Responsive image

23º

19
سبتمبر

الأربعاء

26º

19
سبتمبر

الأربعاء

 خبر عاجل
  • "الجنائية الدولية" تعلن فتح تحقيق أولي في عمليات ترحيل اللاجئين الروهنجيا من ميانمار
     منذ 13 ساعة
  • اعتقال مقدسي عقب خروجه من المسجد "الأقصى"
     منذ 13 ساعة
  • داخلية غزة تعلن كشف جديد للمسافرين عبر معبر رفح
     منذ 13 ساعة
  • مؤسسة: إسرائيل تكرس لتقسيم الأقصى مكانيا
     منذ 13 ساعة
  • آلاف المستوطنين يستبيحون "باحة البراق" عشية "عيد الغفران"
     منذ 13 ساعة
  • لبنان: الحريري يبحث مع وفد من البرلمان الأوروبي أزمة النزوح السوري
     منذ 13 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:13 صباحاً


الشروق

6:36 صباحاً


الظهر

12:49 مساءاً


العصر

4:18 مساءاً


المغرب

7:01 مساءاً


العشاء

8:31 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

هل يستطيع العالم أن يقول: لا للرأسمالية المعلوماتية ؟

عرض كتاب «أمريكا تريد والله فعّال لما يريد»

منذ 1950 يوم
عدد القراءات: 1424

فى كتابنا «نذر العولمة» الذى صدر سنة 1998 تساءلنا: «هل يستطيع العالم أن يقول: «لا للرأسمالية المعلومالية». فى هذا الكتاب نبين أن العالم قد قال: «لا» بالقلم العريض.
الأزمات الاقتصادية المتعاقبة اعتمدت على مبدأ أن هناك أحمق يولد كل دقيقة. أما العولمة فاعتمدت على مبدأ أن العالم قد أصبح مسرحا للتفتيش عن هؤلاء الحمقى، وقد وجدتهم فى كل مكان.
قال صمويل هنتجتنون: «لم يربح الغرب العالم بسبب تفوق أفكاره أو قيمه أو ديانته، وإنما ربحه بسبب تفوّقه فى استعماله العنف المنظم. والغربيون غالبا ما ينسون هذه الحقيقة. أما غير الغربيين فلا ينسونها أبدا».
الأزمة الاقتصادية الأخيرة وحروب الإرهاب الغربى فى العالم الإسلامى مباشرة أو عن طريق الوكلاء، كما فى فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان وغيرها؛ هى مسامير فى نعش المشروع الإمبراطورى الأمريكى الذى جعل «العولمة» حصان طروادته.
عندما قرّرت شبكة تلفزيون «الجزيرة» المعروفة، عمل حلقتين وثائقيتين مدة كل منهما ساعة حول كتابى «حروب البترول الصليبية.. أمريكا بعيون عربية»، وضعت أنا ومخرج الحلقات قائمة بالشخصيات التى ستجرى مقابلتها، استنادا إلى من استُشهد بأقواله من تلك الشخصيات فى كتابى، ومن هؤلاء كان جيمس إيكنز، وهو سفير سابق للولايات المتحدة لدى المملكة العربية السعودية أوائل سبعينيات القرن الماضى، خلال الصدمة النفطية الأولى.
وفى كتابى ذاك استشهدت أيضا بدراسة لكلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال فى جامعة هارفارد، ورد فيها أن احتلال حقول النفط العربية كان بديلا سياسيا مطروحا فى أوائل السبعينيات، وذكرت قصة كان إيكنز رواها حول الموضوع نفسه، وكان أن قابلت «الجزيرة» إيكنز لغرض المسلسل الوثائقى. وفيما يلى النص الدقيق لما قاله السفير إيكنز، كما بثته قناة الجزيرة: «عندما طلع علينا كسنجر بخطته لاحتلال حقول نفط الشرق الأوسط، سُئلتُ عمّا كان
قد نُشر فى مقالة بمجلّة (هاربر) كتبتها كاتب مجهول دعا نفسه (الجندى المجهول)، ولم يعرف أحد حقيقة هويته إلا بعد ردح من الزمن. وكان كاتب المقالة اقترح على الولايات المتحدة احتلال حقول النفط العربية من الكويت وحتى دبى، مع إحضار موظفين من تكساس وأوكلاهوما لتشغيل هذه الحقول، وترحيل جميع مواطنى هذه البلدان إلى نجد (فى السعودية)، بحيث تخلو المنطقة بكاملها من مواطنيها العرب، وننتج نحن النفط لمدة خمسين أو سبعين سنة قادمة إلى أن تجف حقول النفط.
بحثت الخطة مع أرامكو (شركة النفط الأمريكية السعودية) فارتعبت؛ إذ من السذاجة بمكان أن يجول بخاطر المرء مثل هذا الحلم. وقد سألتنى وسائل الإعلام الأمريكية عن هذه الخطة، وكنت حينها سفير أمريكا لدى السعودية، فأبلغت وسائل الإعلام الأمريكية بأن من يفكر فى حل أزمة الطاقة الأمريكية بهذه الطريقة، إما أن يكون مجنونا أو مجرما أو عميلا للاتحاد السوفييتى. ويبدو أن هذه الكلمات لم تسر ذاك الذى كتب مقالة (هاربر)، وكنت أعتقده أحد حمقى وكالة الاستخبارات المركزية أو البنتاجون، فلم أكن أعرف بعد من قد يكون، وأخيرا عرفت: لقد كان رئيسى (كسنجر)، فلم ألبث بعدها أن طُردتُ.
إن كُهّان الرأسمالية وإعلام شركاتها، استخدموا منهج (الضربة الإجهاضية) أبكر كثيرا من الوقت الذى أصبحت فيه هذه الكلمة مشهورة بعد عقيدة بوش فى الحروب الإجهاضية؛ إذ  إن ابتداعهم «نظرية المؤامرة» -كما يبدو- أرادوا به إجهاض أى فكر حر فى مهده وإبعاده عن التحقيق فى مؤامراتهم الحقيقية؛ لهذا تغدو (نظرية المؤامرة) فى حدّ ذاتها مؤامرة!.
قال الرئيس الأمريكى وودرو ويلسون سنة 1913: (منذ دخلت معترك السياسة، عملت وبشكل رئيس على أن يفضى الرجال إلىّ بوجهات نظرهم على انفراد؛ إذ إن بعضا من أكبر رجالات الولايات المتحدة فى مجالات التجارة والصناعة كانوا يخشون شيئا ما؛ فقد كانوا يعرفون أن فى مكان ما، قوة ما، بالغة التنظيم، شديدة الدهاء والمكر، شديدة اليقظة، شديدة الترابط وشديدة الفساد، بحيث إن من الأفضل لهم ألا يتحدثوا عنها إلا همسا عندما يشجبونها).
فى (الديمقراطية) الأمريكية قاد رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالى FBI إدجار هوفر، سياسيى واشنطن ومنهم رؤساء الجمهورية، لأكثر من خمسين عاما. دعنا نعط مثالا لما ورد فى تسجيل فى البيت الأبيض بين الرئيس رتشارد نيكسون ووزير العدل متشل.
الرئيس نيكسون: (لعدة أسباب يجب أن يستقيل -كان يتحدث عن هوفر- يجب أن ينصرف ويكفينا شره. أستطيع الآن -وأشك فى ذلك- أن أتصل به على الهاتف وأتحدث إليه بشأن استقالته. إن هناك بعض المشكلات؛ فإذا استقال فيجب أن يكون قد استقال بمحض إرادته، ولهذا فنحن فى مشكلة عويصة. أعتقد أنه سيظل رابضا على صدورنا إلى أن يبلغ المائة من عمره).
وزير العدل: (إنه سيظل فى منصبه إلى أن يدفن هناك.. فى الخلود).
الرئيس نيكسون: (أعتقد أنه يتعين علينا أن نتحاشى الموقف الذى يجعله ينصرف مفجرا وراءه قنبلة كبيرة؛ فربما يكون هذا الرجل قادرا على جر الجميع معه إذا سقط، حتى أنا، وستكون مشكلة عويصة).
كان تقدير الرئيس ووزير العدل للموقف صحيحا؛ لأن رئيس جهاز FBI بقى فى منصبه إلى أن رحل عن هذه الدنيا. وعندما سمع الرئيس نيكسون الأنباء قال: (يا إلهى.. يا إلهى.. هذا الفاسق العجوز).
ولقد تصور البعض أن رؤساء الدول الأجنبية يخشون مؤسسة الأمن القومى الأمريكية، لكن لم يخطر ببال أحد أن الرؤساء الأمريكيين أنفسهم -ومنهم نيكسون Nixon وكذلك قادة آخرون كثر، ومسئولون كبار ومشرعون منتخبون- كلهم أعربوا حرفيا عن تخوفهم من منظمة الأمن القومى الأمريكية؛ تلك المنظمة التى يفترض أنها معنية بالأمن لا بترويع القادة والرؤساء.
أحد نوّاب «هوفر» اعترف قبل موته بأنه كان الموجّه لصحيفة «واشنطن بوست» فى قضية «ووترجيت» التى أطاحت بالرئيس نيكسون!.
لإعطاء صدقية على لجنة تحقيق فى اغتيال الرئيس «كنيدى»، طلب الرئيس الأمريكى «جونسون» من رئيس المحكمة العليا القاضى «إيرل وارن» رئاسة التحقيق، لكنه رفض بشدة. وفجأة تغير موقف وارن، وتعجب الناس عن سبب هذا التغيير المفاجئ.
حسب تسجيل صوتى بين الرئيس جونسون والسناتور «ريتشارد رسل»، كما هو فى مكتبة الرئيس جونسون، وكما ورد فى كتاب «عائلة الأسرار»، ورد ما يلى: (رفض وارن طلبى لرئاسة اللجنة تماما.. جاء إلى مكتبى مرتين وأخبرنى ذلك عندما أعلمته بحادثة حصلت معه فى مدينة نيو مكسيكو كان قد أطلعنى عليها هوفر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى)، عندها بدأ وارن يرن فى البكاء وقال لى: (لن أخذلك، سأفعل أى شى تريده منى).
عندما دقق عميل (إف بى آى) آندى كورينز فى الدفعات التى يتلقاها مستشار كاستيلاّنو زعيم إحدى عصابات المافيا دون أن يبدو أنه يؤدى عملا مقابل ذلك؛ أظهر الأخير بوضوح معاداته النفاق الذى يتمتع به النظام؛ إذ أخبر عميل (إف بى آى): (إذا كنت تعتبر هذه جريمة يا آندى فإنه من الأجدر بكم إذن أن تبنوا سجونا أكثر مما لديكم بكثير؛ لأنه سيتعين عليكم سجن أكثر من نصف سكان هذا البلد البائس، بدءا بعصبة الزنابير الصغيرة -كناية عن البيض الأنجلوساكسونيين البروتستانت- بصناديقها المالية، ثم وكلاء مضاربات الأسهم)، فأجابه آندى كورينز: (ولكن يا جو، أنت تتحدّث عن سُلّم رواتب. أما أنا فأتحدث عن مؤامرة إجرامية)، عندها أجاب رجل المافيا ذو الشعر الأبيض بصوت كالفحيح: (مؤامرة؟! تقول: مؤامرة؟! تلك هى كلمتكم السحرية أيها الفتيان!، لكن دعنى أسألك شيئا: ما الذى ليس مؤامرة؟! السياسة؟! دعنى من هذا! شارع المال «وول ستريت»؟! كلانا يعرف أنه ليس سوى رخصة للسرقة. لا يا آندى، إنها كلها ليست سوى مؤامرات. والفرق الوحيد فى ذلك أنكم تكشفون بعضها، فيما تتسترون على البعض الآخر).
مصداق ذلك مؤامرة رجل شارع المال وول ستريت «برنارد مادوف» الذى أصبح رئيسا لسوق أسهم «ناسداك»، دون أن يكتشف أمره لأكثر من أربعين سنة؛ إذ اختلس 64 بليون دولار دون أن يُقبض عليه!. لقد سلم هو نفسه!. أما عقوبة مادوف فكانت سجنا «خمس نجوم» فيه ملاعب للتنس وبرك سباحة وناد رياضى ومكتبة!.
لا اعتذار منّى هنا عن الاستشهاد بأقوال شخصيات مافيا بارزة؛ ذلك لأن مؤسسات الأعمال الكبرى اليوم –بعضها على الأقل- كانت بالأمس مؤسسات عمل مافيوية، ولنأخذ آل كينيدى مثالا؛ إذ يمثلون واحدة من أفضل الصور التى خلقها صنّاع الصور الاجتماعية؛ إذ لا يذيع زعيم المافيا كوستيللو سرا عندما يؤكد أن جوزيف كينيدى إنما صنع ثروته نتيجة تحالف بينه وبين الجريمة المنظمة، خلال فترة تحريم الخمر وتهريبه فى أمريكا. ولم يكن الرئيس روزفلت يعطى كثيرا من الاحترام لجو كينيدى؛ فقد وصفه بأنه «لصّ، وواحد من أكثر الرجال الأشرار المقززين الذين عرفهم»، ومع ذلك فإن هذا اللص الشرير المقزز -كما وصفه الرئيس روزفلت- قد عُيّن فى واحد من أهم المناصب فى ذلك الوقت وأكثرها حساسية: سفيرا لدى المملكة المتحدة خلال الأيام الحرجة للحرب العالمية الثانية.
وللمرء أن يستغرب ممارسة الرئيس هذه الازدواجية، وأن يتساءل عن ماهية القوى التى جعلته يمارسها. أما «ترومان» فاعتبر جو كينيدى محتالا كبيرا، فيما عين أيزنهاور -تمشيا مع رأى أسلافه من الرؤساء- جو كينيدى عضوا فى مجلس إدارة المخابرات الأجنبية، وهى واحدة من أكثر إدارات المؤسسة الحاكمة نفوذا.
لو قلنا إن الولايات المتحدة قد أصبحت أكبر دولة بوليسية فى العالم، لقامت قائمة أنصارها ولم تقعد، لكن هذا ما أوحت به كبريات الجرائد الأمريكية «واشنطن بوست» فى تحقيق صحفى عبر 3 مقالات استغرق تحضيرها سنيين وعمل خلالها عشرون من كبار صحفييها. كانت المقالة الأولى بتاريخ 19/7/2010 وجاء فيها:
- 1271 مؤسسة حكومية تساعدها 1931 شركة تخدمها ضمن أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلى ومكافحة الإرهاب
- و854 ألفا ضمن هذه الأجهزة ممن يحملون تصاريح بالاطلاع على التقارير «سرى جدا» وهذا العدد يزيد مرة ونصفا عن عدد سكان العاصمة واشنطن!.
- 33 مركزا فى واشنطن وحدها مخصصة لأعمال المخابرات السرية جدا مساحة أبنيتها تعادل 17 مليون قدم مربع (نحو 7.1 ملايين متر مربع).
وصل هذا التحقيق الصحفى إلى أن «سلطة رابعة قد نشأت، وهى مُغيّبة تماما عن أعين الشعب الرقابية بستار من السرية الفائقة. لقد أصبحت كبيرة جدا، وحدود مسئولياتها ضبابية، بحيث إن قادة الولايات المتحدة لا يمسكون بزمامها، وهى موجودة فى كل مكان فى أرجاء الولايات المتحدة».
الفرق بين هذه الدولة البوليسية «الديمقراطية» ودول العالم الثالث البوليسية، أن قادة هؤلاء يمسكون فى أكثر الأحيان، بأجهزة مخابراتهم التى هى متنفسهم وحبل وريدهم. ولعل قليلا من الديكورات المستعارة من الديمقراطية الأولى فى العالم تسبغ على أنظمتها شرعية السلطة الرابعة كما فى الولايات المتحدة.

المعلومالية عبادة المال.. والكذبُ «ملح» النظام
الكاتب الأمريكى المرموق والاستراتيجى السابق للحزب الجمهورى «فيلبس» يلخص عوامل ثلاثة تجعل أخلاقيات ومبادئ شارع المال «وول ستريت» دِينا ما أنزل الله به من سلطان؛ إذ كتب: «بالإضافة إلى عبادة قوى السوق، الاعتماد على إحصائيات كاذبة، فقد تبنّى مُلاّك (المعلومالية) قوة الدين لتخدير الأصوليين المسيحيين من شتى الألوان، الذين أُشغلوا (عن الواقع الاقتصادى والسياسى المهيمن) بمواضيع الإرهاب والشر والإسلام».
ويتابع فيلبس: «نحو 40% من ناخبى الحزب الجمهورى، قد تركوا اقتصادات أجدادهم من الحركة الشعبية.. وأصبح همّهم الخلاص عن طريق السيد المسيح، والتخوّف من الإسلام، ومتابعة النبوءات الإنجيلية، وهى تتحقق فى زئير حروب الشرق الأوسط».
ما دمنا فى نهاية العالم، الذى سيشهد دمارا تاما، وقد أصبح مجىء المخلص الأكبر على الأبواب، فماذا يضيرنا هذا الظلم من حولنا ما دام يوم الخلاص قد أصبح قريبا؟!
قلنا إن أصحاب العقيدة الرأسمالية، يُلمعون كهّانهم ممّن سموهم «اقتصاديى العصر»، ليصبح هؤلاء رُسُلهم لترويج أكاذيبهم تحت أجمل المسميات وبأحدث طرق التسويق وغسل الدماغ. كان «كينز» كبير كهنتهم أيام الكساد الكبير، فأصبحت أرثوذكسيته الكينزية هى المرجع لهؤلاء. وإذا ما قال كينز، فصدّقوه. كانت الجماهير الأمريكية تلعن وول ستريت وأصحابه ومؤسساته المالية التى سببت لهم الدمار، وبقى الأمر كذلك إلى أن انقرض جيل الكساد الكبير خلال عقدين بعد الحرب العالمية الثانية.
فجاء كاهن كبير آخر اسمه «ميلتون فريدمان» وقال إن المبادئ والعقيدة الكينزية هى الخطأ الفاحش، بل هى الكفر بعينه. ودعا إلى أن تكون الأسواق -أسواق من؟- هى الحَكَم الأول والأخير، فهى الحكم الكفء الذى يستطيع أن يقرر من يكون ومن لا يكون!. جاءوا بنظرية السوق الكفء «Efficient Market Hypothesis» اتركوا السوق وحده، فككوا قوانين كينز وغيره، دعوا السوق يعمل بكفاءة، وهذا هو خلاصكم!.
بدأت جوقة مدرسة شيكاغو الاقتصادية تعزف هذه الألحان نفسها، ومن بعد تمهيد وغسل دماغ الرأى العام، جىء من هوليوود بممثل من الدرجة الرابعة، كان يعمل ممثلا مروّجا لإعلانات «شركة جنرال إلكتريك»؛ إذ نصبوه رئيسا لأكبر دولة فى العالم، وكان اسم هذا الممثل الرئيس هو «رونالد ريجان»، وجىء فى الوقت ذاته بمارجريت تاتشر، فأصبحت الرأسمالية الأنجلوساكسونية، على ضفتى الأطلسى، تعزف أنغام مدرسة شيكاغو وميلتون فريدمان نفسها بتفكيك القوانين الرقابية وترك أسواق المال فى وول ستريت ولندن على عواهنها.
وما هى إلا سنوات حتى جاء انهيار أسواق المال؛ فقد خسر مؤشر داو جونز فى انهيار 1987 23% من قيمته السوقية فى يوم واحد!. ولولا تدخل الدولة –نعم، الدولة التى اعتمد النظام الجديد على إبعادها عن السوق- لانهار النظام بأكمله.
لم يكن تدخل الحكومة لحماية بارونات شارع المال من حماقات أنفسهم، حادثا فريدا، بل تمّ تأسيسه سرا فى عهد الرئيس ريجان؛ فحسب الوثائق والتقارير الصحفية التى ظهرت لاحقا، تبين أن إدارة ريجان -وكان وزير ماليته كالعادة من وول ستريت- قد شكلت لجنة اسمها (فرقة الحماية من السقوط) بقيت تعمل منذ ذلك الوقت سرا حتى اضطرت إلى الظهور أيام الأزمة الأخيرة.
والـPPT هو تآلف يتكون أساسا من وزير المالية (الذى يأتى دوما من وول ستريت) ورئيس البنك المركزى، بالتناغم مع عدد محدود جدا من كبار لاعبى وول ستريت، بحيث يتم شراء ما يسمى «Stock Index Futures» أوقات الأزمات لرفع قيمة الأسهم الأمريكية.
كان تآلف «بولسن Paulson» وزير خزانة بوش، وبرنانكى (رئيس البنك المركزى) أيام الأزمة الأخيرة هو تجسيدا لـPPT الذى اضطر أصحابه إلى الخروج من جحورهم بسبب ضخامة الأزمة. كانت الحكومة تأخذ الحذر الشديد لإتمام هذه العمليات بسرية فائقة؛ إذ إن انكشافها كان سيؤدى إلى دعاوى قضائية لها أول وليس لها آخر؛ لذلك فقد كان من شروط حزمة الإنقاذ الأخيرة، طلب وزير المالية بولسن الحصانة القانونية ضدّ أى مقاضاة -أيا كانت- وعلى أن يكون استعماله أموال دافعى الضرائب حسب ما يراه مناسبا. أما وإنه قد جاء من وول ستريت وسيعود إليه، فقد كان إنقاذ مؤسسات وول ستريت هو هدفه الأول والأخير.
إذا كان الكذب عند العرب هو «ملح الرجال»، حسب أحد أقوالهم الشعبية، فالكذب -كما يبدو- هو أساس النظام فى الرأسمالية، لكن أن تقوم الحكومة بتأسيس الكذب بإحصائياتها لاغتصاب حقوق المساكين والضعفاء، فهذا منتهى اللا أخلاقية، لنظام لا يدّعى أصلا أن له أخلاقا؛ فمؤشر أسعار السلع الاستهلاكية كان يعتمد على سلة من البضائع تُستعمل أسعارها الحقيقية؛ كان ذلك حتى عقد التسعينيات من القرن الماضى.
وفى خلال ذلك العقد، حُذفت مادتا الغذاء والوقود من تلك السلة، وهى الموادّ
الأكثر زيادة وتأثيرا فى الأسعار؛ وذلك ليصبح معدّل التضخم أقل مما كان عليه؛ وذلك لأن رواتب المتقاعدين مرتبطة بغلاء المعيشة. كذلك فإن غلاء المعيشة يؤثر سلبا فى حسابات الدخل القومى GDP. ولقد قاس بعض الاقتصاديين بعد ذلك، هذا التأثير بأن احتسبوا CPI بإبقاء الغذاء والوقود ضمن السلة كما كانت، فكانت النتيجة زيادة 3% عن الأرقام التى تنشر ونشرت بعد التغيير المذكور أعلاه.
صدّق أوباما نفسه بأنه أصبح رئيسا لأقوى دولة فى العالم. كان أول من عيّنه فى البيت الأبيض رئيسا لديوانه ليس يهوديا أمريكيا فقط، بل «إسرائيليا» خدم فى الجيش «الإسرائيلى»، سلم مفاتيح الخزانة الأمريكية إلى ثلاثى جاءوا من وول ستريت وبرضاه: وزير الخزانة هنرى بولسن، ورئيس البنك المركزى بنيامين شلومو برنانكى، وتيم جيثنر؛ إذ كانوا المجلس المصغر لفتح صنابير الخزانة الأمريكية إلى أبناء جلدتهم. لم يسأل أحد كيف تسنّى لأقليه تدّعى أنها لا تمثل سوى 5.1% من مجموع السكان الأمريكان أن يكون 100% من قرارات أزمة المال فى أيديها؟!
أما عن السياسة فحدث ولا حرج. أراد بعض صهاينة أمريكا إنقاذ «إسرائيل» من شرور أنفسها، بفرض حل الدولتين، قبل أن يجعله، التكاثر الفلسطينى أمرا مستحيلا ديمغرافيا خلال عشر سنوات؛ إذ سيصبحون هم الأكثرية فى عقر دارهم. وكانوا يعتقدون أن غلاة المتشددين هم أعداء أنفسهم. بناء على رغبتهم توعد أوباما وهدد، وكان لقاؤه الأول فى البيت الأبيض متوترا مع نتنياهو، الذى أصرّ على مواقفه بخصوص كل شىء، لكن اللوبى اليهودى يتبع من يحكم فى «إسرائيل» أيا كان، فبدأ عمله وبدأ أوباما بالتراجع المهين.
كتب الكاتب الأمريكى روبرت دريفوس يهودى الديانة، مقالا بتاريخ 12/7/2010 فى مجلة «ذا نيشن» المعروفة، يعلق فيه على زيارة رئيس الوزراء «الإسرائيلى» نتنياهو فى 6/7/2010 إلى واشنطن التى أذعن فيها أوباما لشروط نتنياهو؛ قال فيه: «أقام رئيس الوزراء (الإسرائيلى) نتنياهو مستوطنة غير شرعية أخرى، لكن هذه المرة على أراضى البيت الأبيض. ويبدو أن الرئيس الأمريكى أوباما قبل أن يكون حارسا لهذه المستوطنة».
حتى إن «الحُرْمة» الكاتبة الأمريكية «دانا ميلبانك»، كتبت فى أشهر الجرائد الأمريكية «واشنطن بوست» الواسعة التأثير والصادرة فى واشنطن والمملوكة من عائلة يهودية فى 7/7/2010 اليوم التالى للزيارة إياها: «لعل ما يجب أن يفعله موظفو البيت الأبيض بعد زيارة نتنياهو الرئيس أوباما، هو أن يرفعوا العلم الأبيض مستسلمين».
عندما بدأ أنصار نتنياهو يهاجمون أوباما ويتهمونه بمعاداته السامية، انبرت لهم مجلة «تايم Time» بتاريخ 27/5/2010 كتبت: «لو نظرنا إلى الايحاءات (الإسرائيلية) بأن أوباما تُدغدغه شعور اللا سامية، فإن مثل هذا الاتهام يثير دهشة مساعدى الرئيس»، يقول بن رودس (مساعد مستشار الأمن القومى للاتصالات الاستراتيجية) إنه لقد كانت العائلات اليهودية القوية فى شيكاغو هى التى ساعدت على تنظيم وتمويل حملته الانتخابية، كما أن ابن عم زوجة أوباما هو من أكبر الحاخامات السود الناشطين فى الوسط الأمريكى.
يبدو أننى كنت متفائلا حين كتبت حين انتُخب أوباما رئيسا، وقبل دخوله البيت الأبيض: «باراك أوباما وإيهود باراك.. لا فرق»؛ فهذا العنوان يوحى بالنديّة، لكن حسب معلق أمريكى آخر، كتب أن «واشنطن والبيت الأبيض هما تماما كالضفة الغربية وغزة والجولان.. أراض محتلة»؛ فالأحرى أن يكون عنوانى اليوم «أوباما وعباس.. لا فرق»؛ كلاهما يدير سلطة وطنية تطالب بحكم ذاتى بعيد المنال!.
قال ألبرت آينشتاين: «المشكلات التى نواجهها اليوم لا يمكن حلهّا بالعقول التى خلقتها». وأنا أضيف: «ولا بذلك النظام الذى تسبب بخلق تلك المشكلات».

العالم الذى قال: لا للمعلومالية
كتب وليام جريدر مؤلف كتابCome Home America أحد أكثر الكتب مبيعا فى قائمة جريدة «نيويورك تايمز»: «لدى أشياء قاسية أقولها عن وطنى؛ ففيما وراء الركود الاقتصادى والأزمة المالية... نحن فى مشكلةٍ أعمق مما يفترض كثير من الناس، أو مما ترغب السلطات فى الاعتراف به. ولست أرى طريقا لطيفا لقول ذلك؛ فأمريكا (باعتبارها رقم واحد) قد انتهت؛ فالولايات المتحدة تتجه إلى السقوط، وهو قصاص شديد، سيفرض على مجتمعنا تحولات مشوهة ومؤلمة، كما سيوجه لطماتٍ مذلة لكبريائنا الوطنى. وقادنى تفكيرى فى هذه الأشياء إلى الاستنتاج بأن أمريكا فى أزمة أعمق مما يُعتقد عامة، وبأن استعادة عافيتنا القومية سوف يقتضى تغيرا كبيرا.. تحولا تاريخيا فى طرق عيشنا وعملنا، وفى الطريقة التى نحكم بها».
كتابى الأول الذى نُشر فى 1998 المعنون: «نُذر العولمة» كان عنوانه الفرعى: «هل يستطيع العالم أن يقول: لا للمعلومالية؟». أصبح واضحا أن العالم قال: «لا» بالقلم العريض.
وفى ذلك الكتاب الذى نُشر فى 1998، كتبت فى المقدمة: «إن الأدوات التكنولوجية ووسائل العولمة هذه ليس مرغوبا بها فقط، وإنما هى تطور تاريخى حتمى، ندعو إلى النهل من علومه حتى الإدمان ومعرفة أدواته وأسراره ومواكبتها، لكن هذه الوسائل هى عربة العولمة. والمشكلة تكمن فى الأنظمة والحضارة التى رُكّبت داخل هذه العربة؛ فكأى عربة يمكن أن تكون وسيلة خير أم وسيلة شرّ -وذلك يعود إلى طريقة استعمالها ومن يقودها- فإن ثقافة وأنظمة العولمة يقودها الآن نظام امتصاصى طفيلى حوّل الاقتصاد العالمى إلى كازينو للمقامرة بثروات الآخرين وقدراتهم.
كما أورثت حضارة العولمة التى يُروج لها، ثقافة الاستهلاك، وإطلاق العنان للشهوات والرغبات، والتفكك الأسرى، والجريمة المنظمة، وخلقت دوما فى كل مجتمع وأمة طبقة الـ1% المستولية على مقدرات تلك الأمم، فيما خلقت عوالم ثالثة من بقيّة شعوبها، ربّها كفافها فى أحسن الأحوال، حتى يتراءى لك وأنت فى بعض أحياء نيويورك أو لوس أنجلوس وكأنك فى بنجلادش!.
إن أهم دعامتين للعولمة هما المال والإعلام. ولقد دمجنا كلمتى المالية والمعلوماتية لينتج عنها مصطلح جديد سميناه «الرأسمالية المعلومالية»، تماما كما دمجنا الكلمتين بالإنجليزية وسميناهما «Infofinancial Capitalism»، وهى الرأسمالية الأنجلوأمريكية نفسها التى يبشّر بها النظام العالمى المتعولم الجديد، أنه كدين ما أنزل الله به من سلطان. ولقد عطل النظام المعلومالى دور المال التاريخى من خادم للاقتصاد المنتج إلى عبء عليه، وسُخّر المجتمع كله لخدمة النمو الاقتصادى بدلا من أن يكون النموّ خادما للمجتمع، وتمّ تجيير ذلك النمو كله إلى فئة قليلة متعولمة.
إن ما يقوله جريدر هو تمام ما تنبأنا به. وفى الحقيقة فإن عددا من هذه البيوتات المالية قد دمرت ذاتيا بعد انقضاء سنوات قليلة على وضع كتابنا ذلك، كأمثال «بيرشتيرن Bear Stern» و«ليمان برذرز Lehman Brothers»، فيما حاق الإفلاس بآخرين، حتى إن البنوك الكبرى مثل سيتى جروب، وجولدمان ساكس، جاوزت موجوداتُها غير العاملة، رأسمالهم أضعافا، إلا أنه تم إنقاذهم بأموال دافعى الضرائب، وبالسماح لهم بإخراج أصولهم السامة من ميزانيتهم. وليس من قبيل الصدف أن ساعد فى الموضوع كون وزير الخزانة هو السيد هنرى بولسون المدير التنفيذى السابق لجولدمان ساكس، الذى تصدق بعشرات البلايين من الدولارات من أموال دافعى الضرائب لرب عمله السابق.
وإذا ما استعملنا ما يسميه علماء الرياضيات استقراء واستخلاصا للنتائج، فإن المستقبل عندئذ يبدو مفزعا بالفعل. إن الفارق الأساسى بين الاقتصاديات الكلاسيكية فى القرنين التاسع عشر والعشرين، يتمثل فى ضخامة وجسامة الأحداث التى تتبع الهزة الأساسية.
ففى القرن التاسع عشر كانت البنوك تحتاج إلى مدة أسبوعين لتجلب الذهب أو تشحنه من أوروبا إليها لتغطية عقود وصفقات كبيرة، إذا ما كانت الكميات المطلوبة متوفرة فعلا. أما اليوم فالأمر مختلف تماما؛ عندما أصبحت النقود ورقا فى ورق، فالعرض النقدى غالبا غير محدود عبر آليات وأدوات جديدة، ويمكن أن تشحن هذه الأموال بالوسائل الإلكترونية فى غضون جزء من الثانية.
إن نقل الأموال بسرعة البرق هذه، والكميات الهائلة التى يجرى نقلها من الأموال؛ تخلق عوامل تفجير هائلة رأسمالية تستطيع أن تشعل آثارا مدمرة، وكأنها فتيل حرب كونية ثالثة، لكن دون إطلاق رصاصة واحدة. وما الأزمات الاقتصادية التى عصفت بدول جنوب شرق أسيا وما نجم عنها من كوارث اجتماعية، إلا مثال بسيط على ما يمكن
أن تأتى به الأيام من أخطار كامنة مخزنة فى ذاكرة أجهزة الكمبيوتر، ولا يحتاج انطلاقها إلى أكثر من الضغط على بضعة أزرار فى وول ستريت، فتكون نتائجها عابرة للقارات وعبر الحدود».

دع الحقائق تتكلم
بدأت أزمة جنوب شرق أسيا نتيجة تآمر المضاربين العالميين على عملات المنطقة، بدأ بالبهت التايلندى، وانتهاء بالروبية الإندونيسية. ونتيجة ذلك كانت النتائج
مدمرة، لا لذنب ارتكبه الإندونيسيون، بل نتيجة مقامرة المضاربين العالميين مستعملين ذراع الولايات المتحدة الطولى لترويع الآخرين ولغرض الاستعمار الجديد والسرقة بـ«الريموت كنترول».
لم يعد من الضرورى استعمار الأمم ونهب خيراتها بالاحتلال المباشر، بل أصبح أكثر خبثا ودهاء؛ فعبر شركاء محليين ارتضوا أن يشاركوا بارونات المال العالمى فى عملية نهب شعوبهم مقابل الفتات من غنائم هؤلاء الأجانب، أغرقوا البلاد والعباد بالديون وجعلوا بلدانهم رهينة.
ولنأخذ إندونيسيا على سبيل المثال: كان مجموع ما قتل سوهارتو من الإندونيسيين يقارب مليونا من أتباع سوكارنو ممن قيل إنهم «شيوعيون»، ثم استولى هو وأتباعه على السلطة وفتح أبواب إندونيسيا على مصراعيها للشركات القُطرية، وكان هو وأقرانه الشركاء دوما والوسطاء، وأغرقوا البلاد بالديون.
وعندما قرر حفنة من المضاربين العالميين المضاربة بعملات جنوب شرق أسيا، بدءا بالبهت التايلاندى، انتقلت العدوى إلى إندونيسيا، فطالب صندوق النقد الدولى إندونيسيا بتخفيض عملتها، وبشروط أخرى. لم يقبل سوهارتو بهذا، فجاءه نائب وزير الخزانة الأمريكى برسالة من كلينتون يقول له فيها إن عليه أن يقبل بوصفات صندوق النقد الدولى ومندوبى وزارة الخزانة الأمريكية (كأنها تأتى من عند الله  As if it comes from the hand of God).. وهكذا تمّ دمار الاقتصاد الإندونيسى ودفعت إندونيسيا أضعاف أضعاف مديونيتها بعد انخفاض عملتها.
وبالكلفة الفعلية للاقتصاد الإندونيسى، فقد دفعت إندونيسيا بالروبيات ما يعادل 187.7 بليون دولار، لكن نظرا إلى تخفيض العملة الذى فرضه على إندونيسيا الدائنون أنفسهم، فقد سجل لحسابها 54.2 بليون دولار فقط، وكان الفرق -لو لم تكن هناك مضاربات خارجية- سيسدد كل الدين الإندونيسى: أصل الدين وخدمة الدين من فائدة وخلافه!.. وهكذا سُرقة نحو 135 مليار دولار من الإندونيسيين، فهل من استعمار أدهى وأقذر من هذا؟!
ومن مجموع 282 شركة سليمة حسنة الأداء ومسجلة فى بورصة جاكرتا، بقيت اثنتان وعشرون فقط على ما هى عليه بعد الهجوم على العملة الإندونيسية. وتم كل هذا من قبل المضاربين، عن طريق التحكم عن بعُد، وكان أن سُلبت أملاك 260 شركة، ونُهبت ثرواتها الشرعية. تدافع هؤلاء أنفسهم الذين سببوا إفلاس الشركات الإندونيسية إلى شرائها بأبخس الأسعار؛ ما نتج منه دفع 50 مليون إندونيسى إلى ما دون مستوى خط الفقر.. هذا هو الاستعمار الجديد ذاته واسم دلعه «العولمة».
وما كان يزوده صندوق النقد الدولى لإندونيسيا -وهو الذى أجبر إندونيسيا على برامجه التى أدت إلى هذه المصائب- لا يعادل سوى جزء مما نهبته منها الأمم والمؤسسات العالمية الدائنة؛ فقد سلمها صندوق النقد الدولى عام 2000 مبلغ 2.6 بليون دولار فقط من مجموع 4.6 بلايين دولار تعهد بها؛ وذلك بسبب ما وصفه البنك الدولى بـ«أوجه قصور وفشل فى الإصلاح والمشاريع»، بمعنى فشل إندونيسيا فى الاستجابة لكامل شروط صندوق النقد الدولى، وكانت القروض مربوطة بـ«إحراز تقدمٍ ملموس فى الأداء السياسى»؛ ما يعنى الخضوع الكامل لسياسات إجماع واشنطن.
وبشكل أساسى، فإن إندونيسيا لم تخصخص بسرعة كافية تحظى برضى صندوق النقد الدولى، وبقيت المؤسسات المالية متعددة الجنسيات تطالب بتملك النظام المصرفى الإندونيسى، والذى كان سيصبح من أول جوائز الخصخصة. وقبلت الحكومة إيقاف دعمها الطعام والوقود، إلا أنها -أى الحكومة- أرادت أن تفعل ذلك على نحو أبطأ، كما قبلت ببيع موجودات حكومية معينة، لكن ليس بأسعار محروقة. وفى مارس 2002 بيعت حصة أغلبية لمصرف أسيا الوسطى للمضارب فارالون، وقاعدته فى الولايات المتحدة، ودفع للحكومة 500 مليون دولار مقابل هذه الصفقة، لكنها ستفضى بالحكومة إلى دفع 700 مليون دولار سنويا. واعترف صندوق النقد الدولى بأنه ارتكب أخطاء خطيرة فى أزمة إندونيسيا 1997، إلا أن إندونيسيا تُركت وحدها لتدفع ثمن أخطاء صندوق النقد الدولى.
ويعقد روبرت كوبر المستشار السابق لدى رئيس الوزارء البريطانى، مقارنة بين اشتراطات صندوق النقد الدولى اليوم، وبين إمبريالية الأنجلوفرنسيين فى القرن التاسع عشر؛ عندما قرروا فى 1875 تولى السيطرة المباشرة على مالية مصر لضمان سداد الديون، فكتب قائلا: «كم يختلف هذا عما فعله اللورد كرومر وآخرون فى مصر؟! يبدو شبيها وإلى حد لافت بواحد من برامج صندوق النقد الدولى المتشدد».
عن كتابى «إمبراطورية الشر الجديدة» الصادر سنة 2003، من الفصل الثامن: «ازدهار اقتصاد الكذب»: «إن العالم شهد، منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، كثير من الانهيارات؛ واحدا تلو الآخر: فى أكتوبر 1987 انهار سوق الأسهم، وتلاه الانفجار الداخلى لسوق السندات المخاطرة، وأزمة القروض والادخار.
بدأ عقد التسعينيات بانهيار سوق العقار اليابانى وفقاعة سوق الأسهم، بعد أن أجبرت اليابان على تغيير نهجها الاقتصادى من واشنطن. فى يناير 1995. وضعت الأزمة المكسيكية النظام المالى العالمى على شفير كارثة حقيقية فى العام نفسه، وانهار مصرف (بارينجز بانك Barings Bank). وفى ربيع عام 1995 تحمّل النظام المصرفى اليابانى 2.1 تريليون دولار على هيئة مخصصات الديون المعدومة.
بدءا من صيف 1997 عاشت دول جنوب شرق أسيا انهيارا مفاجئا لعملاتها، بنسب تتراوح من 50 - 80%، وانهارت أنظمتها المصرفية ودمّرت اقتصاداتها بالكامل.
فى أغسطس 1998 تفجرت قنبلة الدين الروسى.
فى خريف 1998 انهارت شركة إدارة رءوس الأموال طويلة الأجل LTCM، وكادت تودى بالنظام الرأسمالى بأكمله معها.
المعلومات المدققة تشير إلى عدم تحقيق نمو فى الشركات غير المالية. وكشفت جداول الضريبة الجديدة لأعوام 1995 إلى 1999 والتقديرات التى روجعت لعام 2000، أن الشركات الصغيرة كانت تتكبد خسائر فادحة. وبلغ حجم خسائر الشركات الأصغر حجما لعام 1999 رقما مذهلا، وصل 300 مليار دولار.
إن النظام المالى الحالى يعيش انهيارا مؤسسيا، وليس ركودا؛ إذ يقول لوذر كمب الاقتصادى الألمانى: «لم يكن هناك بتاتا انتعاش اقتصادى أمريكى خلال التسعينيات، بل كانت هناك أكبر فقاعة مضاربات يشهدها التاريخ، قامت على «ازدهار الأوهام» والإقراض الرخيص للمستهلكين ومستثمرى الأسواق المالية، فضلا عن عمليات الاستملاك والاستيلاء على الشركات».
منذ مارس 2000 انفجرت سوق الأسهم الأمريكية انفجارا هائلا، وشهدنا هدر وضياع 7 تريليونات دولار بالقيمة الورقية فى الولايات المتحدة وحدها، بجانب تريليونى دولار فى كل من أوروبا وأسيا. وخلال الفترة من 10 مارس 2000 إلى نهاية الربع الأول من 2001؛ تراجعت قيمة أسهم (ناسداك Nasdaq) السوقية من 7.6 تريليونات دولار إلى 3.3 تريليونات دولار، وهبطت أكبر ست شركات على مؤشر ناسداك من مستوياتها العليا فى عام 2000 من 362.2 تريليون دولار إلى 914 مليار دولار.
تراجعت القيمة السوقية لـ5000 شركة أمريكية تشكل مؤشر (ويلتشاير Wiltshire 5000) من 96.16 تريليون دولار إلى 6.11 تريليونات دولار، وبخسارة قدرها 34.5 تريليون دولار. ودخلت الولايات المتحدة ذات أضخم مديونية فى العالم، عام 2001 بمديونية قياسية مجمعة تمثل الدين الحكومى، ودين قطاع الشركات، والمديونيات الخاصة تصل إلى 26 تريليون دولار. وارتفعت مديونية المستهلكين إلى ثلاثة أمثال ما كانت عليه مطلع التسعينيات. وكان هذا مصحوبا بأسوأ انهيار تشهده المدخرات الأمريكية منذ الكساد الكبير، طبقا للرسم البيانى الذى صدر عن وزارة التجارة الأمريكية.
كانت الشركات الأمريكية تضيف كل عام مبلغ 5.1 تريليونات دولار من الديون الجديدة، وهو ما يعادل ثمانية أمثال ما كانت عليه الحال مطلع التسعينيات.
إن الدين الإجمالى فى الاقتصاد الأمريكى يتزايد بسرعة 4 مرات عن تزايد إجمالى الناتج المحلى. كانت مظاهر ضعف النظام بكليته وهشاشته صارخة الوضوح.
ما بين 12 و13 من يوليو لعام 2000، وضع مجلس العلاقات الخارجية فى نيويورك (CFR) -وهو مؤسسات نخبة النخبة- سيناريو بعنوان «الأزمة المالية التالية: إشارات تحذير.. السيطرة على الضرر والآثار».
وقد تضمنت السيناريوهات السابقة التى لم يكشف النقاب عنها للملأ، كيف يمكن لهجوم إرهابى رئيس أن يؤدى إلى انهيار بالاقتصادين الأمريكى والعالمى. كان ذلك قبل أحداث سبتمبر 2001.
وجاءت أحداث سبتمبر..
(يتبع العدد القادم..)
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers