود التيارات الإسلامية عبر الانتخابات يمتد إلى ما قبل الفترة الراهنة بأكثر من عقدين. بل إن من الإسلاميين من يؤمن بأن رصيدهم الاقتراعي ظل دومًا متقدمًا عن ما لدى الآخرين لو أنه أقيمت انتخابات نزيهة. وهذا بالطبع قول لا يمكن إثباته أو نفيه في غياب اختبار انتخابي عملي. أما إذا أردنا أن نحدد بدقة قوة الإسلاميين الاقتراعية فعلينا الاحتكام إلى الاختبارات الموضوعية التي وفرتها الانتخابات التي جرت في عدة دول إسلامية.
كان أول صعود مفاجئ للإسلاميين في السودان في انتخابات 1986م، حيث برزت الجبهة الإسلامية القومية قوة ثالثة أمسكت بميزان السلطة بين القوتين الأخريين. وقد ساد اعتقاد بأن تلك النتيجة كانت ظاهرة سودانيه محضة ارتبطت حصرًا بفاعلية الحركة الإسلامية في السودان. لكن ما إن مضت سنوات قليلة حتى تكررت الظاهرة بصورة أقوى وأكثر جماهيرية في تجربة جبهة الإنقاذ الجزائرية التي حصدت غالبية الأصوات في انتخابات حرة عام 1991. ثم لم تمض أعوام قليلة حتى انتقلت الظاهرة إلى تركيا بفوز حزب الرفاه الإسلامي بقيادة البروفيسور نجم الدين أربكان الذي أصبح أول رئيس وزراء إسلامي منتخب عام 1996، إلى أن أزيح وحل حزبه بواسطة العسكريين الأتراك الذين ندبوا أنفسهم لحماية العلمانية الأتاتوركية. لكن الإسلاميين الأتراك ما لبثوا أن عادوا أقوى من ذي قبل، في دورتين انتخابيتين متعاقبتين ابتداءً من 2002م، تدفعهم إنجازات اقتصادية واجتماعية محسوسة، هذه المرة تحت راية حزب التنمية والعدالة بقيادة رجب طيب أردوغان. ولأول مرة يشغل الإسلاميون مقعدي رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية في تركيا. ثم جاءت الانتخابات التشريعية الفلسطينية سنة 2006 التي فازت فيها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأغلبية مريحة وكوّنت الحكومة الفلسطينية.
والآن تشغل الساحة سبعة حكومات تكونت أو في طريقها للتكوين يغلب عليها الإسلاميون، في مصر، وتونس، والمغرب، وليبيا، وبالطبع قبل ذلك تركيا والسودان وفلسطين.
إن تتابع فوز الإسلاميين في فترة وجيزة بعد أحداث الربيع العربي صرف اهتمام المراقبين عن تدبر هذه التحولات من جذورها، خارج إطار الأحداث الأخيرة في البلاد العربية. إن الدراسة المتأنية لأسباب هذه التحولات يجعل من التقويم أكثر موضوعية والتنبؤ بما يحمله المستقبل أكثر دقة.
قوة الإسلاميين وجاذبيتهم
صعود الغرب المادي والثقافي، ثم استيلاؤه على المنطقة الإسلامية، شكل أكبر حافز لنشأة التيار الإسلامي. ولم يكن مدهشًا أن يقتبس ذلك التيار نفسه من أدوات الغرب وآلياته، وربما حتى من أفكاره، ليتصدى للتحديات التي واجهته. هذه ظاهرة معلومة في التاريخ، أن يقتبس المغلوب من مفاهيم الغالب وأساليبه. والغرب نفسه أسس نهضته على ما اقتبسه من أدوات العلم والمعرفة التي برع فيها المسلمون، فليس من المفارقة إذن أن تكون بعض عناصر قوة الإسلاميين ناشئة من حسن اقتباسهم من التجارب الغربية. على سبيل المثال فإن واحدة من أهم عناصر قوة الإسلاميين هي قوة التنظيم وفاعليته، وهي فائدة مستمدة من علوم التنظيم والإدارة الحديثة التي تطورت في الغرب. بل إن بعضهم يزعم أن الإسلاميين قد استفادوا حتى من التجارب التنظيمية لأعدائهم المذهبيين وهم الشيوعيون. هذه الملكة أعطت، وما تزال تعطي، الإسلاميين ميزة نسبية في أي نشاط تعبوي، سواءً كان انتخابات عامة، أو حملات سياسية، أو مطالبات فئوية.
وهذه الخبرة، يتعدى أثرها محض القدرة على الانضباط والكفاءة التنظيمية إلى المهارة في تشكيل تنظيمات جديدة، فئوية ونقابية واجتماعية، تعين على استيعاب جمهور متعدد الاهتمامات والأولويات. فلم تعد الأسرة ولا الوحدة التنظيمية ولا الخلية هي وحدها الوعاء الذي تعمل من خلاله الجماعة، ولكن ما وراء ذلك من مواعين شعبية تنظم الأداء الجمعي وتحيط باهتمامات الموالين والمتعاطفين المتعددة. وهكذا لم تعد العضوية مقتصرة على أصحاب الاهتمامات الدعوية المباشرة، لكنها تعدت إلى كل فئات المجتمع من مثقفين وعلماء وطلاب وتنظيمات نسائية وروابط فنية وثقافية ورياضية..إلخ.
من الصفات التي تكسب الحركات الإسلامية قوة داخلية وتعطيها ميزة على كثير من منافسيها هي القدرة على تبني مبادرات جديدة في المجالات الاجتماعية والثقافية، وحتى الرياضية؛ وهذا يحقق هدفين: أولا، يجعل تلك الحركات قريبة من قاعدة المجتمع، وثانيًا، يشجع عضويتها النشطة والمتحفزة لإنتاج مبادرات جديدة تضمن لها الجماعة الحماية والرعاية. إن هذه الصفة، التي تفتقد في بعض التنظيمات الأخرى، تستقطب بصورة خاصة الشباب الذين يجدون من خلالها متنفسا لطاقاتهم الجسدية والفكرية، وهي لذلك واحدة من أقوى عوامل جذب الإسلاميين.
في معظم نماذج الاستبداد والاضطهاد التي عرفها العالم الإسلامي في المائة عام السابقة نال الإسلاميون نصيبًا وافرًا من الملاحقة والعقوبة. وفي أحداث الربيع العربي الأخيرة قدموا أمثلة للاستعداد للتضحية في سبيل أفكارهم وتلقي العقاب بسببها، بالسجن أو التشريد أو الاستشهاد. وقد أكسبهم ذلك رصيدًا نضاليًا واعترافًا بالاستحقاق من جمهور الناس. وسيبقى هذا الرصيد ما ظلت تضحيات الإسلاميين حية وشاخصة، وما لم يتحولوا هم أنفسهم إلى أدوات اضطهاد لخصومهم.
إن الإسلاميين ليسوا ليبراليين في الأساس، بل هم أقرب إلى المحافظة في أفكارهم الاجتماعية، وهو ما قد يضعف جاذبيتهم في مجتمعات تزداد نفورًا من تجارب الهندسة الاجتماعية، وتقييد السلوك، وتحديد الخيارات الشخصية. لكنهم يعوضون ميلهم نحو المحافظة في المجال الاجتماعي بقدرتهم على تبني أفكار جديدة ومبتكرة في الجانبين السياسي والاقتصادي. ويكفي في المجال الاقتصادي، على سبيل المثال، أن الإسلاميين قدموا محاولة جريئة لمنافسة النظام الاقتصادي الغربي، الذي أصبح، من قوته، يحدد المعايير للنظام الاقتصادي العالمي. ومع الفوارق الكبيرة بين ما حققه الاقتصاد الغربي وما حققه الاقتصاد الإسلامي حتى الآن، من حيث الكم، فلا مشاحة في أن الانهيار الكامل للاقتصاد السوفيتي والأزمة الحرجة التي يواجهها النظام الاقتصادي الغربي، وهي أزمة أبرزت إلى السطح جدلًا ليس في جزئيات ذلك النظام، بل في كلياته وأفكاره الأساسية، لا مشاحة في أن ذلك أعطى قدرًا من المصداقية لمبادئ الاقتصاد الإسلامي إن لم يكن للحلول العملية التي يقترحها. وينبغي الملاحظة هنا أن تلك المكتسبات في مجال الاقتصاد الإسلامي نتجت بصورة أساسية، على الأقل في مراحلها الأولى، من مجهودات فردية وجماعية في معظمها لم تكن مرتبطة بخطط الدول والحكومات أو معتمدة على دعمها. بل إن بعض الحكومات حاربت التجربة الاقتصادية الإسلامية، ثم رضخت لها لاحقًا بدرجة محدودة. هذه القدرة على العمل والإنجاز المؤثر الذي يعدل النظم القائمة أو يغيرها، بمعزل عن دعم الحكومات، وأحيانًا برغم عدائها، أعطى التجربة الإسلامية استقلالا وقوة.
بنفس القدر الذي يشكك فيه البعض في ليبرالية الإسلاميين، يشكك آخرون في التزامهم الديمقراطي، ويرون أن الحماس الذي يبديه الإسلاميون نحو الديمقراطية هذه الأيام ليس نابعًا من التزام حقيقي سيصمد أمام اختبارات السياسة، لكنه نابع من مصالح ظرفية. الأيام وحدها هي التي ستبدي صحة هذا الرأي أو ذاك، ولا جدوى من الجدل حول النوايا لأن التحقق منها مستحيل دون اختبارات عملية ستتوفر بكثرة في المرحلة القادمة. لكن من أهم أسباب قوة الإسلاميين، بغض النظر عن مدى التزامهم بالديمقراطية مع الآخرين، هي التزامهم بقدر كبير من الديمقراطية في تقاليدهم الداخلية، مع التفاوت في ذلك بالطبع بين الحركات الإسلامية في البلاد المختلفة. إن التمسك بتلك التقاليد قد أسهم في تحقيق إنجازين رئيسين، كان لتحقيقهما أكبر الأثر، ليس فقط في تقوية تنظيمات الإسلاميين الشعبية، بل أيضًا في إعطائها جاذبية لدى الشباب والمثقفين. أولًا، تعميق الفهم المؤسسي الذي عزز بدوره الاستقرار الداخلي. فالمؤسسية عمقت النزعة إلى التحاكم إلى إجراءات موضوعية لا يمكن الاحتجاج عليها، حيث إن الجميع يتساوون أمامها، وساهمت بذلك في محاربة الميول القبلية والجهوية وسياسة احتكار المناصب لأفراد الأسرة، مما تبتلى به التنظيمات التي لا تسود فيها ديمقراطية داخلية. ثانيًا، هو أن نظام الحرية الداخلي، وقدرة الأفراد، إذا ما نسقوا جهودهم، على أن يضعوا الأجندة، سمح لأولئك الأفراد بإطلاق مبادراتهم وجعلها برامج للجماعة كلها، وهذا ما أعطى التنظيمات الإسلامية جاذبية لدى الطبقة المتوسطة وفئات المثقفين والمهنيين المتطلعين دومًا إلى أدوار ومبادرات جديدة.
بيد أن كل المذكور آنفًا من أسباب القوة هو مما يمكن أن يتحقق لأي جماعة دينية كانت أو علمانية. أي أنه ليس بالضرورة أن يحوز فيه الإسلاميون التفوق على الآخرين. الذي يخصص الإسلاميين ويعطيهم ميزة فارقة هو تبنيهم للطرح الإسلامي في مجتمعات يعطي أفرادها الإسلام وزنًا كبيرًا في تحديد خياراتهم في الحياة الخاصة والعامة. إذا عدنا إلى الوراء قليلًا سنتذكر أن نشأة التيار الإسلامي بدأت مع تصاعد التحدي الحضاري الغربي. وفي وجه ذلك التحدي قامت حركات قومية ووطنية متفاوتة النجاح، لكن لم تستطع أي من تلك الحركات إحراز نصر حاسم في معركة المواجهة تلك. وأخيرًا برز الخيار الإسلامي كمعبر أفضل وملهم أقوى للمجتمعات الإسلامية.
بالطبع لا يمكن إنكار أن حركات قومية ووطنية تبنت بعض أطروحات إسلامية، لكن ما ميز طرح الحركات الإسلامية هو، بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقًا عن طبيعته الشاملة، وقدرته على الاستنفار والتعبئة، هي مرونته وقابليته لأن يعطي إجابات للأسئلة المعاصرة. بالطبع، أيضًا، على تفاوت بين التجارب الإسلامية في كل بلد في تحقيق ذلك الهدف، فإن بعض الحركات الإسلامية لم تغادر مرحلة الشعارات قط.
هذه القدرة على إنتاج أفكار جديدة أو تجديد أفكار قديمة، هذه المرونة في التكيف النظري، في تحرير المسائل، وترتيب الأجندة، واقتراح البدائل، كانت وستظل الخصيصة التي سيصعد بسببها الإسلاميون أو يهبطون.
تحليل القوة الاقتراعية للإسلاميين
تميزت نتائج الانتخابات التشريعية في ثلاثة بلاد جرت فيها الإنتخابات بعد أحداث ثورة الربيع العربي، بسمات مثيرة للاهتمام. فقد تجاوز ما حصلت عليه المجموعتان الإسلاميتان (الإخوان والسلفيون) في مصر الستين بالمائة. بينما حصل الإسلاميون وحدهم في تونس والمغرب على أكثر من 40% من الأصوات. وهذا شبيه بما حصل عليه حزب التنمية والعدالة في تركيا.
إن حصول أي حزب في انتخابات تعددية تشريعية على أكثر من 40% من الأصوات يمنح الحزب أغلبية برلمانية تمكنه من تشكيل الحكومة وحده، وهو ما حدث في الحالة التركية.
لكن المهم هو تحليل تلك الأرقام حتى تتبين القوة الاقتراعية الفعلية التي يمكن للإسلاميين التعويل عليها. إن نسبة تأييد أي حزب وسط الناخبين تعتمد على نسبة النواة الصلبة من المقترعين المؤيدين، أي المقترعين الذين يصوتون للحزب مهما كان أداؤه. وهذه تقابلها النسبة المتحولة، أي نسبة الذين يصوتون للحزب بسبب عارض قد يزول فيفقد الحزب تأييده من هذا القطاع من المقترعين. وتتفاوت الأسباب العارضة، فقد يصوت بعضهم بسبب أن الحزب يحقق الرخاء الاقتصادي، كما حدث في الحالة التركية؛ أو لأن الحزب إذا تولى الحكم سيجعل البلد أكثر أمانًا، أو أفضل أخلاقًا؛ أو ربما يصوت بعضهم فقط بسبب الكفاءة الإدارية لناشطي الحزب الذين وفروا له كل الخدمات من أجل التصويت، حتى التوجيه لمن يصوت.
وفي الحقيقة، قياسًا على تجارب الانتخابات في بلاد عديدة يصعب أن تتجاوز النواة الصلبة لأي حزب أكثر من 15—20% من المقترعين. وهذه هي النسبة الحقيقية التي ينبغي أن يبني عليها الإسلاميون حساباتهم ويحددون توقعاتهم من الديمقراطية. وهي على كل حال نسبة ليست ضئيلة، فهناك حالات قادت فيها أحزاب حصلت على تلك النسبة حكومات ائتلافيه أو شاركت فيها.
ما يهم هو أن رصيد الإسلاميين في الانتخابات القادمة لن ينخفض عن 15-20% في أسوأ حالاته، وستبقى نسبة متحولة من المقترعين ما بين 30 إلى 40 بالمائة مجالًا للمنافسة بينهم والآخرين، وهو ما يرشح الإسلاميين لأن يبقوا قوة مؤثرة في السياسة في العقدين القادمين على الأقل.
التحديات التي تواجه الإسلاميين
إن أداء الحركات الإسلامية في الحكم، سيكون أهم محدد لمصيرها وحكم التاريخ نحوها. وبسبب أنها رفعت شعار الإسلام فإن الأحكام الصادرة حول أدائها، ومن ثم القول باستحقاقها، ستكون بمعايير أقسى من تلك التي يصدر الناس أحكامهم وفقها بالنسبة للحركات السياسية الأخرى. ذلك أن رفع شعار الإسلام يتضمن، في نظر جمهور الناس، وعدًا سماويًا إضافيًا بتحقيق النصر والفلاح. أي أن توقعات المجتمع ستبدأ من نقطة أعلى مما لو كان برنامج الحزب السياسي علمانيًا محضًا. التذكير المستمر في الخطاب الإسلامي بهذا البعد السماوي كما في الآية: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) يضيف عاملًا غيبيًا غير محسوب العد أو التقدير. وسيظل الإسلاميون محكومين بهذا التوقع من جمهور منحهم تفويضًا مشروطًا، لأنه جمهور يؤمن حقًا بهذا الوعد الإلهي دون تدقيق في السنن التي تتحقق بها الوعود الإلهية، كالبركة في الزرع والضرع، أو النصر على الأعداء.
هناك محدد آخر مهم، وهو المحدد الأخلاقي. مرة ثانية فإن رفع شعار الإسلام سيعني بداهة أن المعايير الأخلاقية التي سيطبقها المجتمع في الحكم بشأن الإسلاميين وأدائهم ستكون شديدة الحساب والضبط. هذا طبيعي، لأن ما ميز المشروع الإسلامي المعاصر هو مبدأ شمول النظرية الإسلامية، ومن ضمن ذلك الربط الوثيق ما بين نظامي الأخلاق والسياسة.
ستكون مهمة الإسلاميين صعبة منذ البداية، لأنه بالإضافة لخصوصية البعدين السالفين في تقويم حكم الإسلاميين، وهما البعد الغيبي والبعد الأخلاقي، فإن الجمهور يتوقع نجاحًا في كل بند من بنود قائمة الأماني التي يطالب بها الناخبون من يقدمونه لقياداتهم: الأمن، المعاش، التعليم، الخدمات عمومًا.
سيكون التحدي الأول والأعجل في نظر الجمهور هو تحدي الاقتصاد والخدمات، وهو تحدٍّ معقد في ذاته في ظل نظم حكم وإدارة منهارة، وموارد طبيعية شحيحة في معظم الحالات (مصر، تونس، المغرب) وقيم عمل وإنتاج ضعيفة، ونمو متصاعد لطبقة متوسطة قلقة ذات مطالب ملحاحة وأهداف تنمية بعيدة المنال.
فضلًا عن هذه التعقيدات العامة فإن المصاعب الاقتصادية في معظم البلدان ستزداد بسبب أن الحكومات المخلوعة ربطت اقتصاداتها ربطًا وثيقًا بالاقتصادات الأوربية والأمريكية. وقد تضمن هذا الربط مشروطيات سياسية معلومة، سيكون صعبًا على الحركات الإسلامية، التي تعرض نفسها أيضًا باعتبارها حركات تحرر وطني، أن تقبلها. فضلًا عن أن هذه الشروط قد تصادم ثوابت مذهبية لدى الإسلاميين أو أحكامًا شرعية. وحتى على افتراض أن التعقيدات المذهبية قد زالت، فإن الصعوبات العملية ستبقى في ظل الأزمة الاقتصادية المصيرية التي تواجهها منطقة اليورو كما يواجهها الاقتصاد الأمريكي، وهما أزمتان تعيدان ترتيب النظام الاقتصادي العالمي برمته.
إذًا، لسوء حظ الإسلاميين، وربما لحسن حظهم، فإنهم قد تسلموا الحكم والعالم يودع نظريات مجتمع الرفاهية والخدمات المدعومة ويستقبل تنافسًا عالميًا شرسًا على الموارد والأسواق. إن أي انهيار سريع في الاقتصاد أو الخدمات سيحول تجربة حكم الإسلاميين إلى كابوس سياسي ويضع حكومات الحركات الإسلامية على المحك، إذ أنه سيؤثر مباشرة على كتلة ال 30-40% التي وصفناها سابقًا بأنها الكتلة المتحركة بين القوى السياسية، بمقابل ال15ـ20% التي هي كتلة الولاء الصلب.
سيكون أمام الإسلاميين، بالإضافة إلى معالجة التحدي الاقتصادي، معالجة التحدي الثقافي الاجتماعي. بعض عناصر هذا التحدي تكمن في الرؤية المذهبية أو الفقهية للحركات الإسلامية واحتمال مصادمتها للمفاهيم والسلوكيات الشائعة. والتعقيدات هنا لا تتوقف عند البعد النظري أو الفقهي، بل تتعداه إلى صعوبات عملية في الواقع. قضية حقوق المرأة على سبيل المثال تأخذ أولوية، خاصة في تونس والمغرب. وهناك حراك يومي متصاعد داخليًا ومتفاعل خارجيًا حولها، خاصة مع الدول الغربية. هناك قضية الفن، وهي أيضًا ليست قضية نظرية محضة، فبلد مثل مصر هو من أغزر البلاد إنتاجًا فنيًا، وهو إنتاج فني ذو بعد سياسي، لأنه ظل جزءًا لا يتجزأ من النفوذ المعنوي لمصر في محيطها العربي الحيوي. هناك أيضًا قضية السياحة الجماعية وتأثيراتها السالبة على سلوكيات المجتمع. لكن السياحة في بعض تلك البلدان ليست مناط نظر فقهي مجرد، بل هي قضية ذات مضمون سياسي معقد في بلاد يعتمد اقتصادها الوطني على السياحة اعتمادًا شديدًا.
هناك تحدي التعايش الديني والأقليات الذي يوجد بدرجات متفاوتة بين مجتمع وآخر، لكنه يشكل جانبًا مهمًا وحاضرًا من الأجندة السياسية، وهو ذو آثار على الحكم وتداعيات عملية يومية.
فضلًا عن تلك التحديات العامة، هناك تحديات محلية خاصة بكل مجتمع، سيكون على الإسلاميين في كل حالة أن يجتهدوا في معالجتها. على سبيل المثال شبح الفتنة الطائفية في مصر يمثل تحديًا خاصًا بها. بينما يشكل تحدي القبلية أو الجهوية تحديًا خاصًا في ليبيا والسودان. دور الجيش باعتباره عاملًا فاعلًا في السياسة يمثل تحديًا بالنسبة لمصر، ولكن ليس بالنسبة إلى تونس. الطائفية الدينية تمثل تحديًا في بعض دول الخليج وفي سوريا بينما لا تمثل تحديًا ملموسًا في المناطق التي يسود فيها المذهب المالكي، إلا ما ظهر مؤخرًا من دخول المذهب الشيعي في بعض البلاد الإفريقية.
وأخيرًا، من المهم أن نلاحظ أن تحدي التحديث في المجتمعات الإسلامية يفرض نفسه بإلحاح قدري، ويتضاعف إلهامه لدى الطبقة المتوسطة النامية في تلك المجتمعات. التحديث، بكل وعوده، يمثل أقوى محرك للمجتمعات العربية والإسلامية، فالناس على اختلاف مللهم ومذاهبهم السياسية يرغبون في حياة أفضل، وهم يرون في تجارب الإنسانية أن التحديث المستند إلى قوة العلم يحل المشكلات المعقدة ويغير حياة الناس إلى الأحسن والأكرم. المعضلة التي ستواجهها الحركات الإسلامية هي أن تثبت أن التوفيق بين الإسلام والتحديث ممكن. بل من واجبها أن تثبت أن الرؤية الإسلامية يمكنها أن تدفع عملية التحديث بأكثر مما تفعل الرؤى السياسية الأخرى. إن التاريخ يسعه أن يثبت أن هذا الزعم صحيح، بل أنه قد تحقق في التاريخ حين قاد المسلمون حركة النهضة العلمية التي غيرت وجه العالم واستند إلى مكتسباتها الغرب في نهضته.
إن مقابلة هذه التحديات بنجاح يستدعي خطابًا إسلاميًا جديدًا. فالتفويض الذي منحته المجتمعات للإسلاميين قد يعني إقرارًا نظريًا بالشعار التاريخي البسيط بأن "الإسلام هو الحل"، لكن تلك المجتمعات لن تعيد منح ذلك التفويض إلا إذا استطاع الإسلاميون أن يثبتوا أن رؤيتهم للإسلام حقًا تقدم حلولًا وإجابات ناجحة للتحديات المذكورة وتحديات أخرى لم يتسع المجال لذكرها.
الإسلاميون والغرب
علاقة الإسلام بالغرب يحكمها بالأساس عاملان: ثقافي واقتصادي. العامل الثقافي متجذر في المكون الديني للحضارة الغربية. وهو مكون، بخلاف ما يرى كثيرون، يضمر ولا ينمو، وذلك لمصلحة المكون العلماني الوثني المستمد من التراث الهيليني والروماني. هذا يصدق بصفة خاصة على أوروبا التي تتراجع فيها نسب المتدينين في الإحصاءات الرسمية، وتتعلمن مرجعياتها الثقافية والسياسية باضطراد.
ورغم أن هذا الوصف لا يصدق بكامله على مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية الذي يشهد ازدهارًا خاصًا بالمذهب الايفانجيلي إلا أن النتيجة العلمية هي واحدة، أي أن المواجهة الثقافية حاضرة في العلاقة بين الحضارتين.
المؤسف هو أن هذه النتيجة لم تكن حتمية. فقد كان المنتظر من وجود المكون المسيحي في الحضارة الغربية أن يصلح العلاقة بين الحضارتين، لأننا إذا وضعنا الجدل العقدي اللاهوتي جانبًا، فإن القيم الأخلاقية المشتركة بين الإسلام والمسيحية كثيرة. بل هي أكثر من المشتركات الثقافية والقيمية بين الإسلام والبوذية أو الهندوسية أو الكونفوشية التي تزدهر في مجتمعات شرقية شبيهة بمجتمعات المسلمين وقريبة منها جغرافيًا.
العامل الاقتصادي كذلك ظل محددًا مهمًا في العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي. ويمكن إثبات ارتباط مصالح الغرب الاقتصادية والتجارية بالعالم الإسلامي منذ فترات تاريخية بعيدة، لكن هذا الارتباط تركز إبّان الحروب الصليبية، ثم تعزز للغاية في الفترة الاستعمارية حتى أصبح أهم عامل في علاقات الغرب مع الدول الإسلامية. هناك حالات مشهورة في تاريخ المنطقة يمكن الاستشهاد بها على حرص الغرب على مد سلطانه الاقتصادي في المنطقة الإسلامية وما وراءها. ذلك الحرص هو الذي دفع البرتغاليين للبحث عن طريق تجاري بديل لطريق الحرير، وهو ما قاد استكشافاتهم ثم حملاتهم حول إفريقيا ثم باتجاه الشرق الأقصى. ثم جاءت بقية القوى الغربية في أثرهم. ولذات الأسباب الاقتصادية احتلت بريطانيًا الهند وأنهت الحكم الإسلامي فيها. ولذات السبب احتل نابليون مصر في نهاية القرن الثامن عشر لقطع طريق التجارة مع آسيا عبر المتوسط والبحر الأحمر الذي اغتنت بسببه بريطانيا، الخصم اللدود لفرنسا. واليوم تزداد أهمية العالم الإسلامي الاقتصادية مع ازدياد الحاجة إلى البترول الذي توجد أكبر احتياطياته في العالم الإسلامي.
إن الغرب لم يكن متحمسًا أبدًا لأحداث الربيع العربي التي أدخلت المنطقة في حالة من عدم استقرار. والكل يذكر إجابة الرئيس أوباما عندما طلب منه انتقاد الرئيس المصري السابق حسني مبارك فامتنع عن ذلك وقال: "مبارك جيد للاستقرار". والاستقرار كما يقول نعوم شومسكي هي كلمة كودية تعني القبول بسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم الحفاظ على مصالحها. وهذا ما يبرر حروب الولايات المتحدة.
لكن الغرب عندما طبق معايير الريالبوليتيك قرر في لحظة حاسمة لاحقة أن يتبنى الربيع العربي، لأن المحدد الحقيقي لسياسته هو الحفاظ على مصالحه. وانطلاقًا من تلك المعايير سيقبل الغرب الحوار مع أي قوة مؤثرة وإن كانت حركة طالبان.
وبالرغم من التوافق الظاهري بين الإسلاميين والغرب في اللحظة الراهنة حول قضية الحريات والديمقراطية، فإن الاحتكاك بينهما متوقع في القضايا السياسية والثقافية التي عادة ما يجتهد الغرب في تبنيها لتكون رافعة سياسية له في المجتمعات النامية. يدخل في ذلك قضايا الحريات وحقوق الإنسان والمرأة كما هو معلوم. وسيستخدم الغرب آلياته المعلومة مثل الإعانات الموجهة إلى منظمات المجتمع المدني بعيدًا عن رقابة الحكومات وسياسات الدول، بل تحديا لمصالح الدول. ولن تتوقف نقاط الخلاف عند المسائل الأخلاقية والنظرية، ستمتد إلى قضايا أكثر عملية وحيوية بالنسبة للدول الغربية. على رأس تلك القضايا هي إسرائيل ووضعها في المنطقة. ولا شك أن إيران وحلفاءها ستكون واحدة من الموضوعات الأساسية. كما أن قضايا مثل مكافحة الإرهاب (حسب التعريف الأمريكي) هي من انشغالات الدول الغربية، وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية. لاشك أن كل دولة على حدة ستنال معاملة مختلفة مع الغرب، فالاختلاف الأيديولوجي سيكون أكثر بروزًا مع الإسلاميين في مصر، بينما سيقل في حالتي تونس والمغرب، لكنه لن ينعدم تمامًا.
اتجاهات تطور التجربة الإسلامية
عندما تأتي التحديات بقدر يستفز الاستجابات المناسبة فإن الناتج هو اندفاع حركة التاريخ إلى الأمام، وتولد خيارات جديدة في الحياة. ومصير التجربة الإسلامية في السياسة رهن بقدرتها على الإتيان بإجابات ناجحة للأسئلة المصيرية التي تواجهها، والتي تشكل حافزا لتفكيرها. ومن حسن الحظ أن الأسئلة تأتي في سياق تاريخي موات. فالاتحاد السوفيتي قد انهار، وقدم انهياره أفضل برهان على خطأ الأفكار الشيوعية التي عانى منها العالم الإسلامي لفترات من الزمان. وبالمقابل انهارت فرضية نهاية التاريخ التي قال بها فوكويوما، والتي افترضت وصول العالم إلى حالة نهائية قائمة على الليبرالية في السياسة والرأسمالية في الاقتصاد. ويبدو الآن العالم كله، وليس العالم الإسلامي وحده، منفتحًا نحو أي بدائل جديدة فاعلة ومقنعة.
الأرض كوكب متعولم بازدياد، بمعنى أن قضاياه لم يعد من الممكن حصرها في القضايا الداخلية لأي بلد أو مجتمع أو فئة من الناس. كل شيء يتعولم: الأفكار، النماذج، أساليب الحياة، الأشكال التنظيمية، وحتى التشريعات الوطنية يراد إخضاعها الآن لمقاييس عالمية. هذا يفرض على الإسلاميين ألا ينحبسوا في أفكارهم وقضاياهم الخاصة بهم، فينعزلوا عن تيارات التأثير والنفوذ. وفي ظل تلك العولمة فإن المشروع الحضاري المتكامل الوحيد الذي يطرح نفسه عالميًا هو بامتياز المشروع الحضاري الغربي. إن طرح الحلول الإسلامية باعتبارها أفكار فئة محدودة من المسلمين، مهما بلغت تضحياتها ومن ثم إحساسها بالاستحقاق والمشروعية، سيجعل تأثيرها محدودًا للغاية. التجربة الإسلامية ستكون أكثر نفوذًا وحظًا من النجاح لو طرحت قيمها باعتبارها قيمًا عالمية تساهم في حلول قضايا الإنسانية. لكنها قبل أن تفعل ذلك على الصعيد الدولي، عليها أن تبدأ بمحيطها الوطني المباشر فتؤسس نظما توحد الصف الداخلي وتعزز الوحدة الوطنية على أساس من القيم والمصالح المشتركة. ولكي تفعل ذلك عليها أن تطرح نفسها وطنيًا مبتدئة بوضع الأجندة والأولويات الصحيحة، جاعلة مصالح الآخرين في مجتمعاتها في خط مستقيم مع مصالحها.
على المستوى العالمي سيكون من مصلحة الإسلاميين أن يتبنوا حوار الحضارات، فإنه ما تضرر دين في العالم كما تضرر الإسلام من أحبولة صراع الحضارات التي وظفت بصورة أساسيه ضد المسلمين. ومن حق المسلمين بالطبع أن يطالبوا بأن يكون الحوار حوارًا حقيقيًا (ديالوج) لا مونولوجًا، أي حديثًا من طرف واحد كما تريده بعض القوى الغربية. ومن حق المنخرطين في الحوار أن يحددوا قواعده وإجراءاته سويًا قبل الخوض فيه، وهو ما لم يحدث في كل تجارب الحوار السابقة. لكن من حيث المبدأ لابد من أن يعتمدوا مبدأ الحوار في الساحة العالمية وألا يتهيبوه. أو كما قال جون كندي: "لا ينبغي أبدًا أن نتحاور من منطلق الخوف، لكن بالمقابل لا ينبغي أبدًا أن نخاف من أن نتحاور". وفي الحوار مع العالم الغربي ينبغي التذكير بأن اختصار الحضارة الغربية في كلمة واحدة هي الغرب بكل ما تحمله من مدلولات سالبة هو بداية خاطئة. فالغرب متعدد ومتنوع، وبداخله قوى عديدة يمكن التحاور معها بحيدة ونزاهة. ومن المهم ألا يكون الحوار مع قوى الغرب محصورًا في الحكومات، فالحكومات تتحرك بدوافع براجماتية، وأحيانًا لا تلتزم بالقيم إلا لفظًا. من المهم أن يكون الحوار شاملًا كل الفئات ليفتح فرصا وخيارات للقاء والاتفاق.
الاقتصاد هو أحد أهم المجالات التي يجب أن يهتم بها الإسلاميون في الحكم. إن الأنظمة السابقة تعاملت مع تحديات الاقتصاد تعاملًا كسولًا، معولة بصورة أساسية على عطايا الدول الغربية المشروطة. لكن في ضوء الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة في العالم لا ينبغي أن يعوّل الإسلاميون على المعونات الاقتصادية الغربية، فإن زمنًا تقدم فيه المعونات من منطلقات خيرية وأريحية قد ولى، بل هو لم يكن موجودًا أصلًا. والمعونات الغربية، إذا توفرت، وهو شيء مشكوك فيه، ستكون موجهة لأهداف لا صلة لها بأولويات المجتمعات الإسلامية، وستكون محملة بالمشروطيات السياسية، الظاهرة والخفية. ربما يكون الأجدى من تلقي المعونات أن تبادر حكومات الإسلاميين الجديدة إلى اقتراح برامج تعاون اقتصادي متكافئ مع الحكومات الغربية تعالج مشكلات الفقر والجهل والمرض التي تكبل حركة المجتمعات النامية. ولو أن تلك المشكلات حلت، فإن الحكومات الغربية سترتاح، على الأقل من الهجرة غير المشروعة التي تزيد من مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية.
ومن المهم التذكير بأن العالم به حضارات أخرى. إن الصين، التي تخطت قبل وقت وجيز اليابان إلى موقع الاقتصاد الثاني في العالم، تمضي بثقة نحو تصدر الاقتصاد العالمي في غضون السنوات العشرين المقبلة، وربما قبل ذلك. لكن الصين لا تمثل شريكًا اقتصاديًا للعالم الإسلامي فحسب، إنها تمثل أيضًا حليفًا سياسيًا محتملًا. بل وإن النموذج السياسي الاقتصادي الذي حققت به الصين استقرارًا سياسيًا وازدهارًا اقتصاديًا في وقت وجيز، هو أقوى حجة في وجه نموذج نهاية التاريخ الليبرالي الرأسمالي.
ما قيل عن الصين يصدق على روسيا، التي لا تقدم نموذجًا اقتصاديًا سياسيًا بديلًا كما تفعل الصين، لكنها بسبب ملاصقتها لعدة جمهوريات إسلامية تحيط بها، أو توجد بداخلها، تعد أهم جيران العالم الإسلامي. فضلًا عن ذلك فإن التعاون السوفيتي العربي في الماضي يوفر خلفية تاريخية مواتية يحق للدولة الروسية الراهنة أن تبني عليها وتجني ثمراتها.
هناك، بالإضافة إلى الصين وروسيا، دول متوسطة القوة، لكنها نامية النفوذ باضطراد، من بينها الهند والبرازيل والأرجنتين. وهي دول تجتهد في توسيع نفوذها العالمي من خلال خيارات عديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي.
إن الحوار مع تلك الدول جميعًا ينبغي أن يخرج من جحر صدام الحضارات الذي وضع فيه العالم الإسلامي وصدقه المسلمون بسذاجة غريبة. وإنه لمن المستغرب أن يتخذ العالم الإسلامي موقفًا ابتدائيًا عدائيًا من الآخرين فقط لأنهم يحملون معتقدًا مخالفًا. إن موقفًا كهذا يتناقض بداهة مع مهمة الدعوة إلى الله بالحسنى التي هي مقتضى أي رسالة جامعة. وإذا عدم المخالف فلمن تكون الدعوة إذن؟
إن كل دول العالم الإسلامي تقريبًا تقع في تصنيف الدول النامية، وهي مجموعة متشابهة الظروف والقضايا. وعلى هذه الدول الإسلامية أن تربط نفسها مع إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في حزام من التضامن السياسي الذي يسعى إلى إقامة نظام عالمي جديد يحترم مصالح الشعوب وخياراتها ويحقق أمنها وازدهارها الاقتصادي. وبين هذه المجموعات تشكل إفريقيا حالة خاصة جديرة بمزيد الاهتمام وتركيز العمل بها، فأفريقيا هي أكثر القارات تعرضًا للظلم، وهي القارة التي برغم خروج المستعمرين منها منذ أكثر من نصف قرن ما تزال تعاني مشكلات ما قبل الاستعمار.
يتوجب على العالم الإسلامي، الذي تقوده حكومات إسلامية معاصرة، أن ينفتح ويتحاور مع القوى الدولية التي تمثل تعدد حضارات العالم وتنوعها، لكنه لكي يتهيأ لهذا الحوار عليه أن يدير الحوار داخليًا بين الدول والمجتمعات الإسلامية نفسها، وهذا هو ما يرجى أن تقوده الحكومات الوليدة والحركات الإسلامية التي تدعمها. ستكون قدرة الإسلاميين على أن يديروا حوارًا داخليًا في مجتمعاتهم يحققون به درجة معقولة من التضامن الإسلامي – إن لم تكن الوحدة- من أهم معايير نجاحهم أو فشلهم. ولا ينبغي أن يقتصر سعيهم على الحكومات التي استطاعوا تشكيلها من خلال الانتخابات، لكن سعيهم يمكن أن يبتدئ من هنا. وسيكون متاحًا للدول المذكورة أن تنسق فيما بينها من أجل وضع أجندة للتضامن الإسلامي غير المعادي أو المواجه لأي جهة أو قوة عالمية. ليس تضامنًا سياسيًا فقط، بل تضامنًا اقتصاديًا واجتماعيًا يحقق درجه دنيا من الوحدة الفكرية ووحدة المصالح التي تمكن تلك الدول من مخاطبة الآخرين من موقع ثقتها بنفسها وإحساسها برسالتها. ويمكن أن نقدر الأثر الإقليمي والعالمي لمشروع كهذا تكون مصر وتركيا، بكل ثقلهما الإسلامي، نواة له.
كل مجالات العمل تلك ستكون محددًا لنجاح الإسلاميين أو إخفاقهم، لكنها لن تكون المحدد الأهم. المحدد الأهم سيكون مقدرة الحركات الإسلامية على تطوير ذاتها واتخاذ القرارات الصحيحة فيما يتعلق ببنائها الداخلي وموقعها من مجتمعاتها. إن أشد ما يضر الحركات الإسلامية ويحرمها من تحقيق أهدافها هو أن تؤول إلى وضع تخسر فيه مجتمعاتها من خلال أطروحات لا ترتب الأولويات ترتيبًا صحيحًا. إن الصراع الاجتماعي الذي يتطور إلى فتنة ثم إلى درجة من درجات الحرب الأهلية سيكون أكبر معول هدم للتجربة الإسلامية لأنه يقدم سلاحًا مجانيًا قاتلًا في يد أعدائها. على الحركات الإسلامية أن تقود التغيير من باب الترتيب الصحيح للأولويات وبمنهج توافقي مع المجتمع يبتعد عن الإثارة والتعادي.
سيكون على الحركات الإسلامية أن تنتقل فورًا من الشعارات إلى العمل من أجل تقديم إجابات على أسئلة صعبه تشمل طيفًا متعددًا من المسائل: الديمقراطية، الحقوق والحرمات، المرأة، الطوائف، الأقليات، الاقتصاد، العلاقات الدولية...الخ. عليها أن تقدم مساهمات وحلول، من خلال حوار وطني وعالمي معافى. وعليها أن تجتنب أي خطاب جدلي خال من الحلول المبتكرة ولا يقدم سوى مواجهات فقهية مكررة لا صلة لها بقضايا الحياة الحقيقية.
إن قدرة الحركات الإسلامية على فعل ذلك تتناسب باضطراد مع قدرتها على تأسيس حركة سياسية خلاقة ومستنيرة تفجر وعيًا جديدًا بداخلها وتوافقًا بينها وبين مجتمعاتها، وهو ما يطرح عليها أن تحدد ما إذا كانت ستختار أن تكون الحركة السياسية التي تنشئها هي حركة تيار سياسي عريض أم ستقنع بأن تصبح مثل أحزاب اسرائيل الدينية، حركات القضية الواحدة.
سيكون من أكبر أخطاء الإسلاميين أن يعتقدوا أن الوصول إلى السلطة هو نهاية المطاف لحركتهم ذات المنطلقات والأهداف الاجتماعية والثقافية العميقة وطويلة الأمد. سيكون خطأ كبيرا أن يظنوا أن استلام مقاليد الحكم يعني انتفاء الحاجة إلى الحركة. خلاصة حكمة التاريخ الإسلامي القديم والحديث تؤكد أن امتلاك السلطة كان هو البداية للصراع والفتن بين أصحابها. والضمانة في ألا يحدث ذلك هي في بقاء الحركة الإسلامية، حركة حاضنة تشكل الوجدان الإسلامي، وتصنع القيادات، وتقدم القدوة، وتحشد الإرادة لمقابلة التحديات والعزائم، وتظل ضميرًا ومستودعًا يحفظ قيم الأمة.
وأخيرًا، حري بالحركات الإسلامية أن تقف في الجانب الصحيح من حركة التاريخ في مسألة الديمقراطية. عندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم بأبواب مكة في السنة السادسة للهجرة وكان يريد العمرة اعترضته قريش فقال: "ويح قريش لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس". إذن كل ما كان يطلبه النبي (صلى الله عليه وسلم) هو حرية الدعوة، لأن الدعوة إلى الخير والبر لا ينفعها شيء مثل الحرية. ولن يفيد الإسلام وأتباعه بشيء بقدر ما سيفيدون من الحرية. والضمانة الأقوى لبقاء المد الإسلامي هو أن يرسّخ الإسلاميون أنفسُهم، بالتعاون مع الآخرين، نظامًا ديمقراطيًا يؤمن بالحرية للناس كلهم ويقيم العدل ويفتح أبواب الخيارات واسعة لكل صاحب فكرة أو مبادرة أو إبداع. فهل سيعي الإسلاميون دروس التاريخ؟ أم أن دورتهم في قيادة شعوبهم ستكون تكرارًا لمسالك الإخفاق التي سلكها كثيرون قبلهم؟ من حسن حظهم أنهم اليوم يمتلكون تحديد الإجابة، وسيأتي يوم لا يمتلكون فيه تحديد الإجابة. يومئذ، سنن التاريخ هي التي ستحدد الإجابة، فـ "اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل".

=====================================================
كاتب الدراسة: مستشار الرئيس السوداني والمفكر الإسلامي المعروف

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers