Responsive image

18
نوفمبر

الأحد

26º

18
نوفمبر

الأحد

 خبر عاجل
  • الخارجية الأمريكية.. أسئلة عديدة ما زالت تحتاج إلى أجوبة في ما يتعلق بقتل خاشقجي
     منذ 17 دقيقة
  • أردوغان... تجاوزنا المرحلة التي كانت فيها مساجد البلاد بمثابة حظائر، ووسعنا نطاق حرية التعبير
     منذ حوالى ساعة
  • رئيس الوزراء الكندي: قضية مقتل خاشقجي كانت حاضرة في نقاشات قمة أبيك
     منذ حوالى ساعة
  • كريستين فونتين روز مسؤولة السياسة الأميركية تجاه السعودية في البيت الأبيض، قدمت استقالتها أول أمس الجمعة
     منذ حوالى ساعة
  • الأرجنتين تُعلن الحداد لمدة ثلاثة أيام على ضحايا الغواصة
     منذ حوالى ساعة
  • القناة العاشرة: نتنياهو ينوي تكليف نفتالي بينت لتسلم وزارة الجيش حتى نوفمبر 2019
     منذ 2 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:51 صباحاً


الشروق

6:16 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:37 مساءاً


المغرب

5:03 مساءاً


العشاء

6:33 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

لماذا نؤمن بعدم شرعية الكيان الصهيوني؟ (1ـ3)

بقلم: طارق الكركيت
منذ 2014 يوم
عدد القراءات: 4802

 

الحلقه الاولى: من المؤتمر الصهيوني الأول حتى وعد بفلور

رغم مرور أكثر من ثلاثين عاما على مسيرة الأنظمة العربية فى الاعتراف بالكيان الصهيونى كأمر واقع، إلا أن القوى الوطنية والقومية العربية والإسلامية لا تزال متمسكة بالموقف التاريخى لأمتنا، بعدم الاعتراف بهذا الكيان الغاصب، الذى استخدم أسلوب الاستعمار الاستيطانى العنصرى، بهدف طرد الشعب الفلسطينى من أرضه، وإحلال الكيان اليهودى بدلا منه.
وهذا البحث يستهدف الأجيال الشابة التى تتعرض منذ سنين لحملات غسيل مخ من آلة الأنظمة العربية الاستسلامية فى المجال الإعلامى والثقافى والتعليمى، حتى لا تدرك الأساس التاريخى لنشأة هذا الكيان الغاصب، والملابسات الإجرامية والإرهابية لهذه النشأة، حتى إن معاهدة كامب ديفيد أصبحت تدرس فى المدارس المصرية باعتبارها من منجزاتنا التاريخية، ولتعليم الأجيال الصاعدة أن الصراع قد انتهى مع إسرائيل! وأن ما يجرى فى فلسطين الآن ما هو إلا نزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن العرب والمسلمين لا علاقة أصيلة لهم بهذا النزاع، قد يكونون متعاطفين مع الفلسطينيين، ولكن دورهم الأساسى هو القيام بدور الوسيط!!
نظرة تاريخية

فى بداية القرن العشرين كان عدد اليهود فى فلسطين قليل جدا، وكانت الأغلبية من المسلمين والمسيحيين، ولم يكن عدد اليهود فى عام 1914 إلا 85 ألف يهودى فقط، وفى هذا الوقت كانت الحركة الصهيونية قد بدأت تنشط، وتساعد وتدعم الهجرة اليهودية من أوروبا والعالم إلى فلسطين.
وكان "تيودور هرتزل" راعى الصهيونية الأول، قد اقترح فى كتاب صدر له عام 1896 تحت عنوان "دولة اليهود" أن يكون هناك وطن قومى لليهود فى الأرجنتين أو فلسطين، وفى عام 1897 تم عقد أول مؤتمر للحركة الصهيونية

بمدينة "بازل" السويسرية، حيث أصدر هذا المؤتمر "برنامج بازل لاستعمار فلسطين"، وتأسيس الحركة الصهيونية.
واستمر عقد المؤتمرات السنوية للحركة الصهيونية، فى محاولة نشطة من أجل إثبات أن لها حقا فى إقامة دولتهم على أرض فلسطين، حتى كانت الحرب العالمية الأولى عام 1914، ومع بدايتها وعدت بريطانيا العرب بمساعدتهم على الاستقلال عن الدولة العثمانية، بشرط دخولهم الحرب إلى جانبها ضد الدولة العثمانية التى دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا.

غير أن بريطانيا لم تفِ بالوعد -ككل النظم الاستعمارية- وفى عام 1916 تم توقيع اتفاقية "سايكس - بيكو"، بين كل من فرنسا وبريطانيا، اللذيْن كانا يمثلان فى ذلك الوقت القوى العظمى فى العالم، حيث تم الاتفاق على تقسيم المنطقة العربية إلى مناطق سيطرة ونفوذ لكل دولة منهما، وفى هذا الاتفاق تم وضع فلسطين خارج التقسيم بصفة دولية، وإن كانت تظل تحت الاستعمار البريطانى، حتى كان عام 1922، حيث تم وضع فلسطين رسميا تحت الانتداب البريطانى بقرار من "عصبة الأمم"، وكان من الغريب أن يعترف هذا القرار بالوكالة اليهودية كمنظمة تسعى لتنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين.
وعد بلفور

فى عام 1917 أصدرت الحكومة البريطانية فى 2 نوفمبر "وعد بلفور" الشهير، فى هيئة رسالة من وزير خارجية بريطانيا "جيمس آرثر بلفور" إلى زعيم الحركة الصهيونية، وجاء فى نصه: (إن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف لإقامة وطن قومى فى فلسطين للشعب اليهودى، وستبذل كل الجهود فى سبيل الإنجاز السريع لهذا الهدف).

كما تعهد بألا تقوم بريطانيا بعمل أى شىء من شأنه أن يضر بمصالح وحقوق المجتمعات اليهودية الموجودة فى فلسطين، مما شكل البداية الجادة لقيام دولة الكيان الصهيونى.
بلفور السفاح

ووزير خارجية بريطانيا الذى أصدر هذا الوعد تاريخه أسود، فهو من مواليد عام 1848، من أصول ارستقراطية اسكتلندية، دخل مجلس العموم البريطانى عام 1885، وفى العام التالى مباشرا أصبح وزيرا لشئون اسكتلندا، وبعدها بسنة أخرى وزيرا لشئون أيرلندا، حيث اكتسب اللقب الذى لازمه طوال حياته وهو "بلفور السفاح".
والسبب فى هذه التسمية كما تقول "دائرة المعارف الأمريكية" أن الرجل عندما تولى منصب وزير شئون أيرلندا، قد استخدم أسوأ الأساليب فى تنفيذ المرسوم الذى أصدرته الحكومة البريطانية لمواجهة أعمال المقاومة الأيرلندية فى ذلك الحين.

كان وعد بلفور هو النواة التى بنيت عليها كثير من التحركات، وكان هو بداية السعى من الدول الأوروبية للتخلص من اليهود ومشاكلهم، وإبعادهم عن أوروبا، وفى الوقت نفسه ليضمن الأوروبيون لأنفسهم وجود كيان يضعف الوحدة العربية والإسلامية فى هذه المنطقة من العالم.

وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918، بدأ اليهود فى الهجرة إلى فلسطين، التى كانت تحت الانتداب البريطانى وفق قرارات عصبة الأمم، وسهل هذا الانتداب هجرة اليهود بشكل كبير، ليساعد اليهود على تأسيس الوطن القومى الموعود، وبدأ العمل بشكل واسع لإقامة المشاريع الزراعية والصناعية التى تقوم بها الحركة الصهيونية لحساب المستوطنين الجدد القادمين من دول المهجر.
فى الوقت نفسه كانت هناك حركة كبيرة فى أنحاء العالم من اليهود، حيث سعوا إلى تأسيس الأحزاب والجمعيات التى كانت تنضم إلى الحركة الصهيونية فى فعاليتها.

وفى الثلاثينيات من القرن العشرين، ومع ظهور الحركة النازية فى ألمانيا، وبعض دول أوروبا، وانتشار اضطهاد اليهود بسبب تصرفاتهم، ازدادت الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين، وكانت الحركة الصهيونية قد بدأت فى تشكيل العصابات التى تبث الرعب فى أرجاء فلسطين مثل عصابات "الهاجاناة" و"الأرجون" و"البالماخ"، التى كانت تعتبر الجناح المسلح للحركة الصهيونية.
دوافع وعد بلفور

يمكن أن نلخص هذه الدوافع فى الآتى:
1- تحقيق ما يعتقد أنه تعاليم المسيحية: فتصاعد النزعة الصهيونية المسيحية جعل فكرة "عودة" اليهود إلى أرض فلسطين تبرز بقوة كشرط لعودة المسيح عليه السلام، ودخول اليهود فى المسيحية، وبالتالى نهاية العالم، وهو ما يعنى أن تسهيل احتلال اليهود لأرض فلسطين كان عبارة عن نوع من العمل الدينى المسيحى لدى الصهاينة الغربيين، أى أن منشأه "لم يكن حبا فى اليهود ولكن تطبيقا لمعتقدات دينية متطرفة".
2- ضمان تأييد اليهود فى العالم فى حربهم مع الحلفاء، وتأييدهم لهم، ولا سيما اليهود الموجودين فى الولايات المتحدة الأمريكية الذين دفعوا بالفعل أمريكا إلى دخولها الحرب رسميا فى عام 1917.
3- التنافس الإمبريالى على السيادة والمصالح الإستراتيجية: ففى الوقت الذى كان لفرنسا موطأ قدم فى فلسطين بعلاقتها مع المسيحيين الكاثوليك هناك، وروسيا بعلاقتها بالأرثوذكس، فإن بريطانيا لم يكن لها من بين السكان الأصليين حليف، وهو ما جعلها تسعى إلى أن تعقد تحالفا مع الصهاينة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن موقع فلسطين الإستراتيجى كنقطة التقاء لثلاث قارات، وسعى ألمانيا وروسيا وفرنسا إلى تعزيز مواقعهم إما بمد شبكة القطار من برلين إلى بغداد، أو بالسيطرة على البوسفور، أو بمحاولة السيطرة على منطقة الشام ككل، كل ذلك جعل بريطانيا تفكر بجدية فى بسط النفوذ على فلسطين حتى تضمن عدم تحولها إلى أيادٍ أخرى بعد الحرب، وبالتالى تضمن مصالحها الإستراتيجية لفترة طويلة.

4- حمل يهود روسيا ويهود الدول المحايدة لتأييد قضية الحلفاء، ولا سيما منع انخراط اليهود فى صفوف الحزب الشيوعى الذى وقف ضد مواصلة روسيا الحرب.
5- المركز المالى الذى يتمتع به اليهود فى العالم، وما كان له من أثر فى كسب الحرب لصالح الحلفاء.
6- تنفيذ الوعد الذى قطعته بريطانية لحاييم وايزمان (أول رئيس للكيان الصهيونى وأحد مؤسسيه) بإنشاء وطن قومى لليهود، حين تمكن وايزمان من تحضير الجلسرين وإنتاجه من السكر بالتخمير، ثم استخدمه فى عمل المتفجرات، وعرضت عليه الحكومة البريطانية أن تشترى منه حق الاختراع مقابل ما يطلبه، وكان طلب وايزمان هو الحصول على وعد من الحكومة البريطانية بوطن قومى لليهود فى فلسطين مقابل حق انتفاع الجيش البريطانى بالجلسرين المبتكر لصناعة المتفجرات التى استخدمها ضد الجيش الألمانى، ووافق لويد جورج على شرط وايزمان وكلف وزير خارجيته بلفور بأن يعلن وعده لليهود.
7- فى عام 1952 نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن الفترة بين 1919 - 1939، بما فيها تلك التى تتعلق بتوطين اليهود فى فلسطين، ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولى، فى الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعها آرثر بلفور فى عام 1917 ما يأتى:
(ليس فى نيتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع أن اللجنة الأمريكية تحاول استقصاءها، إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور فى التقاليد القديمة العهد، وفى الحاجات الحالية، وفى آمال المستقبل، وهى ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربى الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة)!!.
أما بالنسبة للاستيطان اليهودى فى فلسطين فقد أوصى فى الجزء الأخير من هذه المذكرة بما يلى:
(إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية فى العالم، فينبغى أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود، ولذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التى تخصها بشكل طبيعى، سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالا (أى باتجاه لبنان) أم عن طريق عقد معاهدة مع سوريا الواقعة تحت الانتداب (الفرنسى) والتى لا تعتبر المياه المتدفقة من (الهامون) جنوبا ذات قيمة بالنسبة لها، وللسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضى الواقعة شرقى نهر الأردن). (وعد بلفور.. الحقائق التاريخية - وسام حسن الباش - بحث منشور على شبكة الإنترنت).
الحركة الصهيونية وتطورها

تشكلت المنظمة الصهيونية العالمية فى المؤتمر الصهيونى الأول الذى انعقد فى الفترة ما بين 29 وحتى 31 أغسطس 1897، فى مدينة "بازل" بسويسرا، وجاء تشكيلها كمنظمة "تضم جميع اليهود الذين يقرون برنامج الصهيونية".
واشترك فى هذا المؤتمر 204 مندوبين، كانوا يمثلون الجاليات اليهودية فى 17 دولة، وجاء حضورهم بتوصيات من زعماء هذه الجاليات، وفى هذا المؤتمر تم إقرار برنامج المنظمة، ونظامها الداخلى، وإنشاء الهيئات القيادية بها، وتم انتخاب "تيودور هرتزل" رئيسا لها.
وكان أحد أساسيات هذا المؤتمر إقرار ما أسموه "برنامج بال" الذى يتضمن التصريح "بأن الصهيونية تسعى لإنشاء وطن قومى للشعب اليهودى فى فلسطين".
ولتحقيق هذا الهدف حدد المؤتمر الإجراءات الواجب اتباعها فى الآتى:
1- المساعدة بالوسائل المناسبة على الاستيطان فى فلسطين، من قبل المزارعين، والحرفيين، والتجار اليهود.
2- توحيد وتنظيم جميع السكان اليهود فى جمعيات مناسبة، بما يتفق وقوانين كل بلد يقطن فيها اليهود.
3- تشجيع الشعور والوجدان القوميين اليهوديين.
4- القيام بعمل تمهيدى لضمان موافقة الحكومات فى الدول التى يتعلق بها تنفيذ المهام الصهيونية.
واستمرت المنظمة الصهيونية فى نهجها طوال سنين، حتى كان عام 1902، عندما استقبل رئيس الوزراء البريطانى "جوزيف تشمبرلين" رئيس الحركة الصهيونية "هرتزل"، فيما كان "هرتزل" يحمل إليه اقتراحا من المؤتمر الصهيونى بإنشاء ما سموه آنذاك "مستعمرة يهودية" ذات حكم ذاتى، فى فلسطين، أو قبرص، أو شبه جزيرة سيناء، غير أن بريطانيا قد رفضت هذا العرض، على الرغم مما كان يتمتع به اليهود من نفوذ صناعى ومالى داخل الإمبراطورية البريطانية، التى كانت تعد القوة العظمى الأولى.
لكن هذا الاقتراح رغم رفضه من بريطانيا، إلا أنها رأت فيه وسيلة مناسبة لتثبيت مواقعها فى الشرق الأوسط، خاصة أنها كانت ترى فى الزعامات الصهيونية منفذين مطيعين، ومتفهمين للمخططات الاستعمارية البريطانية.
ولذلك لم يكد يمر عام واحد، وفى عام 1903، ونظرا لاهتمام بريطانيا بتكثيف الاستعمار فى إفريقيا، عرضت على قيادة الصهيونية فكرة إنشاء الوطن القومى المزعوم فى "أوغندا"، وعلى الرغم من أن "هرتزل" نفسه كان يدعم هذا الاقتراح، إلا أن المؤتمر الصهيونى الرابع قد رفض هذا الاقتراح، وصوت من جديد على الاختيار الفلسطينى.
وعلى الرغم من الرفض الصهيونى للاقتراح البريطانى، إلا أن العلاقة بين بريطانيا والمنظمة الصهيونية ظلت فى إطار متميز، وكل منهما يحاول تسخير الآخر لتنفيذ أغراضه، حتى كانت الحرب العالمية الأولى، والتى كان النصر فيها للحلفاء، فسارعت المنظمة الصهيونية، فى خطوة للتقرب من بريطانيا، بنقل مقر قيادة المنظمة من برلين بألمانيا إلى العاصمة البريطانية "لندن".
وعقب انتقالها إلى لندن ازدادت أنشطة المنظمة اليهودية، وظهرت كحليف يمكن الاعتماد عليه من القوى الاستعمارية، مما دفع وزير الخارجية البريطانى "بلفور" إلى إصدار وعده المشئوم.
وجاء وعد بلفور علامة فارقة فى نشاط المنظمة الصهيونية، واقترابها من تحقيق حلمها، فمع عشرينيات القرن الماضى، بدأ يظهر التنافس المتزايد بين بريطانيا والولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية، مما مهد الطريق للحركة الصهيونية للعب دور فى منطقة التناقضات والمنافسة بين الإمبراطورية الأمريكية الوليدة والإمبراطورية البريطانية العجوز، حتى كان عام 1923، وفى أثناء الانتداب البريطانى على فلسطين، حينما تم السماح للمنظمة الصهيونية بإنشاء "الوكالة اليهودية" فى فلسطين، تحت زعم "الاستشارة والتعاون مع الإدارة البريطانية"، ولكنها كانت فى الأصل مخصصة لتنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين، ولتصبح الأداة الأهم لنشاط الصهيونية العالمية فى فلسطين.
وإلى جانب هذا النشاط السياسى للمنظمة الصهيونية، كان هناك النشاط الإعلامى المتزايد فى دول العالم، لمحاولة كسب الرأى العام العالمى تجاه مسعاهم، وهو النشاط الذى بلغ ذروته عام 1923 حيث كانت تصدر فى 29 بلدا من بلدان العالم المختلفة نحو 99 جريدة ومجلة باللغة العبرية، ولغات البلدان المحلية، والتى كانت تتلقى الدعم المباشر من المنظمة الصهيونية العالمية، مما ساعد على زيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ففى إحدى الإحصاءات التى نشرت عن مصادر بريطانية، كان عدد اليهود فى فلسطين حتى عام 1920 حوالى 60 ألف يهودى، ومن عام 1920 حتى 1929 دخل إلى فلسطين حوالى 100 ألف يهودى، وعلى مدى السنين الخمس التالية 91 ألفا تقريبا، ولكن فى سنة 1935 وحدها دخل حوالى 62 ألف يهودى.
وأدت هذه الموجات المتتالية من الهجرة، إلى تغييرات جوهرية فى بنية سكان فلسطين، ففى عام 1922 كان عدد اليهود يشكلون 12.9% من السكان، فى حين ارتفعت هذه النسبة إلى 18% عام 1931، لكن وصولا إلى عام 1936 ازدادت إلى 30%.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان يزداد سنة بعد أخرى، خاصة مع إنشاء العصابات الصهيونية المرتبطة بالمنظمة الصهيونية، والتى كانت تمارس الإرهاب لإجلاء أصحاب الأرض الفلسطينيين عن أرضهم.
اليهودية فى خدمة الصهيونية

استقبل رجال الدين اليهودى من الحاخامات ظهور الصهيونية بالعداء، فى بادئ الأمر، بل وصل بهم الحد إلى وصف أفكار "هرتزل" وأنصاره حول إنشاء الدولة اليهودية فى فلسطين بالكفر، لأن رجوع اليهود إلى "الأرض المقدسة" هو امتياز للمسيح المنتظر فحسب.
غير أن هذه النظرة الدينية اليهودية بدأت تتغير شيئا فشيئا، وبمقدار ما كانت الصهيونية توسع نفوذها فى العالم بين اليهود، بقدر ما كان رجال الدين اليهود يغيرون من آرائهم، ويعيدون النظر فى موقف اليهودية من الصهيونية، حتى صارت آراؤهم أكثر تطرفا من المنظمة الصهيونية ذاتها، إذ اعتبروا أن وجود أرض لليهود يمكن أن يساعد فى تقوية الديانة اليهودية ذاتها.
وانتقل رجال الدين اليهودى إلى خدمة الصهيونية، وأصبحوا لا يعتبرون أفكار الصهيونية ماسة بالدين، بل أصبحوا هم أنفسهم يبذلون جهودا غير عادية للتبشير بالصهيونية، وتطبيقها فى الحياة، واستخراج الأساطير من كتاب "العهد القديم" لاستخدامها على نطاق واسع لتبرير السياسات التوسعية واحتلال الأرض.
ولنقرأ رأى أحد الحاخامات اليهود، ويدعى "ل. رابينوفتش" إذ يقول: "بالنسبة لليهودية العالمية، ظهور الدولة على جزء مما تشمله حدودها التاريخية، هو بداية التحرير الذى تنبأ به الأنبياء، وتحقيق جميع وعود الله لا يزال فى الطريق، وإسرائيل ليست سوى بداية التحرير، ولم تتمكن أن تقوم بعد إلا على جزء من الأراضى التى وعد بها الله".
شعب الله المختار

وانطلاقا من دعم الحاخامات للصهيونية، بذل قادة الحركة الصهيونية الجهود المستمرة للترويج بين اليهود للفكرة الأساسية فى اليهودية، وهى اختيار الله للشعب اليهودى دون باقى الشعوب، لأن هذا الشعب "فريد" ويمثل نسيجا وحده يتفوق على كل الشعوب الأخرى.
وفى هذا كتب الصهيونى "ن. سوكولوف": (اليهود، دون أدنى شك، هم أنقى عرقا من كل أمم العالم المتحضر)، ويقول آخر "ف. روزنتسيفغ": (إسرائيل ليست اسم دولة فحسب، إنما أيضا هى الأمة اليهودية العالمية.. هى أكثر من شعب مختار.. إنها الشعب الوحيد الواحد.. شعب الله الوحيد الواحد). (الصهيونية الدولية تاريخها وسياستها - أكاديمية العلوم فى الاتحاد السوفيتى - ترجمة: محمد الجندى).
مثل هذا التفسير للديانة اليهودية، أدى إلى تنمية العنصرية داخل اليهود فى فلسطين وخارجها، وجعل اليهود يقسمون الإنسانية جمعاء إلى "الشعب المختار" من اليهود، و"الأمميين" أى غير اليهود، الذين يجب أن يكونوا فى خدمة اليهود فحسب، حيث سيمنح المسيح المنتظر فى نهاية الزمان "شعب الله المختار" النصر على جميع الشعوب الأخرى!!
وبمثل هذه الأفكار (شعب الله المختار - أرض الميعاد) استطاعت الحركة الصهيونية تثبيت أركانها لدى العوام من اليهود، لإقناعهم بأن هناك عناصر مشتركة بين كل اليهود الذين يعيشون فى مختلف البلدان، وأنه لا بد من الاشتراك فى وطن "الأجداد" الذى تروج له المنظمة الصهيونية، والعودة إلى "أرض الميعاد".

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers