Responsive image

15º

20
أكتوبر

الأحد

26º

20
أكتوبر

الأحد

 خبر عاجل
  • حريق هائل في أحد فنادق «خليج مكادي» بالغردقة.. واصابة عدد من النزلاء
     منذ 10 ساعة
  • مقتل امرأتين وإصابة 8 إثر قصف للجيش استهدف قرية أبوالعراج في مدينة الشيخ زويد
     منذ 13 ساعة
  • الجيش اللبناني: نتضامن مع مطالب المتظاهرين المحقة وندعوهم إلى التجاوب مع القوى الأمنية لتسهيل أمور المواطنين
     منذ 20 ساعة
  • نصر الله: على جميع الأطراف أن تتعاون وتتصرف بمسؤولية لنتخطى هذه الأزمة ولن نسمح لأحد بإغراق هذا البلد أو تمزيقه
     منذ 22 ساعة
  • نصر الله: من يتخلى عن المسؤولية يجب أن يحاكم وخصوصا من أوصلوا البلد إلى الوضع الراهن
     منذ 22 ساعة
  • نصر الله: من يتخلى عن المسؤولية يجب أن يحاكم وخصوصا من أوصلوا البلد إلى الوضع الراهن
     منذ 22 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:32 صباحاً


الشروق

5:54 صباحاً


الظهر

11:40 صباحاً


العصر

2:54 مساءاً


المغرب

5:25 مساءاً


العشاء

6:55 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

ما بعد إسرائيل!

منذ 247 يوم
عدد القراءات: 2771
ما بعد إسرائيل!

حسين قاسم
"ما بعد إسرئيل- نحو تحوّلٍ ثقافي "كتابٌ لمارسيللو سفيرسكي" لم يحْظَ بالإهتمام اللازم في الإعلام العربي على الرغم من أنه يمثّلُ، بنظري، واحداً من أهم مؤلّفات الباحثين من الداخل الإسرائيلي. إنه بحثُ أكاديمي يتجاوز نقد الممارسات الصهيونية الإضطهادية ومساءلة مُرتكبيها ليصل إلى مُساءلة نشوء إسرائيل والأهم من كل ذلك يذهب للبحث عن "ما بعد إسرائيل" وكيف يمكن تحقيق ذلك.

 كتاب "ما بعد إسرائيل"
كتاب "ما بعد إسرائيل"
أن يصل كاتب إسرائيلي للبحث في "ما بعد إسرائيل" يعني أن عمليةً مُعقّدة وشاقة قد حصلت بداخله وحدّدت خياره الإستثنائي. لا أدري حجم المُعاناة الذي تعرّض له، ولا المدة الزمنية التي استغرقها لكي يتغلّبَ على ذاتيّته المُضْطَّهِدة، الذاتية الصهيونية، التي ترى في القتل والتهجيروالتمييز العنصري  مقوّمات لحياتها واستقرارها وتطوّرها. لكني على يقين من أن إقدامه على هذه الخطوة الجريئة ما كان ليحصل لو لم يكن لقِيَم الخير والإنصاف والعدل مكانة مميّزة بداخله، وكذلك لو لم يكن أكاديميّاً موضوعيّاً ومثقّفاً عضويّاً (بحسب تعريف غرامشي).لا شك أنها كانت تجربة صعبة جداً من مستوى "أكونُ أو لا أكون"، فالتفاعل الداخلي في مرحلة التحوّل من ذاتية الى أخرى يؤجّج الصراع في النفس التي تصبح مسرحَ عمليّات كرٍ وفر بين الذاتيّتين إلى أن تنتصر واحدة على أخرى. من الأمثلة المُعبّرة عن هذه الحال قصة روبرت كوهين الذي استجمع كل قواه، بعد أخذٍ ورد، ليحسم أمرَه ويُعلن للملأً التالي: "إنّي أتخلّى عن حقي القومي اليهودي بتقرير المصير.... يا إلهي!!! ...لقد فعلتها ولم أُصب بأذى.... مازلت موجوداً...مازلت يهوديّاً"**. مشهد بالغ الأهمية يوضّح شدّة الصراع الداخلي لدى كوهين الذي استطاع حسم الأمر بعد أن توصّل إلى أن"الحق القومي" هذا ليس سوى الصهيونية بعينها وكان قد أُسقِطَ على اليهود اعتباطاً ويجب التحرّر منه، وهذا ما نجح فيه أخيراً.

يمتاز الكتاب بثلاثة أشياء لا بدّ من التنويه بها وهي:

- المقدّمة الخلدونية (نسبة لإبن خلدون). أسميتها خلدونية ليس فقط بسبب استحواذها على مساحة كبيرة من الكتاب (5:1)، وإنما أيضاً، وهذا الأهم، لأن الكاتب، مُستعيناً بمفكّرين مثل غوتاري وديلوز ورولنك وفوكو وغيرهم، وضع فيها أساساً نظريّاً عامّاً، بنى عليه دراسته لواقع ثقافي خاص في إسرائيل. يضفي هذا الأمر مزيداً من الموضوعية على الكتاب ويجعله أكثر متانة ويعطيه بُعداً عالمياً يمكن الإستفادة منه في دراسة مجتمعات أخرى.

- العنوان، وهو جريء ويزخر بالتحدّي، لكن اللافت للنظر أكثر أن من اقترحه هو إبن المؤلّف اليافع، ممّا يدل على أن إيغال المجتمع الصهيوني في التطرّف والتعصُّب لم يغلق الباب تماماً أمام بروز أصواتٍ معارضة للمشروع الصهيوني تسعى إلى "ما بعد إسرائيل".

- البيان، وهو عبارة عن إعلان موقفٍ سياسي كان يمكن أن يتحاشاه كأكاديمي، لكن بما أنه "مثقفٌ عضوي" كان لا بدّ من أن لا يكون محايداً وأن يُحدّد موقفاً يتناسب مع نتائج الدراسة التي أجراها. اللافت أن سفيرسكي خصّص للبيان باباً منفصلاً وضعه قبل المقدّمة ليسلّط مزيداً من الضوء عليه.

"إسرائيل فكرة سيّئة منذ تبنيّها". بهذه الصراحة والقوّة يبدأ الكاتب تلاوة بيانه لأن"إحلال وطنٍ قومي مكان وطنٍ أصلي (لشعبٍ آخر) فكرةٌ سيّئة على الدوام". نرى هنا أن هذا الموقف ليس محصوراً بالمشروع الصهيوني في فلسطين وإنما جاء بناءً على قناعة بأن فكرة الإستيطان وإستحداث دولٍ قومية على أراضي الآخرين يجب أن تكون منبوذة. ربما أراد من وراء ذلك  أن يربط فكرة إقامة دولة ليهود العالم، على أرضٍ سكانها أصليّون متجذّرون فيها على مدى قرونٍ طويلة، بفكرة الإستعمار الإستيطاني في القارة الأميركية وأستراليا وجنوب أفريقيا والإضطهاد الذي لحق بالسكان الأصليين من إبادة وتطهير عِرقي وتمييزٍ عنصري.

- الخاتمة، وهي تطبيق عملي للبيان المذكور وقد اختار لها عنواناً مليئاً بالتحدّي- "ألف إنتهاك". ربما أراد بذلك أن يعطي أهمية إضافية للتمرّد على الذاتية الصهيونية عِلماً أنه قدّم إقتراحات من هذا القبيل في متن الكتاب عندما تناول الشخصيّات الصهيونية قيد البحث. هنا، لم يكتفِ "المثقّف العضوي" بإعلان موقفه،  بل ذهب لاقتراح خطوات عملية لتجاوز الذاتية الصهيونية نحو ذاتية "طبيعية" صالحة لبناء مجتمع جديد في فلسطين التاريخية.

الإشكالية التي يطرحها الكتاب

يستخدم الكاتب مفهوم "الذاتيةSubjectivity -" ليشخّص الإشكالية قيد البحث وليقترح العلاج المناسب. لذلك لا بدّ من توضيح معنى هذا المُصطلح وخاصة أنه غير منتشر في الأدبيات العربية وقد يُثير بعض الإلتباس. الذاتية بمعناها المُبسّط هي مجموع الأفكار والمُعتقدات والمشاعر والرغبات التي تشكّل هوية الشخص الخاصة وتُمارَس عن وعي.

نجحت الحركة الصهيونية/إسرائيل في صوغ ذاتية يهودية-إسرائيلية إضطهادية وعنصرية تقود المجتمع الإسرائيلي نحو أفقٍ مسدود. لذلك يرى الكاتب أن أيّ حلٍ سياسي لا يستند إلى "إصلاح" هذه الذاتية مصيره الفشل، "إذ لا بدّ من التخلّص من أنماط الحياة ونماذج الوجود التي نُسِجَت وشُكِّلت في القرن الصهيوني" لأنها تمثّلُ الحرب المستمرة ضد جميع سكان المنطقة. لفَهْم كيف يتحوّل اليهودي الإسرائيلي إلى بطلٍ في روايات الإضطهاد ومُندمجاً بكل جوارحه بهذا الدور يركّز الكاتب على شخصيّات يعتبرها أساسية في نسج الرواية ورسم شخصية البطل. هذه الشخصيات هي: المُتَنَزِّه/ المُتجوِّل في الطبيعة الجبلية(The Hiker) ، المُعلّم(The Teacher) ، الوالدان /الأهل (the Parent)، المقترع(The voter) ، وتقوم بدورها بشكل مُتناغم فتكمّل بعضها البعض في المهمة التي أوكِلَت لكلٍ منها من قِبَل المشروع الصهيوني.

التجوّل في الطبيعة ليس للمتعة وإنما لربط اليهودي الإسرائيلي بالأرض وجعله يُقبِل بحماسة شديدة على  طرد مالكيها الأصليين والإستيلاء عليها وكأنّهم كانوا قد سلبوها منه. أما المعلّم، وبخلاف دوره المعتاد في بناء وعيٍ مُتميّز وعقلٍ نقدي لدى طلاب المدارس، فإن دوره في إسرائيل هو بناء جيل قابلٍ لجميع أفعال إسرائيل وغير منتقدٍ لممارساتها مهما كانت إجرامية ومُنتهكة لحقوق الإنسان ما دام الضحية هو الآخر. كما يأتي دور الوالدين ليصبّ في نفس الإتجاه إذ عليهما تهيئة أبنائهم ليكونوا جنوداً في جيشٍ يهدّد حياتهم ويدرّبهم ليكونوا متحمّسين لحرمان آخرين من الحياة. ثم يأتي دور المُقترع كمشارك في الإنتخابات لإضفاء صفة الديمقراطية على كيان إستيطاني وإظهاره كدولة ديمقراطية في محيط من الدول الدكتاتورية والقمعية، والتغطية على أن هذه الميزة ما هي إلا ديمقراطية فئة على حساب فئةٍ أخرى، ديمقراطية مجتمع إستيطاني عنصري ينتهك كل حقوق السكان الأصليين. تتناغم "أصوات" هذه الشخصيّات وكأنها خارجة من فمٍ واحد. فمٌ واحد يقول "نحن"؛ نادراً ما يتكلّم اليهود الإسرائيليون بصيغة المفرد، و"نحن"  ما هي إلّا إختصارٌ ل "من دون آخرين". لهذا يدعو المؤلّف إلى تحوّل ثقافي في المجتمع اليهودي الإسرائيلي مضاد لما تقوم بها هذه الشخصيّات.

بنتيجة هذه الذاتية الصهيونية "اختار معظم اليهود الإسرائيليون، عن وعي أو غير وعي، أن يتعايشوا بسلام مع كلِّ ما يتسبّبون فيه لغيرهم من أذى وبؤس، وباتت أفعالهم الإضطهادية روتينية وعواقبها ليست محل اعتبار." لقد طوّروا عازلاً (تفلون- Teflon coating) يمنعهم من أن يراجعوا أنفسهم ويتغيّروا، وكذلك "يحافظ لديهم على بقاء شعور الدفاع عن النفس بواسطة بناء آليّات عاطفية وخطابية تساعدهم للتعايش بسلام مع أيّ نقد لأفعالهم ممّا يجعلهم يواصلون ارتكاب هذه الأفعال من دون انقطاع....إنّهم لا يدركون كيف حوّلهم النمط الإجتماعي الصهيوني إلى مُضطّهِدين ولديهم استعداد نفسي لتبرير أفعالهم مهما كانت أضرارها." مع نجاح الصهيونية في تعميم هذا النوع من الذاتية اعتبر سفيرسكي أن إسرائيل باتت مهووسة بالقتل والتدمير، وأن المسار الذي خطّه الإسرائيليّون لأنفسهم سيؤدّي بهم حتماً لتكرار مشهد إنتحار شمشوم، شمشوم الذي صرخ في ذروة هذا المشهد "دعوني أموت مع الفلسطينيين". لا مخرج من هذا المأزق إلا ببناء أنماط وجودٍ جديدة تنزع الإسرائيلي من روابطه الحالية التي تفرض عليه هذا النوع من الممارسات والمواقف. هذا ممكن، بحسب سفيرسكي، فالذاتية التي تشكّلها الظروف المُعيّنة ليست مُعطىً نهائيّاً وهي قابلة للتغيير تحت تأثير التّدخُّل الواعي المناسب.

لا يمكن بناء النمط الجديد، كما يرى سفيرسكي، بالإكتفاء بالشعور بالذنب جرّاء الأذى الذي تسبّبوا فيه لغيرهم، إذ لا بدّ من الإرتقاء وصولاً للشعور بالخجل. الفارق بين هذين الشعورين، أن الأول يقرُّ بخطإٍ في تصرُّفٍ معيّن ولا يستدعي تغييراً في الذاتية، بينما الثاني يُعيد الشخص الى ذاتيته ليسائلها ويبحث عن الخلل الذي جعله يرتكب هذا الخطأ، ليُعيد بعد ذلك صوغ ذاتيته بما يكفل عدم تكرار فعل الخطأ. بتعبير آخر، يدعو المؤلف إلى تجاوز الذاتية الصهيونية-الإسرائيلية وتشكيل ذاتية مجتمع/مواطن فلسطين التاريخية. الإعتراف بالذنب وحده لا يكفي لأن الإسرائيليين، في أعماقهم، لا يعتبرون أن ممارساتهم التي تستوجب النقد هي تعبيرٌ عن ذاتيتهم التي اكتسبوها من خلال وسائل الإضطهاد التي جعلتهم صهيونيين ممارسين. يقرّ البعض بالممارسات الخاطئه لكنهم يظلّون متصالحين مع المجتمع السياسي الذي يعيشون فيه ويعتبرونه ممثّلاً لهم ولطموحاتهم.هم لا يسائلون الإمتيازات التي يتمتّعون بها ولا يسائلون رغبتهم في المشاركة في إنتاج المأساة التي تجعل من إسرائيل دولة مُضادّة للحياة.

حل المُعضلة

لم يتوقّف الكاتب والمثقف العضوي في مسعاه عند تشخيص الحال الإسرائيلية بل ذهب نحو البحث عن حلٍ للمعضلة القائمة ووصف العلاج المناسب. هو يرى أن الحل الفعلي يبدأ بالتركيز على العمليّات التي بواسطتها يصبح اليهود الإسرائيليّون صهيونيين مُضطّهِدين بدل التركيز على الممارسات الإضطهادية تجاه الغير بعينها.الكاتب هنا، كالطبيب الماهر، يذهب إلى معالجة المرض لا عوارضه فقط.

بداية، لا بد من إحداث خرقٍ في درع الدفاع  (عازل التفلون)، الذي وضعته الصهيونية حول مجتمع اليهود الإسرائيليين. لإنجاز هذه المهمة يقترح الكاتب القيام بممارسات تنتهك الأسس التي تُنشِئ الصهيونية الإسرائيليين عليها والوسائل المستخدمة في قَوْلَبَتهم على النحو القائم.

الإنتهاك ليس مجرّد رفضٍ للإسقاطات والإملاءات الصهيونية، و إنما عملية خلق بدائل مُضادّة تعمل على تقويض المنطق الصهيوني وتؤسّس لبناء ذاتية جديدة وبالتالي إنجاز التحوّل الثقافي المنشود. مثالاً على ذلك، يمكن القيام بالتجوّل في القرى الفلسطينية التي دُمّرَت في 47-48؛وإذا كان التجوّل "الصهيوني" في الطبيعة يهدف إلى ربط اليهوديَّ بالأرض باعتبارها حقّاً له حتى لو كانت وطناً لغيره، فإن التجوّل في القرى المدمّرة يساعد في فتح العيون على أن شعباً كان يسكن فيها وأنها كانت ملكاً له وقد تم طرده وتدمير ممتلكاته. يذهب سفيرسكي الى أبعد من ذلك عند تعرّضه للهولوكوست فيقتبس من بواز إفرون (Boaz Evron) جملة مُعبّرة جداً: "شيئان فظيعان حدثا للشعب اليهودي في هذا القرن: الهولوكوست والدروس التي تعلّمناها منها." ولكثرة ما يتم إستغلال المحرقة إستغلالاً بشعاً يضيف سفيرسكي: "جميعنا بحاجة إلى مَن يأتي ويسرق محرقتنا" كما فعلت تلك الطفلة الفلسطينية الصغيرة التي توقّفت أمام الضابط الإسرائيلي نوعام شاووط ((Noam Chayut- أحد مؤسّسي "كسر الصمت"-، أثناء إحدى العمليات العدوانية على إحدى القرى الفلسطينية، خائفة ونظرت إليه للحظات فأصابت سهام براءتها قلب الإنسان فيه ثم ولّت هاربة واختفت خلف الأشجار، فأحسّ أنها قد "سلبت" منه الهولوكوست: إذ شعر في هذه اللحظة أنه يرتكب نفس الجريمة بحق آخرين لا علاقة لهم بجريمة المحرقة. حدث الخرق في "العازل " فاستعاد عقله وقلبه وإنسانيته فكانت بداية إنسان جديد.

إضافة لما تقدّم، يعتقد سفيرسكي أن عملية التحوّل الثقافي ليست معزولة عن نضال الفلسطينيين أنفسهم فيدعو اليهود الإسرائيليين إلى أن يتخذوا من أهداف الشعب الفلسطيني وطموحاته أهدافاً لأنفسهم وأن ينخرطوا في حملة المقاطعة والنضال الفلسطيني العام ضد الإستيطان من أجل تخليص المنطقة وشعبها من عبء الصهيونية ووحشيّتها.

بعد قراءة الكتاب سيطر على ذهني التساؤل التالي: هل ما يقترحه المؤلف قابلٌ للتطبيق والنجاح؟ أليس طرحه مثاليا؟ والتساؤل هنا لا يعني أبداً رفض هكذا طرح وإنما حرصاً على إيجاد السبل الواقعية للسير باتجاه هذا النوع من الأهداف الإنسانية حتى لو كانت مثالية. المشكلة في هكذا قضايا أن مَن يصنع الأحداث والتاريخ هم فئة محدودة تملك مقدّرات غير محدودة ومجابهتها تتطلّب جهداً هائلاً وتضحيات جسيمة. هذا لا يعني أن تحقيق إنجاز على هذا الطريق مستحيل، لكن لا بد من التحضير لعملٍ شاق ودؤوب.

لحل أيّ صراع أو مشكلة لا بد من مشاركة جميع الأطراف المعنية في هذا الحل. لكن هذا الكتاب موجّه لليهود الإسرائيليين ولم يتعرّض المؤلّف لطرف الصراع المحلّي الآخر (الفلسطيني والعربي) ودوره في الوصول للحل المنشود ومن ضمنه التحوّل الثقافي.ربما متطلّبات البحث الأكاديمي أملت على الكاتب التركيز على هذا الجانب إضافة الى أن ما من عملٍ قادر أن يحيط إحاطة كاملة بالموضوع قيد البحث وعلى عاتق آخرين تقع مهمة إستكمال هذا العمل.    

عالج سفيرسكي في هذا الكتاب الذاتية اليهودية الإسرائيلية التي تشكّلت بحسب المواصفات الصهيونية لتكون مُضطّهِدة وقمعية تمارس الإحتلال والقتل والتدمير والتطهير العِرقي من دون أن تشعر بالذنب أو الخجل وفي نفس الوقت تحرص على إظهار أنها مهدّدة على الدوام من قِبَل جيرانها المُتأهبّين للإنقضاض عليها مستغلّة إستغلالاً بشعاً المحرقة كواحدة من أهم وسائل جذب التعاطف وحشد التأييد. نجحت الصهيونية في صناعة ذاتية موحَّدة من ذاتيّات مختلفة متحدّرة من أصول وثقافات متعدّدة.

في المقابل، الذاتية العربية ومن ضمنها الفلسطينية كانت، وما زالت، غير موحّدة ومُشتتّةلا بل هي ذاتيّات مُتصارعة برزت في أبشع صوَرها في الأحداث التي عصفت في معظم البلاد العربية. هي كذلك لأنها تشكّلت تحت تأثير عوامل وعناصر مختلفة لا بل مُتناقضة. لذلك قد يكون صعباً الحديث عن ذاتية طاغية (أكثرية) في الجانب الفلسطيني تعمل لمشروع موحّد لتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية وربّما هنا يكمن الفشل الرئيسي للمرجعية الفلسطينية. يستحقُّ هذا الموضوع معالجة مُعمّقة على أمل العودة إليه لاحقاً.

المصدر : الميادين نت

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2019

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers