Responsive image

26º

26
سبتمبر

الأربعاء

26º

26
سبتمبر

الأربعاء

 خبر عاجل
  • بولتون: طهران ستدفع "ثمنا باهظا" إذا كانت تتحدى واشنطن
     منذ 3 ساعة
  • أمير قطر: الحصار أضر بسمعة مجلس التعاون الخليجي
     منذ 3 ساعة
  • الصحة الفلسطينية: 5 إصابات إحداها حرجة برصاص الاحتلال شرق قطاع غزة
     منذ 3 ساعة
  • عاهل الأردن: خطر الإرهاب العالمي ما زال يهدد أمن جميع الدول
     منذ 3 ساعة
  • روحاني: إسرائيل "النووية" أكبر تهديد للسلام والاستقرار في العالم
     منذ 3 ساعة
  • روحاني: أمن الشعوب ليس لعبة بيد الولايات المتحدة
     منذ 4 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:17 صباحاً


الشروق

6:40 صباحاً


الظهر

12:46 مساءاً


العصر

4:13 مساءاً


المغرب

6:52 مساءاً


العشاء

8:22 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

كِتَابٌ جَدِيدٌ لِلْبَاحِثِ ٱلْأَلْمَانِيَّ فُولْكَرَ پِيرْتِيسَ عَنِ ٱلثَّوْرَاتِ ٱلْعَرَبِيَّةِ

بقلم: ثابت عيد
منذ 2362 يوم
عدد القراءات: 3973

مُقَدِّمَةٌ:
وُلِدَ فُولْكَرُ پيرتيس سنة 1958م، وَدَرَسَ في دويسبورج، وبيروت، وميونخ، وبرلين، قَبْلَ أَنْ يتخصّصَ في شؤونِ الشّرقِ الأوسطِ والأدنى. وَيعملُ حَاليًّا مُديرًا لـ «وَقْفِ العِلْمِ وَالسّيَاسَةِ» في برلين. لَهُ مؤلّفاتٌ كَثِيرَةٌ عَنِ الشّرقِ الأوسطِ، ظَهَرَ منها سنة 2007م: «نزهات شرقيّة» في دار «بانتيون»
يتكوّنُ الكتابُ مِنْ مقدّمة (ص7-11)، وَأَرْبَعَةِ فُصُولٍ: 1- لِـمَاذَا الآنَ فَقَطْ؟ (ص13-35)، 2- ״الشّعبُ يُريدُ إسقاطَ النّظامِ״ (ص37-160)، 3- آفاقُ التّغييرِ (ص161-199)، 4- آثارٌ تتجاوزُ العالمَ العربيَّ (ص201-215).
يقولُ فولكر پيرتيس في مقدّمة كتابه إنّ ثوراتِ العرب بدأتْ بحدثٍ محلّيٍّ في دولةٍ عربيّةٍ صغيرةٍ، هِيَ تونس، ثُمّ تحوّلَ الحدثُ المحلّيّ إِلَى حَدثٍ إقليميٍّ-دوليٍّ. وَأَصبحَ لتونسَ الصّغيرةِ تأثيرٌ كبيرٌ في سَائرِ الشُّعُوبِ العربيّةِ. غَادَرَ الرّئيسُ التّونسيّ بن عليّ تونسَ إلى السّعوديّةِ في 14 يناير 2011م. وَبَعْدَ وصولِهِ إلى منفاه بأيّامٍ قليلةٍ اندلعتْ مظاهراتُ المصريّينَ في ميدانِ التّحريرِ، حَيثُ تظاهرَ عشراتُ الآلاف مِنَ المصريّينَ ضدّ الرّئيس المصريّ حسني مبارك. أسقطَ المصريّونَ رئيسَهم في أقلّ من ثلاثةِ أسابيعَ. عِندئذٍ أدركَ الجميعُ أَنَّ ثورةَ تونسَ لنْ تتركَ بلدًا عربيًّا واحدًا من المحيطِ إلى الخليجِ بدونِ أن تُؤَثِّرَ فيه. تستلهمُ الشّعوبُ العربيّة التّجاربَ والنّجاحاتِ مِنْ بعضها البعض، خَاصّةً أنّها جميعًا تشتركُ في المعاناةِ مِنَ الظّروفِ السّيّئةِ، وَتُطَالِبُ بالتّغييرِ. برغم هذا اتّخذتِْ تطوّراتُ الأحداثِ في كُلِّ بلدٍ عربيٍّ مَسَارًا مختلفًا. بالطّبع هناكَ اختلافاتٌ جوهريّةٌ بينَ الأنظمةِ العربيّةِ مِنْ حَيْثُ الدّخلِ القوميِّ، والمصداقيّة، والشّرعيّة. وَلَكِنْ هُنَاكَ أيضًا فُــرُوقٌ بينَ الأنظمةِ السّياسيّةِ والتّجارب التّاريخيّةِ والتّطوّرات المؤسّساتيّة بينَ الدّولِ العربيّةِ. وهذا يؤدّي بدوره إلى اختلافاتٍ في الحركاتِ المعارضةِ مِنْ حيث مكوّناتها، وكون المعارضة تُعبّرُ عن نفسها بطرقٍ متباينةٍ، كَمَا أنّ الأنظمةَ العربيّةَ تتعاملُ مَعَ هذه الحركاتِ الاجتماعيّةِ بِأَسَالِيبَ مختلفةٍ. يَجِبُ فهمُ انتفاضةِ النّاسِ في العالمِ العربيِّ على أنّها حدثٌ تاريخيّ كبيرٌ، حدثٌ يمكنُ مقارنته مِنْ حيثُ الأهمّيّة بمَا حَدَثَ في وَسَطِ أوروبّا وشرقها من تحوّلاتٍ سنةَ 1989م. فَهَذِهِ الانتفاضةُ قَدْ أثّرتْ في جميعِ الدّولِ العربيّة، لكنّها لم تنتهِ بعدُ. وسوفَ يكونُ التّحوّلُ في البلدانِ العربيّةِ أَكْثَرَ صعوبةً وأكثرَ دمويّةً وأطولَ زمنًا مِمَّا حَـــدَثَ في أُوروبّا الشّرقيّةِ مِنْ تَحَوُّلَاتٍ. وَلَنْ تكونَ النّتائجُ واحدةً أَوْ متساويةً في جميعِ أنحاءِ العالمِ العربيِّ، حَتَّى وَإِنْ كانتِ الشّعوبُ العربيّةُ قد شعرت بعدَ اندلاعِ الثّوراتِ بمزيدٍ من التّقاربِ فيما بينها. انتفاضةُ العربِ سنة 2011م مَا هِيَ إِلَّا بداية لإعادةِ تشكيلِ المنطقةِ العربيّةِ من جديدٍ. أشارَ المراقبونَ إلى سهولةِ إسقاطِ الدّيكتاتوريّاتِ، وصعوبةِ تشييدِ الدّيمقراطيّاتِ. حَتَّى الانتهاء من كتابة هذا الكتاب، في صيف 2011م، نجحتِ الانتفاضةُ العربيّةُ في إحداثِ تغييرٍ في نظامِ الحكمِ في ثلاثِ دولٍ عربيّةٍ: تونس، مصر، ليبيا. مهمّة تشييدِ أنظمة ديمقراطيّة حديثة في الشّرق الأوسط والأدنى ستحتاجُ إِلَى عقدٍ مِنَ الزّمانِ أو أكثرَ. وهذا سَيُمَثِّلُ بدوره تحديًا لأوروبّا الّتي لا تستطيعُ تحديدَ مسارِ الأحداثِ في المنطقة العربيّة، لكن سيكونُ بوسعها التّأثيرُ في هِذِهِ الأحداثِ.
يشيرُ پيرتيس إلى أهمّيّةِ فهمِ ما يحدثُ الآنَ في المنطقةِ العربيّةِ من أحداثٍ، وما يمكنُ أن ينشأ عن هذه الأحداثِ من تطوّراتٍ. وبرغم كون إسرائيل وإيران جزءًا مِنَ الشّرق الأوسط، إِلَّا أنّ الكاتب استبعدهما من كتابه، لكونهما ليستا من الدّول العربيّة. فكتابه يركّز في المقام الأوّل على الدّول العربيّة، مع الإشارة إلى دول الجوار من حينٍ إلى آخرَ. بل إنّ الدّولَ العربيّةَ من الخليجِ إلى المحيطِ لا تتمتّعُ بالأهمّيّة نفسها من حيثُ التّأثير في السّياسة الإقليميّة ومجرى الثّورات العربيّة الّتي اندلعتْ شرارتها سنة 2011م. سيكونُ التّركيزُ إذًا على تلك الدّول الّتي وصلت إليها حُمَّى الثّوراتِ العربيّةِ. أمَّا المصطلحاتُ المستخدمةُ لوصفِ هذه التّطوّرات، فيشيرُ فُولْكَرُ پيرتيس إلى أنّه سيستخدمُ المصطلحاتِ نفسَها المتداولةَ بينَ الأطرافِ العربيّةِ والمراقبينَ في المنطقةِ، أيِ: «انتفاضة»، «ثورة»، «الرّبيع العربيّ». هذا مَعَ الإشارة إلى اعتبار الكاتبِ لفظَ «ربيع»: متفائلًا، وجميلًا، وفيه مبالغة أيضًا. وهو لذلك يُفضِّلُ استخدام لفظ «انتفاضة»!
ويُشيرُ فُولْكَرُ پيرتيس إِلَى أنّه يفتتحُ كتابَهُ باستعراضِ الخلفيّاتِ السّياسيّةِ الّتي أدّتْ إِلَى اندلاعِ الثّوراتِ العربيّةِ. ثُمّ ينتقلُ بعدَ ذلكَ إلى الدّولِ العربيّةِ الّتي وصلتْ إليها شرارة الثّورة، وأنّه يسعى إلى إظهارِ المشتركِ بينَ الدّول العربيّة مِنْ خلالِ عَقدِ مقارنةٍ بينَ المجرياتِ المختلفةِ نسبيًّا للأحداثِ في شتّى الدّولِ العربيّةِ. وقدْ خصّ فُولْكَرُ پيرتيسُ مَا حدثَ في مصرَ، نظرًا لأهمّيّة دورهَـا في العَالَـم العربيّ، باهتمامٍ خَاصٍّ. في الفصلِ الثّالثِ يسعى فُولْكَرُ پيرتيس إلى وضع سيناريو لما يمكنُ أن يحدثَ في المنطقةِ العربيّةِ. وَفِي ختامِ الكتابِ يستعرضُ فُولْكَرُ پيرتيس الدّورَ الّذي يمكنُ لأوروبّا وَالمجتمعِ الدّوليّ القيام به مِنْ أجلِ إعادةِ تشكيلِ منطقةِ الشّرقِ الأوسطِ.
ويقولُ پيرتيس إنّه يستعرضُ في كتابه الوجيزِ هذا، عن قصدٍ، ما يدور من أحداث راهنة في منطقة الشّرق الأوسط. أمّا القارئُ الرّاغبُ في الاستزادةِ، فَلَابُدَّ أن يعودَ إلى كتبٍ ومراجعَ أخرى. فهذا الكتابُ هُوَ «لقطةٌ سريعةٌ» لما يحدث في المنطقة العربيّة الآن. أَمَّا كتابةُ تاريخٍ شاملٍ لهذه الثّورات المندلعة في البلدان العربيّة الآن، فمازال الوقتُ مبكّرًا لإنجازها في الوقتِ الحالي. أنهى فُولْكَرُ پيرتيس كتابَهُ في صيف 2011م. ثُمّ زوّده ببعض المستجداتِ أثناءَ مراجعتِه وتنقيحِه، قبلَ أن يظهرَ في نوفمبر 2011م.
2- مِنْ أَسْبَابِ انْدِلَاعِ الثَّورَاتِ العَرَبِيَّةِ
يتساءلُ فُولْكَرُ پيرتيس عَنْ سَبَبِ اندلاع الثّوراتِ العربيّةِ في هَذَا التّوقيتِ بالذّاتِ، وليس مِنْ قبلُ أَوْ مِنْ بَعْدُ. وَهُوَ يشيرُ إلى وجودِ وجهتي نظرٍ مختلفتينِ كلّيّةً. الأولى كَانَ أصحابها يؤكّدونَ أنّ منطقةَ الشّرق الأوسط لن يحدثَ فيها أيُّ تغييراتٍ جوهريّةٍ على المدى البعيد الْبَـتَّـةَ، والثّانية يرى أصحابها أنّ هذه المنطقةَ لا يمكنُ أن تستمرَّ عَلَى مَا هِيَ عليه هَكَذَا إِلَى الأبدِ. ثُمّ يُحدّدُ فُولْكَرُ پيرتيسُ موقفه تجاهَ وجهتي النّظر هَاتينِ، فيقولُ إنّ الباحثَ المتابعَ للأوضاعِ في منطقةِ الشّرقِ الأوسطِ عَنْ كثبٍ، والمطّلعَ عَلَى تقاريرِ التّنميةِ البشريّةِ العربيّةِ الصّادرةِ عَنِ الأمم المتّحدة: “Arab Human Development Report“، رُبَّمَا يكونُ قَدْ فُوجِئَ بتوقيتِ اندلاعِِ الثّوراتِ العربيّةِ، دُونَ أَنْ تكونَ ضغوطُ التْغييرِ الهائلةِ مفاجئةً لَهُ. وَقَدْ تنبّأ فُولْكَرُ پيرتيس - مِثْلُ كثيرٍ مِنَ الباحثينَ والمراقبينَ - بأنّ المنطقةَ ستشهدُ تغييرًا مَا، حيثُ حذّر سنة 2002م في كتابه: «الحدائق الخفية. العالم العربيّ الجديد» “Geheime Gärten. Die neue arabische Welt“ مِنْ إِمْكَانِيَّةِ اندلاعِ انتفاضةٍ عربيّةٍ، إِذَا استمرّ الحكّامُ العربُ في قمعِ شعوبهم. وفي سنة 2006م نَشَرَ فُولْكَرُ پيرتيس كِتَابَهُ «نزهات شرقيّة» “Orientalische Promenaden“ مُسَجِّلًا فيه ملاحظاته عن بلدان المنطقة العربيّة في ساعات ما قبل العاصفة. يستشهدُ فُولْكَرُ پيرتيس بأحد أساتذة العلومِ السّياسيّةِ في الإماراتِ العربيّةِ المتّحدةِ الّذِي قَالَ لَهُ، بَعْدَ إسقاطِ طاغيةِ مصرَ، إِنَّ المفاجأةَ بالنّسبةِ له لَمْ تكن في ثوراتِ 2011م - الّتي اندلعتْ بعدَ عقودٍ مِنَ الإحباطِ، والإذلالِ، واستبدادِ الحزبِ الواحدِ، والفردِ الواحدِ، بَلْ في أنّ هَذِهِ الثّوراتِ لم تندلعْ قبلَ ذَلِكَ بوقتٍ طَويلٍ. فالقاسمُ المشتركُ بَيْنَ دولِ العالمِ العربيّ تمثّلُ في قياداتٍ حكوميّةٍ سيئةٍ، وانتهاكاتٍ فظيعةٍ لحقوقِ الإنسانِ، وَازدراءٍ لكرامةِ الإنسانِ، وَفسادٍ بالغٍ، وَعَدَمِ المساواةِ، وَهضمِ حُقُوقِ النّساءِ والشّبابِ، وَاستبدادٍ شامِلٍ.
3- الْاسْــتِقْرَارُ الزَّائِفُ
يَقُولُ فُولْكَرُ پيرتيس إِنَّ هُنَاكَ أوجهَ تشابهٍ كثيرةً بينَ البلدانِ العربيّةِ، وَمَعَ ذلكَ فهناكَ أيضًا أوجهُ اختلافٍ كثيرةٌ بينَهَا فِيمَا يَخُصُّ الأنظمةَ السّياسيّةَ، والظّروفَ الاجتماعيّةَ-الاقتصاديّةَ. فهناكَ مَثَلًا النّظامُ الملكيُّ المحافظُ الموجودُ في منطقةِ الخليجِ العربيّ الّذي يقوم على العائلات المالكة هناك، ويكاد يكون بدون مراقبة أو مشاركة في السّلطة. ولدينا نظام ملكيّ ليبراليّ في الأردن والمغرب. وهناك جمهوريّات محكومة بالاستبداد والدّيكتاتوريّة مثل سوريا وليبيا وتونس حتّى سقوط بن علي سنة 2011م. وهناك أنظمة تقوم على التّعدّدية، لكنّها ظلّت استبداديّة إلى حدٍّ بعيد، مثل مصرَ مبارك، والجزائر، واليمن. وهناك ديمقراطيّة شكليّة مثل العراق، وديمقراطيّة ضعيفة مثلما هو الحال في لبنان أو السّلطة الفلسطينيّة.
اقتصاديًّا يختلفُ متوسّطُ دخلِ الفردِ فِي الدّولِ العربيّةِ اختلافًا كبيرًا. فَلَدَيْنَا دولٌ فقيرةٌ مثلُ اليمنِ، والسّودانِ مَازالَ متوسطُ دخلِ الفردِ فيها أقلَّ مِنْ 2500 دولار سنويًّا. وَهُنَاكَ المغربُ، وسوريا، والأردنُ، وَمِصْرُ والجزائرُ، وتونسُ، الّتي يتراوحُ متوسطُ دَخلِ الفردِ فيها بَيْنَ 4500-8500 دولار سنويًّا. ثُمّ تأتي لبنان، وليبيا، والسّعوديّةُ، وعمان، والبحرين، بمستوى دول وسط أوروبّا، حيثُ يتراوحُ متوسطُ دخلِ الفردِ هُنَاكَ بينَ 13000 دولار و25000 دولار سنويًّا. وَبَعْدَ ذَلِكَ تأتي الكويت، والإمارات العربيّة المتّحدة وقطر، الّتي تنتمي إلى الدّولِ الأكثرِ دَخلًا في العالمِ بالنّسبةِ إلى مَا يَحصلُ عَليه الفردُ الواحدُ. المشتركُ بينَ كُلِّ هَذِهِ البلدانِ العربيّةِ هُوَ عَدَمُ المساواةِ في توزيعِ الدّخلِ بين الأفرادِ. تشيرُ الإحصائياتُ إلى زيادةٍ كبيرةٍ في الفجوة بَيْنَ الفقراءِ والأغنياءِ مُنْذُ بداية القرنِ الحَادي وَالعشرينَ. وبرغمِ ثروةِ البترولِ الموزّعةِ بصورةٍ غير متساويةٍ بينَ الدّولِ العربيّةِ، يعيشُ نحوَ 40٪ مِنْ مَجْمُوعِ الشّعوب العربيّة تحتَ خَطِّ الفقرِ. أَمَّا الفسادُ، فَقَدِ استشرى في كُلِّ صَوبٍ وَحَدبٍ خاصّةً في دوائرِ صنع القرار. وفي قائمة دول العالمِ الأكثر فسادًا الّتي تصدرها «منظمة الشّفافيّة الدّوليّة» Transparency International احتلّتِ الدّولُ العربيّةُ مراتبَ متقدّمةً جدًّا في الفسادِ. يبدأُ المؤشّرُ بصفر، وهو تصنيف يعني: «فاسد جِدًّا»، وينتهي بدرجة عشرة الّتي تعني: «نظيف مِنَ الْفَسَادِ». حَصَلَتْ قطر والإمارات العربيّة المتّحدة على 6 من 10. وحصلتِ الكويتُ والأردن والسّعوديّةُ وعمان وتونس على درجة من 4 إلى 6 من عشرة، وسائر الدّول العربيّة على أقلّ من 4 من عشرة، بَلْ إنّ السّودان والعراق لم تَحصلا إلّا عَلَى أقلّ من 2 من عشرة. أَمَّا بالنّسبة إلى الْـحُـرِّيَّاتِ، فَقَدِ اعتادتْ مُنظّمةُ «فريدوم هاوس» الأمريكيّة على تصنيف الدّولِ العربيّةِ ضمنَ «الدّول الأقلّ حرّيّة في العالم». وذلكَ باستثناءِ الكويتِ ولبنان والمغرب الّتي صُنّفت عَلَى أَنَّهَا «تتمتّعُ بحرّيّةٍ جزئيّةٍ» فِي الْوَقْتِ الّذي اعتُبرتْ فيه سائر الدّولِ العربيّةِ سنة 2010م «غير حرّة». والمعارضة السّياسيّة لا يُسْمَحُ لَهَا بالعملِ إلّا في حدودٍ ضيّقةٍ، ولم تجد «منظّمة العفو الدّوليّة» إِلَّا عَدَدًا قليلًا مِنَ الدّولِ العربيّةِ بدونِ معتقلينَ سياسيّينَ. والحقيقةُ هِيَ أَنَّنَا لا نجدُ دولةً عربيّةً واحدةً مِنَ المحيطِ إلى الخليجِ تتمتّعُ بنظامٍ ديمقراطيٍّ ليبراليٍّ وطيدٍ. أَمَّا الانتخاباتُ، فقد تعوّدنا على تزويرها في مصرَ وسوريا وتونس واليمنِ. والبرلمانات العربيّة تكادُ تكونُ بِلَا أيِّ صلاحيّاتٍ.
ويقولُ فُولْكَرُ پيرتيس إنّ الانتخاباتِ عِنْدَ العربِ كانتْ مجرّد ديكور أو زينة شكليّة، ولم يُنظر إليها أبدًا على أنّها وسيلةٌ وأداةٌ تُستخدمُ لتغيير الحاكمينَ. والملفت للنّظر هنا هو أنّ المواطنَ العربيّ البسيطَ الّذي أشبعه الحكّامُ العربُ كذبًا وخداعًا وتضليلًا صَار يعي تمامًا ما يحدث مِنْ تزويرٍ وكذبٍ، فأصبحتْ مشاركةُ المواطنينَ في الانتخاباتِ في مصرَ وسوريا وتونسَ منخفضةً جدًّا لا تتعدّى عشرةً في المائة مِنْ هؤلاءِ الّذينَ يحقّ لهم التّصويتُ. ويشيرُ الكاتبُ إلى حقيقةٍ مرّة صَارَتْ ظاهرةً مخزيةً مِنْ ظَوَاهِرِ الاستبداد في العالم العربي، وهي ظاهرة شيخوخة الطّبقة الحاكمة في الدّول العربيّة. فبعكس دولة مثل الصّين، الّتي تقوم، برغم غياب الممارسة الدّيمقراطيّة فيها، بتجديد القيادات السّياسيّة فيها كلّ عشـر ســنوات بمجموعــاتٍ أكثرَ شبابًا وأقلّ سنًا، نَجِدُ أنّ النّخبَ الحــاكمةَ في العــالمِ العربيِّ تــبدو وكأنّها خُلقت لتبقى في مناصبها إلى الأبدِ. فطاغيةُ تونسَ بن عليّ ظلّ رئيسًا للبلاد منذ 1987م حتّى فراره 2011م. وبقي مبارك رئيسًا لمصر منذ 1981م حتّى خلعه 2011م. أمّا رئيسُ اليمنِ، فتشبّثَ بالسّلطةِِ منذُ 1978م، والقذّافي منذ 1969م. وحتّى جيل الشّباب الّذي تولّى الحكم في بعض الدّول العربيّة: بشّار الأسد في سوريا، الملك حمد في البحرين، والملك عبد اللّه في الأردن، والملك محمّد في المغرب، هذا الجيل أيضًا كان قد مرّ عليه في بداية 2011م أكثر من عشر سنوات في الحكم، أي أطول من أي رئيس أمريكيّ ناجح. فقد ورثوا الحكم عَنْ آبائهم، واستخدموا الأساليبَ نفسَهَا الّتي تجعلُ السّلطةَ والامتيازاتِ والثّروةَ محصورةً في أقلّيّةٍ محدودةٍ من المقرّبينَ والمنتفعينَ. وَهَكَذَا تنعدمُ الفرصُ أمامَ أيّ شخصٍ آخرَ لا ينتمي إلى هذه الأقلّيّة وَيُـرِيدُ المشاركةَ في تشكيلِ مستقبلِ بلادِهِ.
وَقَدْ دفعَ غيابُ الممارساتِ الدّيمقراطيّةِ عَنِ الدّولِ العربيّةِ بعضَ المراقبينَ إلى طرحِ السّؤالِ عَمَّا إذا كَانَ العالمُ العربيُّ محصّنًا ضدّ الدّيمقراطيّة. وَهَذَا هراءٌ لا محالةَ. والصّحيح هو أنّ العالم العربيّ قد ظهرت فيه دائمًا حركاتٌ تدعو إلى الدّيمقراطيّة، ورغبةٌ في الانفتاح السّياسيّ وإطلاق الحرّيّات، لكنَّ عواملَ داخليّةً وخارجيّةً كانت تحول دائمًا دون تحقيق التّحوّل الدّيمقراطيّ المطلوب. من العوامل الدّاخليّة أنّ صادرات الغاز والبترول ما زالت تمثّل العمود الفقريّ لاقتصاديات المنطقة العربيّة. فتبلغ حصيلة صادرات الغاز والبترول في بعض الدّول العربيّة أكثر 60٪ من الدّخل القوميّ. وتوفّر هذه العائدات الضّخمة نوعًا من الاستقلال من جانب الأنظمة تجاه المواطنين: فالنّظام ليس بحاجة إلى فرضِ ضرائبَ على المواطنينَ، بل هو يقومُ بتقديم دعمٍ اقتصاديّ لهم، يشتري به مطالبهم السّياسيّة. وقد قامت دول عربيّة غير غنيّة بممارسة هذا النّوع من الاقتصاد السّياسيّ فترة طويلة، بمساعدات ظلّت تحصل عليها من الدّول الغنيّة بالنّفط. بيدَ أَنَّ هذه المعادلة أو اللّعبة أصبحت غير مجدية، أَوِ انحصرتْ في دولٍ غنيّةٍ بعائدات النّفط، قليلة السّكان. لكنْ بصفةٍ عامّة تزايدتْ مطالبُ الشّعوب العربيّة بالحرّيّة والدّيمقراطيّة والمشاركة في الحكم، بعد ارتفاع مستويات التّعليم، وظهور طبقة متوسّطة كبيرة.
وفي الوقت الّذي واصلتْ فيه الأنظمة العربيّة ممارسةَ سياسةِ القمعِ والقهرِ تجاهَ شعوبها، شهدتِ المجتمعاتُ العربيّةُ نوعًا مِنَ الانفتاحِ والتّعدّديّة، خاصّة في الأجيال الصّاعدةِ الّتي حصلت على قدرٍ مِنَ التّعليمِ والثّقافة يفوقُ ما حصلت عليه الطّبقات الحاكمة الّتي أصيبت في تلك الأثناء بالشّيخوخة والهرم. وَكَانَ للفضائيات والإنترنت دورٌ كبيرٌ في سرعة نشر المعلومات وتداولها. وَلَمْ تكنِ الموضوعاتُ الّتي عالجتها الفضائيات جميعها جديدةً. بل كَانَ هُنَاكَ مناقشات حامية طوال السّنوات السّابقة للثّورة حولَ أساليب الحكم، وحقوق الإنسانِ، وشرعيّة الدّولة، والتّوزيع العادل للسّلطة والفرص. وَيُوجّهُ فُولْكَرُ پيرتيس نقدًا مباشرًا إلى الغرب بصفةٍ عامّةٍ، حيثُ يقول: مِنَ الحقائق المريرة أنّ السّياسة الّتي انتهجها الغرب في المنطقة العربيّة لم تُساهم في دفع المجتمعات العربيّة نحو الدّيمقراطيّة. ويضيف إلى ذلك قائلًا: قد يعترض بعضهم بأنّ هذه ليست من واجبات الغرب أو أيّ قوّة أجنبيّة أخرى. والرّدّ على ذلك بسيط، وَهُوَ أنّ أوروبّا والولايات المتّحدة الأمريكيّة لم تتوقّفا عن الحديث عن تشجيع دمقرطة المنطقة العربيّة. وكان هناك برامج طُرحت في إطار «شراكة الاتّحاد الأوروبيّ مع دول البحر المتوسّط» ساهمت بِلَا شَكٍّ في الدّفاع عن حقوق الإنسان، وحرّيّة الصّحافةِ، في الدّول العربيّة.
يُهِمُّنَا أَنْ نُسَجِّلَ هُنَا مُلاحَظَةً تكميليّة بخصوصِ مَوْقِفِ الغربِ مِنَ الدّيكتاتوريّاتِ العربيّةِ. فَفِي دراسةٍ للباحثِ السّويسريِّ الرّاحلِ ڤيكتور كوخر بعنوانِ: «أزمةِ القيمِ في السّياسةِ الغربيّةِ في الشّرقِ الأوسطِ»، نشرنا ترجمتها العربيّة على موقع «حزب العمل المصريّ»، يُشيرُ كوخر إلى كتابٍ هَامٍّ للباحثِ الفلسطينيّ-الأمريكيّ سعيد أبي الرّيش، عالجَ فيه هذا الموضوعِ باستفاضة. يقولُ ڤيكتور كوخر: «إنّ الدعوى الاستفزازية التي طرحها المثقف الفلسطينيُّ سعيد أبو الريش مثيرة للقلق، حيث يقول: ״... إنّ سببَ الاضطرابِ في الشرقِ الأوسطِ يعودُ إلى أنّ الحكامَ العربَ المهدّدينَ اليومَ قد ضحُّوا بصورةٍ متكرّرةٍ برفاهيةِ المواطنِ العربيِّ العاديِّ، وبحقوقِ الرَّجلِ البسيطِ وكرامتِهِ، مِنْ أجلِ صداقتهم الوحشيةِ مَعَ الغَرْبِ״». وكتابُ أبي الرّيشِ هَذَا منشورٌ باللّغة الإنجليزيّة، وعنوانه هو: «صداقةٌ وحشيّةٌ. الغربُ والنّخبةُ العربيّةُ» Saïd K. Aburish, “A Brutal Friendship. The West and the Arab Elite”. Indigo, London 1998.
وَنَتَوَقّفُ هُنَا قَلِيلًا لنستعرضَ الدّورَ الّذي يُمكنُ أنْ يقومَ به المفكّرُ الباحثُ في مجتمعه ومحيطه، من خلالِ عقدِ مقارنةٍ سريعةٍ بينَ ما مَارَسَهُ المستشرقُ الصّهيونيّ برنارد لويس مِنْ تأثيرٍ سلبيّ على صانعي القرارِ في الغربِ عمومًا، والولاياتِ المتّحدةِ خصوصًا من ناحية، وما يمكنُ أن يقومَ به مُؤَلِّفُنَا فولكر پيرتيس من تأثيرٍ بنّاءٍ في دوائر صناعةِ القرار في أوروبّا مِنْ ناحيةٍ أخرى. فَفِي الماضي القريبِ كَانَ كثيرٌ مِنْ مفكّري الغربِ يستخدمونَ الإسلامَ فزّاعةً، لتخويفِ الغربيّينَ مِنَ المسلمينَ والعربِ. لكنْ بعدَ اندلاع الثّورات العربيّة هناك ما يُشيرُ إلى تجاوز هذه المرحلة، وبدء عصر جديد «عصر ما بعد الفزّاعات الإسلاميّة». الثّورات العربيّة تُعتبر أكبر ما تواجهه إسرائيل من تحدّيات. فقد انكشف الآن كلّ كلّ شيء. إسرائيل كانت أكبر مستفيد من الدّيكتاتوريّات العربيّة، وَمَعَ ذلك كانت لا تكفّ عن استعطاف الغربيّين بادّعاء أنّها «الدّولة الدّيمقراطيّة الوحيدة، وسط غابة من الأنظمة الاستبداديّة، في الشّرق الأوسط». كان المنطق يقتضي أن يُشجّع المرءُ نشر القيم الّتي يؤمن بها. لكن الأمر هنا يتعلّق بتوظيف كلّ شيء من أجل مواصلة استعباد شعوب المنطقة العربيّة. برنارد لويس وفولكر پيرتيس يمثّلان نموذجين مختلفين كلّ الاختلاف. الأوّل لم يكفّ عن تحريض الغرب، ليحارب المسلمين، ويقهرهم، والثّاني يدعو الغرب إلى التّحالف مع المسلمينَ. الأوّل يدعو إلى أفكار عنصريّة، والأخير يريد الخير للإنسانيّة جمعاء. الأوّل وظّف معارفه لتلطيخ سمعة أكثر من مليار ونصف مليار مسلم، والثّاني يسعى إلى توظيف علمه من أجل خير الإنسان في كلّ مكان. الأوّل يُفَرِّقُ بين المسلم والمسيحيّ واليهوديّ، والثّاني يريد أن يُقرّب بين العباد والبلاد. يقول رءوف عبّاس: «(...) ولكن هيهات أن يُدركَ القارئُ أَنَّ مَا يُقدّمه برنارد لويس عَنِ الإسلامِ له شبهة موضوعيّة ونزاهة، وخلو مِنَ الغرض، والتزام الحقيقة السّاطعة كَمَا جاءت في مظانها، بَلْ يجدُ القارئُ نفسَهُ يتعاملُ مَعَ رسالةٍ ״سياسيّةٍ״ تطفحُ بالكراهيةِ للإسلامِ والمسلمينَ، وخاصّة العرب، وتفيضُ بالانحيازِ للصّهيونيّةِ. يبدو ذلكَ واضحًا في كُلِّ مَا ألّفه لويس بَعْدَ الحربِ العالميّةِ الثّانيةِ، ويتّخذُ صورةً فجّةً في كتابيه: ״أين الخطأ״، و״أزمة الإسلامِ״، على وجهِ الخصوصِ. فَقَدْ كَانَ الكِتَابُ الأوّلُ يُطبعُ عِنْدَمَا وَقَعَ حادثُ 11 سبتمبر 2001م، وصدرَ في غضونِ الأسابيع الّتي تلته، فتخاطفته الأيدي، ولقي اهتمامًا واسعًا. فتعدّدتِ العروضُ الّتي كُتِبَتْ عنه فِي الصّحفِ والمجلّاتِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الإسلامَ والمسلمينَ في إطارٍ معيّنٍ باعتبارهم ״خطرًا״ موجّهًا ضِدَّ الغربِ، وَأَكَّدَ عداءَ الإسلامِ للمسيحيّةِ، بل رفضه لغيره مِنَ الأديانِ والثّقافاتِ الأخرى، وذهب إلى أنّ المسلمينَ يُعادونَ السّاميةَ بدليلِ موقفهم الرّافض لدولةِ إسرائيل. وأوردَ في خاتمةِ الكتابِ نفسَ المقولاتِ الّتي جاءت بكتبه السّابقةِ، فالمسلمونَ لا يُحسنونَ استيعابَ ما اقتبسوه مِنَ الغربِ، فباءت مساعيهم للحاقِ بركبِ المدنيّةِ الحديثةِ، مدنيّةِ الغرب، بالفشل الذّريعِ، فراحوا يبحثونَ عن ״كبش فداء״ هُنَا وَهُنَاكَ، لتبريرِ تَخَلُّفِهم، وعجزهم وقصورهم، ويصبّونَ جامَ غضبهم على الغربِ، دونَ أن يُدركوا ما وقعوا فيه من أخطاء، هِيَ - عنده - رفض الحضارة الغربيّةِ والعداء للسّاميةِ. وينتهي إلى نتيجةٍ واحدةٍ: فالمسلمونَ قومٌ أوغادٌ بطبعهم، يكرهونَ الآخرَ، ويُريدونَ ذبحَ الغربِ واليهودِ انتقامًا لعجزهم وتخلّفهم.
وَجَاءَ حادثُ 11 سبتمبر 2001م، ونسبته إلى ״القاعدة״، ليجعلَ من برنارد لويس فيلسوفَ مَا يُسمّى ״الحربَ ضِدَّ الإرهابِ״، وَبَاتَ الإرهابُ - في نظرِ الرّأي العامِّ الغربيِّ - يُمَثِّلُ الوجهَ الآخرَ للإسلامِ، بفضلِ أبواقِ الدّعايةِ الإعلاميّةِ، و״حكمة״ برنارد لويس، وجهود تلاميذه من أقطابِ اللّوبي الصّهيونيّ المهيمن على حقلِ دراساتِ الشّرقِ الأوسطِ بالولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّةِ من أمثال: مارتن كريمر Martin Kremer، وستانلي كيرتز Stanley Kurtz، ودانيال پاپيس Daniel Pipes، وغيرهم.
ونشطَ برنارد لويس خلالَ عَامَي 2001م-2002م في إلقاءِ المحاضراتِ، وكتابةِ المقالاتِ، أو إعادة ترتيبِ مادّةِ بعضِ المقالاتِ، ثُمَّ نشرهَا بعناوين جديدةٍ (تمامًا كَمَا فعلَ في كتبه)، ليزرعَ في أذهانِ قُرّائه وسامعيه أنّ ما حدثَ في 11 سبتمبر 2011م ليس غريبًا، بَلْ يُعبّرُ عن جوهرِ الإسلامِ والمسلمينَ، فالدّينُ الإسلاميُّ جَعَلَ ״الجهادَ״ فريضةً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، والجهادُ يعني القضاءَ عَلَى غَيْرِ المسلمينَ باعتبارهم كُفَّارًا. وَفِي عَامِ 2003م جَمع برنارد لويس مادّةَ تلكَ المقالاتِ والأحاديثِ والمحاضراتِ، وَأَعَادَ ترتيبها ترتيبًا يتنافى مَعَ مَا سبقَ أن أوردنا من حديثه عَنِ ״الموضوعيّةِ״، و״النّزاهةِ״، والتزامِ ״الحيدةِ״، فيبدو التّحيّزُ ضِدَّ الإسلامِ والمسلمينَ واضحًا مِنَ العنوانِ الّذي اختاره للكتابِ ״أزمة الإسلامِ، حربٌ مقدّسةٌ، وإرهابٌ غير مقدّسٍ״.
وَقَدْ سبقَ أن قمنا بدحضِ افتراءاتِ لويس الّتي جاءت في كتابه ״أين الخطأ؟״، وَبَيَّنَّا فسادَ ما توصّلَ إليه من نتائج، استنادًا إلى أعمال مؤرّخينَ يُنسبونَ إلى الغربِ، ونشروا أعمالهم بالإنجليزيّةِ والفرنسيّةِ، وسوفَ نتناولُ كتابَ ״أزمةِ الإسلامِ״ بنفسِ المنهجِ، معتمدينَ - أيضًا - على كتاباتٍ لبعضِ المستشرقينَ المشهودِ لهم بالتّعمّقِ في فهمِ الإسلامِ، وأهله، وثقافته، ومعرفة مصادر دراسته، وامتلاكهم لناصيتها، ولم نشأِ الاستشهادَ بأعمالِ المؤرّخينَ العربِ والمسلمينَ المحدثينَ حتّى نضع عملَ لويس في إطارِ أدبياتِ الاستشراقِ، ليقفَ القارئُ على وزنه الفعليّ بينَ تلكَ الأدبياتِ» (مقدّمة التّرجمة العربيّة لكتاب: برنارد لويس، الإسلام وأزمة العصر، حرب مقدّسة وإرهاب غير مقدّس، ترجمة أحمد هيكل، تقديم ودراسة: رءوف عبّاس، المجلس الأعلى للثّقافة، القاهرة 2004م).
نَعُودُ إلَى مُؤلّفِنَا، فنقولُ: يُشيرُ فُولْكَرُ پيرتيس إلى مَا حدثَ للفظ «الدّيمقراطيّة» من إساءة استخدام، بل واغتصابٍ. فغزو العراق سنة 2003م قد تمّ بذريعة الإسهام في نشر الدّيمقراطيّة في منطقة الشّرق الأوسط. وهذا تضليل واضح. والأنكى من هذا أنّ هذه الأضاليل الفاجرة مازلت تُمارس حتّى يومنا هذا، حيث يدّعي بعضهم مثلًا أنّ إسقاط صدّام حسين بمساعدة خارجيّة قد ساهم في إشعال الثّورات العربيّة سنة 2011م. بيد أنّه من السّهولة بمكان إثبات عكس ذلك. فبرغم أنّ حرب العراق سنة 2003م قد أسقطت بالفعل ديكتاتورًا كبيرًا، إلّا أنّ هذه الحربَ قد أطالت أيضًا من عمر الحكَّامِ المستبدينَ في المنطقةِ العربيّةِ، ناهيك عن دفعِ العراقِ إلى حربٍ أهليّةٍ مميتةٍ طوالَ هذه السّنين. والأكثر من هذا أنّ المؤسّسات الدّيمقراطيّة الّتي أقامتها القوة الاستعماريّة هناكَ لا يمكنُ الادّعاءُ بأنّها تعملُ بصورة نموذجيّة. ولم يكنْ بشّار الأسد الوحيدَ الّذي أشارَ إلى الفوضى الدّمويّة الّتي حدثت في العراق بعد الغزو الأمريكيّ سنة 2003م، من أجل إقناع مواطنيه بأنّ الاستبدادَ أفضلُ لهم بكثيرٍ مِنْ تِلْكَ الدّيمقراطيّةِ المستوردةِ.
وَالملفتُ للنّظر فيما حدث قبل اندلاع الثّورات العربيّة سنة 2011م هو أنّ الغربَ، ممثّلًا في الولايات المتّحدة وأوروبّا، لم يكن له أيُّ دورٍ في هذا الحدث التّاريخيّ. أمّا روسيا والصّين، فلم يسبق لهما تشجيع الدّيمقراطيّات في أيّ مَكَانٍ في العالمِ. فمنذ هجمات سبتمبر 2001م، وبعدَ ذلك سنة 2003م، لم نسمع من الولايات المتّحدة بالذّات إلّا شيئًا واحدًا «الحرب على الإرهاب»، والبحث عن حلفاء يؤيّدون هَذِهِ السّياسةَ في منطقةِ الشّرقِ الأوسطِ، ويوفّرونَ الاستقرارَ المطلوبَ في هذه المنطقةِ الهامّةِ بالنّسبةِ للغربِ. كَانَ هُنَاكَ بالإضافةِ إلى هَذَا مخاوفُ غربيّةٌ مِنْ تزايدِ نفوذِ إيرانَ، وانتشار الحركات الإسلاميّة، والهجرة غير الشّرعيّة لأوروبّا. صَحِيحٌ أَنَّ الْغَرْبَ كَانَ يحثّ الدّولَ العربيّةَ علانيّةً عَلَى عَمَلِ إصلاحاتٍ سياسيّةٍ، واحترامِ حقوقِ الإنسانِ. لكنّ الرّسالة الّتي فُهِمَتْ فِي القاهرة، وتونس، والرّياض، والرّباط، ورام اللّه، ودمشق، كانت مختلفة: مَنْ يتعاون في الحَربِ على الإرهاب، ويساعد في الاحتفاظ باستقرار المنطقة، سيتمّ اعتباره شريكًا، أو بلغة السّياسة الأمريكيّة، «لاعبًا معتدلًا»، بصرف النّظر عن طريقة معاملته لمواطنيه. وَمَنْ لا يتعاونْ، فهو يواجه خطرَ أو سيفَ مطالبة الغرب له بدمقرطة بلده!! وهذا يرينا أنّ الغربَ كَانَ يُمَارِسُ سياسةً تشجّعُ الاستبدادَ، وَتُعَادِي الدّيمقراطيّةَ!!
وَقَدْ أظهرَ الحكّامُ العربُ إعجابَهُم بِهَذِهِ السّيَاسَةِ الغَربيّةِ!! ليس حبًّا في الغرب، بل حرصًا على الكرسي، وعلى المصالح الشّخصيّة. وهكذا أبدى الحكّام العربُ استعدادهم لمحاربة القاعدة، والتّصدّي لنفوذ إيران. وَحَرصوا عَلَى إِظْهَارِ أنفسهم تجاه أوروبّا كضامنينَ للاستقرارِ: فالبديلُ عنهم هُوَ استيلاءُ الإسلاميّينَ عَلَى الحكمِ، أَوِ الفوضى!! وقد نجحَ مبارك وبن عليّ في ذَلِكَ بصورةٍ خاصّةٍ.
وَيُحْسَبُ للمؤلّفِ فُولْكَرُ پيرتيس هُنَا نظرته الموضوعيّة والمحايدة للأمور. فهو يشيرُ إلى تخبّط الغربيّين في سياساتهم تجاه العالم العربيّ فيما يخصّ موضوع الدّيمقراطيّة. فقد طالبت دول الاتّحاد الأوروبيّ والولايات المتّحدة الأمريكيّة بعقد انتخابات في المناطق الفلسطينيّة. لكن عندما فازت حماس بهذه الانتخابات في مطلع سنة 2006م، سارعت الدّول الغربيّة باتّخاذ مواقف عنيفة ضدّ حماس، رافضة الحوار أو التّعاون معها إلّا بشروطٍ مجحفةٍ!! وهذا ما يجعلُ مصداقيّةَ الغربِ في غايةِ الهشاشةِ فيما يخصُّ موضوعَ الدّيمقراطيّة. ومع ذلك يشير فُولْكَرُ پيرتيس إلى أنّ دول الاتّحاد الأوروبيّ كانتْ تأملُ في نشر الدّيمقراطيّة في العالم العربيّ. فقد كان صُنّاع القرار في بروكسل على وعي تامّ بأنّ الجمود السّياسيّ، والقيادات السّيئة، ومقاومة الإصلاح، تمثّل كُلُّهَا خطرًا على المنطقة العربيّة، وبالتّالي على المصالح الأوروبيّة في العالم العربيّ. لكنّ الأوروبيّين كانوا يأملون أن يتمّ الإصلاحُ بمبادرةٍ من داخلِ الأنظمةِ العربيّةِ ذاتها. وبالفعلِ جاءَ التّغييرُ مِنْ داخلِ المنطقةِ العربيّةِ ذاتها، لكنّه جاءَ بطريقةٍ لم يتوقّعها الحكامُ العربُ، وَلَا شُرَكَاؤهُمُ الغربيّونَ.
4- الـتَّـغْـيِيـرُ: أَسْبَابُهُ وَأَطْرَافُـهُ
أَسْبَابُ الثّورةِ كانتْ موجودةً إِذًا في العالم العربيّ منذُ سنواتٍ، إنْ لَمْ يكنْ منذُ عقودٍ. كَمَا أنّ بعضَ مَا وقعَ مؤخرًا من أحداثٍ أدّتْ إلى احتجاجاتٍ في تونسَ ومصرَ وليبيا واليمنِ والبحرينِ وسوريا، حدثتْ مِنْ قبلُ، دونَ أن تؤدّي إلى انتفاضةٍ أو سلسلةٍ من الانتفاضاتِ في العالمِ العربيّ. لكنّ التّغيّرات التّاريخيّة الكبرى كانت دائمًا تحدث نتيجةً لمجموعةٍ معقّدةٍ مِنَ الأسبابِ والأحداث الفرديّة. بيدَ أنّ العنصرَ الحاسمَ في نهاية المطافِ يكونُ كيفيّة تصرّف بعض الأفراد من الطّرفين. فالثّورة لا تتكوّنُ فقط مِنَ الثّوّارِ، بل أيضًا من نظام يرفضُ التّغييرَ أو يتباطأ فيه. وَمَعَ ذَلِكَ فينبغي تحاشي إقامة علاقة سببيّة بين الحدث والنّتيجة. فانتحارُ بوعزيزة التّونسيّ بإشعالِهِ النّارَ في نفسه أدّى إلى موجة احتجاجاتٍ لم يمكن السّيطرة عليها. ومع هذا فقد كان من الممكن لحادث دراميّ آخر أن يؤدّي أَوْ لَا يؤدي إلى النّتيجة نفسها.
وَالحقيقةُ أَنَّ عواملَ كثيرةً قَدْ ساهمت مُنْذُ بداية 2011م في تحريك الأحوال السّياسيّة المتجمّدة في المنطقة. ومن ذلك عوامل تكنولوچيّة، واقتصاديّة-عالميّة، وسياسيّة، واجتماعيّة. كَانَ للفضائياتِ العربيّةِ، ووسائل التّواصل الاجتماعيّ، دَوْرٌ مُهِمّ في انتشارِ الاحتجاجاتِ بصورةٍ سريعةٍ. وأدّتْ أسعارُ الموادّ الغذائيّة المتزايدة الارتفاع إلى إشعال مظاهرات الفقراء. كَمَا أنّ بعضَ تقارير «ويكيليكس Wikileaks» قد أكّدت مَا كَانَ يدورُ في تونسَ والعالم العربيّ من شائعاتٍ وظنونٍ حَولَ فَسَادِ الحكّامِ العربِ. أمَّا العنصرُ الأهمُّ في الثّوراتِ العربيّةِ، فَقَدْ يكونُ العنصر السّكّانيّ- الدّيموجرافيّ: فالانتفاضة العربيّة الّتي اشتعلتْ سنةَ 2011م كانتِ انتفاضةَ شبابٍ في المقامِ الأوّلِ.
5- هَلْ كَانَتْ مُجَرَّدَ انتِفَاضَةِ خُـبْزٍ؟
حَذَّرَتْ قِلَّةٌ مِنَ الكُتّابِ سنةَ 2010م من أزمات الموادّ الغذائيّة وما يمكن أن ينتج عنها من اضطرابات في المنطقة العربيّة، خاصّة بعدما تضاعف ثمن القمح تقريبًا في الأسواق العالميّة خلال سنة واحدة، وقد أَثَّرَ هذا على الأسواق المحلّيّة في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث يتمّ استيراد نسبة كبيرة من الموادّ الغذائيّة من الخارج. وتعتبر أسعار الموادّ الغذائيّة في العالم العربيّ وإيران موضوعًا حسّاسًا. يبلغ متوسط ما تنفقه العائلة المصريّة على الغذاء 40٪ من دخلها. والخبز يتمّ دعمه في كثيرٍ من الدّول العربيّة. وقد وقع ما يُسمّى «اضطرابات الخبز» في مصر والأردن وغيرهما من الدّول العربيّة عندما حاولت الحكومات العربيّة تخفيض نسبة الدّعم. وحدثَ مَا هُوَ أسوأ من ذلكَ في دولٍ مثل اليمن وتونس حيثُ لم تقتصرِ المعاناةُ على ارتفاعِ أسعارِ الموادّ الغذائيّةِ، كنتيجةٍ طبيعيّةٍ لارتفاعِ أسعارها في الأسواقِ العالميّةِ، بل زادَ الطّينَ بلّةً أَنَّ العمالةَ التّونسيّةَ واليمنيّةَ في دولِ الجوارِ فقدت عملها بسبب المشاكل الاقتصاديّة، وهو ما أدّى إلى ضررٍ مضاعفٍ: فالأسرُ الّتي كانت تعولها هذه العمالة فقدتِ الدّعمَ الماليّ الّذي كانت تتلقّاه بانتظامٍ، وهو ما فاقمَ من معاناتها. ثُمّ أنّ هذه العمالةَ قد اضطرّت إلى العودةِ إلى بلادها، تونس واليمن، بعد أن صارت عاطلة عن العمل، وهو ما ضاعفَ من الضّغوط على حكومتي اليمن وتونس. يَقِينًا لَمْ يَـكُـنْ مِنَ الْـمُـحَـتَّـمِ أَنْ يؤدّي ارتفاعُ أسعارِ الموادّ الغذائيّةِ وتراجعُ دَخلِ الأسرةِ إلى اندلاعِ انتفاضةٍ عربيّةٍ أسقطت في فترة وجيزة اثنين من عتاة طغاة العالم، لكنّهما مثّلا عَاملًا حَاسمًا لتعبأة قطاعاتٍ كبيرةٍ مِنَ الشّعوبِ العربيّةِ للتّمرّد على استبدادِ الحكّامِ. وقد تجلّى هذا في بعض الشّعارات الّتي كانت تردّدها الجماهير الثّائرة في مصر: «عيش، حرّيّة، كرامة إنسانيّة». والملفتُ أنّ كثيرًا من الأنظمة العربيّةِ سنة 2011م قَدِ ظنّتْ أنّ ما يحدث لا يتعدّى كونه نوعًا من «احتجاجاتِ الخبز». فحاولت تهدئة الجماهير الغاضبة بإعادة الدّعم الحكوميّ الّذي كانت قد خفّضته تمهيدًا لإلغائه، أو بتقديم معونات لمحدودي الدّخل. بيد أنّ هذا لم يجدِ نفعًا، وأثبتَ أنّ الجماهيرَ لم تنتفض بسببِ الغذاء فقط. فقد كَانَ من الواضح أنّ الجماهيرَ الّتي خرجت تتظاهر ضدّ غلاء المعيشةِ، قد ربطت هذا بمطالب أخرى سياسيّة، تعبيرًا عن غضبها واستيائها مِنَ الأوضاعِ السّياسيّة والاجتماعيّة المتفاقمة. وأخيرًا فقد حدثت أيضًا انتفاضات في دول عربيّة لا تعاني من مشكلةِ ارتفاعِ أسعارِ الموادّ الغذائيّةِ.
6- ثَــوْرَةُ الْـفِـيسبُــوكِ؟
يدورُ النّقاشُ حَوْلَ الدّورِ التّخريبيّ لـ «قناة الجزيرة»، مُنْذُ أن بدأت بثّها سنة 1996م. والواقع أنّه مُنْذُ أن بدأت «الفضائيات العربيّة» في بثّ برامجها، شعرتِ القنوات العربيّة الحكوميّة في مختلف الدّول العربيّة بظهور منافس قويّ لها، منافس جعل «الرّقابة» وسيلة عفّى عليها الزّمن، غير مجدية، لأنّ الأخبار لم يعد بالإمكان حجبها بمثل هذه السّهولة. ووضعت هذه الفضائيات أسس «ثقافة النّقاش»، أو «ثقافة المواجهات»، حيث ظهر المثقّفون العرب وجهًا لوجه مع صنّاع القرار من مختلف الدّول العربيّة، وجعلوا يتجادلون في مناقشات حامية. وقد أظهرت هذه البرامج أنّ معارضة الاستبداد ممكنة، وأنّه من الجائز جدًّا وجود وجهات نظر مختلفة حول الموضوع الواحد. مثّل هذا في حدّ ذاته تحدّيًا للأنظمة العربيّة، واجهته بتأسيس قنوات فضائيّة خاصّة بها من ناحيةٍ، ومن ناحية أخرى بتخفيف الرّقابة قليلًا على الإعلام المحلّيّ. لكنّها لجأت أحيانًا إلى الوسائل القمعيّة، حيث لم تتردّد في إغلاق مكاتب الجزيرة، أو تعذيب المنشقين والمعارضين الّذين يوجّهون سهام نقدهم نحو الأنظمة العربيّة من خلال هذه الفضائيات. وبجانب هذا منحت الإنترنت ووسائل التّواصل الاجتماعيّ الجديدة، فرصًا جديدة للأجيال الصّاعدة للتّعبير عن رأيهم، وتبادل المعلومات، وتنظيم المظاهرات، والتّعبأة لها. وفي ظلّ غياب إعلام ليبراليّ حرّ، وجد كثير من أصحاب الأقلام النّقديّة، والمطالبين بالإصلاح، في النّشر الألكترونيّ متنفّسًا لهم، بعدما ضيّقت عليهم الأنظمة الاستبداديّة الخناقَ في وسائل الإعلام الحكوميّة. وأثبتت أحداث الثّورات العربيّة أهمّيّة الرّبط بين أكثر من وسيلة اتّصال حديثة: الصّور الملتقطة بالتّليفون المحمول أو الفيديو وجدت طريقها إلى الإنترنت بسهولة، وانتشرت بسرعة عن طريق الفيسبوك وغيره من وسائل التّواصل الاجتماعيّ، لتصل في نهاية المطاف إلى القنوات الفضائيّة. وسارعت الفضائيات أيضًا إلى استخدام رسائل الهاتف المحمول القصيرة الـ SMS والتويتر، لكي يقوم المشاهدونَ بالتّعليق على الأخبار وإكمالها.
وينتقل فُولْكَرُ پيرتيس بعدَ ذلكَ إلى الإشارة إلى دور قناة الجزيرة غير المحايد أحيانًا في مساندة الثّورات العربيّة بالحماس نفسه، حيث يشيرُ إلى أنّ قناة الجزيرة لم تُـبْدِ أَيَّ تَحَمُّسٍ يُذْكَـرُ تجاهَ انتفاضةِ شعبِ البحرينِ، في الوقتِ الّذي أظهرتْ فيه حماسًا كبيرًا لمناصرة هَذِهِ الثّوراتِ في مصرَ، وتونسَ، وليبيا، وسوريا. وَيُشيرُ الكاتبُ إِلَى أَنَّ أَكْـثَـرَ مِنْ ثلاثةِ أرباعِ مستخدمي الفيسبوك في مصرَ، وتونسَ، والمغربِ، واليمنِ، تتراوحُ أعمارهُمْ بَـيْـنَ 16-34 سنةً.
7- وِلَادَةُ جِيلٍ سِيَاسِيٍّ جَدِيدٍ مَعَ أَحْـدَاثِ 2011م
يرى فُولْكَرُ پيرتيس أَنَّ الانتفاضةَ العربيّةَ الّتي اندلعتْ سنةَ 2011م قَدْ قَامَ بِهَا في المقامِ الأوّلِ جيلٌ تتراوحُ أعمارُهُ بين 20-35 سنةً. وباستثاءِ جنوبِ الصّحراءِ الإفريقيّةِ، لا يوجدُ منطقةٌ في العالمِ ترتفعُ في شُعُوبِهَا نِسْبَةُ الشّبَابِ، مِثْلُ العَالَمِ العَرَبيِّ: ففي معظمِ الدّولِ العَرَبيّةِ تتراوحُ نسبةُ السّكانِ الّذينَ تَقلُّ أعمارُهُمْ عَنْ 35 سنةً بَيْنَ 65٪ و75٪. بَلْ إِنَّهَا تبلغُ في اليمنِ نحوَ 80٪، وَفِي سُوريَا أَكْـثَـرَ مِنْ 73٪، وَفِي السّعُوديّةِ 70٪، وَفي مِصْرَ 69٪. أَمَّا في تونسَ، فتبلغُ نسبةُ هؤلاءِ الّذينَ تقلُّ أعمارُهُم عَنْ 35 سَنَةً نَحْوَ 59٪. إِنَّ الجيلَ المولودَ بينَ سنتي 1975م-1990م، بعمره المتراوحِ بَين 20-35 سنةً في عامَ 2011م، يُمثّلُ في كُلِّ مَكَانٍ مِنَ العَالَمِ العَرَبيِّ أكثرَ من 30٪ مِنْ مَجْمُوعِ السّكّانِ. وَهَذِهِ المجموعةُ العمريّةُ المولودةُ خلالَ 15 عامًا - مَا بَيْنَ 1975م-1990م، هِيَ أكبرُ عَدَدًا من المجموعةِ العمريّةِ المولودةِ في الخمسةَ عشرَ عامًا السّابقةِ لَهَا، أيْ قَبْلَ سنةِ 1975م، وَهِيَ أيضًا، باستثناءاتٍ قليلةٍ، أكبرُ عددًا مِنَ المجموعةِ العمريّةِ المولودةِ بعدَهَا، أيْ بَعْدَ سنةِ 1990م. ويعودُ هَذَا ببساطةٍ إلى أنّها وُلِدَتْ أثناءَ الطّفرةِ السّكّانيّةِ، أَوِ الانفجارِ السّكْانيّ الّذي تمّ التّحكّم فيه قليلًا بعدَ ذلك. هَذِهِ المجموعةُ العمريّةُ مَثَّلَتِ العنصرَ الأساسيَّ للانتفاضاتِ العربيّةِ في تونسَ ومصرَ وَغيرهما مِنَ الدّولِ العربيّةِ، وَهِيَ تتميّزُ بأنّها أفضلُ تعليمًا مِنَ الجيلِ الّذي سبقها، وأحسن تنظيمًا واتّصالًا مِنْ خِلَالِ استخدامِ الفيسبوك. وَكَـــانَ كُلُّ هَذَا نتيجةً طبيعيّةً للتّوسّعِ الّذي شهدته المنطقة العربيّة في العقودِ السّابقةِ في المنظومةِ التّعليميّةِ. فمستوى التّعليم في بلدانِ العالمِ العربيّ منخفضٌ لا مَحالةَ، وَهُوَ مَا يمكنُ قراءته في تقاريرِ التّنميةِ البشريّةِ العربيّةِ. هَذَا مِنْ ناحيةِ النّوعِ، أمّا مِنْ ناحيةِ الكَمِ، فَـقَدْ شَهدتِ المنطقةُ العربيّةُ زيادةً هائلةً في أعدادِ المدارسِ وَالجامعاتِ خِلالَ الحقبة الماضيةِ. أَيِْ أَنَّ التّعليمَ انتشرَ في العالمِ العربيّ، برغم مستواه المنخفضِ.
لكنّ المشكلةَ الحقيقيّةَ بدأتْ عِنْدَ تزايدِ أعدادِ خريجي هذهِ المدارسِ والجامعاتِ الّذينَ لا يجدونَ عَمَلًا بَـعْدَ تخرّجهم. ففي الوقتِ الّذي تزايدتْ فيه المدارسُ والجامعاتُ، تراجعتْ جميعُ الحكوماتِ العربيّةِ تقريبًا، مُـنْـذُ منتصفِ تسعينيّات القرنِ العشرينَ، عَـنْ تعهّدها بتوظيفِ خريجي الجامعاتِ في القطاع العامّ. وَكَانَ هَذَا تطوّرًا طبيعيًّا، بَـعْـدَمَا تكدّستْ جميعُ القطاعاتِ الحكوميّةِ بالموظّفينَ العاطلينَ. وََهَكَذَا انضمّ عشراتُ الآلافِ من خريجي الجامعاتِ إلى جيوشِ البطالةِ في العالمِ العربيّ. ونتجَ عَنْ ذَلِكَ ارتفاعُ نسبةِ البطالةِ بينَ الشّبابِ في العالمِ العربيّ مقارنةً بدولِ العالمِ الأخرى. والملفتُ هُـنَـا أنّ البطالةَ غَـيْـرُ موزّعةٍ عَلَى الفئاتِ العمريّة المختلفة توزيعًا عَادِلًا، بَلْ تتركّزُ في هذا الجيلِ بالذّاتِ. ففي مصرَ كَانَ 90٪ مَنْ مَجموعِ العَاطلينَ عَنِ العملِ ممَّنْ هُمْ تحتَ سِنِّ الثّلاثينَ، وفي الجزائرِ كَـانَ 86٪ مِنَ العاطلينَ تحتَ سِنِّ الخامسة والثّلاثينَ، وتزيدُ معدّلاتُ البطالةِ بَـيْـنَ خريجي الجامعاتِ بِصُورةٍ خَاصَّةٍ.
والملفت للنّظر هنا هو وجود قاسم مشترك يجمع بينَ ذلك الجيل العربيّ الذّي يتراوح عمر أفراده بين 20-35، من المحيط إلى الخليج، أنّه جيل يشعر بأنّه حُرِمَ من فرصه المشروعة للمساهمة في الحياة الاقتصاديّة، والاجتماعيّةِ، والسّياسيّة. ويشعر كثير من أفراد هذا الجيل أنّهم قد حصلوا شكليًّا على تعليمٍ محترمٍ، لكنّهم لم يحصلوا على العمل المناسب لمؤهلاتهم، أو هم حصلوا على عمل غير مناسبٍ، وأنّهم، بعكس الجيل الأكبر منهم، لا يجدون فرصة شرعيّة للعمل في أوروبّا أو منطقة الخليجِ. ونظرًا إلى أنّهم بلا دخلٍ، أو بدخل بسيطٍ، فهم لا يستطيعون استئجار شقة. وبدون شقة لا يمكنهم تأسيس أسرة. وبدون زواج يُحرمون من حقّهم في الاستمتاع بدفء الحياة الزّوجيّة، والجماع. وهم يشعرون بتقلّص ما يحصلون عليه من دخل، وأنّ السّياسة هي عمل النّخبة الّتي لا ينتمون إليها. ونتج عن مهاراتهم الفنّيّة في التّعامل مع الإنترنت أنّهم استطاعوا الاطّلاع على تقارير «ويكيليكس Wikileaks» الّتي يفضح فيها الدّيبلوماسيّون الأمريكيّون الفساد المستشري في الأنظمة العربيّة. وكثيرًا ما عايشوا التّعسّف الّذي تتعامل به أجهزة الأمن والمباحث مع الشّباب، والمواطنين، والعمّال والمعارضين. ولمسوا انتهاك الكرامة الإنسانيّة في تعامل الأجهزة الأمنيّة مع أفراد الشّعب. وعن طريق اشتغالهم بالإنترنت والفيسبوك خلقوا لأنفسهم وسائل جديدة لمعرفة ما يدور حولهم في شتّى دول العالم، وشعروا بذلك أنّهم يعيشون على هامش ما يحدث من تطوّرات سياسيّة دوليّة. فَإِذَا كَانَ هؤلاءِ الشّبابُ العربُ الّذين تتراوح أعمارهم بين 20-35 عامًا قد جمعتهم المعاناة المتزامنة من المشاكل نفسها، وصهرتهم في جيل واحدٍ، فإنّهم قد صاروا منذ 2011م، مَعَ بداية انتفاضة تونس ومصر والدّول العربيّة الأخرى، جيلًا سياسيًّا، يعتبر نفسه لاعبًا ومشاركًا في الأحداث، وَيُنْظَرُ إليه أيضًا هَكَذَا. وقد لمسَ فُولْكَرُ پيرتيسُ ذهول الجيل العربيّ الأكبر عمرًا وإعجابه بهذا الجيل الثّوري، السّياسيّ، الشّابّ. ويريد فُولْكَرُ پيرتيس أَنْ يستنتجَ مِنْ هَذَا أَنَّ الانتفاضات العربيّة الّتي اندلعت سنة 2011م هِيَ في الواقع ثورة جيل سنة 2011م: إنّها ثورات سياسيّة، لكنّها تأخذ أيضًا دائمًا شكلَ جيلٍ يفرض نفسَهُ على السّاحة، وكثيرًا ما تتضمّن صراع الأجيال.
يمكن ملاحظة هذا من خلال التّطابق شبه الكامل للمطالب الّتي رفعتها الحركات الاحتجاجيّة في تونس ومصر، وبعد ذلك في المغرب، والبحرين، واليمن، وسوريا. لكنّها تختلف بوضوح عن المطالب والشّعارات الّتي كنّا نسمعها هناك أيضًا في المظاهرات الغاضبة في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن العشرين. وباستثناءات قليلة، لم نسمع شعار: «الإسلام هُوَ الحلّ»، أو: «الموت للإمبرياليّة والصّهيونيّة». إِنَّ انتفاضات سنة 2011م كانت غير إيديولوچيّة، وهو ما يميّزها أيضًا عن الانتفاضات السّابقة في مختلف الدّول العربيّة. وقد وصفها الفرنسيّ أوليفر روي بأنّها تمثّل عصر «ما بعد المرحلة الإسلاميّة». فهي فيما يبدو انتفاضات لم تكن بحاجة إلى إيديولوچيات كانت موجودة ومنتشرة بالفِعْلِ في العالم العربيّ، مثل إيديولوجيا الإسلاميّين، وإيديولوچيا القوميّة العربيّة.
وَلَعَلَّ الشّعارَ الأكثر انتشارًا كَانَ: «الشّعب يُريدُ إسقاطَ النّظامِ». وكانت «الكرامة» من أهم المطالب، وكذلك «العدالة»، و«الحرّيّة». فالكرامة كانت تعني المطالبة بمعاملة لائقة. والحرّيّة كانت تعني إنهاءَ الحكم الاستبداديّ. وكان المقصود بالعدلِ هو حقّ المشاركة في السّياسة والرّفاهية. كما شاعت المطالبة بإنهاء الفساد ومعاقبة الفسدة. وظهر شكلٌ جديدٌ من الكبرياء، والافتخار بالوطن، وكلّ ما يرمز له. وباستثناء ليبيا الّتي استعان فيها الثّوّار بالعلم القديم للمملكة اللّيبيّة الّتي أسقطها القذّافي، أصبح العلم الوطنيّ هو علم الانتفاضة، ورمزًا لها: لقد تبنّى الثّوّار العلم الوطنيّ، واستخدموه لإعلان أنّ الأنظمة العربيّة لا تُمثّل الشّعوب العربيّة، مظهرين افتخارهم بالانتماء إلى شعب يكشّر عن أنيابه للمستبدين. وهكذا أسقطَ الثّوّار حاجزَ الخوف في صراعهم من أجلِ استرداد كرامتهم وحقوقهم.
إِنَّ جِيلَ 2011م الّذي قَامَ بانتفاضةِ سنةَ 2011م هُـوَ جيلٌ شَكَّاكٌ، إنْ صَحَّ التّعبيرُ. جيلٌ ينظرُ بحذرٍ وارتيابٍ إلَى جميعِ الإيديولوچيّاتِ، بِمَا في ذَلِكَ إيديولوچيا الإسلاميّينَ. وبرغمِ أنّ الكثيرَ منهم متديّنونَ، إلّا أنّهم يَعْتَبِرُونَ الإسلامَ دينًا، وَلَيْسَ إيديولوچيا. إِنَّ هَذَا الجيلَ لَمْ يَـعُدْ يُصَدِّقُ مَا تروّجه وسائلُ إعلام الأنظمةِ الاستبداديّةِ. وَكيف لهم أن يُصدّقوها؟ أَلَمْ يَرَ هَؤلاءِ الشّبابُ كيفَ يتعاملُ جيلُ آبائهم ومعلّميهم مَعَ القيمِ، والمبادئ، والمذاهبِ، الّتي تزعمُ الحكومات العربيّة أنّها تمثّلها، أو تطالبُ بها في المناسبات الرّسميّة: عِنْدَمَا يعرفُ الجميعُ أنّ تزويرَ الانتخاباتِ يتمّ علانيّةً في سوريا ومصرَ وتونسَ؛ وعندما تدّعي أحزابُ الدّولةِ والحكومةُ أنّها «ديمقراطيّة»، مَعَ أنّها في واقع الأمر لا تدافعُ إلّا عَنْ سلطةِ عصابةٍ صغيرةٍ؛ وَعندما تمرّ حملاتُ مكافحةِ الفسادِ بدونِ أيّ تأثيرٍ؛ وَعِنْدَمَا يتحدّث الجميعُ عَنِ التّضامنِ العربيّ، وَدَعْمِ القضيّة الفسلطينيّة، في الوقت الّذي تقومُ فِيهِ أكبرُ دولةٍ عربيّةٍ بإغلاقِ حدودِها مَعَ قطاعِ غزة، مُدعّمة بذلكَ الحصار الصّهيونيّ عَلَى سكّانِ غزة؛ وَعِنْدَمَا تسعى الأنظمة العربيّة إلى توظيفِ الانتصاراتِ القديمةِ من أجلِ إقناعِ شعوبها بشرعيتها، مَعَ أنّ هَذِهِ الانتصاراتِ كَانَتْ قَدْ فَقَدَتْ أهمّيّتها بالنّسبةِ لواقعِ حياةِ النّاسِ. فَعِنْدَمَا ذكرَ حسني مبارك في خطابِهِ الأخيرِ يَـوْمَ العاشر من فبراير سنة 2011م أنّه انتصرَ لمصرَ سنة 1973م، أَظْهَـرَ عُمْقَ الفَجْوَةِ الّتي تفصلُ بين نظامِهِ وَهَذَا الجيلِ الّذي يعتبرُ نصرَ أكتوبرَ مِنْ أحداثِ التّاريخِ السّحيقِ الّتي لا يمكنُ أن تمنحَ لأيّ نظامٍ أوْ شخصٍ أدنى شرعيّة.
8- الشَّعْبُ يُريدُ إِسْقَاطَ النِّظَامِ - ديناميكياتُ التّمرّدِ العربيِّ
يُشيرُ الكاتبُ إلى اختلاف طريقة اندلاعِ الانتفاضاتِ والثّورات العربيّة، وتباين كيفيّة تطوّرها، بدايةً مِنْ تونس بطبيعةِ الحال. وبرغمِ هذا الاختلافِ حدثت اتّصالاتٌ قويّة بَيْنَ هذه الانتفاضاتِ مُنْذُ البدايةِ، ليس فقط نظرًا إلى وحدة اللّغة، لكن أيضًا لأنّ وسائل الإعلامِ كَانَتْ تنقلُ أحداثَ هذه الانتفاضات إلى معظمِ الدّول العربيّة مباشرةً. وهكذا كانتِ الانتفاضة المندلعة في بلدٍ عربيّ تلهم الانتفاضات في الدّول الأخري، وتؤثّر فيها. أَمَّا الأنظمةُ العربيّة، فَقَدْ تَابَعَتْ هذه الأحداثَ بذهولٍ، واستياءٍ وقلقٍ واشمئزازٍ. فالرّؤساءُ والملوكُ العربُ، وأجهزتهم الأمنيّة، لم يُفَاجئوا باندلاعِ الانتفاضةِ في تونس فحسب، بل صُدِمُوا أيضًا من سرعةِ سقوطِ بن عليّ. توهّمَ الحكّامُ العربُ في البدايةِ أنّ مَا حَدَثَ في تونسَ هُوَ مُـجَـرَّدُ حاَدِثٍ فَرْدِيٍّ مُؤْسِفٍ، أوْ كَمَا قَالَ القذّافيُّ: إِنَّ التّونسيّينَ أَظْهَرُوا إنكارًا للجميلِ تجاهَ رئيسهم بن عَليّ.
في البدايةِ كَانَ الإنكار. ولنتذكّر أبا الغيط عندما قال بصلفٍ وغطرسة إنّ ما حدثَ في تونس مستحيلٌ أن يحدث في مصر. ويشيرُ فُولْكَرُ پيرتيسُ إلى موقفِ بشّار الأسد في بداية اندلاع الثّورات العربيّة، حيث أعلنَ في حوار مَعَ صحيفة «الوول ستريت چورنال» في نهاية يناير 2011م، بشيءٍ مِنَ الوقاحةِ، عَنْ «بداية عَصْرٍ جديدٍ في الدّول العربيّة الأخرى» (دُونَ سُوريَا)! ثُمّ جَاءَ بَعْدَ الإنكارِ اعترافٌ جُزئيٌّ بِأَنَّ هُنَاكَ مشاكلَ داخليّةً، ليست سياسيّة، بل اقتصاديّة واجتماعيّة. توهّمَ الحكّامُ العربُ أَنَّ الاضطراباتِ والمظاهراتِ والانتفاضاتِ الّتي اندلعت في دولهم يمكنُ السّيطرةُ عليها من خلالِ التّصريحاتِ والهبات الاجتماعيّة: وهكذا وبسرعةٍ صاروخيّةٍ أعلنت كُلٌّ مِنْ مصرَ، والجزائرِ، وليبيا، والمغربِ، وتونسَ، وسوريا، والأردنِ، والسّعوديّةِ، والكويتِ، إعادة دعم الموادّ الغذائيّة أو البنزين، بعدما تمّ تخفيضه في السّنوات السّابقة. وأعلنتْ حكوماتُ الجزائرِ وليبيا واليمنِ والأردنِ وسوريا والكويتِ والسّعوديّة وعمان عن زيادةٍ كبيرةٍ نسبيًّا في مرتّباتِ موظّفي الحكومةِ. ووعدت بعضُ الحكوماتِ العربيّة بتقديمِ مساعداتٍ مباشرةً إلى المحتاجينَ. وأعلنت عدّة حكوماتٍ عربيّةٍ عن رغبتها في خلقِ عشرات الآلافِ من فرص العمل، وأعلن ملك السّعوديّة عن بناءِ نصفِ مليون وحدة سكنيّة لمحدودي الدّخل، وتوظيف ستّينَ ألف خريجٍ جامعيٍّ في الأجهزةِ الأمنيّةِ الحكوميّةِ.
أمّا الخطوةُ الثّالثةُ، فلم تبدأ في العادة، إلّا عندما يُصْبِحُ مِنَ الصّعب إنكار أنّ هذه الاحتجاجاتِ المندلعة كَانَتْ ذات طبيعة سياسيّة. عندئذٍ راهنتْ معظمُ الأنظمةِ العربيّةِ على إجراءاتٍ تبدأ بسحبِ الشّرعيّةِ مِنَ الحركةِ الاحتجاجيّةِ، مُرُورًا بتلطيخِ سمعةِ المشاركينَ فيها، وترويعهم، وتنتهي باغتيالهم. أَعْلَنَ كُلٌّ مِنْ بن علي رئيس تونسَ، ومبارك رئيس مصرَ، وبشّار رئيس سوريا، والقذّافي رئيس ليبيا، وصالح رئيس اليمنِ، جميعًا، أنّ الاحتجاجات هِيَ جزءٌ مِنْ مؤامرةٍ ضدَّ بلدهم، أو أنّها من عمل المتطرّفينَ الإسلاميّينَ والإرهابيّين، أو «عملاء أجانب». وبعد ذلك بقليلٍ بدأتِ الأنظمة العربيّة في استخدام العنف. وتعاملت قوّات الشّرطة أو الجيش بمنتهى الوحشيّة مَعَ المتظاهرينَ. وأطلقت السّلطات في مصر جماعات «البلطجيّة»، وفي سوريا جماعات «الشّبّيحة»، لترويع المواطنين، وخلق حالة «الانفلات الأمني». كَمَا انتشرت القنّاصة الّتي تقوم بعمليّات تصفية ممنهجة للمعارضين. وعندما تشعرُ الأنظمة بعدم فعّالية هذه الوحشيّة في التّعامل مع المتظاهرين، ينتقلُ الحكّام العربُ إلى المرحلة الرّابعة في سعيهم للسّيطرة على الأمور، فيقدّمون الوعودَ بالإصلاحِ، ويعرضون التّفاوض مع ممثّلي المعارضة، ويقترحون عمل حوار وطنيّ. وهكذا أعلن رؤساء تونس ومصر واليمن عن تخلّيهم عن التّرشّح لفترة رئاسيّة جديدةٍ. ولجأ عليّ عبد اللّه صالح إلى المناورات السّياسيّة، فأعلن عن نيّته التّخلّى عن منصبه. وحاول مبارك امتصاص غضب الجماهير بإعلان تشكيل حكومة جديدة. وأعلنت الجزائر وسوريا رفع حالة الطّوارئ، على الورق على الأقلّ. وَفِي المغربِ شَكّلَ الملكُ بَعْدَ المظاهراتِ الأولى لجنةً لعملِ دستورٍ جديدٍ، في حين شكّل بشّار الأسد لجنة للحوار الوطنيّ، بعد عدّة أشهر من المظاهرات. وأعلن ملك البحرين بعد قمع المظاهرات إلى حدٍّ بعيد بدء حوارٍ وطنيٍّ. وفي السّعوديّة أعلنت السّلطات عن نيتها عقد انتخابات بلديّة. وقد جاءت هذه الإجراءات في غالبيّة الحالات متأخّرة جدًّا، وغير كافية. أمّا الخطوة الخامسة، فقدِ اختلفت من حالة إلى أخرى، وَتَمَثَّلَتْ فِي: السّعي إلى الحوارِ، وَالتّفاوضِ عَلَى إصلاحاتٍ، والانتظارِ الحذرِ، وَالقمعِ الدَّمويِّ، وَالتّهديدِ بضربِ الاستقرار في دولِ الجوارِ والمنطقة برمّتها، أَوْ إِشْعَالِ حَربٍ أهليّةٍ، أو تدويلِ الحربِ الأهليّةِ في دولٍ أخرى.
9- تُونِسُ: مُنْطَلَقُ الثَّــوْرَاتِ الْـعَـرَبِـيَّـةِ
تُعتبرُ تونسُ بسكّانها الّذينَ لا يتجاوزونَ 10،5 مليون نسمة مِنَ الدّولِ العربيّة الصّغيرةِ نسبيًّا. اتّخذتْ جامعةُ الدّولِ العربيّةِ مَا بينَ 1979م-1990م من تونسَ مقرًّا لَهَا، بَـعْدَ تجميدِ عضويّةِ مِصْرَ بسببِ السّلامِِ المخزي مَعَ إسرائيلَ. واتّخذتْ مُنظّمةُ التّحريرِ الفلسطينيّةُ من تونسَ مَقرًّا لَهَا مِنْ 1982م-1993م، بَعْدَ طَردِهَا من لبنان، وحتّى العودة إلى غزّة وأريحا Jericho في إطارِ معاهدة-أوسلو. بيدَ أنّ تونس لَمْ تَقُمْ أبدًا بِأَيِّ دَوْرٍ مركزيّ أَوْ قياديّ في العالم العربيّ، ولا كانتْ هِيَ الدّولة الّتي ينتظرُ منها سكّان الدّول العربيّة الأخرى أن تكون مصدر إلهام لهم.
تمكّنَ الرّئيسُ زين الدّينِ بن عليّ - الّذي استولى على السّلطة سنة 1987م بانقلابٍ سلميٍّ - مِنَ النّأي بتونسَ بعيدًا عنِ الصّراعاتِ الإقليميّة والدّوليّةِ، وَأَقَامَ علاقاتٍ وثيقةً مَعَ معظمِ الدّولِ العربيّةِ والأوروبيّةِ والولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّةِ، وأعطى جيرانَهُ الأوروبيّينَ بصورة خاصّة الانطباعَ بِأَنَّهُ ينتهجُ سياسةً تؤدّى إلى اسْتِقْرَارِ المنطقةِ وتضمنه أيضًا. لكنّ هذه السّياسةَ كَانَتْ تقومُ على الإيحاءِ Suggestion أوِ الإيحاء الذّاتيّ Autosuggestion أكثر منها على الحقائق. ويشيرُ الكاتبُ إلى ما ذكره في كتابه: «الحدائق الخفية. العالم العربيّ الجديد» “Geheime Gärten. Die neue arabische Welt“في مَطْلَعِ القرنِ الحادي والعشرينَ من أنّه توقّعَ فشلَ هذا النّظامِ الاستبداديّ في تونسَ بسبب نجاح سياساته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتّعليميّة. فهذا مجتمعٌ معقّد ومتطوّر لم يستطع أن يواصلَ نموّه وتطوّرَهُ بسببِ الأوضاعِ السّياسيّةِ. يمكنُ أيضًا أن نقولَ إنّ تونسَ قد أصبحتِ الدّولةَ العربيّة الّتي صارت فيها التّطوّرات السّياسيّة أَقَلَّ انسجامًا مَعَ التّطوّرات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة. اقتصاديًّا وصلت تونسُ إلى مستوى بعضِ دولِ جنوبِ أوروبّا في ثمانينيّات القرنِ العشرينَ. لكن سياسيًّا بقيت تونس على مستوى أسبانيا والبرتغال واليونان عندما كانت تحتَ الحكمِ الدّيكتاتوريّ. والحقيقةُ أنّ تونسَ كَانَتْ ومازالت أحدثَ من دول أخرى في المنطقة العربيّة من وجوهٍ كثيرةٍ. فالمرأة التّونسيّةُ تمتّعتْ بحقوقٍ تفوقُ تفوقُ ما حصلت عليه نظيرتها في سائر الدّول العربيّة الأخرى تقريبًا. وتقلُّ نسبةُ الأميّةِ في تونس عن مصرَ والجزائرِ، وأقلّ بكثيرٍ من المغرب. وفي سنة 2010م كَانَ 34٪ مِنَ التّونسيّينَ يستخدمونَ الإنترنت. لكن في الوقت نفسه سيطرت على تونس-بن عليّ أجواء سياسيّةٌ قمعيّةٌ عقيمةٌ، دون أن يكونَ للمعارضةِ أيُّ وجود على السّاحةِ. صحيح أَنَّه كَانَ هناكَ انتخابات، لكنْ أيّ انتخابات؟ انتخابات شكليّة مزوّرة تُعْرَفُ نتائجها مسبقًا. أمّا «حزب النّهضة» الإسلاميّ المعتدل، فقدْ تمّ إقصاؤه مِنَ الحياةِ العامّةِ، ووضِعَتْ النّقاباتُ تحتَ السّيطرة، ومنظّمات المجتمع المدنيّ تحت المراقبة. وهكذا تحوّلت تونس-بن عليّ إلى إحدى أكثر الدّول العربيّة قمعًا. صحيح أنّ قمع بن عليّ لم يكن دمويًّا مثلَ قمعِ صدّام حسين، لكنّه كَانَ قمعًا يعتمدُ على تحكّمِ الأجهزة الأمنيّةِ في كُلِّ شيءٍ. وكانتْ غالبيّةُ المعتقلينَ السّياسيّينَ من صفوفِ الإسلاميّينَ. أَمَّا المعارضونَ اللّيبراليّونَ والعلمانيّونَ، فقد تمّ تكميمُ أفواههم في المقامِ الأوّلِ إِمَّا بالتّرويعِ أَوِ النّفي، وأحيانًا بالسّجن.
وَبفضلِ عمالتها المؤهلة، وطبقتها الوسطى المنفتحة ثقافيًّا عَلَى الْـعَالَمِ، أصبحتْ تونسُ شريكًا اقتصاديًّا مُفَضَّلًا لأوروبّا. وَكان هناك مصانع تونسيّة كثيرة تُنتجُ لصالح الأسواق الأوروبيّة. ويبدو أنّ الأوروبيّين، حكوماتٍ وسُيّاحًا، لم يتوقّفوا كثيرًا أَمَامَ الأساليبِ القمعيّةِ لنظامِ بن عليّ، وكونه يعتبرُ تونس تكيةً له ولحاشيته. وَمعَ ذلكَ فَإِنَّ الاقتصادَ التّونسيَّ لم تتوفّر له شروطُ النّجاح. وَكَانَ للفساد المستشري في المرحلة الأخيرة من حكم بن عليّ بالذّات دور حاسمٌ في إعاقةِ النّموّ الاقتصاديّ. وبرغم الاستثماراتِ الهائلةِ في قطاعِ التّعليمِ، وجد عددٌ كبير من خريجي المدارسِ والجامعاتِ أنفسهم بلا عملٍ. وهكذا بلغتْ نسبةُ البطالةِ بين الشّباب أكثر من 40٪. وقد تسبّبَ كُلُّ هذا في خلق حالة من الاحتقان، وتزايد مشاعر الغضب والاستياء، بحيث أنّ الأمر لم يكن بحاجة إلّا إلى شرارة لإشعال نار الانتفاضة، وهو ما حدث بمجرد انتشار خبر قيام الشّابّ محمّد بوعزيزي بإشعالِ النّارِ في نفسه احتجاجًا على المعاملة غير الإنسانيّةِ الّتي عومل بها من قِبَلِ السّلطاتِ التّونسيّةِ. وَكَانَ غضبُ الجماهيرِ التّونسيّةِ المتظاهرةِ يوحي بما كَانَ الشّبابُ يكظمه مِ


البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers