Responsive image

16º

22
سبتمبر

السبت

26º

22
سبتمبر

السبت

 خبر عاجل
  • تنظيم "النضال" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على العرض العسكري بإيران
     منذ 7 دقيقة
  • مصرع اثنين وإصابة 2 آخرين فى انهيار عقار بشبرا مصر
     منذ 8 دقيقة
  • وفد أمني مصري يصل غزة لبحث المصالحة مع حركة "حماس"
     منذ 2 ساعة
  • انطلاق أول عملية عسكرية لتطهير الصحراء العراقية
     منذ 2 ساعة
  • ارتفاع ضحايا الهجوم الذي استهدف عرضًا عسكريًا في منطقة الأهواز جنوبي إيران إلى 24 قتيلًا و53 جريحًا
     منذ 2 ساعة
  • ظريف: "نحمل داعمي الإرهاب في المنطقة والأمريكان مسئولية هجوم الأهواز"
     منذ 2 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:15 صباحاً


الشروق

6:38 صباحاً


الظهر

12:48 مساءاً


العصر

4:16 مساءاً


المغرب

6:57 مساءاً


العشاء

8:27 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

دراسة فى فقه الدلالات والمقاصد

من أسرار الحج

كتب: د. يحيى رضا جاد
منذ 2034 يوم
عدد القراءات: 5483

لـمّا آل أمر المسلمين -مع الأسف- إلى التخلف العام فى الدين والدنيا، أصبحت العبادات مجرد رسوم وشكليات لا تكاد تتجاوز الأداء والحركات والسكنات.. مما دفعنى إلى كتابة هذا البحث عن عبادة الحج، أحد أركان الإسلام العظيمة؛ راجيا به انتشال نفسى، وغيرى، من (شَرَك الشكلية فى العبادة)، ومن (مستنقع الجفاف الروحى)، ومن (بِركة الركود العقلى).. فلنبدأ باسم الله:

أولاً- الحكمة من الحج بشد الرحال إلى المسجد الحرام
قد يقول قائل: «لماذا نتكبد المشاق لنذهب إلى الله فى رحلة الحج؟ لماذا هذه الرحلة المضنية والله معنا، بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد؟ ما الداعى إلى السفر والارتحال لنقف فوق عرفة ندعوه فيها وهو القائل: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ» (البقرة: 186)؟!».
فأقول:
1- الحقيقة أن الله (قريب منا) حقا وصدقا، ولكننا (مشغولون على الدوام بغيره).. إنه لا يقيم دوننا الحجب، ولكننا نحن الذين نقيم هذه الحجب: نفوسنا -بشواغلها وهمومها وأهوائها- تلفنا فى أغلال كثيفة من الرغبات.. وعقولنا تضرب حولنا نطاقا من الغرور.. وكبرياؤنا يصيبنا بنوع من قصر النظر، بل والعمى فى بعض الأحيان.. فلا نعود -بسبب من ذلك كله- نرى أو نحس بشىء سوى نفوسِنا.
2- شد الرحال إلى مكة، وتكبد المشقات والنفقات، هى وسائل مادية للتخلص من هذه الشواغل، وتفريغ القلب لذكر خالقه، وإيقاظ الحواس على حقيقة القرب القريب من الله جل جلاله.
3- من هنا كانت كلمة (عرفة)؛ فبعد رحلة من ألوف الأميال يتيقظ القلب على (معرفةٍ)؛ فهو (يتعرف) على ربه و(يكتشف) قربه، كما (يتعرف) على نفسه و(يكتشف) بعدها عنه تعالى.
4- والحج فى معناه (خروج).. خروج من دنيانا إلى دنيا الله.. خروج من اعتدادنا بأنفسنا إلى الاعتداد به سبحانه.. خروج من العبودية لـ(الأسباب) -من مال وولد وأرض وعقار ومنصب وسلطة ونفوذ وجاه- إلى العبودية لـ(خالق الأسباب).. خروج من حولنا وقوتنا الموهومتين إلى حوله وقوته المتيقنتين.. خروج من إرادتنا إلى إرادته، ومن رغبتنا إلى رغبته(*).

ثانيا- من أسرار ثياب الإحرام
1- إن ثياب الإحرام البيضاء التى نرتديها على اللحم، والتى يشترط أن تكون غير مخيطة، هى رمز الوحدة الكبرى التى تذوب فيها الأجناس، ويتساوى فيها الفقير والغنى؛ لأن فى هذا الثوب البسيط معنى الأخوة والمساواة برغم تفاوت المراتب والثروات.
2- وهى رمز للخروج من زينة الحياة الدنيا.. تماما كما نأتى إلى الدنيا فى «لفة»، ونخرج منها فى «لفة».
3- وهى رمز للتجرد التام أمام حضرة الخالق؛ لأننا أمام الله لا نكاد نساوى شيئا، بل نحن بالنسبة إليه سبحانه: لا شىء.. فعلينا أن نخلع كل ثياب الغرور والزينة، متجردين من شهوات النفس والهوى، حابسين إياها: عن كل ما سوى الله، وعلى التفكير فى جلاله.. وما التلبية بعد الإحرام إلا شهادة على النفس بهذا التجرد، وبالتزام الطاعة لله، وامتثال أوامره.
4- وثياب الإحرام ثوب من قطعتين؛ رمزا لستر العورة الظاهرة، وستر العورة الباطنة.. الأولى: حياءً من الخلق، والثانية: حياءً من الخالق.. حياء من سوء الخلق الظاهر الذى تعرفه الناس، وحياء من العورة الباطنة -عورة القلوب والنفوس والشهوات- التى لا يراها، ولا يطلع عليها، إلا الله.

ثالثا- من أسرار الطواف حول الكعبة
1- إن المسجد الحرام –أقصد كعبته- هو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله.. ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا المكان (رمزا قدسيا)، أصبح (بيتا لله)، بل إن شئتَ قلتَ: أصبح (عَلَمَ الله المركوز فى أرضه).. ومن ثم، نحن نطوف حوله تعظيما لله، متبعين فى ذلك سننه وقوانينه الكونية؛ ألا تلاحظ معى -فى قوانين المادة وسننها التى اكتشفها الإنسان- أن (الأصغر) يطوف حول (الأكبر)، وأن (الإلكترون) فى الذرة يدور حول (نواتها)، وأن (القمر) يدور حول (الأرض)، وأن (الأرض) تدور حول (الشمس)، وأن (الشمس) تدور حول (المجرة)، وأن (المجرة) تدور حول (مجرة أكبر)... وهكذا إلى أمد لا يعلمه إلا الله.
ومن ثم، فنحن نطوف حول الكعبة (تعظيما لله)، وتأكيدا على أنه سبحانه (مركز الثقل فى حياتنا كلها)؛ فمنه البدء، وبه المسيرة، وإليه المصير.

2- إن الطواف رمز للحب والتعلق الكاملين بالله: شعورا وقولا وفعلا.. فأنت تطوف حول بيته سبحانه بقلبك وعقلك وقدميك.. فما الطواف –فى حقيقته- إلا دوران للقلب والقالب حول قدسية الله؛ صنعَ (المحب) مع (المحبوب المنعِم) الذى تُرى نعمته ولا تُدرك ذاته.
3- وهو رمز لدوران الأعمال حول قطب واحد، واستهداف الحركات والأفكار لهدف واحد: هو الله؛ حيث كل شىء منه وإليه.. فالطواف هو التعبير الجسمى والروحى -بالكلمة والفعل والقلب- عن (توحيد الله) وعن (مدى إخلاصك له) وعن (وحدة أهدافك الظاهرة والباطنة بتحليقها حول مراد الله واستهدافها رضاه).

رابعا: من أسرار تقبيل الحجر الأسود
قد يقول قائل: «ألا تلاحظ معى أن تقبيل الحجر الأسود وثنية صريحة؟!».
فأقول:
1- ويحك.. ألا تقبل خِطابا يأتيك من حبيبتك؟! هل أصبحت بذلك وثنيا؟! اللهم لا.. فعلامَ اللوم إذا قبلنا نحن ذلك الحجر الذى حمله نبينا -صلى الله عليه وسلم- فى ثوبه وقبله.. إن تقبيلنا له تزود من غائب؛ فأنت تضع شفتيك حيث وضع النبى - صلى الله عليه وسلم - شفتيه.
2- واعلم، رحمك الله، أن الحجر الأسود يمين الله فى أرضه -رمزا-.. من استلمه -بالإشارة أو اللمس أو التقبيل- فقد بايع الله على الالتزام بأمره ونصرة دينه.. فعند الحجر تكون البيعة لرب الأرض والسماء على الإيمان والتصديق والعمل والوفاء؛ الإيمان بالله لا بالحجر، والتصديق بكتابه لا بالخرافة، والعمل بسنة نبيه المختار لا بسنة الكفار والفجار، والوفاء بعهد الله، توحيدا خالصا: قلبا وقالبا، فى العبادات وفى المعاملات.
3- فتأمل، وافهم، ولا تكن من الغافلين؛ لأننا لا نتجه بمناسك الحج نحو الجدر والأحجار ذاتها، وإنما نحو المعانى العميقة والرموز والذكريات، كما مر، وكما سيأتى إن شاء الله.

خامسا- من أسرار السعى بين الصفا والمروة
1- إن السعى بين الصفا والمروة – ومثله رمى الجمار، والشرب من زمزم- إعلان لارتباط الإسلام وأمته بأبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام وعائلته؛ لتؤكد الأمة الإسلامية بهذا الارتباط أنها سائرة على درب النبوات السابقة، ومتممة لها، لا منكرة إياها، ولا شاذة عنها.
إن مثل تلك الشعائر، التى يؤديها الحجاج، توقظ فى نفوسهم ذكرى الأنبياء العظام الذين أدوا مثل تلك الشعائر فى تلك المواطن نفسها، وتعيد إلى الحياة أعمالهم، وتوقظ النزعة إلى الاقتداء بهم فى كل تصرفاتهم.. وهى إحياءٌ لذكريات عزيزة وأيام لا تنسى فى حياة هؤلاء الأنبياء.
2- والسعى بين الصفا والمروة تذكير للمسلم بوجوب البحث والعمل والكد والسعى فى حياته الدنيا إذا أراد الارتقاء والتقدم، بله النجاة.. فهو رمز للهرولة التى يجب أن يعيش فيها كلٌّ منا إلى لحظة وفاته -إذ الكسل والدعة والتواكل ليست من صفات المسلم الحق- ملتمسا من الله -طيلة حياته- العون والتأييد، والرضوان والغفران.
3- إن السعى بين الصفا والمروة سعى بين نقطتين محددتين؛ وهذا يرشدنا إلى (تأطير) و(تقصيد) و(ضبط) و(تنظيم) مسعانا فى حياتنا الدنيا؛ بأن نجعل له (إطارا) و(قصدا) و(خطة)، وإلا فستنفلت الأمور، ويموج بعضنا فى بعض؛ فيخيب مسعانا.

سادسا- من أسرار الوقوف بعرفة
1- إن الوقوف بعرفة وسيلة مادية للتخلص من الشواغل الدنيوية، ولتفريغ القلب لذكر خالقه، ولإيقاظ الحواس على حقيقة القرب القريب لله -جل جلاله-.. ومن هنا كانت كلمة «عرفة»؛ فبعد رحلة من ألوف الأميال يتيقظ القلب على (معرفة)؛ فهو (يتعرف) على ربه و(يكتشف) قربه، كما (يتعرف) على نفسه و(يكتشف) بعدها عنه تعالى.
2- والوقوف بعرفة بعد السعى: بذلٌ للمهج فى الضراعة إلى الله، بقلوب مملوءة بالخشية، وأيد مرفوعة بالدعاء، وألسنة مشغولة بالدعاء، وروح تحسن الظن ببارئها؛ ألا يخيب سعينا، وأن يبارك أعمالنا، وأن يجزينا عن حسن الأفعال بالحسنات، وأن يغفر لنا الذنوب ويتجاوز عن الزلات؛ إذ لا ملجأ منه إلا إليه.
3- والوقوف بـ«عرفة» فرصة لـ«التعارف» والتقارب والتفاهم والتشاور والتعاون وإنشاء الصلات الجديدة –المظللة بالمحبة والإخاء- بين المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأقطارهم وطبقاتهم وقدراتهم وأذواقهم.
4- وهو -بالإضافة إلى ذلك كله- رمزٌ للوحدة بين المسلمين؛ إذ هو تجمعٌ فى مكان واحد، وفى وقت واحد، وبملبس واحد: إلى قبلة واحدة وهدف واحد.. يتلقون فيه من الله، ويتجهون إليه، ويسيرون بأمره، فحضورهم بأمره، وأفعالهم بأمره، وانصرافهم بأمره.
5- والمشهد يوم عرفة، حين ترى الحجاج فى ثيابهم البيض، وفى موقفهم المزدحم العظيم، تحس أنهم أشبه بالناس فى ساحة العرض الأكبر، يوم يخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون.. إنه (تجسيد مصغر) لمشهد الحشر والوقوف بين يدى الله يوم القيامة.. يا له من موقف رهيب، ومشهد مهيب، تعجز الكلمات عن الإحاطة به، بله اكتناه أسراره!!

سابعًا- من أسرار حلق الرأس
1- ما حلق الحاج رأسه -فيما يبدو لى- إلا حلقٌ للكبرياء عن عقله، اعترافًا منه بالقصور، ومعرفةً منه لمقامه بالنسبة إلى مقام ربه، وإقرارا بأن للعقل حدودا لا يجوز له أن يتعداها، ومجالات يجرم عليه الخوض فيها.
2- وهو فوق ذلك (خضوعٌ) لعظمة الله و(تذللٌ) لعزته. لقد كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه، حلقوا رأسه وأطلقوه. إذن، فوضع النواصى بين يدى ربها محلوقةً، هو (تمامُ) الخضوعِ والتذلل والعبودية له تعالى؛ لهذا كان الحلق من (تمام) الحج.

ثامنًا- من أسرار رمى الجمار
قد يقول قائل: «ألا تلاحظ معى أن رجم إبليس برمى الجمار عمل بدائى خرافى أسطورى؟!»، فأقول:
1- على رسلك، ألا تضعون باقة ورد على نصب حجرى تذكارى، تقولون إنه يرمز إلى الجندى المجهول، وتلقون خطبة لتحيته وتمجيد أعماله؟! فهل عملك هذا عمل بدائى خرافى أسطورى وثنى؟! اللهم لا؛ فعلام اللوم إذا ألقينا حجرا على نصب حجرى تذكارى نقول إنه يرمز إلى الشيطان؟! المسألة كلها رمزيات، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
2- والرمى مقت واحتقار لعوامل الشر ونزعات النفس ونزغات الشيطان.. إنه رمز مادى لصدق العزيمة فى طرد الشرور ومطاردتها حتى إزهاقها.

تاسعًا- من أسرار الذبح والنحر
1- النحر رمز لذبح رغبات النفس الدنيئة وشهواتها وأهوائها المفسدة.
2- وهو رمز لتضحية والفداء؛ إذ تضحى ببعض مالك رمزا لإزهاق شهواتك وأهوائك.
3- إنه باختصار، إراقة لدم الرذيلة بيد اشتد ساعدها فى بناء الفضيلة.

عاشرًا- من أسرار الرقم «7»
قال لى أحدهم مرة: «ألا تلاحظ معى أن حكاية سبعة الأشواط، وسبع الهرولات، وسبع الرجمات؛ هى من بقايا خرافة الأرقام الطلسمية فى الشعوذات القديمة؟!»، فقلت متعجبًا من سخريته واستنكاره:
1- دعنى أسألك:
أ‌- ما السر فى أن أيام الأسبوع سبعة؟!
ب‌- ولماذا تدور الإلكترونات حول نواة ذرتها فى نطاقات سبعة؟!
ت‌- ولماذا تتكون الكرة الأرضية من سبع طبقات؟!
ث‌- ولماذا تتكون السماء من سبعة نطاقات؟!
ج‌- ولماذا كانت ألوان الطيف سبعةً؟!
ألا يدل ذلك على شىء؟! أم أن كل هذه الأمور هى الأخرى شعوذات طلسمية؟! يبدو أن (السبعة) سر فى البناء المادى والمعنوى للكون. يبدو لى -والله أعلى وأعلم- أن (السبعة) هى درجة (الاستواء) و(التمام).
2- ولهذا -والله أعلم- كان الأمر بـ(سبعة الأشواط)؛ حتى نٌظهر له سبحانه (تمام) التعلق به، و(تمام) التعظيم والحب والتوحيد له. ولهذا -والله أعلم- كان الأمر بـ(سبع الهرولات) حتى نظهر له سبحانه (تمام) إيماننا بالسابقين من الأنبياء، و(تمام) اقتدائنا بهم، و(تمام) إخلاصنا وبذلنا وسعنا فيما سنتخذه من أعمال، ولهذا -والله أعلم- كان الأمر بـ(سبع الرجمات)؛ حتى نظهر له سبحانه (تمام) تحررنا من الأهواء ونزعات النفوس ونزغات الشياطين وإغوائهم، إنسهم وجنهم، و(تمام) و(صدق) عزيمتنا فى طرد الشرور، بل ومطاردتها حتى إزهاقها.

حادى عشر- أبعاد فلسفة المكان ورسالته الخالدة
ألست معى -قارئى الكريم- فى أننا بحاجة إلى أن نعى ونفقه (أبعاد فلسفة الأماكن) التى نؤدى فيها مناسك الحج؛ حتى نبتعد قدر الإمكان عن شَرَكِ (الشكلية فى العبادة)؛ حتى تعود (الحياة الحقة) إلى مناسك الحج وشعائره؛ إذ مناسك الحج تبتغى تقوى القلوب (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32]، فحرام أن نختزلها فى الحركات والسكنات، وأن نغرق مقاصدها الروحية السامية فى التفريعات والجزئيات!!.
تعال بنا نَطُف معا -قليلا- حول أبعاد تلك الفلسفة:
1- نحن بحاجة إلى أن يتذكر الحاج -وهو يطوف حول الكعبة- ما هو أكثر من مجرد الطواف والدوران؛ إذ حول الكعبة نزلت كلمات الله على خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وبهذه الكلمات أعيدت فى مدرسة النبوة صياغة أهل الجاهلية (أسرى العصبية وعبدة الأوثان) حتى غدوا الجيل الفريد الذى غيّر مجرى الدنيا والحضارة، وأمسك بدفة التاريخ.
2/1- ونحن بحاجة -كذلك- إلى أن يتذكر الحاج، وهو ذاهب ليرمى جمرة العقبة، ما هو أكثر من رمى الجمرات؛ إذ فى العقبة عُقدت (الجمعية التأسيسية للدولة الإسلامية)؛ تلك الدولة التى غيرت الواقع، وحولت مسار التاريخ، وجعلت المستضعفين فى الأرض الأئمةَ والوارثين لمواريث النبوات والحضارات؛ وذلك عندما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الدولة، بعد أن سبق لهم بيعته على إقامة الدين، فولدت فى العقبة الدولة التى حرست الدين، والتى ساست الاجتماع والعمران بشريعة هذا الدين.
2/2- ونحن بحاجة -كذلك- إلى أن يتذكر الحاج وهو بالعقبة أيضًا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أسس الدولة الإسلامية الأولى على (البيعة والشورى والاختيار)، لا على (الاستبداد والتزوير والإجبار)؛ وذلك عندما همّ الأنصار بمبايعته على إقامة الدولة، فرغب إليهم أن تتم البيعة بوساطة (مؤسسة دستورية) تنشأ بالاختيار والانتخاب، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «اختاروا منكم اثنى عشر نقيبا»، فولدت بذلك أولى المؤسسات الدستورية فى الدولة الإسلامية؛ فمن العقبة -يا من ترمى الجمرات- بدأ تراث أمتنا فى المؤسسات الدستورية القائمة على الشورى والاختيار والانتخاب. وبمشاركة الرجال والنساء، قبل أن تعرف الأمم والحضارات لها تراثا فى هذه المؤسسات.
3- ونحن بحاجة -كذلك- إلى أن يتذكر الحاج وهو واقف بعرفة، ما هو أكثر من مجرد الوقوف والدعاء؛ إذ فى هذا المكان كانت حجة الوداع والبلاغ؛ تلك الحجة التى كانت مؤتمرا جامعا قرر فيه صلى الله عليه وسلم (الحقوق المدنية الإسلامية)؛ وذلك فى خطبة الوداع الشهيرة؛ تلك الخطبة التى مثلت بحق (وثيقة الحقوق المدنية الإنسانية) التى شرعها الإسلام للإنسان.

ثانى عشر- من دلالات منسك الحج
1- إحياء ملة إبراهيم الحنيفية السمحة، وتذكرة أهل الكتاب بها: لما كان إبراهيم الخليل (أبو الأنبياء) وابنه إسماعيل عليهما السلام، قد أقاما قواعد البيت العتيق، فلقد شاء الله أن يكون إلى ذلك البيت العتيق حج أمة (خاتم الأنبياء) الذى أحيت شريعته ملة إبراهيم، والذى تعيد أمته -فى مناسك حجها- مناسك إبراهيم وإسماعيل وهاجر، مجسدة بهذا الإحياء وحدة دين الله.
فإلى (أول بيت) تحج (الأمة الخاتمة)، فتحيى أمة (خاتم الأنبياء) مناسك ملة (أبى الأنبياء)، وتذكر بها أهل الكتاب -توحيدا خالصا، وملة حنيفية سمحة- خاصةً بعد أن اختلفوا فى إبراهيم وتشاكسوا فيه (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِى عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 95-97].
2- تأكيد أن الإسلام هو الشريعة الخاتمة لسلسلة رسالات الله إلى الإنسان: إن البيت العتيق هو (أول بيت) عُبد الله فيه على هذه الأرض؛ ففيه ومنه، بدأ الدين، وإليه قرر الله أن يكون حج (الأمة الخاتمة):
أ‌- رمزا وتجسيدا لوحدة دين الله من لدن آدم إلى محمد صلى الله وسلم عليهم جميعا.
ب‌-ورمزا وتجسيدا لاكتمال لبنات هذا الدين الواحد بشريعة الإسلام ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حتى يرتبط (الختام) بـ(البدء)، و(القمة) بـ(الجذور)، و(المنتهى) بـ (المنطلق)، فيتجسد الرمز: رمز استيعاب الإسلام الذى جاء به محمد من عند الله، للدين الإلهى على إطلاقه -وللتدين على عمومه- وهيمنته عليه، وحتى ترتفع الأعلام المؤذنة بأن تصديق الأمة الخاتمة بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو جزء من (تصديقها) بجميع الرسل والأنبياء، و(احتضانها) هدى النبوة جميعه على امتداد موكب حملته، و(هيمنتها) على الدين كله بتربعها على عرشه؛ إذ هى الأمة (الخاتمة) و(المكلفة بالحفاظ عليه) و(الدعوة إليه).
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers