Responsive image

23
نوفمبر

الخميس

26º

23
نوفمبر

الخميس

 خبر عاجل
  • اليونان.. اختفاء سفينة تحمل (45) مهاجرًا غير شرعي بعد تعطل محركها
     منذ 2 ساعة
  • دول حصار قطر تضع "علماء المسلمين" على قوائم الإرهاب
     منذ 2 ساعة
  • "البردويل" يؤكد: ضغوطًا "أمريكية صهيونية" أفشلت المصالحة بالقاهرة
     منذ 2 ساعة
  • شلل مروري أعلي الدائري بسبب انقلاب سيارة بالبراجيل
     منذ 2 ساعة
  • العدو الصهيوني يطلق الرصاص تجاه الصيادين بقطاع غزة
     منذ 2 ساعة
  • تركيا.. زلزال بقوة (5) درجات يضرب جنوب غرب البلاد
     منذ 2 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:56 صباحاً


الشروق

6:21 صباحاً


الظهر

11:41 صباحاً


العصر

2:36 مساءاً


المغرب

5:00 مساءاً


العشاء

6:30 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

رسول الله لم يسع إلى إقامة دولة اسلامية بالحبشة

دراسة: المستطيل القرآني (الشرق الأوسط)- حلقة (10)

بقلم: مجدى حسين
منذ 19 يوم
عدد القراءات: 9167
رسول الله لم يسع إلى إقامة دولة اسلامية بالحبشة


** بعد الفرس.. الاسكندر والبطالمة والرومان يحكمون المستطيل

**مصر عندما كانت قوية امتدت من حدود تركيا حتى الصومال

 

(هذه دراسة غير منشورة وغير مكتملة بعد لمجدي حسين رئيس حزب الاستقلال ورئيس تحرير جريدة الشعب الذي يقبع الآن مغيبا خلف أسوار السجون بأحكام ظالمة وغير دستورية.. لقد تم ترتيب الجزء المكتوب من الدراسة في حلقات وسننشر تباعا الحلقات الموجودة لدينا لحين خروجه من محبسه وإكمال عطائه الفكري والسياسي والذي نأمل أن يكون قريبا بإذن الله..).

لماذا الاقليم المتوسط (الشرق الأوسط) أهم مكان في العالم؟.

أولاً: ان الترتيبات الربانية تتواصل.. فالتشكيل الجغرافي لا دخل للبشر فيه، ووضع الكعبة في مكة لا اختيار للبشر فيه.. وأهمية المكان لا مجال لاختيار البشر فيه ولكن البشر يكتشفون هذه الأهمية بالممارسة الواقعية.

وفي إطار الترتيبات الربانية، فقد تم اكتشاف اكبر مكان واحتياطي للبترول في العالم في الخليج (وهو جزء لا يتجزأ في المستطيل القرآني) حوالي ثلثي الاحتياطي العالمي. والبترول كما نعلم- وحتى إشعار آخر- هو إكسير حياة الحضارة الحديثة، وأيضا أبرز وسائل الهيمنة الاقتصادية والعسكرية.

وتحول هذا المتغير الجديد الذي ظهر منذ أوائل القرن العشرين إلى سبب إضافي لكي يصحو العالم كل يوم ليطمئن على أخبار المستطيل أو الشرق الوسط: البورصات- رجال الأعمال- الجيوش- المراكز الاستراتيجية- الدول الصناعية...الخ وظهرت مسألة الطاقة الشمسية وبلاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أفضل مواقع انتاجها وهذه لا تنفذ!.

ولكن حتى قبل النفط.. وبعد نفاذه يوما ما.. لماذا يكتسب هذا الاقليم المتوسط أهميته في العالم؟! وهناك أشياء معروفة كنا ندرسها في المدرسة (لا أدري هل ما تزال موجودة في المناهج أم لا؟!.

نحن هنا أمام عنق العالم القديم كله (لندع الأمريكتين مؤقتا). في هذا المستطيل نجد عقدة كل الطرق العالمية البرية والبحرية. فهي نقطة إلتقاء القارات الثلاث الأساسية. فخط التجارة الآسيوي لابد أن يمر به من أجل تبادل المنافع مع المراكز الحضارية للشرق الأوسط وأيضا من أجل المرور لأوروبا وبعض مناطق أفريقيا. كذلك فإن خط التجارة الأوروبي يمر في نفس القنوات ولكن بالعكس..

خط التجارة العالمية أو خطوط التجارة العالمية كان أشهرها:

الطريق المشهور بالحرير لأن منتجات الحرير كانت من أهم البضائع التي يحملها من الصين وهو ليس طريقا واحدا كما يتصور البعض بل هو حزام من عدة طرق- فرع كان يصب في حلب وهذا ما أعطى لحلب أهمية تجارية منذ الزمن القديم. وفرع يصب في الخليج وفرع يصب في ميناء القلزم (السويس).

وهنا يتولى تجار الشرق الأوسط النقل البري حتى موانئ البحر المتوسط (وذلك قبل حفر قناة السويس). وكانت هناك خطوط بحرية تنتهي في موانئ شرق أفريقيا.

المهم هذه الطرق هي نفسها طرق تحرك الجيوش للاحتلال والسيطرة والضم.

الطرق الواصلة بين آسيا وأوروبا مباشرة طرق وعرة للغاية وغير آمنة وتوجد جبال الأورال أشبه بالحائط بين أوروبا وآسيا عدا الجزء الجنوبي المفتوح ولكنه ليس سهلاً. وهي مناطق أرمينيا والأناضول وما حول البحر الأسود. وبالتالي فإن طرق الغزو الرئيسية لم تمر من هذه المسارات.

إذن من يسيطر على هذه المساحة المتوسطة سيتحكم في حركة العالم الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولا غنى لأي قوى عظمى من السيطرة عليها.

أما بالنسبة لحالة الولايات المتحدة التي تحولت إلى قوة عظمى في أقصى الغرب فهي أشبه بالجزيرة المنعزلة، وما كان لها أن تتحول إلى دولة عظمى إلا بانشاء أكبر قوة بحرية في العالم.

كان هذا ما فعلته انجلترا من قبل عندما كانت سيدة العالم.

كما ذكرنا فإن مساحة المياه حوالي 70% من الكرة الأرضية وهي تمكنك من الوصول إلى أي نقطة في العالم في أسرع وقت ممكن بالاضافة لامكانية تطويق وحصار الدول من الخارج.

ولقد دارت الصراعات الكبرى تاريخيا في العالم عادة بين قوة عظمى برية وقوة عظمى بحرية، وكان النصر غالبا للقوة البحرية. وهنا تظهر مرة أخرى أهمية الشرق الوسط لأنه يضم أهم البحار الدافئة التي تربط بين القارات الثلاث (البحر المتوسط- البحر الأحمر- الخليج) + الاطلال على المحيط الهندي. إذن فهو طريق الوصول والسيطرة، وطريق الحصار والتطويق بأقل الامكانيات (نسبيا)، تخيل: هل كان يمكن لبريطانيا أن ترسل قوات برية لاجتياح العالم من أوروبا إلى آسيا ومن أوروبا لأفريقيا بالطرق البرية (مستحيل).

ونفس الشئ بالنسبة لأمريكا الآن، فأمريكا ترسل القوات البحرية رأساً إلى الهدف بالاضافة لظهور القوات الجوية والنقل الجوي، ولذلك أيضا ظهرت أهمية القواعد العسكرية في مختلف أنحاء العالم، ولذلك كانت القوى العظمى القارية (أي البرية) دائما في موقف الأضعف.

الفرس كانوا قوة برية واليونان كانت قوة بحرية، لم يستطع الفرس السيطرة على اليونان رغم أنهم حاولوا بناء الأساطيل (ولكنها لم تكن نقطة قوتهم وتخصصهم). ولكن اليونان (الاسكندر الأكبر تمكن من احتلال فارس. أيضا كانت روسيا القيصرية في الموقف الأضعف دائما لأنها قوة برية. ولعل هذا يوضح للناس لماذا تتكالب روسيا على موطئ قدم في سوريا. وتسعى لموطئ قدم آخر في مصر أو ليبيا. وهذا يوضح أهمية ما تفعله إيران بتطوير قواتها البحرية بإمكانياتها الذاتية.

وكانت الدولة العثمانية قوة برية في الأساس و لم تتحول إلى قوة عظمى إلا عندما برعت في البحر وفي بناء الأساطيل الحربية حتى سيطرت على البحر المتوسط ثم على البحر الأحمر. وعندما ضعفت وهزمت في البحر هزمت بعد ذلك في البر. وكذلك كانت ألمانيا قوة برية بالأساس وحاولت التوسع بحرياً بالغواصات: ولكن ذلك جاء متأخراً وغير كاف.

فكما ذكرنا القوة البحرية تعطيك قوة حركة وسرعة توزيع قوات وقدرة على التطويق والحصار والتدمير عن بعد ودون تلاحم.

والآن لنترك التاريخ، يشرح لنا أهمية هذا الاقليم المتوسط (الشرق الأوسط أو المستطيل القرآني) قبل نزول القرآن وأثناء نزوله وحتى الآن بأكبر قدر ممكن من الاختصار حيث سنأخذ من التاريخ ما يهم في توضيح فكرة أن من يسيطر على الاقليم يسيطر على العالم. سيقول البعض: يا أخي نحن لا نريد أن نسيطر على العالم ونريد أن نعيش في أمان ونأكل "عيشاً"!.

إذا كنت من هذا الصنف ننصحك بالهجرة إلى أطراف العالم في أي قارة من القارات. لأن هذا المستطيل لن يترك في حاله وإذا لم يسيطر أهله عليه سيتعرضون للاستعمار والاستعباد والاذلال. فإذا كنت تحب الاذلال وحياة العبودية يمكن أن تبقى وتحاول أن تبحث عن الخبز.
مصر القديمة:

نبدأ بمصر القديمة كأول دولة مستقرة في العالم، وهي بطبيعتها في قلب الاقليم المتوسط أو كان في ذلك الوقت الاقليم المركزي. وعندما تكون مصر في قوتها فهي تمتد لحدود الأناضول (تركيا) أي تضم الشام كله أو ما كان يسمى اقليم الشمال وتصل إلى حدود العراق وتضم شرق ليبيا وشمال السودان وبلاد بونت (الصومال) وكانت بعثات البونت إلى مصر تأتي لأداء قسم الولاء دون أن يصل أي جيش مصري إليها. وهذا ما يسميه الاستراتيجيون الآن القوة الناعمة. فالشعوب المحيطة كانت معجبة بالتقدم الحضاري المصري ومنبهرة به ولذلك أحبت مصر، وقد قامت التجارة مع بونت على هذا الأساس. وكان للحضارة المصرية نفوذ في بلاد اليونان حيث انتشرت المعتقدات المصرية هناك (كعبادة آمون) دون أن تأتي لمصر أي معتقدات من اليونان. والأهم أن الجامعة المصرية في هليوبوليس أصبحت محط أنظار العالم القديم وجاء كثير ممن أصبحوا نجوماً وعلماء كبار في اليونان ليتعلموا في الجامعة المصرية شتى أنواع العلوم. كذلك جاء أهل الشمال في بعثات وزيارات لمصر، كما نرسل نحن الآن بعثات علمية للدراسة في أمريكا وأوروبا. وبالتالي فإن اهل الشمال أحبوا مصر ولم يعتبروها قوة استعمارية أو غازية، ولكن حب السلطة والتفرد من سمات البشر وهو ما خلق الحروب مع الحيثيين والهكسوس وغيرهم. وعندما كانت مصر تضعف قليلاً فإن حدودها الشمالية تصل إلى القدس. وعندما كان يأتي حاكم يريد أن ينعزل في مصر ولا يهتم بأمر الشمال كان ممثلو مصر وقسم من أهل الشمال يبعثون الوقود لمصر كي ترسل مزيدا من القوات للحفاظ على الوحدة (كما حدث في عهد اخناتون). وعندما تضعف مصر أكثر تكون حدودها/ العريش.

هناك تداخل بين القوى داخل المستطيل، وكل سلطة تقوى تنظر إلى توحيد كل المستطيل تحت رايتها، فبدون وجود خطر خارجي، كان أهل المستطيل يشعرون انه اقليم واحد ويجب أن يكون موحداً. ولذلك فإن تاريخ ما قبل الميلاد يرصد مشهداً متكرراً، مد من الشمال يزحف حتى مصر. أو مد من مصر يزحف حتى الشمال. كموجات المد والجذر المنتظم. واشترك العراق (الآشوريين) في هذه الظاهرة ووصلو إلى مصر في إحدى المرات. ومن على أطراف المستطيل شرقاً جاء الفرس في أول غزو خارجي في عهد قمبيز واجتاح المستطيل كله، ونحن نتحدث هنا عن الشام والعراق ومصر، أما الجزيرة العربية فقد كانت خارج الصراع للأسباب التي ذكرناها آنفا. ووصل قمبيز وجيوشه إلى اقصى جنوب مصر، ووصل إلى الوادي الجديد، وحدثت أعجوبة من أعاجيب التاريخ حيث ابتلعت الصحراء الغربية قمبيز وجيشه كله واختفى في الرمال ولم يتم العثور عليه حتى الآن. لذلك لم يعد الفرس أبداً إلى مصر بعد ذلك. لكن ضم العراق لفارس كان أمراً يسيرا ومكررا.

وظلت حركة المد والجذر هكذا، وأحيانا لم تأخذ شكلاً عسكرياً سافراً في البداية فهناك رواية قوية عن أن الهكسوس تسللوا إلى مصر بالتدريج من خلال هجرات جماعية واستقرار واستيطان في  شرق الدلتا وهكذا تمددوا واقاموا فيما بعد دولة في شمال مصر!.

ما يهمنا الآن التأكيد على قانون المد والجزر لنقول لأصحاب نظرية عزلة مصر من أجل البناء والتنمية والرفاهية، نعم كلنا نريد البناء والتنمية والرفاهية ولكنها لا تحدث عموماً وفي مصر ومنطقتنا خصوصاً إلا بالقوة وتمدد هذه القوة، حتى بين الأشقاء أنفسهم لأن كل شقيق يتصور أنه هو الأحق بالقيادة.

وفي ذلك يقول المفكر الكبير د.جمال حمدان:

(مصر اليوم إما أن تحوز القوة أو تنقرض، إما القوة وإما الموت، فإذا لم تصبح مصر قوة عظمى تسود المنطقة، فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما كالقصعة أعداء وأشقاء وأقربون وأبعدون).

ما هذا الكلام الرائع؟ إنه أشبه بالقانون فعلاً. وهذا ما نتعرض له الآن. بل هو يصف بدقة ما تتعرض له مصر الان.

ولكن ما بالنا وقد أصبحت اسرائيل (القوة اليهودية الاستيطانية العدوانية المحاربة) هي المنافس الأول. وأن عدم التصدي لها معناه أن تتمدد داخل مصر كما يحدث الآن بالتطبيع والتنسيق الأمني ونشر قيم السلام الزائفة. وتمييع الأخلاق، والقضاء على الرجولة، إلى حد أن عملاء اسرائيل أصبحوا أبرياء ونجوما في المجتمع، ومن نعلم انه نشر السموم في أكل المصريين عن طريق اسرائيل لا نحاكمه، ولا نتوقف عن التعاون الزراعي مع اسرائيل!! وان اعطاء الغاز المصري مدعماً لاسرائيل ليس جريمة بل دعماً للأمن القومي المصري، وخرج الجميع براءة في المحكمة.

وعندما قامت الحضرة الهلينية (اليونانية) لم تفكر في التوسع إلا في اتجاه المستطيل ولأنه أيضا كان هو العالم القديم.

 جاء الاسكندر المقدوني وتعرضت مصر لأول غزو بحري، وسيطر الاسكندر على مصر واستمر فيها فترة طويلة من الزمن ربما عام أو عامين وكان يضع أسسا لحكمه وهو يدرك أنها ستكون الركن الركين لامبراطوريته الجديدة، وسار في نفس الطريق الذي جاء منه الغزاة من الشرق: الهكسوس- الآشوريين- الفرس، ولكن في الاتجاه المعاكس، نفس الطريق الساحلي في اتجاه العريش ثم غزة واحتل فلسطين وكل الشام وكل العراق أي القسم الحي من .

المستطيل واحتل فارس ووصل إلى الهند. وهنا بدأ جيشه يشعر بالارهاق وضغطوا عليه ليعودوا إلى ديارهم. وبالفعل عاد جيش الاسكندر بعد تثبيت دعائم الامبراطورية، وربما كان من بعض أفكاره أن يستقر في مصر. ولكن الغموض يكتنف نهايته فمن غير المعروف أين مات في الطريق ولماذا؟ وأين دفن؟ بل تجري الأبحاث الأثرية حتى الآن بحثا عن معركته في مصر.

وبعد موته استمر الحكم الهيليني باسم البطالمة نسبة إلى بطليموس الأول أحد معاوني الاسكندر، المهم أن البطالمة حكموا الامبراطورية في كل المستطيل بالاضافة لفارس والهند، ولكنهم انقسموا فيما بعد إلى بطالمة الشام وبطالمة مصر، حيث جرت بينهم المنافسات أحيانا والتعاون أحيانا أخرى.

ما يهمنا الآن أن المستطيل لم يعد يترك في حاله فالقوة العظمى لابد أن تحتله، وفي ذلك الوقت كان قلب العالم مشكلاً وموضوعا، أي ليس بسبب الموقع فحسب بل بسبب انه قلب الحضارة.

وبدون أي همسة فراغ، عندما تقوى الامبراطورية الرومانية فإنها تستلم المستطيل من البطالمة وتطردهم وتحتل مصر والشام...الخ

وظل العراق في أوقات كثيرة متنازع عليه بين الفرس والرومان ورأينا أن القرآن الكريم أشار لذلك في سورة الروم.
وبطبيعة الحال فإن الامبراطورية الرومانية امتدت إلى شمال أفريقيا وفي  أوروبا إلى فرنسا وأحيانا بريطانيا.
وهنا جاء الاسلام بنوره إلى المنطقة المُغفلة من المستطيل، ولم يأبه الرومان ولا الفرس لهذه الظاهرة في بداية الأمر ولم يخشوا شيئاً من هؤلاء العرب الحفاة العراة، رعاة الابل والماعز، ولم يأبهوا لهم!.
وهنانتوقف عند الاستراتيجية عند سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أيضا مصطلح "الاستراتيجية" مصطلح غربي لاتيني ولم أجد له كلمة عربية واحدة مناسبة تعبر عنه. وعلماء اللغة يوافقون أحيانا على استيعاب بعض الألفاظ الأعجمية، لأن القرآن ضم بعضاً من هذه الألفاظ (سندس/استبرق).
المهم الان أن نتفق على معنى "استراتيجية"، في الأصل اللغوي اللاتيني كانت تعني الخطة العسكرية في مواجهة عدو ما. ولكن تطور الفكر الانساني توصل إلى أنه لاتوجد خطة عسكرية ناجحة منفصلة عن الجوانب الأخرى: الاقتصادية- المعنوية- العقائدية.. والسياسة الخارجية والداخلية...الخ.

وأصبحت الاستراتيجية تعني الخطة العامة ضد عدو ما، خطة عامة بكل جوانبها وقد تكون ضد عدو ما، كالقول بالاستراتيجية العامة للتنمية أو للحفاظ على البيئة...الخ ونحن نستخدم الآن كلمة "استراتيجية" بهذا المعنى العام.
كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مطلعاً على أحوال دول الجوار، وهذا يؤكد أن السعي إلى التغيير في مجتمع ما لابد ألا يستبعد دراسة الأحوال الاقليمية المحيطة.

وعندما تم التضييق على المسلمين في مكة ولم يكن هناك من يأويهم في الجزيرة العربية فكر الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة الهجرة إلى الحبشة عند ملك (لا يظلم الناس عنده) وسافر عدد قليل، ولكن الاستقبال كان رائعاً ومبشراً مما شجع بعد فترة لارسال دفعة أخرى من المهاجرين. وقصة كرم النجاشي وحسن استقباله للمسلمين مفصلة في كتب السيرة، كذلك رفضه تسليمهمم لوفد مكة برئاسة عمرو بن العاص.

ومع ذلك لم يفكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لطرفة عين في مواصلة تهجير المسلمين جميعا أو هجرته هو شخصيا للحبشة، وجعل الحبشة قاعدة للدعوة الاسلامية وإقامة أول دولة اسلامية.. لم ترد هذه الفكرة إطلاقاً فالخطة كانت واضحة (الاستراتيجية) وهي إقامة الدولة الاسلامية في بلاد العرب والتوسع داخل المستطيل أولاً (طبعا لم يكن هذا إلا من وحي السماء). وهذا ما حدث بالاتفاق مع أهل المدينة (الأوس والخزرج). بعد ذلك بدأ المهاجرون في الحبشة في التوافد إلى المدينة. ورغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغائب على النجاشي عندما مات مسلماً، فإنه لم يطرح أبداً فكرة الاستدارة للاهتمام بالحبشة أو إعادة المهاجرين لها لإقامة دولة إسلامية. بل أخذ أهم العائدين وأحبهم إلى قلبه جعفر بن أبي طالب وأرسله في غزوة مؤته حيث استشهد رضى الله عنه.

لم يوجه رسول الله أي قوة عسكرية خارج الجزيرة إلا في اتجاه الرومان.. في اتجاه الشام إلى قلب المستطيل وكان ذلك 3 مرات..

(1) غزوة مؤته (2)غزوة تبوك (3) بعثة أسامة.

ولنلحظ ونكرر ان بعثة أسامة للشام وإن كانت رمزية كحملة حدودية لتأديب من يعتدون على المسلمين من اعوان الرومان فإن هذا كان القرار الأخير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حريصاً عليه حتى عندما كان يعاني سكرات الموت، فإذا أفاق من الاغماء قال: هل أرسلتم بعثة أسامة؟ أرسلوا بعثة أسامة! ولذلك أصر أبو بكر الصديق على تنفيذ وصية الرسول الأخيرة. والحقيقة فهي توجيهه للمرحلة التالية:

وهكذا وبدون فاصل يذكر- إلا حروب الردة- تقدم جيش الاسلام وضم الشام والعراق وفارس في سرعة مذهلة، وقد كان من أسباب وضع الفرس على جدول الأعمال انهم كالرومان يرفضون الدعوة للاسلام في أراضيهم، وان حاكمهم السابق كان قد مزق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وانه أرسل لحاكمه في اليمن (التي كانت محتلة من الفرس) قازان أن يذهب إلى "محمد" ويلقي القبض عليه ويأتي به! (راجع القصة في كتب السيرة). وأثناء حركة الردة ساهم الفرس في تأجيجها ودعمها في منطقة شرق الجزيرة.

المهم انتقل المستطيل بدون أي استراحة أو فجوة صغيرة من دولتين عظميين إلى سيطرة دولة عظمى بازغة هي الدولة الاسلامية ولم يبق سوى مصر التي كانت لا تزال تحت سيطرة الرومان.

اقترح عمرو بن العاص على الخليفة عمر بن الخطاب فتح مصر فوراً بدون إبطاء لتامين الشام، وإلا فإن الرومان سيغزون الشام من مصر، بالاضافة لأهمية مصر في حد ذاتها (وكان عمرو بن العاص قد زارها من قبل).

نحن هنا أمام فاصل من الحوار الجيوبولوتيكي (أي الجغرافي السياسي) دون أن يكون هذا العلم أو المصطلح معروفا في العالم. ولكن تفكير العقول بشكل سليم يقود إليه.

فغزو الشام من مصر أسهل من غزوها من الأناضول لسهولة الأرض وأسهل من غزوها بالبحر.
نكمل الحوار الجيواستراتيجي والجيوسياسي بين عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص الفصل القادم.


للإطلاع على الأجزاء السابقة اضغط على الروابط التالبة:-

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2017

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers