Responsive image

20
نوفمبر

الأربعاء

26º

20
نوفمبر

الأربعاء

 خبر عاجل
  • محمد علي : أُطلق حملة لإطلاق سراح البنات.. الحرية للشعب المصري
     منذ 2 ساعة
  • محمد علي : أعمل على توحيد القوى الوطنية المصرية من أجل إنجاز مشروع وطني جامع
     منذ 2 ساعة
  • مؤتمر صحفي لرجل الأعمال والفنان محمد علي
     منذ 2 ساعة
  • وزارة الخارجية الروسية: الضربة الجوية الإسرائيلية على سوريا خطوة خاطئة
     منذ 5 ساعة
  • إنفجار في حي الشجاعية شرق غزة لم تعرف ماهيته بعد
     منذ 5 ساعة
  • الجيش الايراني: البحرية الايرانية قوة لصون مصالح البلاد في البحار وقد ارسلنا حتى الآن 64 اسطولا باتجاه خليج عدن
     منذ 5 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:52 صباحاً


الشروق

6:18 صباحاً


الظهر

11:40 صباحاً


العصر

2:37 مساءاً


المغرب

5:02 مساءاً


العشاء

6:32 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

التنمية المستدامة والعمران البشري

دكتور مجدي قرقر

منذ 280 يوم
عدد القراءات: 7969
التنمية المستدامة والعمران البشري


استقبلت بمزيد من الاهتمام والامتنان والتردد دعوة أخي الكريم والعالم الجليل الأستاذ الدكتور خالد فهمي بأن يكون لي إسهام في كتابه الجديد – والمتجدد والمستدام إن شاء الله – والذي عنونه بـ "إسهام المعجمية العربية المختصة في تعزيز قضايا التنمية المستدامة" وهو تكليف ثقيل أن يقوم شخصي الضعيف بهذا الإسهام في كتاب لقامة كبيرة مثل الأستاذ الدكتور خالد فهمي، ورغم ترددي تخوفا من ثقل المسئولية إلا أنني لم أملك إلا أن أستجيب داعيا الله أن أكون عند حسن ظنه وألا أفسد كتابه البديع في مادته وصياغته.


*****
يتفق الاقتصاديون المعاصرون على تقسيم عناصر الإنتاج إلى أربعة أقسام وهي: الأرض (الطبيعة)، العمل، رأس المال، والتنظيم (الإدارة)، إلا أنهم اختصروها مؤخرا في الأرض والبشر.
وهذه الرؤية الأخيرة للعلماء المحدثين تطابق الرؤية الاقتصادية في الإسلام، إلا أن الأستاذ عادل حسين (رئيس تحرير جريدة الشعب رحمه الله) أضاف عنصرا ثالثا لتكون ( الله - الأرض - البشر ) ، وعندما تأملت ذلك وبحثت وجدت أن الله هنا تعني بعدين: تقوى الله ومعية الله.
ويأتي ذلك ترجمة للآية القرآنية على لسان صالح عليه السلام "هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" - هود ٦١ ، هو أي الله سبحانه وتعالى، أنشأكم .. أنشأ من؟ .. البشر، من الأرض بهدف تعميرها، ثلاثة عناصر ( الله - الأرض - البشر ).
ومن هذه الأية الكريمة "هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" – هود 61، اشتق شيخنا الفقيه العبقري "ابن خلدون" مصطلحه وأسس نظريته في العمران البشري. وابن خلدون يظلمه علماء الغرب عندما ينعتونه بـ "أبو علم الاجتماع" وفي هذا ظلم كبير له، فعلم العمران البشري أكبر كثيرا من علم الاجتماع حيث أنه يشمل علوم السياسة والتاريخ والاقتصاد والاجتماع والفقه.
نعود للآية الكريمة (هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هود ٦١ - التي تؤكد أن الإنسان هو العنصر الفاعل في التنمية وهو الذي يحدد بواعثها وهو غايتها التي تعود آثارها عليه.
ومن هنا ينشأ الخلاف في المدخل في التنمية بيننا وبين النظريات الغربية، فبينما تعتبر النظريات الماركسية الإنسان ترسا من تروس الإنتاج، وبينما تسمح النظريات الرأسمالية باحتكار الإنسان لمجهود أخيه الإنسان، فإن الإسلام يعلي من شأن الإنسان ويعتبره الأساس والعامل المهم لإعمار الأرض، أي التنمية بمفهومها الشامل.
إن عناصر الإنتاج المادية مسخرة أساسا للإنسان وإستخداماته في إعمار الأرض، أي أن الإنسان هو القوة الفاعلة بل هو مأمور بالبحث والتنقيب عن عناصر الإنتاج ومصادر الثروة "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض" لقمان 11، "وسخر لكم الأنهار" إبراهيم 32، "وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا" النحل 41. الإنسان مأمور بالسير في الأرض والبحث في مناكبها، وتأمل حكمة الله في الخلق والأخذ بالأسباب وقهر الفقر والاحتياط لظروف الطبيعة.
ورغم هذا نجد أن حكامنا التابعين لسياسات الغرب يعتبرون المواطنين عبئا لأنهم يأكلون كثيرا وينجبون كثيرا وكما قال مبارك في التسعينات في حديث لطلبة الجامعات "هذه السنة سوداء والسنة القادمة أكثر سوادا" ويضيف في حديث آخر مخاطبا الشعب "مشكلتنا أنكم تأكلون كثيرا وتنجبون كثيرا" ولهذا فعليهم تحديد النسل للتخلص من هذا العبء، ليست القضية في عدم إدراك قيمة الإنسان فقط بل في غياب البعد الإيماني "معية الله" التي تحدثنا عنها "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ" الذاريات:22-23
وفي مقابل عدم إدراك حكامنا لقيمة الإنسان نجد كثيرا من الدول الأوروبية تشجع الإنجاب لأن الإنسان هو القوة الفاعلة في الإنتاج، ونجد دول الشرق أيضا تقدر قيمة الإنسان فالزعيم الصيني "ماوتسي تونج" رغم شيوعيته يقول إدراكا لقيمة الإنسان "أمام كل فم يأكل يدان تعملان" ، والنموذج الياباني لا يمتلك أي من مصادر الطبيعية أو أي أداة من أدوات الإنتاج سوى البشر، بل إن الطبيعة تعمل ضدهم فلا يوجد سوى الزلازل والبراكين والتضاريس المرتفعة، اليابان لا تملك سوى 127.5. مليون نسمة، هذه هي ثروتها، ولكن أمراض أوربا الاجتماعية قد طالتها إذ انخفض عدد سكان اليابان عام 2014 بمقدار 244 ألف نسمة، وهو الانخفاض الأكبر على الإطلاق، وفقا لبيانات وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية التي نوهت أن عدد السكان ينخفض سنويا منذ عام 2005، المهم أن اليابانيين لا يؤمنون بالله، كما أن الأرض تعمل ضدهم (زلازل وبراكين وأعاصير) فلا يتبقى لهم من أدوات الانتاج أو الاقتصاد سوى المائة وسبع وعشرين مليونا من اليابانيين هذه كل ثروتها.
في مقابل رؤى الدول المتقدمة شرقا وغربا نحن نؤمن بالله وبمعيته ونتقيه، ولدينا ثروات أرضية (فوقها وتحتها) ولدينا البشر ولكننا لا نؤمن بأهمية البشر كما أشرنا ونسيء توظيفهم فالقوى العاملة في مجال الخدمات يبلغون 40 % ( موظفين لخدمة الموظفين كما أشار الدكتور حسين مؤنس في قصته البليغة "إدارة عموم الزير" ). إننا لا نحسن التعامل مع القوى البشرية وفقا لنسب عملهم التالية (خدمات 39 %، زراعة 42 % ، صناعة وتعدين وكهرباء 13 % ، بناء وتشييد 6 %).

التنمية (Development)

التنمية والنمو لغةً من الفعل نما، ونما الشيء أي زاد وكثر، وأنمى الشيء جعله ناميا [المعجم الوجيز، ص 636] ، و نما ينمو نموا أي زاد (القاموس المحيط 9433، ص 1654)
التنمية (Development) وهي من المفاهيم التي تركز على البعد الديناميكي للنظام، أي عمل التغير الذي يصيب النظم بعل عمليات تتولد في داخل النظم ذاتها أو بفعل الاستجابة لتعديل في الظروف البيئية، ويدل المفهوم على مدى تزايد أو نقص القوة في النظام السياسي، ويتخذ نصيب الفرد من الناتج القومي العام (GNP) أو الدخل الفردي مؤشرا منفصلا للنمو والتنمية على حد سواء، فالنمو (Growth) يستخدم كمرادف للتنمية [إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، 2003 م ، معجم مصطلحات عصر العولمة، ص 489]
والتنمية مصطلح قديم وتتعدد مصطلحاتها فهناك التنمية الشاملة بمفهومها الشامل الذي يشمل كافة المجالات (التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتنمية البيئة ... الخ). وهناك التنمية المستقلة وحول مفهومها يشير الأستاذ عادل حسين في آخر دراسة له بعنوان "الاستقلال الوطني والقومي" - والتي قدمها في ندوة عقدت في المغرب العربي عام 2000 وأصدرها المركز العربي للدراسات في كتيب يحمل نفس الاسم عام 2004 - إلى أنه إذا كان فرض السيطرة الغربية الصهيونية على مقدراتنا عملية مركبة، أسهم في إنتاجها ما هو أيديولوجي وما هو سياسي واقتصادي وعسكري، فكذلك هو حال النهضة ومدخلها استعادة الاستقلال، فالاستقلال عملية مركبة في الاتجاه المضاد تضم ما هو أيديولوجي وما هو سياسي واقتصادي وعسكري، وأضيف: وما هو ثقافي. ويضيف عادل حسين في دراسته: إن التنمية الجادة المستقلة لابد أن تبدأ بكسر حلقة التبعية وتسعى لتحقيق تنمية متمحورة حول ذاتها وتتجه إلى سوقها الداخلي بالأساس. إن أية نظرية إسلامية في الإصلاح الاقتصادي الشامل تبدأ بتأكيد استقلالنا، ولا مجال للحديث عن الاستقلال والتنمية المستقلة، إذا لم يكن ذلك مشفوعا بالقدرة على التفكير المستقل، أي على التفكير بأنفسنا لأنفسنا، انطلاقا من أصولنا الإسلامية والحضارية، وبتعبير آخر لابد من اجتهاد.

مفهوم التنمية الشاملة المستقلة

التنمية الشاملة هي التنمية التي تقوم على تطوير كل أنشطة وقطاعات المجتمع بطريقة متوازنة ومتسقة، لا تعلي شأن الاقتصاد على باقي أنشطة وقطاعات التنمية. هذه التنمية هي التي تسعى لتطوير المجتمع في شتى المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بطريقة متسقة ومتوازنة تنبع من أصولنا الإسلامية والحضارية. إن التنمية الشاملة يجب أن تشمل كل المجالات، علينا أن نعترف بلغتنا العربية، بتاريخنا، بجذورنا الحضارية، ويجب أن يتسق كل هذا مع نظمنا السياسية والاقتصادية.

الحاجة إلى التنمية المستدامة
(Sustainable Development)

في مقال له بعنوان "الحاجة لإعادة تعريف التنمية المستدامة" بموقع " بروجيكت سينديكيت - 2014" يشير ديفد جريجز -مدير معهد جامعة موناش للاستدامة في أستراليا – وتحت ثلاثة عناوين فرعية (عواقب النشاط البشري- الحاجة لنهج جديد - أهداف قابلة للقياس) إلى أن البشرية تواجه مشكلة تهدد الحياة: فكيف نوفر التغذية الكافية والنوعية اللائقة من الحياة لسكان العالم الذين من المنتظر أن يتجاوز عددهم تسعة مليارات بحلول عام 2050، وذلك دون الإضرار بأنظمة دعم الحياة على كوكبنا على نحو غير قابل للإصلاح؟. ويضيف جريجز: لقد تسبب البشر في تغير الأنظمة البيئية على الأرض جذريا، فمن خلال التدخل في دورة الكربون والنيتروجين والماء والفسفور تعمل الأنشطة البشرية على إحداث تغيرات في الغلاف الجوي والمحيطات والمجاري والغابات والصفائح الجليدية، فضلاً عن تقليص التنوع البيولوجي حتى إن العديد من العلماء الآن يعتقدون أن الكوكب دخل حقبة جيولوجية جديدة يطلقون عليها اسم الأنثروبوسين (عصر الإنسان).
يضيف جريجز: وبعد أن أصبحت العواقب البيئية المترتبة على الأنشطة البشرية واضحة بشكل متزايد، فكذلك أصبحت مسؤولية البشرية عن التخفيف من هذه التأثيرات كبيرة. ويشير التقرير التمهيدي الصادر (2014م) عن برنامج أبحاث تغير المناخ في الولايات المتحدة بشأن تغير المناخ.
يشير التقرير الصادر عن برنامج أبحاث تغير المناخ أنه في عام 2012 وحده:
•    انخفض الجليد البحري في القطب الشمالي إلى مستويات غير مسبوقة، حيث ذابت منه مساحة أكبر من الولايات المتحدة.
•    كما ضربت موجات حر غير مسبوقة أستراليا ومناطق أخرى.
•    وضربت فيضانات عارمة الصين واليابان.
•    وشهدت المملكة المتحدة أكثر الأعوام هطولاً للأمطار في تاريخها المسجل.
ويشير جريجز إلى أن الأساليب التي يواجه بها العالم هذه التغيرات تظل غير كافية (انتهى).
ويأتي في مقدمة المشكلات التي يواجهها العالم الآن مشكلة "استنزاف الموارد الطبيعي"، والموارد الطبيعية هي مجموعة المواد والطاقة الموجودة في البيئة، وتشتملُ الموارد الطبيعية على موارد جيولوجية، أي موارد ذات أصل جيولوجي يمكن استخراجها من الأرض وتشمل:
•    المعادن (الألومنيوم والرصاص والخارصين والذهب والفضة وغيرها).
•    الصخور الصـناعية (مواد البناء) وتشـمل الرمل والحصى والحجر الجيري والجرانيت والجبس. وغيرها.
•    موارد الطاقة من فحم وغاز طبيعي وبترول .
•    بالإضافة إلى المياه الجوفية كمصدر مهم للحياة.
ومعظم الموارد الجيولوجية هي موارد غير متجددة إذ أن معدل استهلاكها يفوق معدل تكوّنها باستثناء المياه الجوفية لإمكانية تجددها بمياه الأمطار، والفلزات لكونها قابلة للتدوير أي يمكن إعادة تصنيعها (تتجدد صناعياً) بالإضافة إلى طاقة الحرارة الجوفية بوصفها مصدراً متجدداً للطاقة. وتدخل هذه الموارد الجيولوجية في جميع أنواع الصناعة التي تعرفها، بدءاً من البلاط وانتهاءً بالدواء، فقلم الرصاص الذي تستخدمه، يتكون من موارد جيولوجية، والأجهزة الكهربائية والحواسيب والصناعات الحربية والمركبات الفضائية، جميعها مصدرها الموارد الجيولوجية.
أما الموارد البيولوجية فتشمل الثروات النباتية والحيوانية، وتعد هذه الموارد متجددة لإمكانية توافرها في البيئة نتيجة تجددها طبيعياً.
كما تشتمل الموارد الطبيعية على موارد طاقة متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المياه (الطاقة الهيدروليكية).
وتتعرض الموارد غير المتجددة في العالم إلى نضوب، ولذلك لجأت دول العالم إلى إيجاد حلول لها، مثل تطوير تكنولوجيات معينة قادرة على استخدام الموارد المتاحة بكفاءة عالية، والاعتماد على موارد الطاقة المتجددة.
كما تتعرض الموارد المتجددة إلى استنـزاف وبخاصة الثروة النباتية والحيوانية والتربة والفلزات، وهو ناتج عن استهلاك هذه الموارد بمعدل يفوق معدل تجددها طبيعياً أو صناعياً.
ومن كل هذه المشكلات مجتمعة نشأت الحاجة للتنمية المستدامة في العقد قبل الأخير من القرن الماضي لمواجهة استنزاف الموارد والحفاظ على حق الأجيال القادمة في الاستفادة من هذه الموارد.

مفهوم التنمية المستدامة
(Sustainable Development)

كما أشرنا تهدف التنمية المستدامة إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية واستثمارها بشكل مناسب لا يستنزفها بما يضمن حق الأجيال القادمة في الاستفادة منها لسد احتياجاتها. ولقد كان مفهوم التنمية المستدامة مفهوما بيئيا في البداية إلا أنه تتطور وأصبح مفهوما تنمويا وفقا للشكل المرفق.
ويوضح الشكل أن التنمية تقوم على ثلاثة محاور الاجتماعي (الإنساني) والاقتصادي والبيئي.


1)    تحترم الموارد الطبيعية (اقتصاد).
2)    تحترم النظم البيئية (بيئة).
3)    تدعم الحياة على الأرض (اجتماعي).
أي أنها تضمن الناحية الاقتصادية دون نسيان الهدف الاجتماعي (مكافحة الفقر والبطالة وعدم المساواة ، والبحث عن العدالة) وكذا النظم البيئية.
كما يتضح من الشكل أن تكامل هذه الدوائر الثلاث يجعل التنمية المستدامة عادلة وممكنة وقابلة للنمو، ثم يأتي في قلب هذه التقاطعات (التكامل) بعد الاستدامة والذي لا يتحقق إذا فقد أيا من هذه الأبعاد الستة.
ومفهوم الاستدامة مفهوم قرآني يتجلى في خلقه سبحانه، فلقد حفظ الله البشر بالتناسل وتشريع الزواج منذ عهد آدم عليه السلام وإلى أن تقوم الساعة وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف، وكذلك الحيوان خلق سبحانه من كل منه زوجين الذكر والأنثى ضمانا للتناسل واستمرار النوع.
واستدامة النبات والثمرات، "وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" ( 3 - الرعد) ومن حكمته سبحانه أننا نأكل الثمرة ولا نأكل البذرة أو النواة التي بها واللازمة لإعادة زرع الأشجار والنخيل، ومن حكمته سبحانه أخذا بأسباب استدامة الخلق أن سخر الريح والنحل وغيرها لنقل حبوب اللقاح للنبات استمرارا لإنباته.
وبالنسبة للموارد فإن كل ما في الأرض مسخر للإنسان وفقا للآية الحاكمة للعمران البشري (هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هود ٦١، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) البقرة، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) الأعراف، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) إبراهيم، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) النحل، والقرآن الكريم مليء بآيات الموارد الطبيعية التي سخرها سبحانه للبشر لكي يعمروا الأرض وفقا للتكليف الذي أنزل به آدم عليه السلام للأرض.
والمخاطر والكوارث البيئية جعلها الله لأغراض ثلاثة: الحفاظ على اتزان الأرض وعقاب للكفار ومن يجحد نعمه وابتلاء للمؤمنين، وعلينا أن نلتمس الحكمة في التعامل معها.
ونشير هنا إلى البعض منها، فعلى سبيل المثال لا الحصر تعرض القرآن الكريم لخطر انهيار جسور الأنهار وشواطئ البحار إضافة إلى مخاطر الرياح في الآيات الكريمة وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69) الإسراء، وأشار سبحانه إلى خطورة تأسيس المنشآت على حواف الجسور والميول "أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (109) التوبة.
وأشار سبحانه إلى خطورة التأسيس على التربة الضعيفة في قوله "قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ" (26) النحل، ومن المعلوم أن المنشآت تنهار بسبب القواعد أو الأعمدة - وهو ما يطابق اللفظ القرآني في استخدام كلمة القواعد بمعنى الأساسات وبمعنى الأعمدة – وأن انهيار المنشآت يبدأ بهذه العناصر الإنشائية ثم تخر الأسقف وينهار البنيان بعد ذلك.
كما أشار سبحانه إلى خواص إحدى أنواع التربة المسببة للمشاكل وتحديدا التربة الانتفاشية التي تنتفش (تنتفخ) حال تسرب المياه إليها فترفع المنشأ الذي يعلوها فينهار انهيارا جزئيا بظهور التنميلات والشروخ أو ينهار انهيار كليا فيخر على الأرض "وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" (5) الحج، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) فصلت.
ومن المخاطر البيئية التي يسببها الإنسان وأنشطته غير المنضبطة، ونشير هنا إلى مصر على وجه التحديد: ظاهرة التصحر وهدم أو تدمير الطاقة الحيوية للأرض (التربة والنبات الطبيعي وموارد المياه) - سوء استعمال المياه - الانجراف المائي نتيجة تجمع المياه والأمطار من الجبال المرتفعة وهبوطها إلى الوديان والمناطق الساحلية المنخفضة (السيول) - عمليات تجريف التربة على سواحل البحر والوادي والدلتا - الري بالمياه المخلوطة بمياه الصرف العالية الملوحة دون معالجة - ارتفاع منسوب المياه الأرضية وتعرض الأرض للتملح - الاستخدام المكثف للأسمدة الكيماوية والمبيدات - الزحف العمراني وتآكل الأرض الزراعية - تلوث مياه نهر النيل وفروعه وقنواته وترعه من مخلفات الملاحة النهرية والفنادق والمنشآت على شواطئ النهر و مياه الصرف الزراعي ومخلفات الصناعة - تراكم القمامة في المدن والقرى - عوادم احتراق السيارات - إلقاء مياه الصرف الصحي في البحيرات – ردم مساحات من شواطئ نهر النيل والبحيرات والبحر الأحمر بما يدمر الشعاب المرجانية على سواحله رغم أهميتها في التنمية السياحية.
ولقد تعرض القرآن الكريم لهذا الإفساد في كثير من الآيات الكريمة: "ظَهَرَ الْفَسَادُ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" الروم 41، "وَلا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" الأعراف 56، "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا في الأَرْضِ مُفْسِدِينَ" العنكبوت 36.
وفي القرآن مزيد من هذه الإشارات العلمية المرتبطة بمفهوم الاستدامة والتي تؤكد في مجملها على أن الإنسان هو العنصر الفاعل في التنمية وهو المستهدف منها.

تعريف التنمية المستدامة
(Sustainable Development)


إزاء الأنشطة البشرية المتسارعة في التنمية حدث كثير من المشكلات والمخاطر البيئية والتي استدعت عقد مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية عام 1992م بمدينة ريودي جانيرو بالبرازيل تحت عنوان "قمة الأرض" وأصدر المؤتمر خطة عمل شاملة تحت مسمى "أجندة القرن الحادي والعشرين" تأسس بموجبها لجنة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (UNCSD) وتضمنت عدد من الاتفاقيات الدولية تشمل: حماية التنوع الإحيائي (البيولوجي)، قضايا تغير المناخ، حماية الغابات ومكافحة التصحر.
وتعددت تعريفات التنمية المستدامة طبقا لما يلي:
1)    تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية المستدامة تحت عنوان (مستقبلنا المشترك 1987م) : التنمية المستدامة هي تلبية احتياجات الأجيال الحالية، دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة على الحياة والبقاء".
2)    مؤتمر ريودي جانيرو 1992م: التنمية المستدامة هي إدارة الموارد الاقتصادية بطريقة تحافظ على الموارد والبيئة أو تحسينها لكي تمكن الأجيال المقبلة من أن تعيش حياة كريمة أفضل".
3)    معجم مصطلحات عصر العولمة: التنمية المستدامة هي ذلك النوع من التنمية الذي يأخذ في اعتباره التوازنات والأنساق والبيئة ويحافظ على البيئة الإنسانية نظيفة وقادرة على تجديد مواردها، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى تحسن مستوى معيشة الفرد والمجتمع [إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، 2003 م، ص 157]
4)    تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية 2006م: التنمية المستدامة هي مقاربة شاملة متكاملة للعمليات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية
5)    (Gendron, 2006, P166): التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس أو الإخلال بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.
6)    (SART COGITERRA, ACTU-Environment, N 845317, 2006): تنمية توفق بين التنمية البيئية والاقتصادية والاجتماعية فتنشأ دائرة صالحة بين هذه الأقطاب الثلاثة، فعالة من الناحية الاقتصادية، عادلة من الناحية الاجتماعية وممكنة من الناحية البيئية. إنها التنمية التي تحترم الموارد الطبيعية والنظم البيئية وتدعم الحياة على الأرض وتضمن الناحية الاقتصادية دون نسيان الهدف الاجتماعي والذي يتجلى بمكافحة الفقر والبطالة وعدم المساواة والبحث عن العدالة المجتمعية.
7)    قانون البناء رقم 119 لسنة 2008: إدارة عملية التنمية العمرانية بالاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية المتاحة لتلبية احتياجات الجيل الحاضر، دون التأثير على فرص الأجيال القادمة.
8)    تقرير بورتلاند 2011م: هي التنمية القابلة للاستمرار، الموصولة، المطردة، القابلة للإدامة، التنمية التي لا تتعارض مع البيئة، وتفترض حفظ الأصول الطبيعية لأغراض النمو والتنمية في المستقبل دون الإخلال بقدرة الأجيال القادمة.
9)    ويرى الكاتب أن كل التعريفات السابقة أغفلت عاملا مهما لم تأخذه في الاعتبار وهو ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من خطورة المخاطر والكوارث البيئية المحتمل حدوثها وإلا دمرت هذه المشروعات التنموية ولم يكتب لها الاستدامة (الزلازل – الأعاصير والفيضانات – انزلاقات حواف الجبال – انهيارات جسور الأنهار والسكك الحديدية – الهبوط الأرضي – الكثبان الرملية – التربة المسببة للمشاكل – النحر والترسيب وتآكل شواطئ البحار وقاع وجوانب مجاري الأنهار)

ويتضح مما سبق تعدد تعريفات التنمية المستدامة ونحاول في الجدول المرفق الوصول إلى تعريف جامع يغطي كل جوانب التنمية المستدامة:

وبناء على ما سبق خلصنا إلى التعريف التالي الذي يشمل كل العناصر السابقة:
"التنمية المستدامة هي تنمية تقوم على ثلاثة محاور: بيئية واقتصادية واجتماعية، إذ تستثمر الموارد الطبيعية لصالح الأجيال الحالية دون أن تستنزفها، حفاظا على البيئة، ولتتيح للأجيال القادمة نفس الفرص والاختيارات التي أتيحت لنا، إن لم تزد، ولا تنسى الهدف الاجتماعي فتضمن مكافحة الفقر والبطالة وتحقيق المساواة، وتتخذ الإجراءات اللازمة للحد من خطورة المخاطر والكوارث البيئية المحتمل حدوثها والتي تهدد عمليات التنمية بما يضمن استدامتها.

تساؤلات حول قضية التنمية المستدامة

وتثور العديد من التساؤلات التي تتناول هذا الموضوع المهم والمتعدد الجوانب والتي لا تتسع له هذه المساحة للإجابة عليه:
•    ماهي أهمية تحديد مفهوم وتعريف التنمية المستدامة وما انعكاس ذلك على قضية التنمية بمفهومها الشامل؟
•    ماهي العلاقة بين قضية التنمية المستدامة وهويتنا العربية والإسلامية؟ وهل يتغير مفهوم التنمية المستدامة باختلاف جذورنا الثقافية والحضارية؟
•    هل التنمية هي زيادة الإنتاج وهل مقياس التنمية بتعظيم العائد المادي هو المقياس الوحيد؟
•    هل التنمية هي استخدام التكنولوجيا المتقدمة ؟
•    هل التنمية هي اللحاق بالدول المتقدمة ؟
•    نطاق التنمية المطلوبة .. هل مطلوب تحقيقها على المستوى الوطني أم المستوى الإقليمي أو العربي أم المستوى الإسلامي؟

المعجمية - التنمية والرمز بالأسماء للمسميات

وقبل أن أنتهي من هذه المقدمة التي طالت واستطالت فليسمح لي الأستاذ الدكتور خالد فهمي والقراء الكرام بكلمات قليلة حول المعجمية.
إن أول معجم في تاريخ البشرية وضعه خالق الكون سبحانه وعلمه آدم أبو البشر عليه السلام ليكون خليفة في الأرض، "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) " البقرة
وميزه الله سبحانه بمعجم الأسماء عن الملائكة فأمرهم بالسجود له "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)" البقرة
الميزة هي أن الله خلق آدم وأهله لتعلم الأسماء ولم يؤهل الملائكة لتعلمها لحكمة يعلمها هو، لذا فقد علم آدم الأسماء ولم يعلمها للملائكة لأنه يعلم أنه خلقهم غير مؤهلين لتعلمها.
إن الله خلق آدم ليستخلفه في الأرض، ومنحه المعرفة الضرورية لعمارة هذه الأرض "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)" هود.
يقول الشيخ سيد قطب صاحب الظلال رحمه الله: لقد خفيت عليهم – أي الملائكة - حكمة المشيئة العليا، في بناء هذه الأرض وعمارتها، وفي تنمية الحياة وتنويعها، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها، على يد خليفة الله في أرضه. هذا الذي قد يفسد أحيانا، وقد يسفك الدماء أحيانا، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل. خير النمو الدائم، والرقي الدائم. خير الحركة الهادمة البانية. خير المحاولة التي لا تكف، والتطلع الذي لا يقف، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير.
ويضيف: ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى.. ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري، وهو يسلمه مقاليد الخلافة. سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات. سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة. وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض. ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى، لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، والمشقة في التفاهم والتعامل، حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهمو بشأنه.. الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة! الشأن شأن جبل. فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس ... إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات.
فأما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية، لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم. ومن ثم لم توهب لهم. فلما علم الله آدم هذا السر، وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء. لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص.. وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم، والاعتراف بعجزهم، والإقرار بحدود علمهم، وهو ما علمهم.. وعرف آدم .. ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: "قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) " البقرة.
ويقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير: وتعليم الله تعالى آدم الأسماء إما بطريقة التلقين بعرض المسمى عليه، فإذا أراه لقن اسمه بصوت مخلوق يسمعه فيعلم أن ذلك اللفظ دال على تلك الذات بعلم ضروري. أو يكون التعليم بإلقاء علم ضروري في نفس آدم بحيث يخطر في ذهنه اسم شيء عندما يعرض عليه فيضع له اسما بأن ألهمه وضع الأسماء للأشياء ليمكنه أن يفيد بها غيره وذلك بأن خلق قوة النطق فيه وجعله قادرا على وضع اللغة كما قال تعالى " خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)" الرحمن، وجميع ذلك تعليم؛ فلا ينحصر في التلقين وإن تبادر فيه عرفا.
ويضيف الشيخ محمد الطاهر: وأيا ما كانت كيفية التعليم فقد كان سببا لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه بقوة النطق وإحداث الموضوعات اللغوية للتعبير عما في الضمير. وكان ذلك أيضا سببا لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم على بعض بما ينشأ عن النطق من استفادة المجهول من المعلوم وهو مبدأ العلوم، فالإنسان لما خلق ناطقا معبرا عما في ضميره فقد خلق مدركا أي عالما، وقد خلق معلما، وهذا أصل نشأة العلوم والقوانين وتفاريعها لأنك إذا نظرت إلى المعارف كلها وجدتها وضع أسماء لمسميات وتعريف معاني تلك الأسماء وتحديدها لتسهيل إيصال ما يحصل في الذهن إلى ذهن الغير. وكلا الأمرين قد حرمه بقية أنواع الحيوان
*****

إسهام المعجمية العربية المختصة في تعزيز قضايا التنمية المستدامة

كما أشرت في البداية أنني استقبلت بمزيد من الاهتمام والامتنان والتردد دعوة أخي الكريم والعالم الجليل الأستاذ الدكتور خالد فهمي بأن يكون لي إسهام في كتابه الجديد – والمتجدد والمستدام إن شاء الله – وأنه تكليف ثقيل أن يقوم شخصي الضعيف بهذا الإسهام في كتاب لقامة كبيرة مثل الأستاذ الدكتور خالد فهمي، ورغم ترددي تخوفا من ثقل المسئولية إلا أنني لم أملك إلا أن أستجيب داعيا الله أن أكون عند حسن ظنه وألا أفسد كتابه البديع في مادته وصياغته.
الأستاذ الدكتور خالد فهمي في هذا الكتاب يتابع حمل التكليف الذي حمله أبو البشر آدم عليه السلام في معرفة الأسماء والرمز بالأسماء للمسميات ليقوم الإنسان بدوره الذي أعده الله له في بناء الأرض وعمارتها، وفي تنمية مواردها والحفاظ عليها لخيره وخير البشر من بعده، أمانة تحملها أجيال ومن ورائها أجيال وقدر للدكتور خالد بما هو أهل له أن يكون من حملة لواء المعجمية في هذه القضية الحالة والتي تمثل المحور الأساسي في قضية العمران البشري التي أبدعها فقيهنا الشيخ ابن خلدون.
    يقف الدكتور خالد بكتابه البديع هذا على ثغرة من الثغرات يسد بها حاجة قوية من حاجات المكتبة العربية، وهو أهل لهذا بحمد الله وفضله فكان هذا الكتاب القيم الذي بين أيدينا.
    يتناول الكتاب قضايا مهمة ويتعرض لكافة تخصصات المعاجم التي تتناول قضية التنمية بما لا يدع شاردة ولا واردة إلا أحصاها.
    عمل ضخم ينوء بحمله المؤسسات وقد آل الأستاذ الدكتور خالد فهمي على نفسه إلا أن يحمله منفردا وينجزه بفضل من الله وتوفيقه، ندعو الله أن يكون سائر عمله في ميزان حسناته، وأن يكون من العلم الذي ينتفع به، وأن يكون شفيعا له عند الله سبحانه فيتقبله قبولا حسنا ويسكنه فسيح جناته، داعيا الله أن يجمعنا به على خير في الدنيا والآخرة
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

دكتور مجدي قرقر
رئيس قسم التخطيط البيئي والبنية الأساسية السابق
كلية التخطيط العمراني – جامعة القاهرة
القاهرة – 8 ديسمبر 2018

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2019

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers