Responsive image

20
نوفمبر

الثلاثاء

26º

20
نوفمبر

الثلاثاء

 خبر عاجل
  • مصرع وإصابة 5 أشخاص في تصادم سيارتين برأس سدر
     منذ 10 دقيقة
  • الافراج عن الشيخ سعيد نخلة من سجن عوفر غربي رام الله
     منذ 12 دقيقة
  • شرطة الاحتلال توصي بتقديم وزير الداخلية إلى المحاكمة
     منذ 13 دقيقة
  • الاحتلال يغلق مداخل بيت جالا بحجة طعن مستوطن ومواجهات في الخضر
     منذ 13 دقيقة
  • خبيرة قانونية: من الحكمة ألا يضع أحد على ترمب تبعات الاستماع للشريط الذي قد يُسأل عنه في يوما ما
     منذ 7 ساعة
  • عاجل | مسؤول في الخارجية الأمريكية لشبكة ABC: من الواضح أن محمد بن سلمان هو من أمر بقتل خاشقجي
     منذ 7 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:53 صباحاً


الشروق

6:19 صباحاً


الظهر

11:40 صباحاً


العصر

2:37 مساءاً


المغرب

5:01 مساءاً


العشاء

6:31 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

سياق سورة البقرة| ثورة على هامش المصحف ( لكي يكون تدبر القرآن جاداً )

إعداد: عادل الشريف
منذ 886 يوم
عدد القراءات: 22137
سياق سورة البقرة| ثورة على هامش المصحف ( لكي يكون تدبر القرآن جاداً )


ربما سيتعجب القارئ من العنوان ، ولكن هذه الثورة حقيقة أعيشها منذ ثلاثين سنة تقريباً ، إذ تنبهت أثناء قراءتي للقرآن واجتهادات حفظي إياه أن هناك علامات أرباع وأحزاب وأجزاء لايصح الوقوف عندها ، حيث منها مايقطع معطوفا عن معطوف عليه مثل( واذكروا الله في أيام معدودات / سياق الحج من سورة البقرة 203) ، أو يقطع سياقا متصلا ويمنع إتمام التكامل الموضوعي أو وحدة الموضوع مثل ( ليسوا سواء . من أهل الكتاب أمة قائمة...... / بيان فضل بعض أهل الكتاب من سورة آل عمران 113 ) ، أو يحول بين سؤال وإجابته مثل سؤال الكافرين في سورة الإسراء ( وقالوا أإذا كنا عظاما ورُفاتا. أإنا لمبعوثون خلقا جديدا /49) ، ومثل ذالك في سورة المؤمنون حينما تجد ربعا يبدأ ب ( هيهات هيهات لما توعدون ...26 ، 27 ) وتتصور أحدا يسمع هذه الآيات للمرة الأولى وكأنه يُخاطب بها ، وتأتي علامة الربع لتفصل الإجابة وتجعلها في الربع الذي يليه ( قل كونوا حجارة أو حديدا ..... 50 الإسراء) ، أو يوقف استرسال حكم شرعي عن بقية متعلقاته ( والمحصنات من النساء /24 النساء ) ، وغير ذالك كثير ، وربما تتصاعد المأساة في قمتها حين تجد علامة الربع تتوسط سورة العاديات ، وهي من السور بالغة القصر مما يهيج العقل ويجعله يوقن أن هذا التقسيم وبهذه الصورة لابد أن يكون نبويا فتكون المفاجأة أن التقسيم هذا ليس من النبي ، ولم يكن في عهده فيقره ، وليس من عهد الصحابة ولا التابعين وهما جيلي الخيرية والذين تبلورت في عهدهم كل أساسيات الدين ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان . رضي الله عنهم ورضوا عنه.... التوبة 100 ) ، وكان للصحابة والتابعين تقسيم يُسمى الأسباع ، وهو مايتلائم مع طاقاتهم واجتهاداتهم فكانوا يقسمون القرآن على سبعة أيام .

.... ولما حاولت أن أقنع رأسي بإن هذا التقسيم يعتمد أساس الكم من المقروء ، ولما كان القرآن كتاب معان وتدبر ومن الخلل البيْن التقسيم على هذا الأساس ، إلا أنني وجدت أن الكم أيضا ليس مرعيا في هذا التقسيم ، ففي سورة النساء مثلا تجد ربعا يقع في ثلاث صفحات من مصحف المدينة ، وثلاثة أرباع يقع كل واحد منهما في صفحتين فقط من نفس السورة ، وفي مصحف المدينة أيضاً ....
ثم علمت أن الآمر بمثل هذا التقسيم هو الطاغية الأموي الشهير ( القاتل /الحجاج بن يوسف الثقفي ) ، وربما أتصور أن الثلاثة الذين انتدبهم لإنفاذ هذا التقسيم كانوا يتعجلون في إجراء العمل خشية إغضابه حال تمهلهم ورويتهم ، بمثل الحفر على الناشف الذي أسرعت به الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية في عهد الطاغية السيسي .

أما الحفاظ على شخصية السورة وموضوعها فذالك أمر أحزنني ألا أجد أحدا يغضب لأجله ، فلماذ يجمع ربع بين آواخر البقرة وأوائل آل عمران مثلاً ، أليس الله أنزل هذه السورة وأسماها إسما ، وأنزل السورة الأخرى وأسماها إسما آخر ، فكيف نذيب نحن الفواصل بين السورتين ومايتبع ذالك من إهدار القيم الموضوعية ، أو شبكة العلاقات الموضوعية المحكمة للسورة الواحدة .
وبالبحث في هذا المجال وجدت إنتقادات كثيرة موجهة إلى هذا التقسيم الذي مرت عليه أجيال عديدة ، وكلهم تلبثوا بنقص التدبر الناتج عن الرضا بهذا التقسيم الكسيح ، وخاصة مايجده القارئ المهتم من نقد العلامة بن تيمية رحمه الله وقد بلور موقع ( الإسلام سؤال وجواب ) هذا النقد في صفحتين ملخصتين مفيدتين .

ولقد حملت هذا الهم وكانت لي محاولات عديدة كلها كانت ناقصة ، حتى عزمت في رمضان 2009 ، والذي توفي فيه إبن أختي الوحيد وكان شاباً غالياً على العائلة كلها ، فدخلت إلى إعتكاف قانت وصامت وعزمت فيه على إنجاز تقسيم جديد يوقر أولاً شخصية السورة القرآنية ووحدتها الموضوعية ، وقسمت كل سورة إلى عدة سياقات لإحراز توقير تكامل الموضوعات الفرعية للسورة ، ولعلني بتسمية السياق أكون قد أنصفت مع مكانة الكتاب المجيد ونزهته عن الكمية التي نطلقها عادة على أشياء عالمنا المادي ، وقد وقع كل سياق في صفحتين متقابلتين ، فأسميت الصفحة اليمين بالركعة الأولى ، والصفحة المواجهة بالركعة الثانية ، وحرصت أيضا أن تكون وقفة الركعة الأولى مناسبة ، وتكملها الركعة الثانية إن أمكن ، وسيلحظ القارئ أن عدد الآيات المقروأة في الركعة الأولى من السياق أكثر من عدد آيات الركعة الثانية ، ولعل هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم .

... لقد مكنني الله من عرض هذا العمل بعد كتابته وتجهيزه للطبع على أبرز أعضاء لجنة المصحف بالمدينة ، وبعد المفاجأة والتي قالوا حيالها دع الناس على ماهم عليه حتى لاتكون فتنة ، ولكنني حينما رددت عليهم بإننا سنكون بذالك أسارى التقليد الأعمى الذي أدى بأمم من السابقين إلى الكفران والجحود بدعوى ( هذا ماوجدنا عليه أباءنا ) فرجعوا إلى جادة الصواب مع قياسي لهذا العمل ، بعمل آخر تم في أواخر العقد الماضي مع أسماء الله الحسنى ، ورد كثيرا من الأسماء المفتراة على الله مثل المنتقم ، والمميت ، وأتى بأسماء لله لم تكن مطروقة مثل الجميل والطيب ، وذالك بحصر البحث فيما ينطبق عليه شروط وعلامات الإسم ( بالجر والتنوين والندا وأل... ومسند للاسم تمييز حصل) ، لإن الأسماء المفتراة على أسماء الله الحسنى كانت كلها مشتقة عن أفعال ، ولو ترك الأمر لإشتقاق أسماء لله من الأفعال المتعلقة به سبحانه في القرآن وحده لوصلت الأسماء إلى 134 إسما ، وحديث النبي الصحيح في هذا الشأن محدد وحصري ( إن لله تسعا وتسعين اسما _ مائة إلا واحدا_ من أحصاها دخل الجنة ) ، فكيف يقول النبي ( مائة إلا واحداً ) ثم يأتي بعض الهلاميين وليس العلماء المدققون ليقولوا أن التسع والتسعين على سبيل الكثرة . وهذا المبحث منشور وسائغ ولقي بعد لأي توافقا علميا متميزاً ، فبذالك نصحني علماء لجنة مصحف المدينة أن أنشر العمل الذي فتح الله على أخيكم به في صورة مبحث علمي حتى يلقى رواجا لأفكاره أولاً ، ليدخل حيز الإنفاذ بعد ذالك .

.... وهاأنذا أبدأ مع شهر رمضان بعرض سياقات كل سورة وموضوع السورة الرئيس ، وموضوع كل سياق بعد ذالك عونا مني بتوفيق الله إلى إحراز القدر الأعلى والأغلى من تدبر كتاب الله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ..... ) ، وتذكروا أن الهدف من أعمال الصيام هو تحقيق التقوى ( لعلكم تتقون ) ، فلاتنشغلوا بأعمال الصيام عن الهدف الذي من أجله كتب الله علينا الصيام ، وتذكروا أيضا أن الهدف من قراءة القرآن هو تحصيل الهداية ( هدى للناس ) ، فلاتنشغلوا بعدد ختمات القراءة عن عدد الهدايات التي أحرزها القلب ووعاها العقل من هدايات القرآن .... رمضان المغفرة والنصر والعزة إن شاء الله . / عادل الشريف

 

مع سورة البقرة (الحلقة الأولى)


إن سورة البقرة هي أول استجابة لدعائك في آخر الفاتحة ( إهدنا الصراط المستقيم .. صراط الذين أنعمت عليهم .. غير المغضوب عليهم ولاالضالين .. آمين(فمادام ربك قال )وقال ربكم ادعوني استجب لكم)فحتما لابد أن تجد الإستجابة في الصفحة المقابلة للفاتحة مباشرة بدءاً بسورة البقرة وانتهاء بسورة الناس .

وسورة البقرة التي جعلها الله تعالى هي أول هدايات الصراط المستقيم لم تتنزل للجماعة المسلمة إلا بعد إتمام تأسيس وترسيخ معرفة الله والإيمان الكامل به ، والإخلاص والإنقياد والتسليم المطلق له ، وكل ذالك تم في مكة عبر التدارس الفردي للنبي مع الذين آمنوا برسالته وتابعوه ، وتبللورت في حركة حياتهم الفردية تصورات القصص القرآني المكي ، والذي ولدّ لديهم الشوق العارم إلى التمكين الذي يحيل آيات الله من مربع المسطورالمقروء إلى المُعاش والمتحرك بحركة المؤمنين به متمثلا في أخلاقهم وقيمهم ورسالتهم وأفعال وردود أفعال كل حياتهم .

.. وستقوم سورة البقرة في حياة الجماعة المسلمة كماعون يغترفون منه قيم وتشريعات وقوانين حركة إقامة الأمة الإسلامية ، أوقل الدولة الإسلامية ، أوقل الصياغة الحضارية الإنسانية الأرقي والأشمل والأكمل .. ولذالك سيتم في هذه السورة نقل الفضل والخيرية من بني إسرائيل (وأني فضلتكم على العالمين/47 البقرة (إلى الأمة الوسط/ خير أمة أخرجت للناس(وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيداً /143 ) ، فالمقطع (وأني فضلتكم على العالمين في أوائل السورة والذي يأتي في سياقات فشل بني إسرائيل في صياغة حضارة إنسانية شاملة وكاملة بسبب كبير من الإعتداد بعنصريتاهم ، الذي ولد لديهم دائما الاستعداد للإنحراف عن الصراط ، فمن أجل ذالك وبعد السرد الكامل والمفصل لكل مشكلات إنحرافهم ، بما في ذالك قصة البقرة ، يطلق الله عليهم لفظة السفهاء ( سيقول السفهاء من الناس... 142) لينقل بعدها مباشرة وفي الآية 143 التفضيل والخيرية إلى الأمة الوسط ، ولتكون هذه الآية في وسط سورة البقرة ، وهي احتفالية عظمى للأمة إذا ماعقلتها .

... إن المحور الرئيس للسورة هو التقوى ، وكلمة التقوى ومشتقاتها لاتكاد تغيب عن أي سياق في السورة ، سواء في أولها ( هدى للمتقين ) ، او عند توجيه نداء شامل لكل الناس بوجوب عبودية الله لعلهم يتقون /الآية21 ، أو في تحديد غايات الشرائع ، والمناهج التربوية ( ليس البر... وأولئك هم المتقون 177) ، ( ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون 179 ) ، وحقا على المتقين في سياق الوصية 180 ، ولعلكم تتقون في منهج الصيام التربوي 183 ، وفيه أيضا كذالك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون 187 ، وفي تشريع القتال( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ماعتدى عليكم ، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين 194) ، وفي سياق الحج ( واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب 196 ، وفيه أيضا ( وتزودا فإن خير الزاد التقوى ، واتقون ياأولي الألباب 197) ...... وهكذا حتى تصل إلى خاتمة آيات الإنفاق والربا ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ... 281) ، وختام آية الديْن ( واتقوا الله ويعلمكم الله. والله بكل شيء عليم 282) .
.. فإذا كانت التقوى هي المحور الرئيس للسورة فلماذا لم ُتسم السورة بسورة التقوى ، ولماذا ُسميت بسورة البقرة .... أغدا نجيب إن شاء الله؟ / عادل الشريف


مع سورة البقرة ( الحلقة الثانية )


... قلنا بالأمس أن المحور الرئيس لسورة البقرة هو التقوى ، فلماذا لم تتسم السورة بسورة التقوى ، وكذالك فإن سورة البقرة اشتملت على أعظم آية في القرآن الكريم كله وهي آية الكرسي ، فلماذا لم تتسم بسورة الكرسي مع عظيم شأنه إذ وسع السموات والأرض وما بينهما بين قوائمه ، وبها سياق مفصلي يعالج موضوعات تربوية عديدة وهو سياق طالوت الترمومتري الذي يقاس به ثباتية الإيمان وتمكنه في القلب ، فلماذا لم تتسم السورة كذالك مثلا بسورة طالوت ، لماذا إسم البقرة بالذات .

.. وللإجابة على هذا السؤال الحيوي لابد من مراجعة مقالة الأمس وأخص مافيها أن الجماعة المسلمة الجديدة التي تجتمع الآن ، وبعد الهجرة على أرض يثرب لتحولها من يثرب_ أي أرض الخراب والفجور / بحسب لسان العرب لابن منظور _ إلى المدينة المنورة بنموذج الإنسان الجديد الذي يستلم مقام الفضلية والخيرية في هذه السورة بعدما فشل السفهاء من بني إسرائيل في إقامة هذا النموذج ، فيحشد الله معظم سوءات بني إسرائيل في هذه القصة القصيرة والتي تعكس النقص الحاد في تقوى هؤلاء ، وزيغهم ، وتغليب زينات الدنيا على القيم والأصول الفطرية الأخلاقية للإنسان المتزن فطريا ورساليا وأخلاقيا ، فترى في قصة البقرة هذه الجرائم :

١ _ قتل قتيل واشتراك الجميع في تكتم خبره ( وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها ، والله مخرج ماكنتم تكتمون / البقرة 72).

٢_ وجود أرملة ويتيم ، ولاأحد يرعى شئونهما ولايقضي حوائجهما ، حتى قرصهم الجوع فأمرت الأرملة ولدها اليتيم أن يخرج بالبقرة الوحيدة التي يمتلكونها إلى السوق لينظر كم يدفع فيها التجار ثمناً ، فعرضوا عليه أتفه الأسعار كما قال شيخ المفسرين الطبري مما دعا إلى اتهامهم بإنهم فوق عدم كفالتهم للأرملة واليتيم فهم أيضاً مستعدون لظلم الناس وأكل أموال اليتامى ظلماً .
 
٣_ لما أمرهم نبيهم كليم الله موسى بأن يذبحوا بقرة مع مافي صيغة الأمر من مؤكدات لفظية ومعنوية فاصلة إلا أنهم سخروا واتهموا كليم الله بأنه يهزء بهم باسم الله وأمره ، وفي ذالك استهزاء بأمر الله وناقله إليهم وهو نبي الله وكليمه موسي ، وكذالك عدم تعظيمهم لشأن الله على النحو الذي ينبغي .

٤_ التلكؤ في إنفاذ أمر الله ، وعدم المسارعة إلى السمع والطاعة ، مما أزرى بهم إلى خانة ضيقة شديدة الضيق فألجأهم الله إلى بقرة واحدة لاشبيه لها وهي بقرة الأرملة واليتيم ليملؤا إهابها ( جلدها) ذهبا ثمنا لها ، مثلما طلبت منهم صاحبتها .

٥_ أن الله يختار البقرة التي هي أم العجل الذي عبدوه ، وبذات اللون الذهبي ليحطم لديهم الإنبهار بالعجل والذهب في آن وهم يذبحون البقرة مع ترقب مالذي يترتب على الذبح ، فيجدون أمر الله بضرب القتيل ببعض عظام البقرة ، فيرد الله عليه روحه ، فيقوم من موتته ليشير إلى قاتله قائلاً : هذا من قتلني ، ليوقنوا أن الله فاضحهم وكاشف أمرهم ، فهم مازالوا متلبسين بالتكتم حتى اللحظة .
 
إن أهل الإيمان الملتفين حول نبيهم في المدينة ، ويُرتجى منهم تقديم نموذج إنساني فخم وراق وسامق حينما يطالعون قصة البقرة في أوليات السورة لسوف يبغضون هذا التجمع البشري المقيت هذا ، وبالتالي سوف يريدون أو تتوفر لديهم إرادة عازمة على أن يكون لتجمعهم البشري على أرض المدينة المنورة شأن آخر معاكسا ومتناقضا مع شأن أصحاب قصة البقرة ، وهنا سيجدون سياقات البقرة تترى وتتابع لتقدم لهم المخزون القيمي والتربوي والمنهجي والأخلاقي فيغترفون منها بشوق عارم وضبط لازم حتى يذيع خبر المدينة على الألسن الراصدة والمترقبة وكثيرها ناقد ولكنه لايجد إلا الخيريات تملأ صفحة خبره ، فيسبق خبر النور الفاتح المسلم لتفتح له الصدور أبوابها قبل أن تفتح الحصون والقلاع أبوابها له ، ورحم الله ربعي بن عامر حينما كان أقرب الناس إلى سعد بن أبي وقاص حال قدوم رسول رستم ليطلب أحدا يعلمهم سر مجيئ المسلمين إلى بلاده ، فيقول ربعي كلمات لاتوزن بالدر والجواهر : لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ووالله لقد كنا نسمع عنكم الأحلام فلما جئناكم فما وجدنا أسفه منكم ، إنكم تتخذون بعضكم بعضا أربابا من دون الله ... / عادل الشريف


مع سورة البقرة / السياق الأول ( الحلقة الثالثة )


... وكما أخبرت القرّاء الأعزاء عند حديثي عن ( الثورة على هامش المصحف) أنني أعدت تقسيم السور إلى سياقات تعتمد المعاني ، بدلاً من الأرباع التي تعتمد كم المقروء وذالك كمقدمة لمحاولات تدبر متجددة لموضوعات سور القرآن ، والموضوعات الفرعية لسياقات السور ، وكنا تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن الموضوع الرئيسي لسورة البقرة ، وها نحن نحاول تدبر موضوع السياق الأول الذي يبدأ من الآية الكريمة الأولي ، وينتهي عند الآية (25) ولم يتغير هذا السياق عن الربع الأول الكائن حالياً .

هل يمكن أن نسمي السياق الأول ( سياق توصيف العناصر البشرية على أرض المدينة ) ، فالسياق يبدأ بعد الإشارة المجيدة إلى الثقة الكاملة بمصداقية هذا الكتاب ، الذي سيحدثكم أول مايتحدث عن أنفسكم بأحوالها المعلنة ، وخبيئاتها المدفونة تحت سُتُر الإخلاص أو الكذب والإدعاء والتظاهر ، فيتحدث عن أهل الإيمان ( هدى للمتقين ) في خمس آيات متتابعة تعدد جماليات مايسكن فؤادهم من منظومة الإيمان المتكاملة ، وماينتج عنها من أعمال مجيدة ، ثم مآلهم المحتم الجليل ( وأولئك هم المفلحون ) ، ثم يتحدث عن طائفة الكافرين في آيتين فاصلتين محددتين تصور سوداوية الحياة وكآبة المآل لمن اختار الكفر والإعراض صبغة حياة ، ثم وفي ثلاثة عشر آية يتحدث الله عن المنافقين بأحوالهم المتباينة والمتعددة ، فتشتعل في صدورهم شرارة الإيمان تارة حينما استوقدوا نار المعرفة والعلم ، ثم تظلم على قناعات الكفر تارات حينما يستدعون الظلمة والجهل بدوافع الحقد والحسد ، ويكون الكذب والإفساد والكبر هو ديدن ردهم على محاولات تصحيح المسار التي يصدرها الصادقون من أهل الإيمان لإنهم هم المفسدون فعلاً بتكذيب الشعور ، وهم السفهاء فعلاً بتغييب ميزان العلم ، فزاوية الإنحراف تبدأ صغيرة تافهة ولكنها تتسع بشدة وتفقد نقاط المساس التي كانت موجودة قبلا ( في قلوبهم مرض ، فزادهم الله مرضا ).

... وعند تصنيف القرآن للمنافقين يقول( يخادعون الله والذين آمنوا ) ونحن نتفهم أن يخدع المنافق الناس ولكن كيف يخدع المنافق الله؟ ، والحقيقة الرائعة أن الله أوقف أهل الإيمان في صفه هو ، وفي حماه هو ، فمن أراد أن يخدع مؤمناً أو يؤذي مؤمناً ، أو يمكر أو يكيد أو يحقد ، فهو يخدع ويؤذي ويمكر ويكيد ويحقد على الله أولاً مما يصيب المؤمن بهدأة النفس ، واطمئنان القلب ، وثقة الحركة ، ووضوح الهدف .

وإذا كان هذا السياق لتصنيف وتوصيف الطوائف البشرية على أرض المدينة قد حدثنا عن المؤمنين ، والكافرين ، والمنافقين .. فلماذ لم يحدثنا عن طائفة موجودة فعلا ومؤثرة بقوة في أحداث يثرب السياسية ، والتوجهات الإجتماعية ، والتوازنات الإقتصادية ، وستمثل عائقا ضخماً في سبيل الدعوة وإقامة النموذج الحضاري ، ولكنها لن تمنعه ، بل ستمنح بعداوتها الجماعة المسلمة طاقة عناد هائلة لتحقيق هذا النموذج المتناقض مع عنصريتهم وانحرافهم ، وهي طائفة اليهود الذين وصلوا يثرب قبل مائة عام تقريباً ، وبعد انهيار سد مأرب أو قل سد العرم في ممالك سبأ باليمن ، ليسبقوا العرب إلى النبي الخاتم الذي أطل زمانه ، فاستولوا ببيع السلاح للعرب على ثلث أرض المدينة وثلث زراعاتها ، وأصبح لهم سوق إقتصادية مهيمنة على حركة التجارة ( سوق بنو قينقاع ) ، وأصبح منهم رومية هو مالك أكبر مخزون مائي يسقي أهل يثرب ورعيها ... لماذا لم يتحدث هذا السياق عنهم؟

والحقيقة أن السياق تحدث عنهم في إشارة جامعة ذكية فريدة يمكن أن تُفسرَ في آلاف المجلدات ، ويقيم بهذه الإشارة العلاقات مع الفريق المشهود له واقعياً باستدامة هذه العلاقات ، مع التوصيف المحدد للعلاقة ، فحين يتحدث السياق عن فاعليات المنافقين يقول( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلواْ إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون ) ، فحشد الله طائفة اليهود بعدائهم وحقدهم وكيدهم ومكرهم في كلمة ( شياطينهم) وليبين أن العلاقة بين المنافقين وبين اليهود هي علاقات إختلاء تحتية سرية سوداوية مظلمة ، فالمنافقون بهذا النص الذكي البالغ الدقة التوصيفية هم الجسر الذي تنتقل عليه مؤمرات اليهود وكيدهم وحقدهم وتآمرهم وكل فاعليات عدائهم الشيطاني المريد ، ويمكن إعادة كتابة التاريخ الصادق من هذا المنطلق ، وستعرفون أن أكثر من أعلن العداء لليهود في عصرنا البئيس هذا كان يعلن ذالك استخفافا واستهزاءً بأمته ، وهو يسلمهم الأرض والعرض وحياة الإنسان ودمائه ، والتاريخ والجغرافيا ويمكّن لهم بأكثر مما يتخيلون هم .

ثم بعد هذا العرض المفصل والراصد العميق للصنوف البشرية على أرض المدينة يوجه السياق نداءً عاماً لكل الناس أن يعبدوا ربهم وخالقهم كما خلق الذين من قبلهم ، وسوى لهم الأرض ومهدها لسير حركتهم وأنزل من السماء ماء حياتهم وقرآن إحيائهم ... مما يمتنع عليهم أن يجدوا لله ندا أو شريك ... فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا في إطار مواجهة الإعجاز القرآني المحكم المجيد فليتقوا نارا وقودها الناس والحجارة .. أعدت للكافرين ، وفي المقابل بشريات أهل الإيمان الصادقين ...... / عادل الشريف

 

 مع سورة البقرة / السياق الثاني من الآية 26 وحتى الآية 39 ( الحلقة الرابعة)


 ويمكن أن نسمي هذا السياق بسياق الإستخلاف ، والإستخلاف تقرر للإنسان بناء على تقدمه لحمل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال/أواخر سورة الأحزاب ، فتقدم الإنسان ليكفر عن ظلمه وجاهليته التي كانت مشهودة قبلا ، وشهد بها الملائكة عندما أعلمهم الله باستخلاف آدم وذريته من بعده ، ليحمل هو الأمانة وليجتهد في أدائها ليُري اللهَ عز وجل شأناً آخر جديداً تقيا عالماً عادلاً غير ماكان عليه من ظلم وجهل ، وإفساد وسفك . ( تحدثت في موضوع الأمانة قبل ذالك بالتفصيل في مسلسل الحقيقة العظمى ) .

يقدم الله لهذا السياق ( الإستخلاف ) تقدمة مجيدة بإنه لايستحي أن يضرب مثلا بمخلوقاته الدقيقة مثل البعوضة ، فهو خالق البعوضة والفيل ، والذبابة والجمل ، والسماء والأرض ، والشمس والقمر ، والليل والنهار ، وخالق الإنسان ، وخالق كل شيئ ، فهومالك كل شيئ ، وهو وحده الذي يمتلك الخبر الأوحد عن حكمة الخلق وعلته وهدف وجوده ، فالعبودية لله الخالق هي هدف كل خلق ، والإستخلاف وفق منهج الله هو طريقة أداء هذه العبودية ، التي إذا أُديت لصاحبها الوحيد المستحق لها فثم الأمانة .

وفي نهاية آية ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً بعوضة....) تجد توجيه إتهام للفاسقين عن منهج الإستخلاف بأنهم ناقضي العهد ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، ويقطعون ماأمر الله به أن يوصل ، ويفسدون في الأرض ) فالعهد هو النتيجة الأخيرة التي ستجدها في نهاية سياق الإستخلاف الذي تحدث عن نموذج إستخلاف أبينا آدم بتفصيل الدرس الأهم في الحياة ، والذي أمر الله به أن يُوصلَ هو صلة الرحم التي بصيانتها العنقودية ستصل إلى صيانة رحم أبيك وأمك الأوليان مع تغذية هذه العلاقات تغذية محكمة وراشدة سامقة عندما تدعوا البشرية كلها إلى ربها وخالقها ورازقها وتأملها لنموذج استخلاف أبيها وأمها الأوليان للإستفادة الكاملة من هذا النموذج .

والعهد ستجده ماثلا في حالة هبوط آدم وزوجه وعدوه الأذلي والأخطر إلى الأرض محل الإستخلاف ( قلنا أهبطا منها جميعاً. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) فهذا هو نص العهد ، واضح وظاهر ولالبس فيه ولاعماة .

وأما صلة الرحم الذي عندما خلقه ربه تشبث بالعرش صارخاً يخشى القطيعة ، كما في الحديث القدسي فقال له ربه : أما يكفيك أني شققت لك اسما من اسمي ، وأني أصل من وصلك وأقطع من قطعك ، وفي آية سورة محمد ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ، وتقطّعوا أرحامكم) . وإذا كانت هذه الآية التي تقدم لسياق الإستخلاف على هذا النحو الذي يبرز الفاسقين عن منهج الإستخلاف وقد أحتشدت فيهم هذه الحقارات الثلاث ( نقض العهد ، قطع الأرحام ، الإفساد في الأرض ) مما يشي حتما بإن منهجية الإستخلاف الحقيقي ستحفظ الإنسانية من هذه الشرور المعربدة ، وبالتالي فإن مظلة الإستخلاف المنهجي الحقيقي إنما هي بللورة للتألق الحضاري الإنساني المتكامل التي جاءت سورة البقرة لتعد إنسان المدينة المنورة لإنجازه .

ومن المهم هنا أن تتصور أطوار تواجدك الأزلي والآني والمستقبلي حتى تقنع بإن إستخلافك هو جزء من منظومة حيثيتك وتاريخك ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا_ بعد حياة أولية عُرضت عليك فيها الأمانة وقبلت حملها_ فأحياكم_للإستخلاف_ ثم يميتكم_ بعد إنقضاء مرحلة الإستخلاف ، ثم يحييكم_ للمحاسبة على أعمال الإستخلاف فإما الفوز بالجنة ، وإما الهلكة في النار ( وذالك هو الرجوع الأخير / ثم إليه تُرجعون) .

ولما كان الإنسان قد قبل حمل الأمانة فتقرر بذالك إستخلافه على الأرض ، فمن أجل ذالك مهد الله الأرض بكل تفصيلات التمهيد الخلقي البديع والموزون والمتكامل والدقيق والمتقن وبحسب قوانين وسنن لاتختل ولاتميل ولاتحابي ولاتجامل ، وكذالك سوى السماوات السبع بكل جبروت وعظمة وإبداع خلقها المعجز عن مجرد تصور أفنيتها وأبراجها الواسعة والسحيقة ، وخلق كل ذالك لك ومن أجلك أنت ، وأنت وحدك ، هكذا ينبغي أن تتصور ، فما دمت ستحاسب وحدك ، فهذا الخلق المعجز لك وحدك ، هل يمنع أحد ناظريك من مطالعة الآفاق ، وتنسم الهواء ، وشرب الماء ( هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، وهو بكل شيء عليم )
ثم يأتي إعلان الله للملائكة الناتجين _من الفوز في إستخلافات سبقت/ هكذا أتصور _ حتى يعدوا أنفسهم للتشرف بتكاليف مراقبة وتيسير وتقييم أعمال الإنسان عند ممارسته لمهام الإستخلاف .. ( وإذ قال ربك للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ....) ... هلا أكملنا الغداة إن شاء الله / عادل الشريف
 

مع سورة البقرة / السياق الثاني ( الحلقة الخامسة )

مازلنا مع السياق الثاني والذي موضوعه كما بينا أمس هو الإستخلاف ، ووصل بنا التأمل أن الله أعد الأرض وسوى السماوات بحيث تتناسب وتتأهل لإستخلاف الإنسان الذي تقرر بعد قبوله لتحمل الأمانة ، وبعد إستكمال إعداد الأرض والسماوات لإستخلاف الإنسان ( هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا....... 29/البقرة ) ، أعلن الله الملائكة بإستخلاف الإنسان ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة..... 30) ليقوم كل واحد منهم بدوره المنوط به في منظومة هذا الإستخلاف ، وأدوار الملائكة لاتكاد تحصى ، ولكنهم أي الملائكة تعجبوا من أن يكون الإنسان هو المستخلف فلقد شهدوا منه العصيان والإفساد والسفك ، ويقول البعض إن نظرة الملائكة إلى الإنسان قبل استخلافه هي نظرة طفولية بريئة رأت التواصل بين جِرم الصلصال وجرم الحمأ المسنون خارج التصور الفطري على أنه إعتداء وإفساد وسفك ، كما رأى آخرون أن الملائكة اتهمت إستخلاف الإنسان قياساً على استخلاف الجن الذين سبقوا الإنسان إلى الأرض ، وهو قياس ظالم لإنني لايحل لي أن أقيس تجربة لاحقة على تجربة سابقة بين عنصرين مختلفين لمجرد إتحاد المحل ، خاصة إذا كان مصدر الإتهام هم الملائكة ، والكلام في حضرة الملك القدوس الكبير المتعال ، والصحيح هو ماقرره الله في آية الأمانة أن الإنسان في غيب ماقبل العرض للأمانة كان ظلوما جهولاً فأراد أن يزكي نفسه ، ويُري الله من نفسه شأنا جديدا مغايرا لما كان عليه من قبل وشهدته الملائكة وصرحت به أمام إعلان الله لهم بإنه سيكون الخليفة الجديد على الأرض .
 
ولإن الملائكة ينظرون إلى التجمع الإنساني نظرة عامة كلية وشاملة ، فرأوا أن محصلتها السفك والإفساد ، وهم لايدرون شأن القليل المتناثر في هذا التجمع الإنساني الكبير الحاشد ، وأن الواحد من القليلين هؤلاء بأمة من العصاة والمفسدين بل هو أرقى ( إن إبراهيم كان أمة ...) ، ولعل هذا القليل النادر كانوا هم الأعلى صوتا في قبول الأمانة ، كما في الإشهاد ، كما في ساحة طالوت ، وساحات محمد ، وساحات كل بذل وإعلاء للحق ، إن من هذا القليل الأنبياء والمرسلين والمجاهدين والشهداء والصالحين وأهل الحق ومبغضي الباطل ، وهم دائما قليلون بشهادة الله : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله... ، وماأكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ، ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم ....... ولعل في سياق طالوت الذي سنطالعه في آخر السورة يثبت عمليا هذا الفهم المستقر .

ثم يخبرنا ربنا أنه علم آدم الأسماء كلها ( علوم الإستخلاف جميعا ) فإن بداية أي علم هو إسم هذا العلم أو عنوانه ، فعلم الجرح والتعديل يبدأ مثلا بإسم الشخصية ثم يقدم تاريخ الإسم والأشخاص الذين تلقى عنهم ، والأحداث التي تثبت ضبطه وعدالته أو العكس وهكذا ..... وهو يتعلم بقدر مايحتاج فلربما لم يكن يعلم أبونا أدم أي شيئ عن التليفون المحمول ، لإنه غير خاضع للتصور ساعتها ... بينما نحن نعلمه لإننا في حاجة إلى تعلمه ، ومن ثم ندرك ضرورة توجيه العلم وترشيده لكي لا يكون عبثيا أو فاقدا للحاجة إليه ... وعندما يدرك الملائكة التأهيل العلمي لإستخلاف آدم يسجدون طاعة لله إقرار بجدارة آدم لهذه الوظيفة البالغة القداسة .

والذي سيشذ عن السجود إقرارا لجدارة آدم بالإستخلاف سيكون هو العدو الأول ، والذي ستتفرع منه كل العداوات ومؤسسات هذا العداء وأجهزته بالغة الخطر والقسوة على كل إنسان ، وبخاصة المسلم الصادق الذي يعرف ربه ، وسيمارس هذا العدو عمله من ساعات آدم الأولى في الجنة وسوسة وتزيينا وتغريرا وتدلية ومقاسمة ، ولما كان آدم ممثلا لكل الإنسان فلقد سقطت كثرته العاصية ، وتابت قلته الورعة التقية ، حينما دلاه الشيطان بغرور ، لكنه وجد باب توبة الله مفتوحاً .

ولعل نموذج الإستخلاف المصغر لآدم وزوجه في الجنة كان مجسدا لكل عناصر منظومة الإستخلاف في الأرض ، بدءاً من علم الإستخلاف ، ومناهج الإستخلاف ، ورمزيات الإستخلاف للأوامر والنواهي ، والمباح والمقيد ، وعداوات الإستخلاف من الشيطان والنفس والهوى ، والمعصية والتوبة ، لاستلام العهد بعد ذالك وصيانته كسبب نجاة رئيس ، ولعل من الجدير بالذكر أن نلاحظ أن إعلان الإستخلاف كان مقررا أن محل الإستخلاف هو الأرض ، ولما خلق الله آدم أسكنه الجنة ، وتمت تجربة الإستخلاف بكل عناصرها في الجنة ، ثم عصى آدم فتم إهباطه إلى الأرض محل الإستخلاف المقرر ، فينتج من ذالك أن لله تعالى أمرين : أمر شرعي ، وأمر قدري ، وبإطاعة أمر الله الشرعي أو معصيته يتحقق أمر الله القدري ... فأمر الله بعدم الأكل من الشجرة كان أمرا شرعيا ، ولماعصاه آدم بتزيين الشيطان له تحقق أمر الله القدري بالهبوط إلى الأرض محل الإستخلاف المقرر سلفاً ... / عادل الشريف


 •
 مع سورة البقرة ( الحلقة السادسة )


... وفي ختام السياق الثاني ( سياق الإستخلاف ) نجد العهد الذي أخذه الله على آدم وكل ذريته من بعده وهو يُهبطهم إلى الأرض( قلنا اهبطوا منها جميعاً . فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون... 39 ،38 / البقرة ) ، ويمسح على ظهر آدم ويخرج كل الذرية ليشهدهم على أنفسهم ( ألست بربكم .. قالوا بلى شهدنا / الأعراف 172) ... ثم في ديناميكيةالحراك التاريخي يستدعي السياق الثالث شريحة بشرية كبيرة إحتلت مساحة كبيرة أفقيا ورأسيا من جغرافيا وسط الأرض ، وتاريخها الحيوي المتتابع والمحتشد بتنوع رسالي مفصلي ( وإذا قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذا جعل فيكم أنبياء ، وجعلكم ملوكا ، وآتاكم مالم يؤت أحداً من العالمين / المائدة 20) ، يستدعي السياق الثالث شريحة بني إسرائيل لتمكث على مسرح سورة البقرة لخمسة سياقات متتابعة تعرض لنا فيها تطبيقات عملية متنوعة على الإنحراف عن النموذج اللذي تم عرضه على أفئدتنا في سياق الإستخلاف ، ونقض العهد الذي انتهى إليه سياق الاستخلاف لنجد محصلة ذالك في :
 
 نعم متتابعة يتقلب فيها بنو إسرائيل ، هدايات متتابعة مشمولة بالتكوينات الرئيسية لهذه الهدايات من أنبياء ورسل متتابعين حينا ومتوازيين حيناً ، وكتب سماوية محكمة وصادقة ، واصطفاء وتفضيل على العالمين ، وحماية ربانية متتابعة تنجيهم من بطش واستعلاء وتكبر وتجبر الفراعنة والجبارين .
. فماذا فعلوا إزاء هذه النعم ؟ :

السياق الثالث : من الآية 40 وحتى الآية 59 :

تذكير بالنعم ، ودعوة للوفاء بالعهد وتقوى الله ، ودعوة متجددة لاستكمال منظومة الإيمان بالله وكتبه ورسله بالإيمان بالقرآن الذي جاءهم مصدقا بالتوراة والإنجيل واتباع النبي الذي ظلوا عقودا ينتظرونه ليسبقوا العرب إليه ، وتحذيرهم من أن يكونوا أئمة في الكفر والتكذيب وتلبيس الحق بالباطل ، وكتمان الحق ، وعدم الوقوع في مصيبة حض الآخرين على اتباع الهداية الجديدة التي ظلوا يحفزون الناس إليها منذ وصولهم المدينة قبل عقود ، ثم لما ظهر النبي بالكتاب المصدق لما معهم إذا هم ينكثون وينسون أنفسهم من هذا البر العظيم ، ثم تذكير بالقيامة التي لن يُقبل فيها شفاعة ولن يؤخذ في مقابل عذاباتها مايعدلها من مال أو فداء ولاانتصار فيها لظالم وكافر مبطل .

ثم يبدأ ذات السياق في تعديد النعم الحسية التي ظهرت لهم من ربهم بآيات واضحات لايملكون حيالها إنكارا من أول إنجائهم من بطش وعذاب آل فرعون لهم وأبرز هذا العذاب هو ذبح وتقتيل الأبناء ، واستحياء النساء ، فتمثل هذا الإنجاء في الآية المبهرة التي تعجز التصور حينما يجدون عصا موسى تشق البحر فيرتفع الماء على جهتين كأنه جبلين هائلين ويبرز من بينهما طريق يابس يسمح بمرورهم ونجاتهم ، ثم يطبق على فرعون وجنده ويغرقهم أمام أعينهم ، فبدلا من يأسرهم هذا الفعل العمر كله إخباتا لله ومحبة له تراهم بعد أربعين ليلة يتخذون عجلا مفترى مصنوعا لايتكلم ولايملك لهم ضرا ولانفعا معبودا وإلها من دون رب العالمين ، وبعدما تاب عليهم ربهم بعد مقتلة التكفير عن هذه الجريمة النكراء إذا بهم يمنعون استمرار أعمال الإيمان والتصديق لموسى حتى يريهم ربهم جهرة ، فتأخذهم الصاعقة ، ثم يبعثهم الله بعد صعقهم ويظلل عليهم الغمام والسحب لترطيب الهاجرة مع كثرة فاكهة المن أو التين وطيور السلوى أو السمان ، ولكنهم يحرفون الكلم عن موضعه فيقولون عن كلمة الإستغفار وطلب حط الذنوب من على كاهلهم حنطة بدلاً من حطة .

وفي السياق الرابع من الآية 60 وحتى الآية 74 :

وفي مقابل آيات تفجير المياه من الحجارة لتخرج من إثنتا عشرة عينا بعدد بيوتهم وعوائلهم لعدم التصارع والتشاحن ، إضافة إلى رزق الله لهم بالمن والسلوى تجدهم يُعرضون عن هذه النعم ويطلبون العودة إلى الطعام الفقير الذي يزيد من التصاقهم بالأرض وانشغالهم بالزرع عن مهام الدعوة إلى الله وإنقاذ العالمين من كفرهم ، فلما تدنت هممهم ووهنت رسالتهم ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة والضعف والهوان ، وأحاط بهم غضب الله عليهم فأصبح ديدنهم هو الكفران بآيات الله ، وقتل الأنبياء والعصيان والعدوان .
ثم يذكرهم ربهم بهذا الميثاق الذي أخذه عليهم وجبل الطور مخلوع كله من الأرض ، وهم تحته ساجدين سجوداً غريبا فنصف عيونهم مخبأة في الأرض رعبا ، ونصفها ناظر إلى قعر الجبل الذي يعلوهم ترقبا لسقوطه عليهم وسحقهم ، وهم على هذا الحال البالغ الرعب يأخذ عليهم ربهم العهد والميثاق أن يأخذوا آيات الله بالجد ، ويفعّلونها بقوة ، ويذكروا مافي التوراة للناس ولايخبؤنها ولايتكتمون أمرها... لعلهم بذالك يحرزون التقوى التي فقدوها من إستطالة عهد عصيانهم .
كما أيضا يذكرهم ربهم بفريق يوم السبت وهو فريق رأى السمك يأتي يوم سبتهم وتوقفهم تماما عن العمل مشرعا زعانفه وذيوله ، وفي غير ذالك من الأيام لايجدونه ولايقع في شباكهم ، فقرروا الآحتيال على أمر الله بالنهي عن الحركة والعمل يوم السبت بأن ينصبوا شباكهم مساء يوم الجمعة ويجمعونها صباح يوم الأحد ، وكان بقية الناس برغم معرفتهم بالعصيان والإلتفاف على أمر الله وشريعته إلا أنهم كانوا يشترون منهم السمك ولاينكرون عليهم عصيانهم .
ثم وفي النصف الثاني من هذا السياق الرابع يسوق الله قصة البقرة التي تسمت السورة باسمها لإن هذه القصة التي احتشدت فيها مآلات فقدان بني إسرائيل لتقوى الله فآلوا إلى مستهزئين بأمر الله ، فاستهزئوا بالضمنية برسوله وكليمه موسى ، وتلكأوا في إنفاذ أمر الله بذبح بقرة حتى ألجأهم الله وحصرهم أمام بقرة واحدة لابديل لها لأرملة ويتيم ، وكانوا مستعدين لشرائها قبل أيام بأتفه ثمن ليأكلوا مال اليتيم والأرملة ظلما وسُحتا ، بدلا من كفالتهما وتيسير أمورهما ، وليدفعوا لليتيم والأرملة ملء إهاب البقرة ذهباً ، وبعد ذبح البقرة يأمرهم ربهم بضرب قتيل قُتل فيهم وهم يتكتمون أمر قاتله ويدّعون أمام رسولهم الكليم أنهم لايعرفون القاتل ليضيعوا الحق ويبددوا قيمة القصاص ، فلما ضربوا القتيل بعظمة من عظام البقرة قام القتيل من موتته وأشار إلى قاتله ، وليعلمهم الله بذالك الفعل أنه قادر على فضحهم بعظام بقرة حقيقية هو الذي خلقها وليس العجل الذي افتروه واخترعوه بأنفسهم ثم عبدوه من دون الله .
وأن لاسبيل لهم إلا تقوى الله فقلوبهم التي قست لم تتنبه إلى قدرة الله التي لاتدانيها أي قُدر ، فالحجارة ترق لأمر الله وتخشع له مثلما خشع جبل الطور ، ومنها ماتشقق ليخرج إثنتا عشرة عينا يسقون منها ، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار التي نجوا من بينها من فرعون الطاغية وجيشه الظلوم .
هل نكمل بقية سياقات بني إسرائيل غدا إن شاءالله / عادل الشريف


 مع سورة البقرة ( الحلقة السابعة )


مازلنا مع سياقات بني إسرائيل التي ستحتشد جميعها لتقيم حالة من الإشمئزاز لدي الجماعة المسلمة من معظم المنتمين إلى هذا التجمع البشري الناشز والمنحرف بصفة دائمة ، وستكون حالة الإشمئزاز هذه سببا كبيرا في إستنفار حالة مضادة لدى الجماعة المسلمة مؤداها النهل من ماعون القرآن وأوله ماعون سورة البقرة لتكوين شخصية جديدة أكثر تأملا لرسالتها ، وأكثر محبة لربها ، وأكثر انضباطا في حركتها بضوابط الشريعة اتباعا للنموذج التطبيقي العملي المتمثل في إنفاذ رسولها لهذه الشريعة وحواكمها الأخلاقية ، وقيمها الإنسانية الفريدة .

ويحل الدور على السياق الخامس الذي يبدأ من الآية 75 وحتى الآية 91 :

واعتبارا من هذا السياق سيتحول الخطاب إلى الجماعة المسلمة لتقرير حقائق جديدة محصلتها الإستيئاس من إيمان بني إسرائيل وتصديقهم بالحلقة الأخيرة من الإسلام والتي يحملها للأرض كلها خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ، وماأنزله الله على قلبه من كتاب محكم من لدن حكيم خبير ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ...... ) ، وفي الثلاث آيات الأولى من هذا السياق سيظهر الله الفعل الدائب لدى هؤلاء من استعداد لتحريف الكتاب ، وافتراء كلمات أخرى من عندهم على أنها من الكتاب لتحقيق مكاسب دونية حقيرة ، وأن فلسفتهم في تبرير هذه الأفعال الحقيرة هو ظنهم أنهم بافتراض عذابهم في النار يوم القيامة فلن يزيد هذا العذاب عن أيام معدودة محدودة ، وهنا تتجلى مشكلات إفتراء المعتقدات الخاطئة التي تحدث تشويها كبيرا في منظومات العدالة سواء على الأرض أو في الآخرة ، والتي توسع فيها للأسف كثير من علماء المسلمين فوقعوا في الإرجاء الذي يذيب الحدود والفواصل الحاكمة ، ويجعل من يعتقد بمثل مااعتقد به بنو إسرائيل يعيثون الفساد في الأرض قتلا وتدميرا وخيانة وحسدا وبغضا وحقدا ، ظنا منهم أن عذاب الله لن يستمر عليهم أكثر من أيام معدودات ، وهذا ماحاول أن يتصدى له المفكر الإسلامي الراحل الدكتور / مصطفى محمود حينما حاول أن يكبح جماح أن تكون الشفاعة سببا في إماعة الحدود والفواصل الشرعية ، والنيل من وظائف آيات الله في قضية الثواب والعقاب ، فالشفاعة أبدا لن تنقل أحدا من مربع الظلم والطغيان وتدخله الجنة ، ولعلنا نشهد حشودا من الناس في حياتنا اليوم تدعم الظالمين والقتلة والمتجبرين ، وهم يصلون ، وربما كان بعضهم يواظب على صلاة الفجر في جماعة ، وربما كانت عقيدتهم المشوهة حاملة لهم على اليقين أن الشفاعة ورحمة الله الواسعة سوف تستنقذهم يوم القيامة ، ولذالك فعقيدة المسلم الصحيحة أن الشفاعة تجبر الكسور ، وترفع من شأن الدرجات بقدر يتوائم مع رحمة الله وعدله مجتمعين وليسا بمتناقضين ، ولذالك يعقب الله على اعتقاد بني إسرائيل الخائب بتقرير الحقيقة الفطرية الصادقة التي تستقيم مع شرف هذا الدين ( قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالاتعلمون ، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) .

ثم يخبر الله الجماعة المسلمة ويذّكر بني إسرائيل بميثاقه معهم ألا يعبدوا إلا الله ، ويعقب بالحتمي اللازم لتوحيد الله وهو البر بالوالدين ، والإحسان إلى أولى القربى ، واليتامى والمساكين ، وأن يقولوا الحسنى لكل الناس ناقضين بذالك العنصرية البغيضة التي يحرسونها ، وكان من كمالات هذا الميثاق ألا يسفكوا دماء بعضهم ، ولا يخرجون القبائل الأخري من بني إسرائيل من ديارهم بمظاهرة قبائل العرب ، حيث قسمت قبائل بني إسرائيل بعضهم على موالاة الفريقين الكبيرين من عرب يثرب ( الأوس والخزرج ) وكان القتال بينهما يستتبعه استباحة بني إسرائيل لدماء بعضهم ، وإخراج البعض منهم من ديارهم ، و يقرر الله أن من يفعل ذالك كأنما يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ، لإنهم في الحقيقة يحققون مكاسب دنيوية وولائات بشرية باطلة ، فلن يخفف الله العذاب عنهم ، ولاهم ينصرون في الدنيا ، ولا في الآخرة .

ثم يذّكرهم ربهم مع توجيه الخطاب أيضا للجماعة المسلمة أن نبي الله موسى لم يكن وحده في ميدان الرسالات والهدايات لبني إسرائيل ، بل تبعه رسل بغير فراغ رسالي يذكر ، فبعد موسى وهارون عليهما السلام ، تحول يوشع بن نون ( فتى موسى في سورة الكهف ) إلى نبي (الم ترى إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم .... البقرة 246) ، وتبعه داود ( نبي قائد ) ، وورث سليمان داوود ( نبي ملك ) ، ومن بعدهم زكريا ويحيى الذي واكب وصدق برسالة المسيح عيسى بن مريم الذي آتاه الله البينات ، وأيده بروح القدس ليصحح المسار الملتوي والمنحرف والغارق في المادية لبني إسرائيل ، فماذا كان فعلهم إزاء هذه الرسالات إلا التكذيب والإستكبار ، والقتل للأنبياء كما قتلوا يحيى عليه السلام ، ودبروا لقتل المسيح وصلبه ولكن نجاه الله منهم بالتشبيه عليهم ، فتبا لقلوبهم المغلفة بالباطل عن إدراك الحق ومتابعته .

وهاهم يكفرون بالكتاب الذي طالما انتظروه وبشروا به وهم يعلمون علامات صدقه المشهورة عندهم ، لإن الحقد والحسد على أن يبوء فريق آخر بالفضل هو الذي منعهم من الإيمان والتصديق والمتابعة رغم ظهور الحق لديهم ، فإذا دُعوا للإيمان بالهداية الجديدة أعلنوا اكتفاءهم بما لديهم ، مع كفرهم بما بعده من رسالة المسيح ، أو رسالة محمد ... فلماذا تقتلون أنيياء الله إذا كنتم تدعون الإيمان .......... / عادل الشريف

... مع سورة البقرة ( الحلقة الثامنة )
... وفي السياق السادس الذي يبدأ من الآية 92 وحتى الآية 105 :
يُخبر الله الجماعة المسلمة وهو يذكّر بني إسرائيل بأفدح جرائمهم وهو اتخاذ العجل أثناء صحبتهم لنبي الله وكليمه موسى الذي أرسله الله إلى بني إسرائيل بالبينات والهدايات والشرائع الهادية والمنظمة لحياتهم الجديدة ، بعد أن خلصهم من عنفوانية وسطوة فرعون الطاغية القاتل المستكبر ، وبعدما ينجيهم الله من مطارة جيش فرعون الذي كان يسعى خلفهم بعجلاته الحربية وجنده الكثيف المدجج ، فتلهث قلوبهم خوفا وهم يقولون لموسى ( إنا لمدركون) ، فيجيبهم إجابة الواثق ( كلا إن معي ربي سيهدين ) ثم يضرب البحر بعصاه فإذا بالبحر ينفلق ويتحول الماء إلى جبلين عن اليمين وعن اليسار ، ويثبت الماء على هذه الحال حتى يعبر كل بني إسرائيل ، وبعدما يبدأ فرعون وجنده عبور البحر خلف موسى وأتباعه فيرجع الماء إلى طبيعته ، فيغرق الله فرعون وجنده ، أمام ناظريهم ، فهل عاشوا جماليات هذا الإنتصار الزاهي ، أم راحوا يشوهونه مرة بطلب أن يجعل موسى لهم إلها كما لجماعة من الوثنيين إلها من الأوثان الحجرية ، ومرة عندما اتخذوا فعلاً العجل الذهبي المفترى الذي اخترعه لهم السامري الدجال عندما توجه موسى لميقات ربه بعد أربعين ليلة من نجاتهم من فرعون وبطشه ( ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل ...... 92).

ثم يذّكرهم ربهم بموقف أخذ الميثاق تحت جبل الطور الذي كان مخلوعا كله من الأرض ، ليؤكد الله عليهم حتمية أن يتفاعلوا مع آيات الله وشريعته بالأخذ القوي والإنفاذ الملتزم ، وذكر وبيان الآيات وماتحمله من شرائع وضوابط وقيم أخلاقية إلى الجميع ، وألا يحبسوا ذكره عن الناس بدعوى أنهم أمميون وأميون جهلة لايستحقون شرف مااختصهم الله به ، وأن عليهم تمام السمع والطاعة ، ولكن هذه القلوب التي انبهرت بالعجل وهو يصدر خواراً التقى بخوْر قلوبهم وانحراف جبلاتهم التي كانت تتوق إلى وثن يقبعون أمامه ليعبدوه من دون رب العالمين ، حتى تشربت قلوبهم هذا القبح فجعلوا يقولون سمعنا وعصينا ، بدلاً من سمعنا وأطعنا التي هي ديدن المؤمنين الصادقين ، وتخيل أن من تجتهد أن تقدم له أعمال إيمانك هو الذي يقول لك بئسما يأمركم به إيمانكم يا من تدّعون الإيمان .

ثم يوجه لهم الله تحديا عمليا إن كانوا واثقين في صحة إيمانهم وأنهم ناجون وحدهم من عذاب الله يوم القيامة أن يتمنوا الموت ، ويقرر مباشرة أنهم لن يستطيعوا هذا التمني لإن دخائل قلوبم توقن أنهم منحرفون ومجرمون ، ولذالك فهم أحرص الناس على حياة ، أي حياة حتى لو كانت أنكر وأخبث حياة ، لإن مصائرهم سوداء كئيبة كواقعهم المنحرف .

ولما كان المؤمنون يترقبون نزول آيات من القرآن جديدة ، ويحتفون بذالك ، ويسألون بعضهم أيكم زادته هذه إيماناً ، ويوقرون أمين الوحي جبريل الذي يتنزل بكلمات الله وقرآنه المجيد ، فمن أجل ذالك بدأ هؤلاء حقداً على المؤمنين يعلنون العداء لجبريل وميكال ، ويقدحون في صدقهم ومصداقيتهم ، فتنزلت آيات الله تواجههم ، وتؤدب المؤمنين في ذات الوقت بأدب حب الملائكة وأدوارهم العظيمة وخاصة أمين الوحي جبريل ، وأمين الأرزاق ميكال وأن من عاداهم فهو كافر جاحد ناقض لكل منظومة الإيمان بمجرد تنكره لملك واحد من ملائكة الله وجنده ... فهؤلاء ديدنهم مخالفة كل عهد عاهدوا الله عليه .

وإذا كانوا في السياق السابق يتنكرون لكتاب الله الذي بشروا الناس بقرب تنزله ، فهم في هذا السياق يتنكرون للنبي الخاتم الذي كانوا يدّعون أنهم تركوا أرضهم وديارهم وحلوا بيثرب ليسبقوا العرب إلى نبي منهم خاتما وقد أطل زمانه ، فلما ظهر النبي بهداية الله وكتابه نابذوه العداء ، ونبذوا كتاب الله الحق المصدق لما معهم من التوراة وراء ظهورهم متناسين كل مالديهم من علم كانوا يروجون له قبل قليل وقت ، واتبعوا تُراهات وتخريفات مرسلة تشاع عن ملك سليمان الذي كان يُشرك الجن في تكاليف مملكته ، واحتلت هذه السفاهات والسخافات معظم أعمارهم ، وباتوا أقرب للسحر والخيال منهم إلى عالم التكاليف والهدايات الربانية ، ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون .
ثم يؤدب الله المؤمنين بالأقوال المسددة والراشدة ، بدلا من تقليد المنحرفين هؤلاء ، لإحداث شخصية مسلمة صادقة تعرف جيدا ماتقوله وماتفعله ، ولايضحك عليها هؤلاء بتحريف كلمات يرددها المؤمن كالببغاء وهي تنال من قداسة المقدسات كقول اليهود عن النبي راعناً أي أرعن أحمق بينما يوهمون المؤمنين أنهم يقولون له راعنا أي أدخلنا في رعايتك وحماك ودائرة اهتمامك ، لإن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين لايريدون لكم أي خير من ربكم ، ولكنه الله مطلق القدرة والعلم يعرف لمن يوجه رحماته وفضله العظيم .

 

 

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers