Responsive image

14
نوفمبر

الأربعاء

26º

14
نوفمبر

الأربعاء

 خبر عاجل
  • الاعلام العبري: رغم وقف اطلاق النار لن تستأنف الدراسة في اسدود وبئر السبع ومناطق غلاف غزة
     منذ 6 ساعة
  • مسيرة جماهيرية فى رام الله منددة بالعدوان الإسرائيلى على غزة
     منذ 7 ساعة
  • إصابة 17 طالبة باشتباه تسمم غذائى نتيجة تناول وجبة كشرى بالزقازيق
     منذ 7 ساعة
  • الاحتلال الإسرائيلى يمنع أهالى تل ارميدة بالخليل من الدخول لمنازلهم
     منذ 7 ساعة
  • التعليم: عودة الدوام المدرسي في كافة المدارس والمؤسسات التعليمية غداً
     منذ 8 ساعة
  • جيش الاحتلال: اعترضنا 100 صاروخ من أصل 460 صاروخاً أطلق من غزة
     منذ 9 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:48 صباحاً


الشروق

6:12 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:39 مساءاً


المغرب

5:05 مساءاً


العشاء

6:35 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

لماذا لا يتم تحصيل رسوم القناة بالجنيه المصرى؟!

فى ذكرى «أول» ضربة فأس فى المشوار الدامى لحفر قناة السويس..

تحقيق: شفيق أحمد على
منذ 2027 يوم
عدد القراءات: 2922

    أول ضربة فأس فى قناة السويس سببها «نكتجى».. والسخرة دفنت 125 ألفا من المصريين فى قاع القناة.. ومراسل جريدة «ذا تايمز» اللندنية يكتب: (يا للعجب.. رأيت كرابيج السخرة تنزل على ظهور المصريين فيمتزج عرقهم بدمائهم فى المجرى الذى يحفرونه)!

    وردا على رفض أمريكا تمويل بناء السد العالى.. عبد الناصر يقول للأمريكان فى خطاب علنى: (موتوا بغيظكم.. مصر سوف تبنى السد العالى حتى لو تطلّب الأمر أن نحفر الصخر بأظافرنا ولن نبيع إرادتنا بأموال الدنيا كلها)


    مصر لم تحصل على «مليم واحد» من إيرادات القناة إلا بعد 68 عاما من افتتاحها.. وبعد التأميم قفز إيراد القناة حاليا إلى ما يزيد على 140 مليون جنيه «يوميا» وخمسة مليارات ومائتى مليون دولار «سنويا»

    سؤال للرئيس مرسى وجماعته: هل قناة السويس تجرى فى بلاد الإغريق، أم أن الذى أممها عبد الناصر آخر من موزمبيق؟! فلماذا إذن لا نضع فى مدخلها تمثالا للفلاح المصرى الذى حفرها أو تمثالا لعبد الناصر الذى أممها؟! أو كليهما معا؟!

 


على صفحة (163) من مذكراته التى نشرها ابنه شارل بعد وفاته، قال المحتال الشهير «فرديناند ديليسبس» بالحرف: (حينما أردت إقناع الخديو سعيد بالموافقة على منحِى امتياز حفر قناة السويس، اصطحبت معى إليه المهرج الفرنسى مسيو «بارافاى».. وهو المهرج، أو«النكتجى» بلغة المصريين، الذى كان يوصف وقتها بأنه الوحيد القادر على إضحاك الخديو حتى يقهقه)! هذا ما قاله المحتال فرديناند ديليسبس فى مذكراته التى حكى فيها «مغامراته» مع قناة السويس.. وقبل أن نعرف لماذا هو محتال؟! ولماذا قال الخديو سعيد لنوبار باشا إن قناة السويس هى «خازوق» حياته؟! وقبل نعرف أيضا لماذا ردت محكمة استئناف باريس «الخازوق» نفسه لديليسبس، وأصدرت ضده وضد ابنه «شارل» حكما نهائيا بالسجن خمس سنوات، وغرامة ثلاثة آلاف فرنك بتهمة النصب والاحتيال؟!.. قبل أن نعرف كل هذا وغيره، دعونى أذكركم أولا، بأن «أول» ضربة فأس فى المشوار «الدامى» لحفر قناة السويس نحن نبعد عنها الآن (154) عاما.. ذلك المشوار الذى بدأ فى مثل يوم أمس الخميس، الذى هو الخامس والعشرين من أبريل.. ولكن عام (1859).. واستمر عشر سنوات كاملة.
يومها، أى فى الخامس والعشرين من أبريل عام (1859).. وفى المكان الذى يوجد فيه الآن مدينة بورسعيد، اصطف العمال والفلاحون المصريون الحفاة، وأيديهم تقبض بشدة على الفئوس.. وبإشارة من ديليسبس.. رفعوا فئوسهم فوق رءوسهم، وانهالوا بها بقوة، وفى وقت واحد، فوق جسد المحروسة «إشارةً» للبدء فى المشوار «الدامى» لحفر قناة السويس، الذى استمر كما قلت، عشر سنوات كاملة، وانتهى بوفاة (125) ألفا من العمال والفلاحين المصريين الحفاة.. دفنتهم كرابيج «السخرة» والمرض، والجوع، فى قاع القناة، بلا «أكفان».. ولم يسأل فيهم أو فى ذويهم أحد حتى الآن!

لحظة من فضلك:
من باب التذكرة لمن ضعفت فيهم الذاكرة أو«صهينوها».. فى متحف قناة السويس بالإسماعيلية، رأيت بعينى قصاصة ورق قديمة للغاية من جريدة «ذا تايمز» اللندنية، تقول فيها الجريدة إن مراسلها فى القاهرة، زار عددا من المناطق التى يجرى فيها حفر القناة، وكتب للجريدة ما يلى نصا: (يا للعجب.. لقد رأيت المصريين المساكين، وهم يحفرون قناة السويس بأرواحهم قبل أيديهم، ورأيت أيضا كيف تنزل كرابيج السخرة على ظهورهم فيختلط عرقهم مع دمائهم فى المجرى الذى يحفرونه، ورأيت أيضا كيف يدفن العمال والفلاحون المصريون فى قاع هذه القناة، ورأيت وسائل التخويف والقمع والرقابة الدقيقة على العمال.. فعيّن مسيو ديليسبس دوريات أجنبية تجوب الصحراء وتتعقب العمال الفارين وتعيدهم بالكرابيج إلى مواقع الحفر، أو ترسلهم إلى السجن مع كل من يبدو منه التذمر أو التراخى أو يحاول الهرب.. المنظر يثير الأذى فى النفوس، فهؤلاء الرجال الذين لفحت الشمس أجسادهم، بعضهم يحفرون الأرض بالفئوس، وبعضهم يملأون القفف بالحصى والرمال، وبعضهم يفرغونها بعيدا عن مجرى القناة.. بينما أبدانهم تحت كرابيج السخرة، وبطونهم تعانى الجوع والبؤس والشقاء.. ورغم كل ذلك يستعينون على ما هم فيه بـ«الغناء».. بينما البنادق والكرابيج من حولهم، تحول دون هروبهم أو سقوطهم من شدة المرض أو العناء.. يا للعجب!).. وفى المتحف أيضا، ضمن الوثائق القديمة لقناة السويس، مئات من القضايا ومحاضر الغرامات، التى فرضتها الإدارة «الأجنبية» للقناة على الفلاحين المصريين أبناء المنطقة لأنهم تجرءوا، واستخدموا مياه الترعة «العذبة» -القريبة من قناة السويس، والممتدة من النيل على بورسعيد- فى رى أراضيهم الزراعية.. وهو ما كانت تصفه محاضر البوليس بـ«سرقة المصريين مياه النيل»!!.
أما «أوليفييه ريتس» كبير المهندسين الفرنسيين وأحد المستنيرين القلائل من المهندسين الذين شاركوا فى حفر قناة السويس، فقد كتب هو الآخر فى يومياته: (كان العمال المصريون يخوضون فى الطين وفى الماء وهم يحملون فوق أكتافهم الطين السائل الذى ينساب ويغمر أجسادهم.. بينما رءوسهم فى جحيم الشمس، وأبدانهم فى عذاب السخرة وآلام الجوع والبؤس والأوبئة).. ويقول أوليفييه أيضا: (ليس هناك عمال يستطيعون أن يتمّوا ما أتمه هؤلاء العمال المصريون، الذين يعملون وهم غائصون بكل أجسامهم فى الماء، ولا تحمى رءوسهم سوى السماء.. لقد بلغوا أكثر من مليونا ونصف المليون عامل وفلاح مصرى وكلهم مدهشون حقا.. كلهم ذوو صبر وجَلَد عظيمين.. لقد عرفتهم عن قرب، وأحسست أنهم شعب عريق حقا).

لحظة من فضلك:
تلك هى إطلالة سريعة، على بعض التكاليف «البشرية» لذلك المشوار الدامى الذى نسيناه، فى زمن «التصهين والأمركة».. أما التكاليف «المالية» فقد قفزت وقتها إلى (432) مليون فرنك فرنسى، تحملت مصر منها (325) مليون فرنك، بالإضافة إلى (90) مليون فرنك أخرى استدانها الخديو للغرض نفسه!.. وعلى الرغم من ذلك، لم تحصل مصر على «مليم واحد» من إيرادات قناة السويس، التى افتتحت بعد (68) عاما من افتتاحها للملاحة فى 17/11/1869.. وذلك حين «تعطفت» الإدارة الأجنبية للقناة عام 1937 وحددت فى ذلك العام نصيب مصر من إيرادات القناة بـ«ثلاثة» ملايين جنيه مصرى فقط فى العام كله.. رغم أن القناة ملك لمصر وتجرى على أرض مصر وحفرها أبناء مصر!.
 وبعد أن قام عبد الناصر بتأميم القناة فى 26 من يوليو عام 1956، أصبحت من يومها ملكا خالصا لمصر.. ووفقا للتصريحات التى نشرتها جريدة «المصرى اليوم» فى 29/3/2013 قال الفريق مهاب مميش الرئيس الحالى لهيئة قناة السويس: إن الإيراد الذى تحصل عليه حكومتنا «حاليا» من قناة السويس فى «اليوم الواحد» يصل إلى عشرين مليون دولار، أى ما يزيد عن (140) مليون جنيه مصرى «كل طلعة شمس».. وقفز إيرادها «السنوى» فى نهاية العام الماضى على سبيل المثال، أى فى نهاية عام 2012، إلى 5 مليارات ومائتى مليون دولار، وهو ما يصل إلى 40 مليار جنيه مصرى تقريبا.
وبالمناسبة.. على «فيس بوك» الآن حملة تطالب الرئيس مرسى بتحصيل رسوم عبور السفن من القناة بالجنيه المصرى، لانتشال سعر الجنيه من التدهور الذى وصل إليه فى زمن الإخوان.. ورغم أن هذه الحملة لم يمر عليها أسبوع كامل، إلا أنها حصدت أكثر من ثمانمائة ألف مؤيد.. وقبلها، وتحديدا فى الأربعاء 8/2/2012 ناقشت لجنة «النقل والمواصلات» بمجلس الشعب المنحل، اقتراحا من عدد من النواب بتحصيل رسوم قناة السويس بالجنيه المصرى، بل ونظرت محكمة القضاء الإدارى -الدائرة الأولى أفراد- برئاسة المستشار كمال اللمعى؛ الدعوى القضائية المرفوعة من محمد الغول وحسن عمر المحاميان، ضد كل من وزير النقل ورئيس هيئة قناة السويس، لإلزامهما بتحصيل رسوم عبور السفن من القناة بالجنيه المصرى، وهى الدعوى التى رفضتها المحكمة فى 28 من يونيو من العام الماضى، لا لشىء إلا (لعدم وجود قرار إدرارى صادر عن وزير النقل أو رئيس هيئة قناة السويس بتحصيل رسوم العبور فى القناة بالدولار).. بل وقالت المحكمة صراحة فى حيثيات حكمها (إن المدعين لم يتقدموا بمستندات تثبت أن هناك قرارا صادرا من الحكومة المصرية باعتماد الدولار عملةً أساسيةً فى تحصيل رسوم العبور من قناة السويس منذ تأميمها وحتى الآن)!.

لحظة من فضلك:
على ذكر تأميم قناة السويس.. الحكمة الشعبية العبقرية تقول: (من فات قديمه.. تاه)، وفى ذلك اليوم -أى يوم تأميم القناة- الذى نحن الآن أحوج ما نكون إلى استلهامه وتدبر معناه.. كانت أمريكا قد سبقته، بأن أعلنت فى الثامن عشر من يوليو عام 1956.. سحب وعدها بتمويل بناء السد العالى وأذاعت وزارة الخارجية الأمريكية بيانا رسميا «وقحا» قالت فيه إنها (لن توافق على إقراض مصر بالمال اللازم لبناء السد العالى، إلا إذا عقد ناصر اتفاقية صلح مع إسرائيل)، هكذا بتبجح وعلى «بلاطة» وفقا لما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية وقتها.
ووقتها أيضا -أى لحظة إذاعة هذا البيان- كان عبد الناصر يجلس فى الطائرة عائدا ليلا من يوغوسلافيا.. فالتفت إلى الدكتور محمود فوزى وزير خارجية مصر فى ذلك الوقت، وقال له وفقا لرواية الدكتور فوزى فى مذكراته: (أمريكا يا دكتور فوزى بهذا البيان الوقح، لا تريد فقط إرغامنا على الصلح مع إسرائيل، وإنما تريد أيضا أن نخضع لها وننفذ ما تمليه علينا.. ونحن لم نخاطر بأرواحنا ليلة 23 يوليو، من أجل أن نستبدل النفوذ البريطانى.. بالنفوذ الأمريكى)
ومع بزوغ الفجر.. كانت طائرة عبد الناصر قد وصلت إلى مطار القاهرة، ومع خطواته الأولى داخل بيته كان عبد الناصر قد استقر فى ذهنه أن يؤمم قناة السويس، وبذلك يرد الصاع صاعين، وتكون الضربة مزدوجة ومؤلمة.. ضربة توفر المال اللازم لبناء السد العالى، وفى الوقت نفسه تضرب النفوذ الأجنبى فى الصميم.. كان عبد الناصر يدرك جيدا أن الضربة ستكون موجعة، وأن رد فعل أعدائنا سيكون هو الآخر عاصفا.
وعليه، وكما يقول الدكتور محمود فوزى فى مذكراته، جلس عبد الناصر إلى مكتبه وكتب على ورقة أمامه، ما يسمى فى لغة الحروب «تقدير موقف».. وفى سرية تامة، أعد جمال عبد الناصر كل شىء لما سمى وقتها بـ«ضربة المعلم»؛ وهو قرار تأميم قناة السويس، وتحويلها من شركة (أجنبية) إلى شركة (مساهمة مصرية).. وبعدها بخمسة أيام بالضبط.. جاء يوم 23 من يوليو الذى هو عيد الثورة، والذى كان عبد الناصر يحرص على أن يفتتح فيه دائما «مصنعا جديدا».. فى ذلك اليوم عام 1956 افتتح عبد الناصر مصنعا لتكرير البترول فى السويس.. وفى أثناء الخطاب الذى ألقاه يومها فى حفل الافتتاح، وجه عبد الناصر حديثه إلى الأمريكان قائلا بالحرف: (موتوا بغيظكم.. مصر سوف تبنى السد العالى، حتى لو تطلب الأمر أن نحفر الصخر بأظافرنا، ولن نبيع إرادتنا بأموال الدنيا كلها).. وبعدها بثلاثة أيام، أى فى 26 من يوليو عام 1956.. ضرب جمال عبد الناصر ضربته، وأعلن تأميم القناة.. انتصارا لمبدأ الاستقلال والاعتماد على مواردنا «الذاتية»، ورفضا لشروط القروض والمعونة الأمريكية.. واستردادا لحقنا المسلوب فى تلك القناة التى تجرى على أرض مصرية، وحفرتها أيضا أيدٍ مصرية.
رغم ذلك اتخذ البريطانيون والفرنسيون والإسرائيليون تأميم القناة «حجة» لشن عدوانهم الثلاثى الشهير على مصر.. وهو العدوان الذى كشف موشى ديان وزير الحرب الإسرائيلى الأسبق، عن سببه الحقيقى فى كتابه «يوميات معركة سيناء» على لسان رئيس حكومته ديفيد بن جوريون الذى قال لهم يومها: (أى انتصار عسكرى نحققه فى سيناء لن يكون له قيمة إذا لم يتسبب فى إسقاط ناصر.. ذلك لأن بقاءه فى الحكم وعدم القضاء عليه، وعلى ما يمثله من أفكار.. معناه استمرار الصراع وتوسيع دائرته، بل وامتناع الحكام العرب عن التوقيع على أية معاهدة صلح بينهم وبين دولتنا الوليدة إسرائيل).

لحظة من فضلك:
نعود إلى الوثائق والأوراق القديمة لقناة السويس.. هذه ورقة من مذكرات فرديناند ديليسبس، نشرها ابنه شارل بعد وفاة والده، وفيها يقول ديليسبس نصا: (حينما ركبت أول باخرة قادمة إلى مصر أصطحب معى أشهر «غانيات» باريس، و«مهرجا» فرنسيا شهيرا، يدعى مسيو بارافاى.. وكان بارافاى هذا هو الشخص الوحيد الذى يستطيع إضحاك الخديو سعيد حاكم مصر، وكان هذا المهرج -بشهادة الخديو نفسه- هو الوحيد الذى يستطيع أن ينقذ مولاى سعيد من نوبات الاكتئاب التى كانت تطارد عظمته. وهذا المهرج، أو «النكتجى» بلغة المصريين، ومعه غانية من باريس، شهدا معى أول ضربة فأس فى حفر برزخ السويس).
أما «نوبار باشا» الذى كان أول رئيسا للوزراء فى مصر، والذى تولى رئاسة الوزارة ثلاث مرات متباعدة، أولها فى الفترة من 28 أغسطس عام 1878 وحتى 23 فبراير عام 1879.. وآخرها، فى الفترة من 15 أبريل عام 1894 وحتى 12 نوفمبر عام 1895.. فتلك ورقة من مذكراته، يقول فيها «نوبار باشا»، نقلا عن قنصل فرنسا فى مصر وقتها: (بعد أن افتتح مسيو ديليسبس الاكتتاب فى أسهم شركة قناة السويس، وفشله فى تغطية هذا الاكتتاب فى كل من باريس وبرلين وفيينا ولندن.. عاد مسيو ديليسبس إلى القاهرة، وذهب إلى سعيد باشا، بابتسامته الباهتة وقدم إليه -باعتباره وكيل أعماله فى أوروبا- كشف حساب الشركة المقترحة مكتوبا على ورقة صغيرة فى حجم الكف.. إلا أن سعيد -الذى كان يعانى دائما من الضجر والملل- سلّم الورقة إلى سكرتيره، دون أن يكلف نفسه عناء الاطلاع عليها.. وبعد أن مرت فترة من الوقت، عاد ديليسبس بالانحناءة نفسها، والابتسامة الباهتة نفسها، وطلب من الخديو سعيد أن يصدر أوامره بدفع القسط الأول من ثمن الأسهم البالغ عددها 176 ألف سهم وقيمتها 88 مليون فرك فرنسى.. وهنا قال له سعيد:
- أى اكتتاب؟!
اكتتابك فى الأسهم يا مولاى.
- اكتتابى أنا؟!
نعم يا مولاى.. أنت تعلم أننى اكتتبت باسمك ولحسابك فيما عدده 176 ألف سهم.. ولو لم أفعل ذلك لفشل المشروع الذى سيخلد اسمك فى التاريخ، ويكفل لمصر الاستقلال، والعظمة.. ولقد أخبرت سموكم، وكتبت لكم بذلك كله.
- كتبت أين.. ومتى؟
فى الورقة التى قدمتها لكم.
وعلى الفور: أمر الخديو سعيد بإحضار الورقة المذكورة، فوجد على أحد أوجهها حساب الاكتتاب فى أوروبا، وعلى الوجه الثانى، كتب ديليسبس سطرا واحدا يقول: (88 مليون فرنك قيمة اكتتاب صاحب السمو.. وهى قيمة كل الأسهم الكاسدة التى لم يتم بيعها). فقال الخديو سعيد: ولكنك تعرف أن الأزمة المالية مستحكمة حاليا بالبر المصرى، وليس هناك أموال.
فقال ديليسبس: لا تقلق يا مولاى.. سأعمل بكل الوسائل على تفريجها!.
وبعد أن انتهى سعيد من رواية هذه القصة للقنصل الفرنسى.. أطرق برأسه قائلا: أرأيت يا سيدى القنصل.. أى «مقلب» أعطاه لى رجلكم ديليسبس.. لقد أعطانى «خازوق» حياتى!.

لحظة من فضلك:
انتهى بعض ما قاله نوبار باشا فى مذكراته.. وإمعانا فى سخرية الأيام.. وبعد ربع قرن تقريبا، أى فى فبراير سنة 1893.. ردت محكمة استئناف باريس «الخازوق» نفسه إلى ديليسبس، وأصدرت ضده وضد ابنه شارل حكما نهائيا بالسجن خمس سنوات، وغرامة قدرها ثلاثة ألف فرنك.. فهل تعرفون لماذا؟! لإدانتهما فى جرائم «نصب واحتيال» خاصة بمشروع قناة بنما.. بعد أن ثبت للمحكمة أن ديليسبس وابنه شارل، كانا يقدمان رشوة منتظمة إلى 150 صحفيا ونائبا من نواب البرلمان الفرنسى ليتستروا عليهما فيما ارتكباه من جرائم.. وبعد أن ثبت للمحكمة أيضا أن وزراء ورؤساء وزراء سابقين، تقاضوا منهما مبالغ طائلة، لتسهيل أعمالهما.. ومن بينهم «جورج كليمنصو» رئيس وزراء فرنسا الشهير.. الذى ضبطت أصول وأرقام الشيكات التى تقاضاها هو وغيره من ديليسبس وابنه على سبيل الرشوة.

هذه سريعا بعض حيثيات إدانة ديليسبس وابنه شارل، كما جاءت فى مذكرات نوبار باشا، الذى كان كما قلت أول رئيس للوزراء فى مصر.. وهو ما يعنى أن التاريخ لا ينسى.. والمخزى أن هناك حاليا بعضا من المرتزقة والماسونيين الذين يتزلفون فرنسا، ويسعون لإعادة تمثال المحتال ديليسبس إلى القاعدة الموجودة فى مدخل قناة السويس من جهة بورسعيد، بدلا من أن يضعوا عليها تمثالا شامخا للفلاح المصرى الذى حفرها بعرقه ودمائه، أو تمثالا لعبد الناصر الذى أممها وانتزعها من براثن المحتالين الأجانب. ويساند هؤلاء المرتزقة فى ذلك عدد من المتأمركين والمتصهينين من «باعة» الوطن والضمير.. خصوصا هؤلاء الأدوات والأغوات وسماسرة التطبيع مع العدو الصهيونى.. الذين تغزلوا زمنا حتى فى «التراب» الذى مشى عليه عبد الناصر.. ثم هبطت عليهم «البصيرة الأمريكية» فجأة، فأصبحوا لا يرون فى «كل» سنوات عبد الناصر سوى الأخطاء و«الهزائم النكراء».. ويخرسون تماما حتى فى ذكرى تأميم قناة السويس على سبيل المثال.. وكأن هذه القناة تجرى فى بلاد الإغريق، أو أن الذى أممها عبد الناصر آخر.. من موزمبيق!.
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers