Responsive image

20º

26
سبتمبر

الأربعاء

26º

26
سبتمبر

الأربعاء

 خبر عاجل
  • أردوغان يؤكد أن تركيا استوفت كامل الشروط المطلوبة لاستضافة يورو 2024، ويقول: "ننتظر تقييماً عادلاً"
     منذ 4 ساعة
  • الجهاد الإسلامي: "يجب توحيد الصفوف في مواجهة السياسات الصهيو أمريكية"
     منذ 4 ساعة
  • الاحتلال يفرض حصارًا على منطقة سبسطية لصالح المستوطنين
     منذ 4 ساعة
  • هآرتس: روسيا رفضت اقتراحا "إسرائيلي" بإرسال وفد مسؤولين رفيعين من المستوى السياسي لمناقشة أزمة إسقاط الطائرة.
     منذ 5 ساعة
  • أردوغان : تركيا ستواصل استيراد الغاز الإيراني رغم العقوبات الأمريكية على طهران
     منذ 6 ساعة
  • BBC: مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط يحذر من اندلاع حرب جديدة بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة.
     منذ 6 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:17 صباحاً


الشروق

6:40 صباحاً


الظهر

12:46 مساءاً


العصر

4:13 مساءاً


المغرب

6:52 مساءاً


العشاء

8:22 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

عرض كتاب "أمريكا تريد والله فعّال لما يريد" (2-4)

منذ 1951 يوم
عدد القراءات: 8824

الأزمة الاقتصادية عامي 2008 و2009 أكدت النموذج الغربي ليس سوى سراب أفاد منه بنسبة رئيسة أولئك الأكثر ثراء
تواجه الرأسمالية المالية أزمة عميقة  أعمق مما يرغب السياسيون ووول ستريت الاعتراف به
الاحتياطى  الفيدرالى لم ينجز مهمته المزعومة فى تثبيت الاقتصاد، من حيث الركود، والإفلاس والازدهار
روبرت بارو : الحرب ضد الإرهاب ستسهم فى إنعاش الاقتصاد الأمريكى وانتشاله من حالة التباطؤ التى يعيشها
إدوارد بيك: قدمنا ستة خيارات لتعريف الأرهاب رفضها ريجان لأنها تبين بأن أمريكا كانت تمارسه
البروفيسور ليستر ثرو:انهارت الفاشية والاشتراكية والشيوعية وإن شيئا ما يهز أركان النظام الرأسمالى نفسه
الاقتصادى الألمانى لوثركومب: يجب إنهاء المماطلة حول إعلان بالإفلاس العالمى حتى تأخذ حكومات العالم نظام مالى نقدى اقتصادى عالمى جديد
بوش فى مهاتفه مع شيراك: «إن يأجوج ومأجوج ناشطان فى الشرق الأوسط؛ فتنبؤات الكتاب المقدّس تتحقق، وهذه المواجهة هى مشيئة الله الذى يريد استخدام هذا الصراع لاستئصال أعداء شعبه، قبل أن يبدأ عهد آخر»
ثلاثة أعاصيراقتصادية ضربت الاقتصاد الأمريكى:
- 1984-1989 التى نتج منها انهيار سوق المال انهيارا غير مسبوق، وانهيار بنوك التوفير والإقراض
- 1996-2000 التى تلاها انهيار سوق ناسداك، وخسر 74% من قيمته أيام ذروة سعره سنة 2000 وحتى سعر هبوطه الأدنى سنة 2002، الذى صاحبه انخفاض بنسبة 40% لسوق داو جونز فى الفترة نفسها.
- 2003-2007 التى انفجرت عام 2008 وكلّفت دافعى الضرائب الأمريكان تريليونات الدولارات


كتب روبرت بارو Robert J. Baro أستاذ الاقتصاد فى جامعة هارفارد والزميل الأعلى فى معهد هوفر، فى مجلة «بزنس ويك»، بعد أسابيع قليلة من هجمات 11 سبتمبر: «إن استنتاجى الرئيسى هو أن الحرب التى تشن حاليا (ضد الإرهاب) ستكون توسعية؛ لذا فهى ستسهم فى إنعاش الاقتصاد الأمريكى وانتشاله من حالة التباطؤ التى يعيشها».

ثم جاءت حرب الإرهاب
فى مقابلة تلفزيونية مع Amy Goodman صرح (إدوارد بيك Edward Peck) رئيس بعثة الولايات المتحدة فى العراق سابقا ونائب مدير لجنة مكافحة الإرهاب فى البيت الأبيض أيام الرئيس ريجان؛ بأنه «فى سنة 1985؛ عندما كنت نائبا لمدير لجنة مكافحة الإرهاب فى البيت الأبيض فى عهد الرئيس ريجان، طلبوا منا أن نعرّف الإرهاب بحيث يُستعمل فى وزارات الإدارة كافة. وقدمنا ستة خيارات للتعريف، وفى كل مرة يُرفضَ؛ لأن القراءة المتأنية لها تبين بأن بلادنا كانت تمارس بعضها».
(من كتاب حروب البترول الصليبية، الفصل الرابع عشر، 2005): «فإجمالى الدين الذى يعانى منه الاقتصاد الأمريكى حاليا، يتجاوز وبكثير أزمة الديون فى فترة الكساد العظيم خلال الثلاثينيات. ومنذ قرار نيكسون إخراج الدولار من معيار الذهب ووضعه دون غطاء عام 1971 والأوراق النقدية الأمريكية تتراكم بكميات مذهلة. وبالمقارنة، فإن حجم ما طُبع من ورقة النقد الأمريكية من 1950 - 1970 سجل ارتفاعا بنسبة 55%، وهى نسبة معتدلة، فيما نجد أن هذه النسبة تضاعفت إلى أكثر من 2000% من عام 1971 إلى العام 2000.
وفى عام 2003 قال بن بيرنانكى Ben S. Bernanke عن هذا الأمر، عندما كان أحد الحكام الاتحاديين: (تملك الحكومة الأمريكية تكنولوجيا تدعى المطابع، تسمح لها بإنتاج ما ترغب من أوراق الدولارات ومن دون كلفة تذكر؛ ففى ظل نظام الأوراق النقدية، تستطيع الحكومة -إذا ما أرادت- توليد مزيد من الإنفاق ومزيد من التضخم الإيجابى.
ونتيجة لهذه السياسة، أصبح خارج الولايات المتحدة من الأوراق النقدية الأمريكية (الدولار)، ما يزيد عن 2500 مليار دولار، هى دين لحاملها دون فوائد للخزانة الأمريكية. وإذا عاد جزء مهم من هذه الأوراق إلى الولايات المتحدة، عندئذٍ ستكون الطامة الاقتصادية الأمريكية الكبرى!).
تكمن مشكلة الديون بالنسبة إلى رئيس الاحتياطى  الفيدرالى، فى أن جهنم الائتمان تقوم على الدين الذى عادة ما يولد مزيدا من الديون (ائتمانات للبنوك)؛ وذلك تجنبا لحصول انفجار مالى داخلى أو حتى انهيار فعلى للنظام المالى. وفى كل مرة يحاول الاحتياطى  الفيدرالى تخفيف زيادة حجم فقاعة الديون؛ إذ تظهر مشكلة احتمال انهيار الأسواق المالية؛ الأمر الذى يدفع الاحتياطى  الفيدرالى إلى فتح صنبور المال بصورة أوسع».
جاء فى كتابنا المذكور والمنشور سنة 2005 ما حصل تماما بعد سنتين: «وإذا حدث ارتفاع ملحوظ فى معدلات الفائدة الأمريكية، فإن ملايين العائلات الأمريكية الغارقة فى الديون، ستجد نفسها فجأة مجبرة على التخلى عن منازلها، بعد أن أصبحت غير قادرة على تحمل كلفة الفائدة العالية. مثل هذا الوضع سيضرب البنوك التى ستجد نفسها أمام رهونات عقارية بمليارات الدولارات، وقد أصبحت غير ذات قيمة. وهو ما سبق أن حدث فى الثلاثينيات».
كان هذا أيضا ما حدث تماما كما كتب قبل سنوات من حدوثه البروفيسور ليستر ثرو الذى ألّف كتابا بعنوان «مستقبل الرأسمالية»، وهو أستاذ اقتصاد وعميد سابق فى جامعة MIT العريقة يقول:
إن الأنظمة المنافسة للنظام الرأسمالى من فاشية واشتراكية وشيوعية، قد انهارت جميعها، لكن رغم أن المنافسين قد أصبحوا طى الكتمان فى كتب التاريخ، فإن شيئا ما يبدو كأنه يهز أركان النظام الرأسمالى نفسه.
قلنا فى كتابنا (حروب البترول الصليبية): (آن الأوان لنضع حدا للمماطلة فى إعلان إفلاس هذا النظام، ولنحرر حكومات العالم حتى تسلك الطريق نحو إعادة إنشاء أنظمتها المالية والنقدية والاقتصادية بالكامل).
فى رسالةٍ بُعث بها بتاريخ 1 ديسمبر 1989 إلى ميخائيل جورباتشوف، كتب آية الله الخمينى ليبين أن أمراض الاشتراكية والرأسمالية إنما مردّها إلى افتقارهما كلتيهما للقيم الروحية؛ قال: (إنه من الممكن بالطبع، ونتيجة لسياسات اقتصادية خاطئة من قبل السلطات الشيوعية السابقة، أن يبدو العالم الغربى «الجنة الوهمية» مثيرا للإعجاب.. إلا أن الحقيقة تقع فى مكان آخر. وإذا كنت تأمل فى هذا المفترق أن تقضى على العُقد الاقتصادية المستعصية للاشتراكية وللشيوعية، بالالتجاء إلى مركز الرأسمالية الغربية، فإنك فضلاً عن عدم معالجتك أيا من أمراض مجتمعك، ستقترف خطأ سيترتب على من يخلفونك محوُه؛ ذلك أنه إذا كانت الماركسية قد وصلت إلى طريق مسدود فى سياساتها الاشتراكية والاقتصادية، فإن الرأسمالية أيضا قد أصبحت عاجزة عن التقدم فى هذه وغيرها من الأمور ولو على نحو مختلف).
ولا ضير إذا كان آية الله الخمينى قد استشهد بالدين كى يعظ جورباتشوف؛ فهو رجل دين. أما رأس العلمانية رئيس الولايات المتحدة، فقد لجأ إلى (الرب) ترويجا (لحربه على الإرهاب)، مستخدما لذلك الإله والشيطان، ويأجوج ومأجوج، للترويج لحربه على العراق؛ فقد صرّح الرئيس الفرنسى جاك شيراك ببعض مما أبلغه إياه الرئيس بوش و فى محادثة لهما على الهاتف قال بوش: «إن يأجوج ومأجوج ناشطان فى الشرق الأوسط؛ فتنبؤات الكتاب المقدّس تتحقق، وهذه المواجهة هى مشيئة الله الذى يريد استخدام هذا الصراع لاستئصال أعداء شعبه، قبل أن يبدأ عهد آخر».
ولم يستجب الرئيس الفرنسى المدهوش لطلب بوش. وبدلا من ذلك، طلب موظفوه من ثوماس رومر -وهو رجل لاهوت فى جامعة لوزان- أن يحلل الطلب الغريب . وكان أن أعاد الدكتور رومر فى عام 2007 وصف سلوك بوش فى مجلة لوزان ألليه ساغوار.

حتى أنت يا بروتس
كتب جورباتشوف -كما روت «واشنطون بوست»، فى عددها بتاريخ 7 يوليو 2009: «فى الغرب، يُنظر إلى تفكك الاتحاد السوفييتى على أنه نصرٌ كامل يثبت أن الغرب ليس بحاجةٍ إلى أن يتغير؛ فإجماع واشنطن، ومبدأ تحرير السوق وتفكيك القوانين، والميزانيات المتوازنة بأى ثمن؛ قد أُطعِمت لبقية العالم بالقوّة، لكن أتت الأزمة الاقتصادية عامى 2008 و2009 وأصبح واضحا أن النموذج الغربى ليس سوى سراب أفاد منه بنسبة رئيسة أولئك الأكثر ثراء، وأنه لمما يثير الاهتمام أن كلا من جورباتشوف والخمينى قد استعمل الكلمة نفسها لوصف الازدهار الرأسمالى بـ«الوهم» أو «السراب».
ويتابع جورباتشوف: «ولكن إذا كانت جميع الحلول والإجراءات المقترحة، لم تتمخض سوى عن مجرّد إعادة تلميع للنظام القديم؛ فإن من المقدّر لنا أن نشهد كارثة أخرى. وربما كانت هذه المرة أضخم؛ فالنموذج الحالى ليس بحاجة إلى تعديل، بل بحاجة إلى التبديل. إن النموذج الآن يتصدع، ولا بد من استبداله إن عاجلا أو آجلا. وسيكون ذلك عملية فى غاية التعقيد والإيلام للجميع حتى الولايات المتحدة».
من الذى زعم بأنه لا يمكن لجورباتشوف أن يكون على صواب، ولو على الأقل مرة واحدة فى حياته؟! حتى جورباتشوف قال: (لا) للرأسمالية المعلومالية بعد أن ظن أنها هى الجنة.

انهيار الاقتصاد الرأسمالى المقامر
كتب جارى ويز Gary Weiss فى مجلة «بزنس ويك» 25/2/2002: «فضيحة كبرى تتصدر الصحف: اجتماعات الكونجرس، واتهامات جنائية تبدو فى الأفق. إنها الآن قصة شركة إنرون، لكن فضيحة جديدة تظهر، كل بضع سنوات، فى عالم الشركات الأمريكية.
وفى كل حالة من هذه الحالات، وبعد أن ينجلى الموقف، لا شىء ذا أهمية يتغير؛ لأن صانعى القرارات والقوانين يتراجعون عن اتخاذ أى إصلاح ذى معنى؛ فذاكرة الجمهور قصيرة،. وجمهور المستثمرين الصغار الجدد غير منظمين، ورجال الكونجرس حتما سيستمعون إلى وول ستريت، وقوى الضغط؛ فهؤلاء هم الذين يمطرونهم مالا لحملاتهم الانتخابية».
قال آلان جرينسبان رئيس البنك المركزى الأمريكى لمدة 18 سنة، فى شهادته بتاريخ 23 أكتوبر 2008 أمام الكونجرس: «إننا فى وسط إعصار، أو تسونامى تسهيلات ائتمانية، يحدث مرة فى القرن».
ليس دقيقا ما قاله الآن جرينسبان؛ فقد حدثت أعاصير كثيرة خلال ربع القرن من الانفلات، واسم «دلعه» تفكيك القوانين. وعايش الآن جرينسبان 18 سنة منها على رأس البنك المركزى الأمريكى؛ فمنذ أيام الريجانية، حدثت ثلاثة أعاصير؛ كلما جاءت واحد لعن أخاه: الأول كانت فقاعة 1984-1989 التى نتج منها انهيار سوق المال انهيارا غير مسبوق، وانهيار بنوك التوفير والإقراض؛ مما اضطر الحكومة إلى حملة إنقاذ كلّفت دافعى الضرائب الأمريكيين مئات مليارات الدولارات.
ثم جاءت فقاعة 1996-2000 التى تلاها انهيار سوق ناسداك، وخسر 74% من قيمته أيام ذروة سعره سنة 2000 وحتى سعر هبوطه الأدنى سنة 2002، الذى صاحبه انخفاض بنسبة 40% لسوق داو جونز فى الفترة نفسها.
ثم كانت فقاعة 2003-2007 التى انفجرت عام 2008 وكلّفت دافعى الضرائب الأمريكان تريليونات الدولارات حتى الآن.
هل هذه هى الضربة القاضية؟ نعتقد أنه إن لم تكن هى هذه المرة فستكون الأزمة القادمة هى القاضية. ونستدل على ذلك بملاحظة أن الفترة بين الفقاعة والأخرى فى تناقص زمنى، وأن كل أزمة كانت أعمق من سابقتها، وأنه قد غُلّفت الفقاعة بفقاعة أكبر وأخطر فى كل مرة.
منذ فجر التاريخ، ومنذ أيام المسيح، وقبل آلاف من السنين مضت وانقضت، وحتى أيام برنارد مادوف وأشباهه فى وول ستريت، وسرقته 64 بليون دولار، بقى المصرفيون العالميون لصوصا، عدا أنهم أتقنوا حرفة لصوصيتهم عبر مسيرتهم، مستخدمين أحدث الحواسيب ومبرمجى علوم الصورايخ، لتعظيم سرقاتهم، وأصبحت مناوراتهم وألاعيبهم أكثر تعقيدا، إلا أن ثقافتهم بقيت ثابتة لم تتغير، ووظفوا «مأجورين» -سموهم «اقتصاديين»- كُهّانا لنظامهم لتبرير تجاوزاتهم المفرطة، نظرّوا لهم ولعقيدتهم، بأن «الجشع ورع»، أو أن «الجشع والربا والحرص يجب أن تكون آلهتنا؛ لأنها هى فقط تستطيع هدايتنا إلى ضوء النهار»، كما جادل كينز فى عمله المشهور «النظرية العامة فى التوظيف والفائدة والنقود».
ويمكن لأحد كبار الكهنة -مثل كينز- أن يقوم على خدمة أغراضهم يوما، فيما يقوم كبير كهنة آخر -ربما ميلتون فريدمان- على خدمتهم فى يومٍ غيره؛ إذ يتم تبجيله ويضخم دوره كى يروج غرضا آخر، ولا يضر حتى لو ادعى أن جميع سابقيه في مؤسسة الكهانة، كانوا على خطأ جملة وتفصيلا، وأن الخلاص إنما يتأتى من نظرياته.
آلان جرينسبان الرجل الذى أدار الاقتصاد الأمريكى رئيسا للاحتياط الفيدرالى البنك المركزى الأمريكى لمدة 18 سنة غطت الجزء الأعظم من فترة تحرير المحافظين للاقتصاد- هذا الرجل، فى شهادته بتاريخ 23 أكتوبر 2008 أمام لجنة الكونجرس حول الأزمة المالية آنذاك، قال: «إننا فى وسط إعصار أو تسونامى تسهيلات ائتمانية، يحدث مرة فى القرن».
وطبقا لـ«سى بى إس نيوز» فإن آلان جرينسبان قد أنكر أن أزمة الأمة الاقتصادية هى غلطته، إلا أنه سلم بأن عملية الانصهار، أظهرت خللا فى فترة عمر كامل من التفكير الاقتصادى، وتركته فى «حالةٍ من الصدمة وعدم التصديق».
واعترف أثناء الاستجواب، بأنه قد ارتكب «غلطة» فى اعتقاده أن البنوك –وهى تعمل لمنفعتها ومصلحتها الذاتية- ستفعل ما هو لازم لحماية مساهميها ومؤسساتها. ودعا جرينسبان ذلك عيبا ونقصا فى النموذج، يعرّف ويبين كيف يعمل العالم.
وكان العيب الذى «اكتشفه» جرينسبان فى النموذج الاقتصادى الذى كان يقوده، لا أقل من الاعتراف بأن يد آدم سميث «الخفية» لتعديل أوضاع الأسواق ليست موجودة. وهكذا وبالنتيجة، فإن النظرية وراء نظام جرينسبان الرأسمالى برمتها، يعتريها النقص والعيب.
وأُحضِر بن برنانكى إلى عين الإعصار، ليس بمحض الصدفة، وإنما لأن أطروحته للدكتوراه بمعهد مساشوسيتس للتكنولوجيا (MIT)، جادلت بأنه فى حالات الكساد، مثل الكساد الكبير، فإنه ينبغى إنقاذ البنوك بأى ثمن. وكان هو ومصرفى سابق من وول ستريت (الرئيس التنفيذى لشركةجولدمان ساكس ووزير خزانة جورج بوش)، قد صدقا الرؤية والوعد، باستخدام دفاتر شيكات دافعى الضرائب لإنقاذ المصرفيين ذاتهم، وهما اللذان عرّضا غالبية دافعى الضرائب للاجتياح بالتسونامى المالية، كما دعا جرينسبان الأزمة.
وقد أقيم مبنى الاحتياطى  الفيدرالى فى واشنطن؛ حيث بُنى على شكل يشبه المعبد، ويحيط نفسه بغموض روحى أحسن وصفه وليام جريدر: «يستجيب كل من الصحافة والسياسيين لغموض بنك الاحتياط، ويميلون إلى النظر إليه بتوقير وإجلال بصفته مؤسسة تكنوقراطية وسياسية حاكمة تتكون من اقتصاديين متحمسين، يقررون فى مواضيع غامضة وغاية فى التعقيد، يصعب على بقيتنا فهمها. وهذه الاستجابة والميل، يعززان قوة البنك المركزى. ويسمح إجمالى الجهالة ببنك الاحتياطى  بأن يتصرف دون أن يكون عرضة للمسئولية عن أحكامه الأحادية الجانب، أو عن أخطائه الجسيمة».
ومع أن النقود ذات أهمية حاسمة لأنشطتنا الاقتصادية، كما أنها تؤثر فى حياتنا بعمق، فإنها الأقل قابلية للفهم منّا. وهذا تناقض يتماشى جيدا –على ما يبدو- مع أولئك الذين يسيطرون على ويفيدون من غموض النقود هذا.
والمواضيع المتعلقة بالنقود عديدة وحاسمة، ومع ذلك فنادرا ما تُبحَث هذه الأيام على الملأ، أو أن تظهر على الأجندة السياسية لأى من الحزبين، بعكس ما كان عليه الحال فى القرن التاسع عشر؛ حين تصدرت المسائل النقدية الأجندة السياسية؛ فلقد بحثوا الحاجة إلى بنكٍ مركزى، ومن الذى يملك صلاحية خلق النقود؟! أهي المصالح الخاصة أم الحكومة؟! كما بحثوا دور إدارة الخزينة، وهل يكون خلق النقود بوساطة البنوك؟ أم من قبل الحكومة مباشرة؟ وهل ينبغى للنقود أن تكون مغطاة بالذهب؟ أم بالفضة؟ أم بكليهما؟ وهل للحكومة أن تصدر نقودا دون تغطية؟

الاحتياطى  الفيدرالى.. كارتل هجين
كان أحد مواضيع النقاش الحامية لدى حزب الشعب، موضوع خلق النقود والعمليات المصرفية المركزية. وأصبح حزب الشعب حزبا ثالثا ذا نفوذ تحدّى مبادئ الرأسمالية الأساسية، كما تحدى المصالح المصرفية والنقدية. ومع أن حزب الشعب قد خُدع للانضمام إلى الحزب الديمقراطى، فإن الجمهور كان لا يزال –عند انتهاء القرن التاسع عشر- معنيا ومهتما جدا بهذه المواضيع.
وفى العقد الأول من مطلع القرن العشرين كان كثير من البنوك مفلسا، وكان الناس يخسرون مدخرات عمرهم، وكانوا قلقين بسبب تركز الثروة لدى مصرفيى ومتمولى نيويورك. أما السياسيون فكان ينتخب منهم من يعد بالوقوف فى وجه أصحاب المصالح المصرفية، حتى الرئيس ويلسون الذى قاد حملة ضد تكتل النقود، على الرغم من أنه كان قد اختير وموّل وأحيط بتكتل أصحاب المؤسسات المالية.
وكانت وعوده ترمى إلى تأمين نجاحه فى الانتخابات، وتمّ نقضها بعد ذلك. ولعل باراك أوباما هو نسخة طبق الأصل للرئيس ويلسون «أعطِ إشارة للشمال ولكن خذ اليمين». وانتهت خطة المصرفيين بانتخاب ويلسون، وبعدها قرروا أن يضعوا بأنفسهم –سرا بالطبع- مسودة القانون اللازم لإنشاء شخصية اعتبارية للسيطرة على المؤسسات المالية، ومن ثم تمريرها قانونًا فى الكونجرس.
وحصلوا على السناتور نيلسون أولدريتش بصفته السوط الجمهورى فى مجلس الشيوخ، واختير رئيسا لهيئة النقد الوطنية، وهى هيئة خاصة أنشأها الكونجرس كى تقترح توصيات حول كيفية تنظيم تكتل المؤسسات المالية. وكان أولدريتش عضوا مشاركا فى «جيه بى مورجان»، وحمو جون روكفللر الصغير، الذى سمى ابنه «نيلسون أولدريتش روكفللر»، الذى أصبح نائبا للرئيس نيكسون.
وقرر أولدريتش وستة آخرون، عقد اجتماعٍ سرى فى جزيرة جايكل قرب شاطئ جورجيا فى أحد أيام أكتوبر 1910. وكانت جايكل جزيرة مملوكة لأغنياء مصرفيى نيويورك، الذين كانت لهم قصورهم الخاصة مع نادٍ خاص للمجموعة، وكانت منتجعهم الشتوى بعيدا عن شتاء نيويورك المتجمد. أما الستة الآخرون المشاركون فى الاجتماع السرى فكانوا:
- فرانك أندرليب رئيس ناشيونال سيتى بانك أوف نيويورك أكبر بنوك أمريكا فى ذلك الوقت، ممثلا للمصالح المالية لوليم روكيفللر وشركة الاستثمار العالمى «كوهن لويب وشركاهما».
- تشارلز نورتون رئيس مصرف فيرست ناشيونال بانك أوف نيويورك.
- بنجامين سترونج رئيس شركة «جيه بى مورجان بانكرز ترست كومبانى». وكان هذا هو المصرفى الذى أصبح أول رئيس للاحتياط الفيدرالى، وهو النظام الذى صُنع كى يسيطر على ويحد من نفوذ المصارف.
- أبراهام آندرو الذى كان مساعد وزير الخزانة.
- هنرى دايسون الشريك الرئيسى فى شركة «جيه بى مورجان بانكرز ترست كومبانى».
- بول واربرج. وقد ولد فى ألمانيا، وهو أمريكى متجنس، وسليل أسرة واربرج العائلة المصرفية، التى كانت على دراية تامة بممارسات وسلوكيات البنوك المركزية فى أوروبا، وكان يمثل مصالح روتشيلد المصرفية فى إنجلترا وفرنسا، وهو شريك فى كوهن لويب وشركاهما. وشقيق ماكس واربرج الذى يرأس مصالح واربرج المصرفية فى الأراضى المنخفضة وألمانيا. وكان واربرج هو الاستراتيجى الأول لمشروع الاحتياطى  الفيدرالى.
وكانت البيوتات المالية والمصارف التى يمثلها هؤلاء السبعة تمثل 40% من ثروة العالم فى 1910. وصاغ هؤلاء مشروع القانون الذى سيقدم إلى الكونجرس، الذى كان يقصد به رقابتهم والسيطرة عليهم.
وابتداء، أنكروا أنهم اجتمعوا، كما نفوا أن المشروع من وضعهم. وبعد سنوات قليلة أو عقود، كشفوا سرهم فى سِيَرهم الحياتية، أو فى مقالات فى الجرائد. وكتب فرانك فاندرليب مقالة فى «ساتردى إيفننج بوست» فى 9/2/1935 كتب يقول: «لا أعتقد أن هناك أية مبالغة فى أن أتحدث عن بعثتنا إلى جزيرة جايكل، على أنها المناسبة التى حصل فيها الحمل لما أصبح يعرف بعد ذلك بنظام الاحتياطى  الفيدرالى. وطلب إلينا ترك أسمائنا الأخيرة وراءنا، كما طلب إلينا -إضافة إلى ذلك- تفادى تناول العشاء معا فى ليلة مغادرتنا، كما تلقينا تعليمات للحضور، كل على انفراد، وبالخفية ما أمكن، إلى محطة السكة الحديد على شاطئ ألهدسون فى نيوجيرسى؛ حيث ستكون عربات السناتور أولدريتش الخاصة على استعداد، ملحقة بنهاية قطار متجه إلى الجنوب.
وما إن نصبح فى العربة حتى نبدأ الالتزام بالتحريم المفروض على الأسماء الأخيرة، وخاطب بعضنا بعضا بأسمائنا الأولى مثل (بن) و(بول) و(نلسون) و(إيب). حتى إننى تبنيت وسائل تنكريةٍ أعمق، متخليا عن أسمائنا الأولى. وكان يمكن لخدام أو طاقم القطار أن يعرفوا هويات واحد أو اثنين منا، إلا أنهم لم يكونوا يعرفوننا كلنا. وكانت طباعة أسمائنا كلها معا، هى ما كان يمكن أن تجعل رحلتنا الغامضة، ذات أهمية فى واشنطن ووول ستريت، وحتى فى لندن. وببساطة عرفنا أن اكتشافنا يجب ألا يحدث».
وعندما سئل فاندرليب عن: لماذا السرية؟، أجاب: «لو انفضح علنا أمر مجموعتنا بالذات، وأنها قد التقت معا وكتبت مشروع قانونٍ مصرفى، فإن مثل هذا المشروع لن تعود له فرصة -مهما كانت- لإجازته من الكونجرس».

ازدهار وإفلاس وحروب
يجادل تكتل النقود فى أن نظام الاحتياطى  الفيدرالى (البنك المركزى الأمريكى)، كان لازما لتثبيت الاقتصاد وإعادة استقراره، تبعا لدورات ازدهاره وإخفاقه. وفى الواقع -وكما سنرى- فإن هذه لم تكن القضية بتاتا.
كانت الولايات المتحدة فى حالة ركود لعدة سنوات من 1910 وحتى 1914، وكانت مصالح المال العالمية تخطط لحرب كبيرة، وكان إيجاد البنك المركزى الأمريكى ضرورة لازمة لإدارة وضبط مصالح المصرفيين، بعيدا عن مناطق الحرب، خاصة أن أمور بريطانيا المالية كانت متردية وفى حالةٍ يرثى لها. وكان سرا معلوما أن أمريكا ستمول الحرب، كما كان من الواضح للممولين العالميين ومؤسساتهم المصرفية، أن الإمبراطورية البريطانية كانت تفقد متطلبات الإمبراطورية.
وأصبحت أمريكا الحصان الإمبريالى الجديد للممولين العالميين. ولطالما أنشئت مؤسسات توأم بين بريطانيا والولايات المتحدة لتنسيق نقل أروقة السلطة من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة. وكان البنك المركزى خطوة أولى؛ إذ أنشئ على غرار بنك إنجلترا «بانك أوف إنجلاند»، الذى أيضا لم يكن مؤسسة حكومية، بل كان مملوكًا للبنوك الخاصة.
وشهد عقد التسعينيات ازدهارا سرابيا مخادعا أفاد منه وول ستريت والشركات متعددة الجنسية، فيما عانت معظم الشركات المتوسطة والصغيرة الحجم. وانفجر هذا الوهم فى عام 2000 عندما انهار سوق أسهم التكنولوجيا، وكان لا بد من حادث كحادث 11/9 تبريرا للحرب لإخراج الاقتصاد الأمريكى من أزمته. وتمت تغطية فقاعة عام 2000 بأكبر فقاعة عرفها التاريخ.
وأتبع ذلك بحرب، كما يمكن للمرء أن يتوقع من النظام الرأسمالى عبر تاريخه تالية لركود اقتصادى، وفى هذه المرة دُعيت -تلاؤما مع الحدث- الحرب على الإرهاب. وأعلن أن هذه الحرب دائمة ومستمرة وبلا حدود، ولا حاجة للدليل لإعلان الحروب وغزو البلدان؛ فالحرب الاستباقية حق إلهى منحه الرب لجورج بوش وأمريكاه، وشنت الحرب فى أفغانستان وتمّ غزو العراق، وبذا تمت تغطية فقاعة التكنولوجيا بأخرى أكبر منها، ثم تبع ذلك فى 2007 انفجار فقاعة القروض العقارية عالية المخاطر.
وبالطبع، فمن الواضح أن الاحتياطى  الفيدرالى لم ينجز مهمته المزعومة فى تثبيت الاقتصاد، من حيث الركود، والإفلاس والازدهار، ومن ذلط الكساد الكبير، فضلا عن الأزمة الاقتصادية الراهنة التى حدثت فى عهده، لا بل بسببه وبسبب سياساته إلى حدّ كبير، إلا أن الاحتياطى الفيدرالى مع ذلك، قد أبدع فى رعاية وتيسير مصالح المصرفيين عبر تاريخه كلّه، ومن ذلك رصد أموال دافعى الضرائب لإنقاذ وول ستريت. وأوضح بول فولكر نفسه، وبما لا غموض فيه، أن ناخبى الاحتياطى  الفيدرالى ومسئوليه هم وول ستريت، أى شارع المال، لا عامة الناس فى شارع.
وعُين فولكر مؤخرًا رئيس المستشارين الاقتصاديين لباراك أوباما، الذى خدم فى الثمانينيات رئيسا للاحتياط الفيدرالى، وأدت سياساته الانكماشية إلى الإضرار بالمزارعين خاصة. وفى فبراير 1985 زار وفد من مشرعى 13 ولاية زراعية، واشنطن كى يشرحوا لفولكر أن سياساته تلحق الأذى بالمزارعين.
وطبقا لكتاب «أسرار المعبد» ص670 كان رد فولكر للمشرعين: «إن ناخبيكم غير سعداء. أما ناخبىّ أنا، فليسوا كذلك». وناخبو فولكر السعداء هم بالطبع مصرفيو  وول ستريت . وفى الحقيقة فإن مستويات الفلتان الاقتصادى بعد إنشاء الاحتياطى، وصلت حدودا غير مسبوقة مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان حصاد ذلك هو الكساد العظيم، بعد سنوات قليلة من إنشائه.
وما إن توقفت الحرب العالمية الأولى، حتى حدث ركود اقتصادى بين 1918 و1919 سببه وقف الإنتاج الحربى وتدفق الجنود العائدين، إلا أن الخلاص من الركود لم يدم سوى ستة أشهر، ليعود بعدها ركود حاد بين 1920 و1921 حقق أعنف انخفاض لأسعار مبيعات الجملة بلغ 36.8%، وكان ذلك أكبر هبوط حدث فى التاريخ المسجّل. وكرر الركود العودة فى الفترة 1923-1924 ثم كرّة أخرى فى الفترة 1926-1927 وحتى اللطمة الكبرى: الكساد العظيم فى أغسطس 1929.
ودام هذا الكساد أكثر من عقد، وتحقق الخلاص منه فقط بدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. وثانيةً، تسبب تدفق الجنود العائدين ووقف الإنتاج الحربى بركود تلا وقف الحرب مباشرة فى 1945 ودام ذلك عشرة أشهر، ثم عاد الركود فى 1948-1949 وانتهى بالحرب الأمريكية فى كوريا فى 1950، التى دامت حتى منتصف 1953. وبعد أن وقفت الحرب تقريبا سُجل حدوث ركود فى يوليو 1953 دام عشرة أشهر، وأنتج الاقتصاد للحرب فى معظم عقد الستينيات من القرن الفائت، ومع ذلك حصل ركود بين 1969،1970 وأيضا 1973-1975. أما فى ثمانينيات القرن فحدث ركودان اثنان بين 1980 و1983.
ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة دخلت ركودا عميقا فى يوليو 1990. وفى ذلك الشهر أبلغت السفيرة الأمريكية فى العراق صدام حسين -وهما يبحثان نزاعات الحدود العراقية الكويتية- بأن الولايات لن تتدخل فى النزاعات العربية-العربية، وهو ما فسّره صدام بأنه ضوء أخضر لغزو الكويت. وخلال أيام قليلة بعد ذلك -أى فى 2 أغسطس 1990- غزا صدّام الكويت، وأبلغت المخابرات الأمريكية التى كانت تشاهد 100 ألف جندى يتحركون صوب الكويت، الرئيس الأمريكى بذلك، إلا أن أى إجراء لم يُتخذ؛ فنظام عالمى جديد كان مخططا له، هو الآن قيد التنفيذ. وحُشد 500 جندى، وكانت 40 يوما من الحرب كافية لإخراج الولايات المتحدة من الركود. وانتهت حرب «عاصفة الصحراء» فى الأسبوع الأخير من يناير 1991. وانتهى الركود فى مارس 1991.
كانت الولايات المتحدة تفرض عولمتها وعلامتها الخاصة للرأسمالية الأنجلوساكسونية الأمريكية على معظم أرجاء العالم خلال تسعينيات القرن العشرين. وكانت شركة طيران يونايتد الأمريكية تشحن حمولات طائرات كاملة من ورقة المائة دولار النقدية إلى روسيا. وكان هناك دزينات المليارات من الدولارات فى التداول، بعد فترة وجيزة من انهيار الاتحاد السوفييتى. ومثل هذه النقود كانت قروضا بلا فوائد لصالح خزينة الولايات المتحدة الأمريكية، طالما أبقوها فى بلدهم!، ثم تبع ذلك فى 2007 انفجار فقاعة القروض العقارية عالية المخاطر، ثم انهيار وإخفاق النظام المصرفى بكامله، ودون أن تلوح لذلك نهاية وقت كتابة هذا الفصل.

والآن.. إفلاس النظام
إن الانصهار والتفكك المالى للأسواق المالية وتعطّل النظام، قد سميت أسماء مختلفة، من قبل أناس مختلفين حسب خلفياتهم وتوجهاتهم الأيديولوجية؛ فدعاها البعض ركودا، ودعاها آخرون ركودا عميقا، أو كسادا خفيفا، أو كسادا، أو تسونامى ماليا، وأسماء أخرى عدة، عدا اسمها الحقيقى: إفلاس نظام اقتصاد السوق والنظام النقدى.
فقد وافق الجميع على أن الرأسمالية المالية تواجه أزمة عميقة  أعمق مما يرغب السياسيون ووول ستريت الاعتراف به. وتقريبا وافق الجميع على أن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه أبدا، وخلص كثيرون إلى أنه لا بد من «التغيير» الذى كان أيضا شعار حملة أوباما، ولم يكن خيار النقّاد لتغيير «تجميلى» للمؤسسة، وإنما لتغيير جذرى يعالج أمراض السياسة والمجتمع الأمريكيين.
وكانت الرأسمالية المالية، التى أطلق عنانها بوحشية، بإلغاء نظام صرف بريتون وودز، وإلغاء الغطاء الذهبى للدولار مع تحفيز من حالة اللا نظام (التحرر من العوائق النظامية Dergulation)، كانت هذه الرأسمالية تعصف بها الأزمات الواحدة تلو الأخرى، وكل واحدة تأتى أكثر خطورة وصعوبة للسيطرة عليها؛ فقد خبر عقد السبعينيات من القرن العشرين تضخما منفلتا. وفى الثمانينيات منه كان هناك انهيار أكتوبر 1987 (الاثنين الأسود)، والانفجار الداخلى لسوق الصكوك عالية المخاطر جنك junk bonds، وانهيار بنوك المدخرات والقروض، الذى ألحق بدافعى الضرائب الأمريكيين مليارات الدولارات من الخسائر لإنقاذ هذه المؤسسات.
وفيما كانت الولايات المتحدة تدفع ببقية العالم لتبنى علامتها الاقتصادية بعد انهيار الشيوعية، هاجمت الرأسمالية الأمريكية الأنجلوساكسونية الاقتصادات الأخرى بوحشية. وشهدت تسعينيات القرن العشرين فقاعة «انهيار سوق العقار وسوق الأسهم»، والأزمة المكسيكية فى 1995، كما شهدت السنة نفسها انهيار مصرف بارينجز. وتحمل القطاع المصرفى ما قيمته 1.2 تريليون دولار من الانكشاف أمام ديون رديئة، كما تعرضت بلدان جنوب شرق أسيا لانهيار عملاتها بنسب تراوحت بين 50% و80% بسبب مناورات المضاربين فى صيف عام 1997؛ ما دمرها وعطل نظامها المصرفى.
وفى خريف 1998، انهار صندوق إدارة رأس المال طويلة الأجل (LTCM). وخلافا لكل مواعظه حول متطلبات الحكمة التقليدية التى كان يعظ بها البلدان الأخرى، من ضرورة ترك المصارف والمؤسسات التى تفشل لمصيرها، كان الاحتياطى الفيدرالى النيويوركى -أى الواعظ نفسه- هو الذى أدار إنقاذ (LTCM)، مدعيا أن سقوط (LTCM) كان يمكن أن يجر معه النظام الرأسمالى برمته.
كذلك، حصل انصهار ما تسمى التكنولوجيا High Tech فى عام 2000، وألحق انفجار السوق الداخلى هذا 7 تريليونات دولار من الخسائر الدفترية بالولايات المتحدة وتريليونى دولار بأوروبا وأسيا. وتبع ذلك إفلاسات لعدة شركات كبرى منها شركة إنرون. وفى هذا الخصوص كتب الاقتصادى الألمانى لوثركومب: «الحكومة الأمريكية، سواءٌ كانت غير قادرة أو غير راغبة فى التصرف واتخاذ إجراء بشأن فشل النظام، فإنها تطلب خلاصها بدلا من ذلك باللجوء إلى مغامرات عسكرية، فيما أظهرت خيرة شركات الواجهة (للاقتصاد الجديد) نفسها بأنها محتالة ودجّالة»، وختم بالقول: «لقد أزف الوقت لإنهاء المماطلة والتسويف حول إعلان بالإفلاس العالمى، بغرض جعل حكومات العالم حرة فى أخذ المسار نحو إعادة البناء بالكامل، لنظام مالى نقدى اقتصادى عالمى جديد».

الرأسمالية فى طريق مسدود
ويبدو أن معظم الخبراء، حتى أولئك الذين ينتمون إلى المؤسسة، يقرون –على الأقل- بأن الأمور لن تعود إلى سيرتها الأولى بعد هذه الأزمة المالية؛ ذلك أنها جلبت إلى السطح جميع العلل ونقاط الضعف التى تواجه البلد، التى منها -إضافةً إلى النظام نفسه- مواضيع خطيرة لا بد من التصدى لها مثل المديونية الهائلة، والعجوزات التجارية، وكلفة الاتجار بالحروب، ورأس المال اللازم لإعادة التزود بالمعدات لجميع عمليات الإنتاج والبنى التحتية لفترة ما بعد الاقتصاد البترولى، مع معالجة المواضيع البيئية التى لا يمكن إهمالها لفترة أطول.
ومعالجة هذه المسائل معالجة صحيحة سيعترضه الذين سببوا هذه المشكلات، وعلى رأسهم وول ستريت، والمؤسسات المالية، والشركات متعددة الجنسية.
وعبر مايكل شيرتوف وزير الأمن الوطنى لدى إدارة بوش الثانية، عن رأيه فى حديثه المعنون «لماذا لا تعمل واشنطن؟»، الذى ألقاه فى جامعة هارفارد فى 12 فبراير 2008: «إن العوائق أمام التغيير فى واشنطن أكثر بنيوية من كونها حزبية».
وطبقا للوزير شيرتوف فإن المعيقات أمام التغيير -وإلى حدّ كبير- هى مصالح الأفراد والجماعات النافذة، التى تجعل من الصعب إحداث تغيير دراماتيكى فى واشنطن «ما يحبط متابعة المصلحة العامة».
أما جوزيف إى . ستيجليتز، حائز جائزة نوبل، فقد قال فى مقابلة بتاريخ 29/3/2009 مع مجلة «نيوزويك»: «ما هو واضح أن نموذج رخاء الشركات الأمريكى -رعاية الشركات وليس الناس- قد انكسر» . كما قال عن خطة جيتنر لتفريغ حمولة المصارف من الديون الرديئة فى الولايات المتحدة: «إنه لأمر فظيع، ألا يتحمل المستثمرون المسئولية؛ لا يزال بمقدورهم الابتعاد إذا ما ساءت الأمور، إنه ما ادعوه الاشتراكية الأمريكية.. اشتراكية الخسائر وخصخصة الأرباح».
وحائز آخر لجائزة نوبل هو بول كروجمان -وهو بالتأكيد شخصية مرموقة من شخصيات مؤسسة شرق أمريكا؛ فهو أستاذ الاقتصاد فى جامعة برينستون، وكاتب عمود فى جريدة «نيويورك تايمز»- فى 6 أبريل 2009 كتبت «نيوز ويك»: «فى عموده الذى يظهر مرتين فى الأسبوع، وفى منتداه الحوارى على الإنترنت، المسمى (ضمير ليبرالى)، ينتقد أتباع أوباما لمحاولتهم تشغيل نظام مالى يعتبر أنه يمشى وهو فى حكم الميت. وفى محادثة له يرسم صورة لوزير الخزانة تيم جيتنر، ورسميين كبار آخرين، على أنهم -فى النتيجة- أدوات وول ستريت. ودعا كروجمان سياسة تيم جيتنر تجاه إنقاذ وول ستريت بأنها (نقود مقابل القمامة cash for trash)».
لعل النظام الرأسمالى سيلحق الشيوعية إلى مزبلة التاريخ كما تنبأ له أصحابه أعلاه.

غزو العراق وأفغانستان مسمار فى نعش المشروع الأمريكى
كتبت ليندا هيرد فى «أراب نيوز» (السعودية) بتاريخ 29/6/2010 بعد 9 سنوات من اندلاع الحرب من أقوى قوة سطرها التاريخ: «لا يزال أسامة بن لادن حيا، ولا يزال الملا عمر يدير معركته العسكرية عبر دراجته النارية، والفساد أكبر مما كان فى تاريخه، ولم يتحقق أى هدف مطلق للولايات المتحدة».
كما كتبت «أراب نيوز» (السعودية) بتاريخ 1/7/2010: «كيف يستطيع جيش غير نظامى يتكون من 30 ألفا - 40 ألف رجل الصمود ضد القوة العالمية العظمى الوحيدة لتسع سنوات طوال، خصوصا عندما نضيف أن مع هذه الولايات المتحدة تحالفا من أقوى جيوش العالم الأخرى؟!
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers