Responsive image

29º

21
سبتمبر

الجمعة

26º

21
سبتمبر

الجمعة

 خبر عاجل
  • الهيئة الوطنية تدعو للمشاركة في فعاليات "جمعة انتفاضة الاقصى "
     منذ 13 دقيقة
  • الهيئة الوطنية تدعو للمشاركة في فعاليات "جمعة انتفاضة الاقصى"
     منذ 16 دقيقة
  • الأسيرات في سجن "هشارون" يواصلن رفض الخروج لـ "الفورة"
     منذ 43 دقيقة
  • استهداف مرصد للمقاومة في مخيم ملكة شرق مدينة غزة
     منذ 43 دقيقة
  • استشهاد شاب فلسطيني برصاص قوات الاحتلال شرق مدينة غزة
     منذ حوالى ساعة
  • مسيرة في الخان الاحمر تنديدا بقرار الاحتلال هدم القرية
     منذ 3 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:14 صباحاً


الشروق

6:37 صباحاً


الظهر

12:48 مساءاً


العصر

4:17 مساءاً


المغرب

6:59 مساءاً


العشاء

8:29 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

الهيمنة الأمريكية تغتصب ثقافات الدول العربية والإسلامية وتعتدى على محرامتها

هدفها إزاحة الحضارة والتاريخ والثقافة

تحقيق: رضا محمد العراقى
منذ 1987 يوم
عدد القراءات: 7429

>>السياسة الثقافية الأمريكية تستهدف تفكيك الروابط القومية والعقائدية التى تربط العرب والمسلمين
>>«فوكوياما» متحديا العالم: الكل سيأكل (الهامبرجر) وسيرقص (الروك) وسيقلد نمط الإنتاج أو الحياة الأمريكية
>>أنطونى كينج: تشكيل الثقافة العالمية تسير بسيناريو التجانس العالمى للثقافة حتى تتمكن الإمبريالية الثقافية
>>وزير الثقافة الفرنسى: ثلثا دخل تذاكر السينما فى فرنسا يذهب إلى الأفلام الأمريكية
تقرير للأمم المتحدة: تضاعفت التجارة العالمية ذات المحتوى الثقافى ثلاث مرات من عام 1980 إلى 1991 من 67 مليار دولار إلى 200 مليار دولار

فى هذه الحلقة نجوس خلال كشف المحاولات الأمريكية الشيطانية الدءوبة لإزاحة الثابت فى يقين الشعوب العربية وزعزعتها فى تراثها من خلال غزو حضارتها وتقاليدها،تريد غرسها بشتى الطرق والوسائل، واستبدال ثقافة وعادات وتقاليد الشعوب العربية والإسلامية بثقافة وقيم غربية. وفى هذا المقام نزعم أن تغيير السياسات والاستراتيجيات على أهميته أهون بكثير مما يدعوننا إليه، فالموت أحب إلينا من تحقيقه، لأن تغيير الثقافات والأيديولوجيات للشعوب معناها موتها معنويا.
وفى البدء يذكرنا المفكر الإيطالى «أنطونيو جرامشى» أن الهيمنة نظام يقوم على فرض أسلوب معين للحياة والفكر، ووجود تصور وحيد للحقيقة يسود المجتمع ككل ويمحو كل مظاهر الوجود البشرى من عادات وأخلاقيات ومبادئ دينية وسياسية».
ومن ثم فالهيمنة ومفهومها تعنى خضوعالثقافات الأخرى لسيطرة وتأثير جماعة أو طبقة واحدة معينة، فثمة ثلاثية يقوم عليها بناء عقل الإنسان طوال تاريخه فى ثوابته هى: (الدين، والتاريخ، والفن)، وثراء مصر الحقيقى كان دائما فى قدراتها البشرية المميزة، ومن هنا كانت أسرار التفوق المصرى فى العلوم والفنون والآداب والإنتاج والتخطيط والقدرة على مواجهة العصر، والاختراق الأمريكى لهذا التفوق يعنى ضرب مصر فى مقتل.
من ذلك يرى د. أحمد أبوزيد أن «الهيمنة تعمل على تحقيق أغراضها الحقيقية فى الوقت الحالى من خلال الادعاء بنشر بعض القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية المتعلقة بالتسامح والحرية وحقوق الإنسان الفرد, التى تنادى بقيام مجتمع آمن يسوده السلام والحكم الرشيد وحرية الاختيار عن طريق إقرار القيم الغربية السامية».. فهى تتخفى إذن وراء بعض الدعاوى الزائفة التى تخفى فى طياتها نزعات الاستغلال الاقتصادى لمجتمعات العالم الثالث الغنية بمواردها الطبيعية التى تنتظر من يستغلها، والتى تتوافر فيها الأيدى العاملة الرخيصة والتى يمكن أن تكون هى ذاتها مجالا فسيحا للاستثمار عن طريق الشركات الكبرى.

خطورة الهيمنة الثقافية
وتعد الهيمنة الثقافية أخطر بكثير من الهيمنة العسكرية أو السياسية؛ فهى أكثر فعالية وديمومة وسلما وأقلها تكلفة، ولا تواجهها ما اعتادت الهيمنة العسكرية أن تواجهه من كراهية ومقاومة شديدين، بل على العكس، فقد تحول المستعمر لدى الشعوب التى تشربت ثقافته، صديقا مألوفا، بل باتت تعده تلك الشعوب الملاذ والمنقذ الواهم من التخلف والرجعية.
وحتى تؤتى الهيمنة ثمارها كان لابد من استخدام القوى الناعمة التى تعتمد فى المحل الأول على وسائل الإعلام والدعاية المرسومة بدقة والهادفة بدلا من الفرض بالقوة.. فيقول أحد منظرى الهيمنة الثقافية «أنطونى كينج»:«نحن لا نفترض أن هذه النقطة تمثل نهاية التطورات ذات الطابع العولمى، فعملية تشكيل الثقافة العالمية تسير متواصلة نحو المستقبل، ولابد من سيناريو (التجانس العالمى للثقافة) ويتم هذا بالمساندة التنظيمية القوية حتى تتمكن الإمبريالية الثقافية من مواجهة ثقافة شعبية لا حول لها ولا قوة، وينتج تحقيق التجانس عن طريق تدفق الثقافة سلعة من المركز نحو الأطراف، وفقا لهذه الرؤية فإن الثقافة العالمية المتجانسة الوافدة سوف تكون صيغة من الثقافة الغربية المعاصرة عندئذ سيظهر فقدان الثقافة المحلية عند الأطراف».
وهذا ما يؤكده تقرير الأمم المتحدة الصادر فى اليونسكو.. أن التجارة العالمية ذات المحتوى الثقافى قد تضاعفت من عام 1980إلى1991 ثلاث مرات، إذ ارتفع من 67 مليار دولار إلى 200 مليار دولار. وهذه المواد الثقافية (أفلام - موسيقى - برامج تليفزيونية) تدخل كل بيت تقريبا وتسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية.

عولمة الثقافة
إذ يسعى العالم الغربى إلى إيجاد ثقافة عالمية مسيطرة على الثقافات الأخرى، وذلك من خلال استخدام آليات التقنية المتطورة التى جلبت الاتصال بين الأمم والشعوب. فتسعى لتعميم ثقافة استهلاك المنتج الغربى كـ(الكوكاكولا، والهامبرجر، والبيتزا، والجينز، والقبعة) والتى من خلالها وخلال التقليد فى الملبس والسلوك يجلب معه عادات وتقاليد ومفاهيم «بلد المنشأ». يقول «فوكوياما» فى كتابه (نهاية التاريخ): «الكل سيأكل الهامبرجر وسيرقص الروك وسيقلد نمط الإنتاج أو الحياة الأمريكية».
الأمريكان ينظرون إلى ثقافتهم على أنها ثقافة عالمية يجب أن تصبح جزءا من حياة الناس، كالتحدث بالإنجليزية الذى أخذ يزاحم العربية وينافسها فى عقر دارها. وقد جاء فى تقرير البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة: «إنه من مانيلا إلى ماناجوا، ومن بيروت إلى بيجين، وفى الشرق وفى الغرب، وفى الشمال وفى الجنوب.. أصبحت أشكال الزى (الجينز، وتصفيفات الشعر الخاصة، والـ«تى – شيرت») والموسيقى، والعادات المتعلقة بتناول الطعام، والمواقف الاجتماعية والثقافية.. أصبحت كلها تشكل اتجاهات عالمية, وحتى الجرائم، سواء كانت تتصل بالمخدرات أو الاختلاس أو الفساد، أصبحت متشابهة فى كل مكان. لقد انكمش العالم فى أوجه عديدة. وكما يرى عبد الإله بلقزى: هى اغتصاب ثقافى وعدوان رمزى على سائر الثقافات, وهى تعنى أن ينشأ فى وعى الناس ثقافة، أو قيم ثقافية، لا تقوم صلة بينها وبين النظام الاجتماعى (داخل الكيان القومى).

القابلية للغزو
القابلية تأتى من الضعف والانكسار للأمم فى تقبل كل ما يأتى من الغرب، ظنا منهم أنه المعيار والمقياس للصواب والخطأ، وكانللضربات التى وجهت إلى المسلمين من الصليبين واليهود، والتطور الصناعى الذى يعيشه الغرب؛ أثر مطرد على النخبة والمفكرين فى بلادنا.. فنرى فريقا منهم يدعو إلى تغريب الأمة وتجريدها من دينها ولغتها وتقاليدها ونمط حياتها وإلباسها رداء غربيا، واعتبار أن الثقافة مثل غيرها من السلع والمنتجات التى يطرأ عليها الفناء والتبديل الدائم. وهو ما يتماشى مع دعوة اليهودى «صمويل هنتنجتون»إلى تهميش ثقافات الأمم، وخصوصا الثقافة الإسلامية، متهما الفكر الإسلامى بأنه فكر عدوانى عنصرى، وقد حان الوقت لسيطرة الحضارة الغربية على العالم.

معاناة أوروبية للهيمنة الثقافية الأمريكية
فى أواخر عام 1989 عرض وزير الثقافة الفرنسى «جاك لانج» حقيقة واقعة.. ثلثا دخل تذاكر السينما فى فرنسا يذهب إلى الأفلام الأمريكية. ورغم أنه وطوال تاريخ السينما الفرنسية كانت توجد قيود حكومية، بل وحصص لاستيراد الأفلام الأجنبية بهدف رئيسى وربما يكون وحيدا وهو الحد من «نفوذ» الأفلام الأمريكية داخل فرنسا.. فإن تلك القيود كانت موجهة فقط إلى عدد الأفلام المعروضة، ومن ثم فإنها كانت قاصرة عن معالجة الإقبال الكبير على الأفلام الأمريكية من خلال الأشرطة وأسطوانات العرض الممغنطة، ما جعل المسئولين الفرنسيين عن الثقافة وكذلك الساسة يفكرون فى إيجاد وسائل أشد فاعلية لتحقيق ما يصفونه بـ«إنقاذ السينما الفرنسية».
وهذا موسيقى يابانى شهير كتب مرة مقالا فى صحيفة أمريكية بارزة فحواه أنه داخل أمريكا لا أحد يشترى منتجات الثقافة الأجنبية غير الأمريكية، فيما يشترى اليابانيون طوال الوقت الموسيقى الأمريكية.
لذلك فإن عملية التبادل الثقافى على النطاق الكونى باتت لمصلحة ثقافة واحدة، ما يعنى طمس التعدد والتنوع فى الإبداعات الإنسانية فى مجالات الأدب والفن والموسيقى والسينما.
وفى كتاب (الحرب الثقافية الباردة) وهو عنوان ترجمة الكتاب الأصلى للباحثة البريطانية «فرانسيس سورين سندزر» (من دفع للزمار؟) والذى تروى فيه بالوثائق والمستندات الدامغة قصة الحرب الثقافية التى تشنها أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية للسيطرة على عقول شعوب العالم. وشملت الوثائق مستندات حصلت عليها من أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية، بعد أن تم الإفراج عنها بمضى المدة القانونية، وأن تلك الأجهزة تخفت وراء واجهة تحمل عنوان (مؤسسة الحرية الثقافية) والتى من خلالها استطاع رجال المخابرات التسلل إلى كل قطاعات الفن والثقافة والفكر فى كثير من دول العالم لمحاربة الشيوعية فى البداية، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفيتى بدأت تلك الأجهزة فى محاولة بسط الهيمنة الثقافية الأمريكية على شعوب العالم، تلك الهيمنة التى تمهد للسيطرة الاقتصادية والسياسية فى مرحلة لاحقة.

أساليب الغزو الفكرى
لا يدخر الأمريكان جهدا فى تحقيق هدفهم وتنفيذ مخططهم، فيستغلون كل الطاقات، للنفاذ إلى كل المؤسسات المؤثرة، ولهم فى ذلك أساليب لا تخطئها العين وطرق تنكشف أمورها رويدا رويدا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- إقامة الجامعات الغربية فى البلاد العربية، وإرسال البعثات إلى أمريكا وأوروبا، والانفراد بعقل المبتعث لزعزعة ثقته بلغته وتشكيكه بتراثه، ثم حدوث حالة انبهار بالغرب وثقافته، وعند عودته إلى وطنه يدعوا مخلصا إلى ثقافة تتصادم مع ثقافتنا العربية الإسلامية. وفى ذلك يؤكد الدكتور عاصم دسوقى أن الغزو الفكرى أخطر من الغزو العسكرى، وممن تنبهوا لفاعلية السلاح الثقافى «برتمرند راسل» عندما كتب (حكومة العالم)؛إذ طالب فيه بتخفيف جريمة البطولة من كتب التاريخ وحذف قيم البطولة والتضحية التى يتعلمها النشء منذ أيامهم الأولى، فهى التى تعطيهم المناعة ضد التشبع بالقيم الغربية. ولعل هذا هو السبب فى المحاولات الأمريكية التى تهدف إلى تغيير مناهج التعليم الدينى والمقررات المتعلقة بالتاريخ الإسلامى فى البلدان الإسلامية. محذرا من الرضوخ للطلبات الأمريكية؛ فالتاريخ والدين هما أساس الهوية العربية الإسلامية، وتغيير مناهجهما يعنى ضياع تلك الهوية والقبول بالتغريب الكامل للأجيال القادمة، وينبغى التنبيه إلى أن السياسة الأمريكية تستهدف تفكيك الرابطة القومية والعقائدية التى تربط العرب والمسلمين بعضهم ببعض؛ حتى يتحولوا إلى كيانات هزيلة مفككة، يسهل السيطرة عليها لصالح المشروع الصهيونى الذى يقوم على التوسع وخدمة أطماع الغرب فى المنطقة. ولعل تشجيع الغرب للحركات الانفصالية فى إندونيسيا والجزائر والسودان، وتمويل ودعم الثقافات الأمازيغية والنوبية والكردية وغيرها؛ هى دليل على أن الهدف هو تقسيم العالم الإسلامى إلى كيانات صغيرة خاضعة للكيان الصهيونى.
وبعض النتائج الإيجابية شجع دول الاتحاد الأوروبى على التجاسر عقب أحداث 11 من سبتمبر لمحاولة إيجاد صيغة مستحدثة موحدة للإسلام، ليفرضها على 13 مليون مسلم يعيشون فى أوروبا. تهدف الصيغة المعدلة إلى عزل الجوانب السياسية والتشريعات الاقتصادية والمسائل الحياتية، بحيث يكون الإسلام دين عبادة يومية للفرد دون ارتباطه بالجماعة، وتتوقف العبادات على الصلاة والصيام بشكل منفرد. وغير مسموح للمسلم الأوروبى أن يتعاطف أو يساند أية جماعة إسلامية أخرى أو دولة إسلامية.. وفى هذا المضمار قال الرئيس «بوش الابن» أمام اجتماع الأمم المتحدة: «سنعمل على تغيير الأيديولوجيات فى العالم العربى». ويزيد «وليم بكين»، نائب وزير الدفاع الأمريكى لشئون الاستخبارات؛ الطين بلة فيقول: «إن الحرب ضد الإرهاب إنما هى صراع بين القيم المسيحية واليهودية والشيطان»، وأضاف: «إن أمريكا أمة مسيحية، والجيش الأمريكى هو (جيش الرب)».
فلا غضاضة من الإبادة، وليس إقصاء الثقافات وحدها. وهنا نجد رسالة موجهة إلى «جيمس داوين» السيناتور والمفوض السابق للشئون الهندية، تفسر «جورج واشنطن» المفهوم الأمريكى للأضرار الهامشية التى ترافق انتشار الحضارة، فقال: «إن طرد الهنود من أواطنهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها». وأطلق هنود «السينيكا» على جورج بوش اسم «هدام المدن». حتى الرئيس «توماس جفرسون» الذى يطلقون عليه «رسول الحرية الأمريكية» يأمر وزير دفاعه بأن يواجه الهنود بالبلطة، ويطالبه ألا يضع البلطة حتى يفنيهم».. فهل مثل هذه الثقافات والقيم العنصرية يمكن استبدال قيمنا النبيلة والمتسامحة بها؟
وحسب الدكتور «المنجى بوسنينة»، الأمين العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فإن هناك أكثر من 250 فضائية عربية -آنذاك- عدد المتخصصة منها فى الشأن الثقافى لا يكاد يكون أكثر من واحدة أو اثنتين. تقدم هذه المحطات المادة الترفيهية لإشباع غرائز المشاهد، لا نحو ذهنه وذائقته، وفى كثير من الأحيان، فإن ذلك يتم بصورة لا تخلو من السوقية والابتذال والرخص، وإذا ما استثنينا بعض المحطات ذات الطبيعة الإخبارية، التى صارت تبث باللغة الإنجليزية، فإن هذا العدد الهائل من المحطات بطبيعتها «الترفيهية» يتوجه إلى المشاهد العربى وحده.

المواجهة:
«صمويل هنتنجتون» يرى أن الصراع حتمى بين الإسلام والحضارة الغربية، خصوصا بعد هذه الصحوة الإسلامية المنتشرة فى جميع أقطار الأرض. فهو يرى أن الإسلام يشكل خطرا على جميع الحضارات التى واجهها، فهو دائما يتمرد على الثقافات الأخرى.
ويبدو أن هذا قدر هذه الرسالة، إذ واجه الإسلام حضارات عديدة وثقافات متنوعة تلاشت كلها وبقى الإسلام، ويواجه اليوم ثقافة تفرض قيمها ونظمها على العالم مستغلة قوتها العسكرية والتقنية، وترى فى الإسلام العدو الحقيقى لثقافتها وإيديولوجيتها.. وبدأ منظّرو الغرب يبثون هذه الفرضية كأنها أمر مقضيا، لذلك يعدون العدة ويستخدمون كل وسائلهم التقنية والعسكرية والاقتصادية لزعزعة المسلمين بقيمهم وثقافتهم واستبدال قيم وثقافة الغرب بها.

ويفرض السؤال نفسه: كيف نواجه الهيمنة الأمريكية وتصاعدها واستمرارها؟
من خلال عدد من المواقف والتوجهات والممارسات نستطيع مواجهة هذه الحملة التتارية لعل أبرزها:
أولا- إحياء ثقافة المقاومة، ووعى الشعوب بأنها الوحيدة القادرة على حل مشكلاتها، وبناء مجتمعها.
ثانيا- تشجيع روح المقاومة لدى الشعوب، كمقاومة التطبيع ومقاطعة البضائع ورفض الثقافة الاستهلاكية الأمريكية، بالعودة إلى حياتنا اليومية وأنماط عيشهم. وإقناعهم بأن الأمريكى والإسرائيلى هما العدو، وهما الخطر الحقيقى على مصالح الشعب ومقدرات الأمة.
ثالثا- تصعيد وسائل الضغط الشعبى على الحكومات والأنظمة العربية ودفعها لتبنى مواقف أكثر حزما تجاه العدو الصهيونى والغازى الأمريكى؛ فبعد الثورات العربية لم يعد بإمكان الأنظمة السياسية العربية قهر شعوبها وتهميشها كما كان الأمر سابقا، والشعوب أصبحت قادرة على هذا التصعيد.
رابعا- الحركات السياسية والأحزاب ومنظمات المجتمع الدنى عليها تفعيل حضورها الجماهيرى، وعلى النخب العربية أداء دور تاريخى بمساعدة الجماهير على عودة الوعى واستدعاء ثقافة الصمود والمقاومة.
خامسا- يدرك العالم الغربى تمام الإدراك أن نجاح مجتمعات العالم العربى فى مقاومته يعود إلى تماسكه الأسرى، فمن خلالها لا يزال قادرا على توصيل المنظومات القيمية إلى أبناء المجتمع فيواصل نشاطه فى هدمها وتمزيقها وانفصام عراها، فالاحتفاظ بذاكرتنا التاريخية أصبح ضرورة لتغذيتها جيلا بعد جيل، وهذا لا شك يعنى التصدى للعولمة الثقافية التى تستهدف بالدرجة الأولى محو الهوية.
سادسا- هناك محاولات لرفض الهيمنة الثقافية الأمريكية من بعض الدول الغربية؛فقد رأت أن أهداف العولمة لا تنسجم مع أهدافها وثقافتها ومصالحها الاقتصادية، فمحاولة جعل الثقافة الأمريكية هى الثقافة الوحيدة الصالحة لجميع البشر مرفوضة من الأوروبيينوالشرقيين.
وفى ربوعنا يقول محمد الجابرى متحديا:ليست هناك ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل أن توجد فى يوم من الأيام، وإنما وجدت، وتوجد وستوجد.. ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية، أو بتداخل إرادى من أهلها، على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة.
وفى لحظة اعتراف بالفشل يقول «هنتنجتون» صاحب نظرية (صراع الحضارات): «إن شعوب العالم غير الغربية لا يمكنها أن تدخل فى النسيج الحضارى للغرب، حتى وإن استهلكت البضائع الغربية وشاهدت الأفلام الأمريكية واستمعت إلى الموسيقى الغربية؛ فروح أية حضارة هى اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد».
وفى لحظة زهو يشير الدكتور طه حسين فى كتابه (مستقبل الثقافة فى مصر)‏: لم تكن هناك قوة ثقافية عربية تنافس مصر‏,‏ فقد كانت الأقطار العربية‏, فى أغلبها‏,‏ تعتمد على مصر ثقافيا‏,‏ وترى فيها‏ الشقيقة الكبرى التى يفترض فيها ويجب عليها رعاية بقية الشقيقات والأخذ بأيديهن، وكانت ملاذ المثقفين المهاجرين من أشكال القمع الدينى والسياسى‏,‏ والباحثين عن الأمان والحضور الثقافى الذى لايعرف التفرقة على أساس دينى أو عرقى أو طائفى أو حتى طبقى؛ فكانت مصر واحة الأمان لأمثال أحمد فارس الشدياق، وجورجى زيدان، وفرح أنطون، واليازجى، ومحمد رشيد رضا‏,‏ وخليل مطران... ومئات غيرهم من الأعلام الذين رعتهم مصر‏,‏ وفتحت لهم الأبواب فى كل مجال من مجالات الثقافة ابتداء من الصحافة والفكر والأدب وليس انتهاء بمجالات المسرح والسينما وصناعة الكتاب والنشر.‏..‏ إلخ.‏
ومن ذلك يرى الدكتور جابر عصفور أن «مكانة مصر الثقافية لم تكن قائمة فى فراغ، وإنما جزء من منظومة متقدمة بالقياس إلى غيرها، وقد كانت الثقافة -ولاتزال- تتأثر بعناصر المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، ولست فى حاجة إلى القولإن العلاقة بين أطراف هذه المنظومة هى علاقة أشبه بالعلاقة بين الأوانى المستطرقة؛ فالخلل الثقافى يؤثر ويتأثر بالمجال السياسى، فإذا شاع الاستبداد السياسى يشيع الاستبداد فى الرأى وينفتح الباب للتعصب الدينى والاجتماعى، والعكس صحيح بالقدر نفسه. صحيحإن للإبداع الثقافى قوانينه النوعية التى تدفعه إلى المقاومة والرفض فى مواجهة القمع السياسى الدينى والاجتماعيى».‏. وسواء كان هذا الاستبداد والقمع داخليا أو من قوى خارجية، يجب مقاومته وهزيمته. وهذا ما ندعوا إليه الآن.

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers