Responsive image

26º

25
سبتمبر

الثلاثاء

26º

25
سبتمبر

الثلاثاء

 خبر عاجل
  • صلاح يحصد جائزة أفضل هدف في العالم
     منذ 3 ساعة
  • الدفاع الروسية: معطياتنا الجديدة تثبت مسؤولية الطيران الصهيوني الكاملة عن إسقاط الطائرة "إيل20"
     منذ 5 ساعة
  • استشهاد فلسطيني واصابة 10 برصاص قوات الاحتلال الصهيونية شمال قطاع غزة
     منذ 7 ساعة
  • البطش للأمم المتحدة: شعبنا الفلسطيني لن يقبل الاحتلال ولن يعترف بشرعيته
     منذ 9 ساعة
  • إصابة فلسطنيين عقب إطلاق الاحتلال النار علي المتظاهرين قرب الحدود الشمالية البحرية
     منذ 9 ساعة
  • مندوب قطر في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: استهداف المتظاهرين في غزة جريمة حرب
     منذ 10 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:17 صباحاً


الشروق

6:39 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:14 مساءاً


المغرب

6:54 مساءاً


العشاء

8:24 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

84 عاما على إعدام شيخ المجاهدين.. عمر المختار

منذ 1104 يوم
عدد القراءات: 15011
84 عاما على إعدام شيخ المجاهدين.. عمر المختار

في مثل هذا اليوم من عام 1931، خسرت الأمة الاسلامية رمزا كان بين الناس رجلا . وكان بين الرجال بطلا . وكان بين الابطال مثلا، وانضم الى صفوة التاريخ الاسلامي اسما جديدا ضمن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

 في مثل هذا اليوم، اعدم المحتل الايطالي شيخ المجاهدين عمر المختار

مولد ونشأته

ولد عام 1862 وقيل 1858 ولد عمر المختار بـ (البطنان) فى الجبل الاخضر، كان والده من قبيلة (المنفة) من بيت فرحات .. ونشأ وترعرع فى بيت كرم ،تحيط به شهامة المسلمين واخلاقهم الرفيعة والتى استمدوها من تعاليم حركة السنوسية القائمة على كتاب الله وسنة رسول ""صلى الله عليه وسلم ""
توفى والد عمر المختار فى رحلته الى مكة لاداء فريضة الحاج وتولى الشيخ (حسين الغريانى) رعايته هو وشقيقه محمد ثم ادخلهما مدرسة القرآن الكريم .. ثم ألحق عمر المختار (بالمعهد الجغنوبى ) لينضم الى طلبة العلم من ابناء القبائل الآخرى .. مكث عمر فى هذا المعهد ثمانى اعوام .. ينهل من العلوم الشرعية المتنوعة ... وتعلم على يد الكثير من المشايخ وقد شهدوا له بالنباهة ورجاحة العقل ،ومتانة الخلق ،وحب الدعوة ..  لقد ذاق عمر المختار – رحمه الله – مرارة اليتم فى صغره فكان هذا من الخير الذى ملئ قلبه بالإيمان وحب الله وحب رسوله ""صلى الله عليه وسلم "" حيث التجأ الى الله القوى العزيز فى اموره كلها. لقد كان عمر المختار رجل عقيدة ، صاحب دعوة ،ومؤمن بفكرة استمدت اصولها وتصوراتها من كتاب الله تعالى وسنة نبيه

تعلقه بالقرآن

إن من اسباب الثبات التى كانت تميز عمر المختار  حتى اللحظات الأخيرة من حياته ... إدمانه تلاوة القرآن الكريم ،والتعبد به وتنفيذ احكامه لأن القرآن الكريم مصدر تثبيت وهداية ... وذلك لما فيه من قصص الانبياء مع اقوامهم ... ولما فيه من ذكر للصالحين ومصير الكافرين و الجاحدين.. - لقد كان عمر يتلو القرآن بخشوع وتدبر وايمان عظيم فرزقه الله الثبات ... وهداه طريق الرشاد  كان يختم القرآن كل سبعة ايام وكان ذلك بفضل الله تعالى ثم شيخه الذى ألزمه وقال له : (ياعمر وردك القرآن) ولقد صاحبة فى التلاوة حتى النفس الأخير وهو يساق إلى حبل المشنقة وهو يتلو قول الله تعالى : "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً " لم تشغله الدنيا والجهاد والمعارك عن تلاوة القرآن وظل يتلو القرآن حتى مات

شجاعته وكرمه

ان صفة الشجاعة ملازمة لصفة الكرم ... كما ان الجبن والبخل لا يفترقان ... ولقد حفظ لنا التاريخ عبارة جميلة كان يرددها عمر بين ضيوفه: إننا لانبخل بالموجود ولا نأسف لمفقود

- كان له موقف منذ شبابه يدل على مدى شجاعته فى عام 1894 تقرر سفر عمر على رأس وفد من التجار الى اسوان وكان معه تجار اخرين وكان هؤلاء التجار تعودوا على السير فى الطريق الصحراوية وعندهم خبره بدروبها واثناء سيرهم قال بعض التجار : "اننا سنمر بعد وقت قصير بطريق وعر ،لا مسلك لنا غيره ، ومن العادة يوجد اسد ينتظر فريسته من القوافل التى تمر من هنا وتعودت القوافل أن تترك له بعيرًا حتى تتمكن من العبور بسلام" واقترح احدهم ان يشترك الجميع فى بعير ويتركوه للاسد . وهنا ظهرت شجاعة عمر المختار ... ورفضه بشده قائلا : "إن الإتاوات التى كان يفرضها القوى منا على الضعيف أُبطلت ، فكيف يصح لنا ان نعيد أعطاءها لحيوان ؟؟! .. إنها علامة الهوان والمذلة ،اننا سندفع الاسد بسلاحنا إذا ما اعترض طريقنا"
وما كادت القافلة تدنو من الممر الضيق حتى خرج الاسد من مكانه. فواجهة عمر ببندقيته حتى قتله. وأصر عمر على ان يسلخ جلده حتى يراه اصحاب القوافل . وبعد ذلك كل ما ذُكِرَت القصة كان يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ إن عمر المختار كان صاحب قلب موصل بالله تعالى فلم تسكره نشوة النصر وحلاوة الغلبة بعدما تخلص من الاسد الاسطورة ،وازاح الظلم وقهر التعدى بل نسب الفضل لخالقه

جهاد ودعوة

وقد مكث عمر المختار بالسودان سنواتٍ طويلة نائباً عن المهدي السنوسي حتى بلغ من إعجاب السنوسي به أن أصبح يقول: «لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم».
عيَّنه المهدي السنوسي في سنة 1897 شيخاً لبلدة تسمى زاوية القصور تقع بمنطقة الجبل الأخضر . وأحسن عمر المختار الأداء في هذا المنصب. رغم أن البلدة التي كُلِّف بإدارتها كانت تقطنها قبيلة العبيد التي اشتهرت بشدة البأس وصعوبة الانقياد. وقد أدَّت علاقته الوثيقة بالسنوسيّين إلى اكتسابه لقب سيدي عمر الذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ السنوسية المعروفين
عندما بدأ الاستعمار الفرنسي لتشاد في عام 1900 واجه الفرنسيون الحركة السنوسية بالعداء وأخذوا يحاربونها. فجيَّشت الحركة نفسها ضد الفرنسيين بدورها. وكان عمر المختار ممَّن اختيروا لقيادة كتائب الحركة ضدَّهم. فظهرت شجاعته وحزمه وعزمه وفراسته وحسن قيادته. كما وقد شارك خلال ذلك بالدَّعوة في تشاد.
توفي محمد المهدي السنوسي في عام 1902واستدعته القيادة السنوسية على إثر ذلك للعودة إلى برقه. وهناك عُيِّن مجدداً وللمرة الثانية شيخاً لبلدة زاوية القصور. وأحسن إدارتها حتى أنَّ العثمانيين هنَّؤوه على تمكِّنه من جلب الهدوء والاستقرار إليها بعد أن أعياهم ذلك . وقد ظلَّ عمر المختار في هذا المنصب مدَّة ثماني سنوات.. وقد قاتل خلال هذه الفترة جيوش الانتداب البريطاني على الحدود المصرية الليبية، في مناطق البردية والسلوم ومساعد، خصوصاً معركة السلوم في عام 1908 التي انتهت بوقوع بلدة السلوم في أيدي البريطانيّين"

الاحتلال الإيطالى

لم يتبق للعثمانيين في إفريقيا غير ولاية طرابلس (ليبيا).. بعد أن احتل الإنجليز مصر واحتلت فرنسا المغرب العربي. فأرادت إيطاليا أن تأخذ نصيبها من التورتة فأصبحت ليبيا هدفها، وبدأت التخطيط لاحتلال ليبيا بشراء الأراضي وإرسال البعثات النصرانية وغيرها، من وسائل التمكين . حتى إذا ما أتيحت لها الفرصة جاءت للعثمانيين بالذريعة التي تمكنها من احتلال ليبيا. وهى أن العثمانيين يقفون عقبة في سبيل تحضر الشعب الليبي.
 واحتلت إيطاليا ليبيا عام 1238هـ. وبرغم المقاومة من العثمانيين بقيادة عزيز المصري والفدائيين وتحقيق بعض الانتصارات على إيطاليا، إلا أن إيطاليا هددت باحتلال إستانبول وضربت مرافئ الدولة. فاضطرت الدولة لتوقيع معاهدة سلام مع إيطاليا عام 1329هـ، تنسحب بها من ليبيا تاركة المقاومة للمجاهدين وعزير المصري.
في عام 1911 أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية وبدأت إنزال قوَّاتها بمدينة بنغازي الساحلية شمال برقة الموافق الرابع من شوال عام 1329 هـ . وفي تلك الأثناء كان عمر المختار في مدينة الكفرة بقلب الصَّحراء في زيارة إلى السنوسيين. وعندما كان عائداً من هناك علم وهو فيها بخبر نزول الإيطاليين. فعاد مسرعاً إلى زاوية القصور لتجنيد أهلها من قبيلة العبيد لمقاومة الإيطاليّين ونجح بجمع 1,000 مقاتل معه .
وأول الأمر أسَّس عمر المختار معسكراً خاصاً له في منطقة الخروبة، ثم انتقل منها إلى الرجمة حيث التحق بالجيش العثماني وهناك انضمُّوا إلى الكثير من المقاتلين الآخرين وأصبح المعسكر قاعدةً لهم يخرجون منها ويغيرون باستمرارٍ على القوات الإيطالية.
في عام 1912 اندلعت حروب البلقان فأجبرت الدولة العثمانية على عقد صلحٍ مع إيطاليا وقَّعته في لوزان بشهر نوفمبر . واضطرَّ نتيجةً لذلك قائد القوات العثمانية التي تقاتل الإيطاليين - عزيز بك المصري - على الانسحاب وسحب معه العسكر العثمانيّين النظاميّين في برقة الذين بلغ عددهم نحو 400 جندي وقد أثار هذا الانسحاب سخط المقاتلين.
ظلَّ عمر المختار في موقع قيادة القتال ضد الطليان بكامل برقة حتى وصول أحمد الشريف السنوسي إلى درنة فاستلم هو القيادة وظلَّ عمر المختار عوناً كبيراً له.

 النظام العسكرى

لم يسبق لعمر المختار أن تخرج من كلية حربية أو عسكرية ولم يتلق مهارته الحربية من جيش أو كلية. إنما تربى عمر المختار في ساحات المعارك والجهاد فسبق القواد في ذلك. وكانت معارك المجاهد عمر المختار تعتمد على الكر والفر فلم يكن لديهم جيشًا نظاميا. وكانت حرب عصابات لأن المجاهدين لا يمتلكون نفس العتاد الذي يملكه المحتل
ولو واجهوهم في حرب لكانت وبالاً على المجاهدين لذا اعتمد عمر المختار في حربه على هذا النوع من المقاومة. ولقد خاض عمر المختار بهذا الأمر كما أورد الجنرال غرسياني في كتابه أنه التقى مع عمر المختار في مائتين وستين معركة خلال الثمانية عشر شهرًا ابتداء من حكمه في برقة إلى أن وقع عمر المختار أسيرًا وقد ثبت المجاهدون في حالتي الدفاع والهجوم.
وكان عمر المختار يقسم جنده إلى مجموعات وذلك حسب الانتماء القبلي كما كان يفعل صحابة النبي "صلى الله عليه وسلم" في الفتوحات وكان يضع أسر كل قبيلة وراء قبيلتها وذلك تزداد همة المقاتلين لدفاع عن أهلهم وذويهم من الأطفال والنساء.
وقد استخدم عمر المختار النظام العسكري العثماني، فبالإضافة إلى القائمقام والقوماندان هناك الرتب الآتية: بكباشي - يوزباشي - ملازم أول - ملازم ثاني - كوجك ضابط (ضابط صغير) باش شاوش - شاوش - أمباشي. وكانت الترقيات تتم على أسس ميدانية بناء على ما يقدمه الشخص من أعمال وبطولات في ميادين المعارك والمواقف الدقيقة. إذ يرفع إلى عمر المختار تقرير من الرئيس المباشر بشرح الحالة التي استحق عليها المعني الترقية ويصدر بذلك أمر كتابي من عمر المختار على بقية المجاهدين.

حرب العصابات

وجد عمر المُختار نفسه قد تحوَّل من مُعلّم للقرآن إلى مُجاهد يُقاتل في سبيل بلاده ودينه لدفع الاحتلال عنها. وكان قد اكتسب خبرة كبيرة في أساليب وتكتيكات الحروب الصحراويَّة أثناء قتاله الفرنسيين في تشاد. وكان له معرفة سابقة بجغرافيَّة الصحراء وبدروبها ومسالكها وكل ما يتعلَّق بها. فاستغل هذه المعرفة وتلك الخبرة ليحصل على الأفضليَّة دومًا عند مجابهته الجنود الإيطاليون غير العارفين بحروب الصحراء وغير المعتادين على قيظها وجفافها. أخذ المختار يقود رجاله في حملاتٍ سريعة على الكتائب العسكرية الإيطاليَّة، فيضربوهم ضرباتٍ موجعة ثمَّ ينسحبون بسرعة إلى قلب الصحراء.
عمل المجاهدون الليبيّون على مهاجمة الثكنات العسكريَّة الواقعة على أطراف الصحراء وإيقاع الرتل وراء الرتل في كمين، وقطع طرق المواصلات والإمدادات على الجيش الإيطالي.
وقد أصابت هذه الهجومات المسؤولين العسكريين الإيطاليين بالذهول في غير مرَّة. وأُحرج الجيش الإيطالي أمام الرأي العام في بلاده بعد أن لم يتمكن من إخماد حركة بعض الثوَّار البدو غير المدربين عسكريًّا
في عام 1923 وبعد أن عاشت مستعمرة ليبيا الإيطالية لعدّة سنواتٍ في هدوء نسبيّ مع ضعف في سيطرة الطليان قرَّرت الحكومة الإيطالية تغيير سياستها اتّجاه ليبيا جذرياً. فقرَّرت قلب سياستها مع الحركة السنوسية من الحوار والتفاهم إلى الحرب والإخضاع بالقوة. وألغت جميع الاتفاقيات السابقة التي كانت قد أبرمتها مع الليبيّين وبدأت هجوماً شاملاً على معاقل الجهاد. ممَّا أدى إلى تفجُّر حرب عنيفة في أنحاء الجبل الأخضر بعد هدوءٍ كان قد دام لعدّة سنوات. واستمرَّت الحرب في الأعوام التالية، لتزداد شدة وعنفاً عاماً بعد عام.
شهدت الفترة الممتدة بين عاميّ 1924 و1925 مناوشات عديدة ومعارك دامية بين الثوَّار والقوَّات الإيطاليَّة. ووسَّع المجاهدون نشاطهم العسكري في الجبل الأخضر ولمع اسم عمر المختار كقائدٍ بارع يُتقن أساليب الكر والفر ويتمتع بنفوذ عظيم بين القبائل. وأخذ البدو من أبناء القبائل ينضمّون إلى صفوف المجاهدين، وبادرت القبائل بإمداد هؤلاء بما يحتاجون من مؤنٍ وعتادٍ وأسلحة.
كان معسكر البراغيث هو مركز الرياسة العامة ومقر القائد العام عمر المختار. وكان النواة الأولى وحجر الأساس لمعسكرات الجبل الأخضر الثلاثة، وكان عمر المختار يُلقَّب بنائب الوكيل العام. وكان هناك مجلس أعلى استشاري في المعسكر يترأَّسه عمر المختار ويضم مختلف شيوخ وأعيان القبائل. كما كان هناك نظام رتب عسكرية كما ذكرنا سابقا
وقد أقرَّ حاكم برقة الإيطالي إتيليو تروتسي في مذكّراته المنشورة بعنوان "برقة الخضرا" : "بأنَّ تكتيك ملاحقة الثوار وضربهم المستمرّ بالجبل الأخضر الذي اتبع منذ استلام الجنرال مومبيللي القيادة عام 1926 قد أدَّى إلى إنهاك القوة الإيطالية واستنفاذ قواها بقدر ما أنهك قوات الثوار، مما جعله أسلوباً غير مجدٍ" كما وأقر تروتسي "بالطريقة نفسها بالأثر المعنويّ السيء الذي خلَّفته ضربات الثوار المتلاحقة على القوات الإيطالية بتلك الفترة، والتي لم تستطع ردَّ هذه الضربات أو إيقافها".

ماذا فعلت ايطاليا فى تلك الفترة ؟!

خلال تلك الفترة كانت إيطاليا تصب اهتمامها على مدينة برقة التي لم تستطع احتلالها منذ أن زحفت جيوشها على أجدابيا سنة 1923.. وانحصرت مجهوداتها على معسكرات عمر المختار الذي لم يخرج يومًا من معركة إلَّا ليدخل في معركة أخرى.. وقد قام عمر المختار بتأسيس معسكرٍ للمجاهدين في الجبل الأخضر، وأصبح يتولَّى بنفسه إدارته والإشراف على تدريب المقاتلين وتنظيم هجماتهم ثم اتَّخذ لاحقاً منطقة شحات قاعدة عسكرية له ولرجاله وفي عام 1927 تبدَّلت قيادة الجيش الإيطالي في برقة، وتولّى أمرها القائد العام "ميزتى" وأخذ على عاتقه تنفيذ الخطة الهادفة إلى ضرب الحصار على حركة الجهاد في الجبل الأخضر. وزوِّد القائد ميزتي بعدد كبير من كبار الضبَّاط وأركان الحرب لمساعدته.
وفي نفس السنة تقدمت القوات الإيطاليَّة من طرابلس الغرب بقيادة الفريق أوَّل رودولفو غراتسياني. فاحتلت واحة الجفرة والقسم الأكبر من فزان واشتبكت مع القبائل المحليَّة في عدَّة وقعات كانت الغلبة فيها للجيش الإيطالي وقد ضاعفت الحكومة الإيطاليَّة من جهودها غير العسكريَّة أيضًا فبذلت الأموال الطائلة والوعود لزعماء القبائل حتى يكفوا عن القتال، فأصابت في ذلك نجاحًا كبيرًا كان من نتيجته أن سقطت الجغبوب ومرادة وزلة وجالو وأوجلة ومرادة في أيديهم.
وقد حاول عمر المختار مراراً إقناعهم بعدم التفاوض مع الإيطاليين والاستمرار في المقاومة ومع هذا ظلَّ المختار يشن الغارات على درنة وما حولها حتى أرغم الطليان على الخروج بجيوشهم لمقابلته فاشتبك معهم في معركة شديدة استمرت يومين كان النصر فيها حليفه وفرّ الطليان تاركين عددًا من السيَّارات والمدافع الجبليَّة وصناديق الذخيرة والجمال، ودواب النقل

أهم المعارك التى شارك فيها عمر المختار:

- معركة أم الشفاتير (عقيرة الدم)
بتاريخ 28 مارس 1927، اشتبك المجاهدون مع القوَّات الإيطاليَّة في معركة ضارية عُرفت باسم معركة الرحيبة أو موقعة يوم الرحيبة وقد تكبّد فيها الطليان خسائر جسيمة.
كانت تلك الهزيمة بمثابة القشَّة التي قصمت ظهر البعير فلم تعد الحكومة الإيطاليَّة في روما قادرة على تقبَّل أي هزيمة بعد أن ظهر جيشها بمظهر هزليّ أمام باقي جيوش أوروبا. كذلك كان الحكَّام الإيطاليّون في ليبيا قد طفح بهم الكيل من الهزائم المُتكررة. وكان لا بدّ لهم من إعادة اعتبارهم ورفع معنويَّات الجنود المنهارة. فشرعوا يعدّون الجيوش الجرَّارة لاحتلال الجبل الأخضر واتخاذه قاعدة لها.
كانت القوَّات الإيطاليَّة عظيمة العدد والعِتاد فضمَّت فرق نظاميَّة إيطاليَّة وإريتريَّة وليبيَّة محليَّة، بالإضافة لبضعة فرق غير نظاميَّة من مرتزقة ليبيّون وأفارقة وعدَّة دبَّابات وسيَّارات مصفحة وفرق هجَّانة وبطاريَّات مدفعيَّة ويُضاف إلى تلك الاستعدادت سلاح الطيران الذي انطلق من قواعده بالمرج ومراوه وسلنطة.
بالمُقابل تراوح عدد المجاهدين ما بين 1500 إلى 2000 مجاهد 25% منهم تقريبًا من سلاح الفرسان.
علمت إيطاليا بواسطة جواسيسها بموقع المجاهدين في عقيرة أم الشفاتير فارادت أن تحكم الطوق عليهم. فزحفت القوّات الإيطالية نحو العقيرة بعد مسيرة دامت يومين كاملين واستطاعت أن تضرب حصارًا حول المختار ورجاله من ثلاث جهات.
ولمَّا علم المختار بما يخططه الطليان شرع يعد العدّة مع باقي قادة الجهاد لمُلاقاة العدو فأعدوا خطة حربيَّة وقاموا بحفر خنادق ليستتر بها المجاهدون وخنادق أخرى لتحتمي بها الأسر من نساء وأطفال وشيوخ وتمَّ ترتيب المجاهدين على شكل مجموعات حسب انتمائهم القبلي ووضعت أسر كل قبيلة خلف رجالها المقاتلين. وكان قائد تلك المعركة الشيخ حسين الجويفي البرعصي. أمَّا عمر المختار فقاتل إلى جانب المقاتلين الآخرين من غير أصحاب الرتب. ولم يطل الأمر حتى اشتبك المجاهدون مع الطليان وسقط الشهداء واشتدت المعركة، وارتفعت درجة حرارة البنادق بسبب استمرار إطلاق العيارات النارية واستعمل المجاهدون الخرق البالية لتقيهم حرارة مواسير البنادق التي لا تطيقها يد المجاهد. وكان بعض المجاهدين يملك بندقيتين يستعمل الواحد مدة ثم يتركها حتى تبرد ويتناول الأخرى.
وبدأ الجيش الايطالي في التقهقر ودخل الرعب نفوس ضباطه وجنوده الذين وجدوا فرصة الحياة في الهروب وبالرغم من قصف الطائرات إلا أن الإيمان القوي، واحتساب الأجر عند الله كان دافعًا مهمًّا لدى المجاهدين لكنَّ المختار والباقون تمكنوا من دحر الإيطاليين وأجبروهم على التقهقر والانسحاب مرة أخرى. بلغ عدد القتلى الليبيين 200 شخص

نتائج المعركة

بعد انتهاء المعركة، أصبحت القوَّات الإيطاليَّة منهوكة القوى مُصابة بالإعياء من شدة المعارك المستمرة منذ فترة طويلة دون توقف وكشفت المعركة لعمر المختار عن ملامح السياسة الفاشسيَّة الجديدة وهي الإبادة والتدمير للمصالح والرجال على حدٍ سواء. فاتخذ اجراءات ترحيل النساء والأطفال والشيوخ إلى السلّوم لحمايتهم من الغارات الجويَّة الإيطاليَّة. وتيسيرًا لسهولة تحرّك المجاهدين وفق ما يتطلبه الموقف الجديد.
كما أعاد تنظيم المجاهدين على هيئة فرق صغيرة تلتحم مع العدو عند الضرورة وتشغله في أغلب الأوقات مما يُقلل من نسبة الخسائر المحليَّة أثناء المعارك ويُلحق الخسائر الفادحة بالأعداء وفق التكتيك الجديد لحرب العصابات ألا وهو (اهجم في الوقت المناسب وانسحب عند الضرروة) بالإضافة إلى ذلك أيقن المُختار ضرورة العمل على التعريف بالقضيَّة الليبيَّة والنضال الليبي ضد إيطاليا في البلاد الإسلاميَّة والأوروبيَّة على حدٍ سواء. فطلب من بعض المجاهدين الهجرة إلى الخارج للتعريف بالقضيَّة َّفي البلدان التي يحلّون بها فكان من نتيجة هذا تشكيل الجاليات الليبيَّة في الخارج أيقن الايطاليون أنه لا جدوى من الاستمرار في العمليات العسكرية ضد المجاهدين، مما كان سببًا في توقفها طلية سنة 1928م. لقد تحققت لموسليني ما قاله من قبل: (إننا لا نحارب ذئابًا كما يقول غراتسياني بل نحارب أسودًا يدافعون بشجاعة عن بلادهم..إن أمد الحرب سيكون طويلاً)
اهتز وضع المشير بادوليو بعد فشله في المفاوضات وبعد الإخفاق في الهجوم الذي قصد منه إنهاء الثورة واستغل الفريق أوَّل دي بونو وزير المستعمرات تزعزع مركز بادوليو فانهال عليه بالتعليمات والتوجيهات وطلب منه إعفاء نائبه الفريق أوَّل سيشلياني وتعيين الفريق أوَّل غراتسياني بديلًا له وكان دي بونو يريد أن يخلق من غراتسياني ندًا لبادوليو ومنافسًا له.
وصل غراتسياني إلى بنغازي يوم 7 مارس سنة 1930 تحيط به هالة من البطولة والاعتداد بالنفس والغطرسة بعد أن قابل موسوليني في روما وأثنى عليه الأخير ووضع ثقته فيه كما هتف له مجلس النواب الإيطالي.
وشرع في عمله باتخاذ سلسلة من الإجراءات القمعيَّة والتعسفيَّة فأرسل بعض المشايخ إلى سجون إيطاليا وقرر توقيع عقوبة الإعدام على كل من يتعاون أو يتصل بالثوَّار وسجن معظم المشايخ وأعيان بنغازي ودرنه في قلعة بنينه.
أمَّا أبرز ما فعله فكان إنشاء ""المحكمة الطائرة""، وهي محكمة بكامل أجهزتها تقطع البلاد على متون الطائرات وتحكم على الأهالي بالموت ومصادرة الأملاك لأقل شبهة وتمنحها للمرتزقة الفاشيّون. وكانت تلك المحاكم تنعقد بصورة سريعة وتصدر احكامها وتُنفَّذ في دقائق وبحضور المحكمة نفسها لتتأكد من التنفيذ قبل أن تُغادر الموقع الذي انعقدت فيه لتنعقد في نفس اليوم بموقع آخر بل وقد أعلن جائزة قدرها 200,000 فرنك لقاء جلب عمر المختار سواءً حياً أو ميتاً كما ارتكب غراتسياني فظائع أخرى فأنشأ معسكرات الاعتقال الجماعيَّة في الصحراء، وأحاطها بالأسلاك الشائكة، ونقل إليها كل من يربطه أي نوع من أنواع الصلات بأحد المجاهدين أو المهاجرين إلى مصر. ولم يُراعي في ذلك سنّ المعتقلين ولا جنسهم ولا حالتهم الصحيَّة، فاعتقلت النساء والرجال، والشيوخ والأطفال، والصحاح والمُصابين بالأمراض والعاهات. كما أمر بإحراق الكثير من القرى المتعاونة مع الثوَّار، فدُمِّرت المنازل وأُحرقت المحاصيل الزراعيَّة، وأُهلكت الحيوانات فيما عدا ما استعمله الجيش الإيطالي للنقل، حتى أصبحت جميع مناطق الجبل والبطنان هلاكًا تلعب فيه الرياح. وقد كانت معسكرات المجاهدين قريبة من نواجع الأهالي حتى يسهل على المختار وصحبه أخذ العشور والحصول على الذخائر والأسلحة والمؤن، ولكن بعد حشر القبائل في المعتقلات الجماعيَّة تغيَّرت خطة عمر المختار وطوَّر أساليبه القتاليَّة

خطط جديدة

تغيَّرت خطة عمر المختار وطوَّر أساليبه القتاليَّة لما يتماشى مع المرحلة واعتمد على عنصر المباغتة وركن إلى مفاجأة القوات الإيطاليَّة بعد كشفها والاستطلاع عليها في أماكن متفرقة قال غراتسياني في هذا المجال: «بالرغم من إبعاد النواجع والسكَّان الخاضعين لحكمنا، يستمر عمر المختار في المقاومة بشدَّة ويلاحق قوَّاتنا في كل مكان». وعلى الرغم من ذلك، فقد أصدر عمر المختار أوامره إلى رجاله بتجنُّب التعرض للسكان أو منعهم من الرحيل خشية انتقام الإيطاليين.
استمرَّ غراتسياني في تدابيره العسكريَّة. فلم يأتِ يوم 14 يونيو حتى كان الطليان قد استولوا على منطقة الفايدية بأجمعها واحتلوها .
وفي وقتٍ سابق، كانت قد سقطت الكفرة في الجنوب والتي كانت المعقل الأساسي المتبقي لحركة المقاومة، ممَّا ترك عمر المختار في معزلٍ تامّ...أمام هذا الواقع نقل عمر المختار دائرة عملياته إلى الناحية الشرقية في الدفنا نظرًا لقربها من الحدود المصريَّة وذلك حتى يتمكن من إرسال المواشي التي يأتيه بها الأهالي إلى الأسواق المصرية في نظير أخذ حاجته من هذه الأسواق، مما جعل غراتسياني يقرر إقامة الأسلاك الشائكة على طول الحدود الشرقيَّة.
وقد تكلَّفت الحكومة الإيطاليَّة 20 مليون فرنك إيطالي حتى تمكنت من مدّ الأسلاك من حدود البحر المتوسط إلى ما بعد الجغبوب، لكنها بالمقابل، وكما ذكر غراتسياني في مذكراته، أدَّت النتيجة المرجوَّة، فحرمت الثوَّار من الإمدادات التي كانت تأتيهم من مصر عن طريق المهاجرين."

عمر المختار في الأسر

بعد حياة حافلة بالجهاد ورغم كبر سنه امتن الله على عمر المختار بالشهادة، ولم يستطع أعداؤه قتله أثناء المعارك بل ما قتلوه إلا صبرًا بعد وقوعه في الأسر.
لقد ظل المختار في الجبل الأخضر يقاوم الطليان على الرغم من هذه الصعوبات الجسيمة التي كانت تحيط به وبرجاله وكانت من عادة عمر المختار الانتقال في كل سنة من مركز إقامته إلى المراكز الأخرى التي يقيم فيها إخوانه المجاهدون لتفقد أحوالهم.
وكان إذا ذهب لهذا الغرض يستعد للطوارئ، ويأخذ معه قوة كافية تحرسه من العدو الذي يتربص به الدوائر في كل زمان ومكان، ولما أراد الله أن يختم له بالشهادة ذهب في هذه السنة كعادته في نفر قليل يقدر بمائة فارس، ولكنه عاد فرد من هذا العدد ستين فارسًا وذهب في أربعين فقط.
ويوجد في الجبل الأخضر واد عظيم معترض بين المجاهدين اسمه وادي الجريب (بالتصغير) وهو صعب المسالك كثير الغابات، كان لا بد من اجتيازه، فمر به عمر المختار ومن معه، وباتوا فيه ليلتين، وعلمت بهذا إيطاليا بواسطة جواسيسها في كل مكان، فأمرت بتطويق الوادي على عجل من جميع الجهات بعد أن جمعت كل ما عندها من قوة قريبة وبعيدة، فما شعر عمر المختار ومن معه إلا وهم وسط العدو؛ وقرر منازلة الأعداء وجهًا لوجه فأما أن يشق طريقًا يمكنه من النجاة أو يلقى ربه شهيدًا في الميدان الذي ألف فيه مصارعة الأعداء، والتحمت المعركة داخل الوادي، وحصد رصاص المجاهدين عددًا كبيرًا من الأعداء، وسقط الشهداء . وأصيب عمر المختار بجراح في يده، وأصيب فرسه بضربة قاتلة، وحصلت يده السليمة تحت الفرس فلم يتمكن من سحبها، ولم تسعفه يده الجريحة . فعادوا لتخليص قائدهم ولكن رصاص الطليان حصد أغلبهم، وكان ابن قويرش أول من قتل وهو يحاول إنقاذ الشيخ الجليل، وهجم جنود الطليان على الأسد الجريح دون أن يعرفوا شخصيته في البداية، وتم القبض عليه وتعرف عليه احد الخونة. وجاء الكمندتور داود باتشي متصرف درنة ليتعرف على الأسير وبمثل سرعة البرق نقل عمر المختار إلى ميناء سوسة محاطًا بعدد كبير من الضباط والجنود الإيطاليين، وأخذت كافة الاحتياطات لحراسة جميع الطرق والمواقع القريبة لتأمين وصول المجاهد العظيم إلى سوسة، ومن ثَمَّ نقل فورًا إلى بنغازي عن طريق البحر .

محاكمة عمر المختار

لقد حوكم عمر المختار أمام محكمة مشكلة من أعدائه ولم تكن له تهمة غير أنه كان يدافع عن بلده ودينه كأي رجل حر مسلم صاحب عزة.
لقد شكلوا له محكمة ليصدروا عليه حكمًا بالإعدام أمام أبناء بلدته. وصف هذه المحاكم وتنفيذ الحكم فيقول: (جاء الطليان بالسيد عمر المختار إلى قاعة الجلسة مكبلاً بالحديد، وحوله الحرس من كل جانب.. وأحضر الطليان أحد التراجمة الرسميين واسمه نصرت هرمس . فلما افتتحت الجلسة وبدأ استجواب السيد، بلغ التأثر بالترجمان. جعله لا يستطيع إخفاء تأثره وظهر عليه الارتباك، فأمر رئيس المحكمة باستبعاده وإحضار ترجمان آخر فوقع الاختيار على أحد اليهود وهو لمبروزو، من بين الحاضرين في الجلسة وقام لمبروزو بدور المترجم، وكان السيد عمر -رحمه الله- جريئًا صريحًا، يصحح للمحكمة بعض الوقائع، خصوصًا حادث الطيارين الإيطاليين أوبر وبياتي.
وبعد استجواب السيد ومناقشته وقف المدعي العام بيدندو، فطلب الحكم على السيد بالإعدام. وعندما جاء دور المحامي المعهود إليه بالدفاع عن السيد عمر وكان ضابطًا إيطاليًّا يدعى الكابتن لونتانو وقف وقال: (كجندي لا أتردد البتة إذا وقعت عيناي على عمر المختار في ميدان القتال.. في إطلاق الرصاص عليه وقتله وافعل ذلك كإيطالي أمقته وأكرهه.. ولكنني وقد كلفت الدفاع عنه فإني اطلب حكمًا، هو في نظري أشد هولاً من الإعدام نفسه، وأقصد بذلك الحكم عليه بالسجن مدى الحياة نظرًا لكبر سنه وشيخوخته).
وعندئذ تدخل المدعي العمومي، وقطع الحديث على المحامي وطلب من رئيس المحكمة أن يمنعه من إتمام مرافعته مستندًا في طلبه هذا إلى أن الدفاع خرج عن الموضوع، وليس من حقه أن يتكلم عن كبر سن عمر المختار وشيخوخته ووافقت المحكمة، أمر القاضي المحامي بألاّ يخرج عن الموضوع، ويتكلم بإيجاز، وهنا تكلم المحامي بحدة وقال: إن عمر المختار الذي هو أمامكم وليد هذه الأرض قبل وجودكم فيها، ويعتبر كل من احتلها عنوة عدوًّا له، ومن حقه أن يقاومه بكل ما يملك من قوة حتى يخرجه منها أو يهلك دونها هذا حق أعطته له الطبيعة والإنسانية.
وهنا كثر الصياح من الحاضرين بإخراج المحامي وإصدار الحكم على المتهم الذي طالب به المدعي العام. ولكن المحامي استمر قائلاً العدالة الحقة لا تخضع لأي سلطان ولا لأية غوغاء وإنما يجب أن تنبع من ضميرنا وإنسانيتنا وهنا قامت الفوضى خارج المحكمة، وقام المدعي العام محتجًا على المحامي، ولكن المحامي استمر في دفاعه غير مبال بكل هذا بل حذر القاضي أن يحكم ضميره قائلاً: إن هذا المتهم عمر المختار الذي انتدبت من سوء حظي أن أدافع عنه شيخ هرم حنت كاهله السنون وماذا بقي له من العمر بعد ما أتم السبعين سنة. وإني أطلب من عدالة المحكمة أن تكون رحيمة من (تحقيق) العقوبة عنه لأنه صاحب حق ولا يضر العدالة إذا أنصفته بحكم أخف وإنني أحذر عدالة محكمتكم حكم التاريخ لأنه لا يرحم فهو عجلة تدور وتسجل كل ما يحدث في هذا العالم المضطرب وهنا كثر الضجيج في الخارج ضد المحامي ودفاعه.
ولكن المحامي استمر في دفاعه قائلاً: سيدي القاضي حضرات المستشارين لقد حذرت المحكمة من مغبة العالم الإنساني والتاريخ وليس لدي ما أضيفه إلاّ طلب تخفيف الحكم على هذا الرجل صاحب الحق من الذود عن أرضه ودينه وشكرًا).
وعندما قام النائب العام لمواصلة احتجاجه قاطعه القاضي برفع الجلسة للمداولة وبعد مضي فترة قصيرة من الانتظار دخل القاضي والمستشاران والمدعي العام بينما المحامي لم يحضر لتلاوة الحكم القاضي بإعدام عمر المختار شنقًا حتى الموت وعندما ترجم الحكم إلى عمر المختار قهقه بكل شجاعة قائلاً الحكم حكم الله لا حكمكم المزيف - إنا لله وإنا إليه راجعون. وأراد رئيس المحكمة أن يعرف ما قاله السيد عمر.. فسأل الترجمان أن ينقل إليه عبارته، ففعل، وعندئذ، بدا التأثير العميق على وجوه الإيطاليين أنفسهم الذين حضروا هذه المحكمة الصورية وأظهروا إعجابهم لشجاعة شيخ المجاهدين بليبيا الحبيبة وبسالته في آن واحد.
وأما المحكمة، فقد استغرقت من بدئها إلى نهايتها ساعة واحدة وخمس عشرة دقيقة فحسب، من الساعة الخامسة مساء إلى الساعة السادسة والربع وكذلك قضت إرادة الله تعالى أن يتحكم الطليان في مصير البطل، لتتم الإرادة الإلهية وتمضي الحكمة الربانية {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

إعدام شيخ الجهاد عمر المختار

وفي يوم 16 من سبتمبر من صباح يوم الأربعاء من سنة 1931م عند الساعة التاسعة صباحًا نفذ الطليان في ( سلوق) جنوب مدينة بنغازي حكم الإعدام شنقًا في شيخ الجهاد وأسد الجبل الأخضر بعد جهاد طويل ومرير.
ودفعت الخسة بالايطاليين أن يفعلوا عجبًا في تاريخ الشعوب، وذلك أنهم حرصوا على أن يجمعوا حشدًا عظيمًا لمشاهدة التنفيذ فأرغموا أعيان بنغازي، وعددًا كبيرًا من الأهالي من مختلف الجهات على حضور عملية التنفيذ فحضر مالا يقل عن عشرين ألف نسمة. على حد قول غراسياني فى كتابه . ويا لها من ساعة رهيبة تلك التي سار المختار فيها بقدم ثابتة وشجاعة نادرة وهو ينطق بالشهادتين إلى حبل المشنقة، وقد ظل المختار يردد الشهادتين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
لقد كان الشيخ الجليل يتهلهل وجه استبشارًا بالشهادة وارتياحًا لقضاء الله وقدره، وبمجرد وصوله إلى موقع المشنقة أخذت الطائرات تحلق في الفضاء فوق ساحة الإعدام على انخفاض، وبصوت مدوي لمنع الأهالي من الاستماع إلى عمر المختار إذا ربما يتحدث إليهم أو يقول كلامًا يسمعونه وصعد حبل المشنقة في ثبات وهدوء.
وهناك اعمل فيه الجلاد حبل المظالم فصعدت روحه الطاهرة إلى ربها راضية مرضية. هذا وكان الجميع من أولئك الذين جاءوا يساقون إلى هذا المشهد الرهيب ينظرون إلى السيد عمر وهو يسير إلى المشنقة بخطى ثابتة. وكانت يداه مكبلتين بالحديد وعلى ثغره ابتسامة راضية.
تلك الابتسامة التي كانت بمثابة التحية الأخيرة لأبناء وطنه، وقد سمعه بعض المقربين منه ومنهم ليبيون أنه صعد سلالم المشنقة وهو يؤذن بصوت هادئ آذان الصلاة وكان أحد الموظفين الليبيين من أقرب الحاضرين إليه، فسمعه عندما وضع الجلاد حبل المشنقة في عنقه يقول: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} لقد استجاب الله دعاء الشيخ الجليل وجعل موته في سبيل عقيدته ودينه ووطنه، لقد كان يقول: اللهم اجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة.

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers