Responsive image

25
سبتمبر

الثلاثاء

26º

25
سبتمبر

الثلاثاء

 خبر عاجل
  • الجيش اللبناني يعلن مقتل أحد أفراده وإصابة آخرين قرب الحدود السورية
     منذ 9 دقيقة
  • مقتل 25 مدنيًا إثر غارات أمريكية وسط أفغانستان
     منذ 9 دقيقة
  • مستوطنون متطرفون يقتحمون الأقصى المبارك ويرددون النشيد الصهيوني
     منذ 9 دقيقة
  • مراسل شهاب: زوارق الاحتلال تطرد الصيادين من مسافة 6 ميل في بحر شمال قطاع غزة
     منذ 45 دقيقة
  • صلاح يحصد جائزة أفضل هدف في العالم
     منذ 13 ساعة
  • الدفاع الروسية: معطياتنا الجديدة تثبت مسؤولية الطيران الصهيوني الكاملة عن إسقاط الطائرة "إيل20"
     منذ 15 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:17 صباحاً


الشروق

6:39 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:14 مساءاً


المغرب

6:54 مساءاً


العشاء

8:24 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

تحالف بين «وول ستريت» والبنتاجون لإخضاع المسلمين لنظام العولمة

عرض كتاب

منذ 1942 يوم
عدد القراءات: 6848
تحالف بين «وول ستريت» والبنتاجون لإخضاع المسلمين لنظام العولمة


 >>العولمة هى العملية التى تحوّل الإمبراطوريةُ الأمريكية بوساطتها الدولَ القومية إلى (جمهوريات موز) فى خدمة الإمبراطورية
>> الحرب فى أفغانستان هى الأطول فى تاريخ حروب الولايات المتحدةضد خامس دول العالم فقرا
>> لم يُعرف عن بوش المعرفة بالشئون الخارجية.. وعندما سألته  مجلة «جلامور» إذا كان يعرف من تكون طالبان، فأجاب بأنها فرقة لرقصة «روك أند رول»
>> أفغانستان لا تزيد على 6 ملايين.. بثت الرعب فى قلوب أمة تسمى «النخبة» يبلغ عدد سكانها 300 مليون
 >>«دوجلاس ماكجريجر»: لو أنفقنا تريليون دولار لإعادة هيكلة الحضارة الإسلامية فى العالم.. لكان هراء
>> مبدأ «وولفوتز»:هدفنا فى الشرق الأوسط وجنوب غرب أسيا الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة والغرب على الوصول إلى مناطق النفط
 >>أفغانستان لم تكن على أجندة كلينتون السياسية.. غير أن مصالح النفط والغاز فرضت ضرورة الانخراط فى الشأن الأفغانى مرة ثانية
 >>احتل البريطانيون الإمبرياليون أفغانستان لتشكل منطقة عازلة بينهم فى شبه القارة الهندية وبين روسيا
>> أصبحت الصحوة الإسلامية مصدر قلق أمريكى بعد انتصار الانتخابى الإسلامى فى الجزائر وصعود حزب الله فى لبنان وحماس فى فلسطين
>> أبلغت منظمة التحرير الفلسطينية رئيس المخابرات المركزية الأمريكية فى تل أبيب بتجمع عناصر الجهاد الفلسطينى الإسلامى حول أسامة بن لادن
 >>أكثر الأمور مدعاة للاستغراب كان الكيفيّة التى برر فيها الرئيسين«ماكينلى»و«بوش»غزوالفلبين والعراقواستخدمهما الرب من أجل الذهب

أمريكا فى أفغانستان

فى يونيو 2010، أصبحت الحرب الأمريكية فى أفغانستان هى الأطول فى تاريخ حروب الولايات المتحدة، رغم إنفاق مئات البلايين من الدولارات ضد خامس دول العالم فقرا. ولعل هذا سؤال يجب أن نوجهه إلى انتباه العالمين العربى والإسلامى بأسلوب معكوس: كيف أمكن لكيان لا يزيد عن 6 ملايين أن يبث الرعب فى قلوب من يسمون «النخبة» من أمة زاد عدد سكانها عن 300 مليون تمتلك مفتاح كل شىء فى مدنيات الغرب (النفط)؟!
كاتب مقال Rolling Stem بتاريخ 22/6/2010 الذى أطاح بالجنرال ماك كرستال القائد الأمريكى فى أفغانستان؛ قد وصل إلى نتيجة فحواها: كسب الحرب فى أفغانستان «يبدو حقيقة أنه أمر غير ممكن».. بذلك اعترف الجنرال ماك كرستال للصحفى Hastings: «قتل الروس مليون أفغانى. وذلك لم ينه المشكلة.. لا يمكن حل مشكلة أفغانستان بمزيد من القتل».
فإذا كان هدف الحرب الأمريكية تحت لافتات الحرب المختلفة، هو تغيير مفاهيم الحضارة الإسلامية، والأمر كذلك، فقد أجاب عن ذلك بوضوح الضابط الأمريكى المتقاعد دوجلاس ماكجريجر: «التفكير فى أنه إذا أنفقنا تريليون دولار لإعادة هيكلة الحضارة الإسلامية فى العالم، هو مجرد هراء».
إن الوجود الأمريكى فى أسيا الوسطى هو ببساطة، حلقة من حلقات خطة الهيمنة على «منطقة تلو منطقة»، التى كان أول ظهورها فى 1992 خلال رئاسة جورج بوش الأب.
ففى هذا الوقت أصبح واضحا أن السياسة الأمريكية -منذ سقوط الاتحاد السوفييتى- اتخذت الإمبريالية العالمية هدفا مركزيا. وكانت المخابرات المركزية الأمريكية واستراتيجية صفوة متنفذى البلد من اليمين المتطرف فى عام 1992، يعرفون جيدا أن حقول النفط الرئيسية خارج الشرق الأوسط، وربما فى الاتحاد السوفييتى السابق، كانت آخذة فى النضوب بسرعة؛ لذلك أصبح إحكام السيطرة على طرق الوصول إلى النفط ذا أهمية قصوى.
وقدّرت الولايات المتحدة أن الآن هو الوقت لماكينتها العسكرية الضخمة كى يدور رحاها فى مرحلة جديدة من العمليات. وكانت هذه الاستراتيجية الجامحة عُرضت فيما دُعى «مبدأ وولفوتز» -دليل التخطيط الدفاعى للبنتاجون1992- الذى وضعه بول وولفوتز وكيل وزارة دفاع الولايات المتحدة للسياسات. وبعد تسريبها إلى صحيفة «نيويورك تايمز» فى مارس 1992 تم على نطاق واسع، تعريفها ووصفها بالإمبريالية، وبأنها تُحبّذ الإجراءات العسكرية الاستباقية لإخماد التهديدات فى مهدها، ولإعاقة حصول بلدان أخرى على وضعية قوة عظمى. ولم يكن مفاجئا ظهور عدد من توصياتها فى وقت لاحق ضمن مبدأ بوش. وكان الجنرال نورمان شوارزكوف الذى قاد حرب الخليج 1991 لغزو العراق قد استبق وثيقة وولفوتز فى 1990عندما أبلغ الكونجرس بأن «نفط الشرق الأوسط هو كدم الحياة للغرب؛ فهو يزودنا بالوقود اليوم. وبما أنه يشكل 77% من احتياطات العالم الحر المؤكدة من النفط فسيبقى يزودنا عندما تنضب موارد بقية العالم».
جاء فى «مبدأ وولفوتز» -دليل التخطيط الدفاعى للبنتاجون- أن «هدفنا الكلّى فى الشرق الأوسط وجنوب غرب أسيا، هو الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة والغرب على الوصول إلى مناطق النفط، كما أننا نبتغى حماية حريتنا فى الوصول إلى الأجواء والطرق البحرية الدولية. وكما أوضح غزو العراق للكويت، يبقى مهما وبالأساس، منع قوى هيمنة أو تحالف من التحكم فى المنطقة. وينسحب هذا بالخصوص على شبه الجزيرة العربية؛ لهذا فإنه ينبغى لنا الاستمرار فى لعب دور بتعزيز الردع والتعاون الأمنى المتقدم».
باكستان وأفغانستان
نشأ محمد ضياء الحق البنجابى المسلم «كابتن» فى جيش المستعمرات البريطانى فيما كان يعرف باسم الهند؛ وذلك قبل تقسيم شبه القارة الهندية إلى الهند وباكستان هذه الأيام، وكان والده موظفا مدنيا من مريدى الإنجليز. وقد صُنعت باكستان باسم الإسلام، على الرغم من أن مؤسسها محمد على جناح كان علمانيا. ولا بد أنه كان ذا حظوة عند السلطات البريطانية التى أسبغت عليه لقب «سير»، وعلى كل حال فقد مات قبل أن يتمكن من ترسيخ مبادئه العلمانية، كما أن خلفاءه الضعفاء لم يتمكنوا من إرساء مبادئه. وبدأ أبو الأعلى المودودى حركة إسلامية قيل إنها متأثرة بحركة الإخوان المسلمين، وضربت هذه الحركة بجذورها فى باكستان وأصبحت تعرف باسم الجماعة الإسلامية أو عصبة المسلمين. وكان ضياء الحق متعاطفا مع تعاليم هذه الحركة. وفى أواخر السبعينيات من القرن الماضى، فيما كانت ثورة الخمينى تفتعل ثم نجحت فى خلع الشاه محمد رضا بهلوى، أعلن ضياء الحق، الذى بلغ رتبة جنرال وأصبح رئيسا لباكستان، أعلن باكستان دولة إسلامية. ورغم أنه كان متدينا فإنه لم يكن على أى نحو متطرفا. وفيما يلى كيف وصف ضابط مخابرات برتبة لواء من المخابرات الداخلية الباكستانية ضياء الحق: «مسلم ورع؟! نعم.. إلا أنه كان سياسيا إلى حد لا يمكنه من أن يحوز حماس التعصب والتشدد»، وأضاف: «ومن دون ضياء الحق، فلعله لم يكن وجود جهاد ناجح ممكنا».. وهكذا، وفى أغلب الظن، فإن هذا كان سبب وجوده فى سدة الرئاسة.
وفى يناير 1984، أعطى بيل كيسى الرئيس ريجان إيجازا مضمونه أن مقاتلى المجاهدين قتلوا أو جرحوا 170 ألف جندى سوفييتى. وطبقا لتقديرات سرية لوكالة المخابرات المركزية، التى كان كيسى يزود ريجان بأرقامه منها، فإن السوفييت قد فقدوا من 350 إلى 400 طائرة فى القتال، كما دمّر المجاهدون قرابة  ألفين و750 دبابة وناقلة جنود سوفييتية مدرّعة، ونحو 800 شاحنة وجيب وعربات أخرى.
وإجمالا وحتى ذلك التاريخ، كبد جهاد المسلمين الاتحاد السوفييتى نحو 12 بليون دولار . وأما كلفة ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة فلم تتعد 200 مليون دولار.
أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات
ويبدو أن ذاكرة الغرب قصيرة ولا يتعلم بتاتا من التاريخ؛ ففى القرن التاسع عشر سمى ملك أفغانى يدعى دوست محمد، نفسه أميرا للمؤمنين، وهو اللقب الذى أطلقه ملا عمر «طالبان» على نفسه، وكان ذلك عندما أراد البريطانيون الإمبرياليون احتلال أفغانستان كى تشكل منطقة عازلة بينهم فى شبه القارة الهندية وبين روسيا، إلا أن الثوار الأفغان، مسلحين بحماسة الجهاد الإسلامى، ذبحوا آلافا من جيش الاحتلال البريطانى وأفياله، وأرغموه على «تقهقرٍ مشين».
وغاصت أفغانستان فى العنف والحرمان بعد أن هجرت الولايات المتحدة المجاهدين، كما تخلت الولايات المتحدة عن سائر المساعدات لأفغانستان بعد سنتين من تسلم بيل كلينتون السلطة.
وبعد تفجّر الاتحاد السوفييتى داخليا، اختفت أجندة أفغانستان من أجندة السياسة
الأمريكية، وتركت الأطراف الأفغانية المتحاربة وبنية أفغانستان التحتية المدمرة لأقدارها، وكان قدرها مع طالبان سلالة دوست محمد وبرئاسة أمير المؤمنين الملا عمر. ومع ظهور روسيا الجديدة فقد تشاركت مع الولايات المتحدة فى قلقها واهتماماتها حيال الصحوة الإسلامية المتصاعدة فى أرجاء العالم الإسلامى كله، من شمال إفريقيا وحتى إندونيسيا، ومنه أفغانستان . وكان الملا عمر وطالبان هم الذين برزوا قوة مسيطرة بعد احتلالهم كابول عاصمة أفغانستان.
وبعد الانتصار الانتخابى الإسلامى فى الجزائر، وصعود حزب الله فى لبنان، وحماس فى فلسطين، أصبحت هذه الصحوة الإسلامية مصدر القلق الأمريكى فى العالم الإسلامى، وكانت إلى ذلك أمرا مزعجا لحلفاء أمريكا العرب والمسلمين . وحتى عندما اختار ياسر عرفات وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية المنتمية إليها السلام مع «إسرائيل» أصبحت حماس مشكلته: «جمعت منظمة التحرير معلوماتٍ استخبارية حول جمع حماس التبرعات، وحول مدارسها الدينية، وشبكاتها لتهريب السلاح. وقد تجمع أفراد أحد فروع حماس -ويدعون الجهاد الفلسطينى الإسلامى- حول أسامة بن لادن».. كان هذا ما أبلغت به منظمة التحرير الفلسطينية رئيس محطة المخابرات المركزية الأمريكية فى تل أبيب. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية تأمل أن تنضم المخابرات المركزية الأمريكية إليهم فى معركتهم ضد الإسلاميين مقوضة بذلك حماس».
وفيما مثّله الملا عمر وحركة طالبان فقد حصلت أمريكا وحلفاؤها على ما لا يريدون؛ فقد كان -عكس ضياء الحق- مسلما ملتزما لا يساوم على مبادئه من أجل السياسة، كما لم تكن لديه مطامح شخصية ولا تهمه المقتنيات الدنيوية، وقد أوضح أن طالبان «هى عصبة بسيطة من الشباب الصغار الذين كرّسوا أنفسهم وبتصميم، لإقامة قانون الله فى الأرض، ومستعدون لبذل الغالى والرخيص لتحقيق هذا الهدف».
وأضاف أن «طالبان ستقاتل إلى ألا يتبقى فى أفغانستان دماء يمكن أن تبذل أو أن يصبح الإسلام طريقة شعبنا فى الحياة». وأبلغت السفارة الأمريكية فى باكستان واشنطن أن طالبان تلقت مساعدات من عدد من المصادر منها باكستان، لكنها سارعت إلى استخلاص أن الراعين سرعان ما سيدركون بأنهم «قد خلقوا نمرا لديه أكثر من الإرادة باتخاذ إجراءات مستقلة، وأنه لن يكون صنيعة أحد أو أداة له».
لكن مثل هذه الآراء لم تحدث فرقا؛ إذ إن أفغانستان وببساطة لم تكن على أجندة واشنطن كلينتون السياسية. وبقيت الحال على ما هى عليه، إلى أن فرضت مصالح النفط والغاز ضرورة الانخراط فى الشأن الأفغانى مرة ثانية.
وجاء دور النفط

أونوكال Unocal -وهى الشركة رقم 12 فى ترتيب شركات الطاقة الأمريكية آنذاك- قدّرت أن مغامرة تتعلق بنفط وغاز جمهوريات أسيا الوسطى التى كانت تابعة للاتحاد السوفييتى السابق، ربما تعوضها عن انتكاساتها الأخيرة فى أعمالها، فقرّرت أن تركز جهودها على جمهورية تركمانستان الصغيرة التى استقلّت حديثا، والتى لا يجاوز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، لكن مع 159 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعى غير المستغل، و32 بليون برميل من النفط. وهذه الاحتياطيات الضخمة تدعى «النفط والغاز الجانح»؛ إذ إن البلد محاط باليابسة، ولهذا -ومع أنهم سيحتاجون لاستثمارات ضخمة لرسوم العبور ولإنشاء خطوط أنابيب نقل هذه الاحتياطيات- هم بحاجة إلى بلد يسمح لهم بالعبور. ومع أن إيران يمكن أن تبدو الخيار الأكثر منطقية، فإن الاعتبارات الجيوبوليتكية أدت إلى استبعاد هذ الخيار، كما استُبعدت روسيا للسبب نفسه، وأفضى ذلك إلى أن تصبح أفغانستان الخيار المفضل التالى.
وأرادت مجموعة أخرى من شركات نفط غربية أمريكية وبريطانية فى معظمها، أن تبنى خط أنابيب من باكو متفاديا روسيا وعابرا جورجيا وتركيا. ورحبت تركيا بالفكرة. أما جمهورية جورجيا الحديثة الاستقلال فيمكن إقناعها بثورة ملونة؛ إذ أصبحت ثورات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الملونة تقليدا لتغيير نظم الحكم؛ إذ يكون ذلك ممكنا. وفى مجال أعمال النفط فإن شيئا ما لا يتأتى بسهولة، غير أن العوائد والجوائز تستأهل العناء.
واختارت «أونوكال» مارتى ميلر، الذى كان يدنو من نهاية خدمته، وكان يتطلع إلى شىء فيه تحد محرز يقوم به. وكان على ميللر الآن أن يحاول إقناع طالبان فى أفغانستان. وفى وقت متأخر من ربيع 1996 توجه إلى قندهار لمقابلة طالبان وأطلعهم على صور وحاول التأثير فيهم بأرقام الوظائف والدولارات التى ستجلبها مشاريع خطوط الأنابيب لأفغانستان. وكان قد أمن ترجمة إلى لغة الباشتو للوحات التوضيحية التى استخدمها. ولكونهم غير مسلمين فقد أُبلغت جماعة أونوكال أنه ليس بمقدورهم مقابلة الملا عمر رئيس طالبان، إلا أنهم قابلوا آخرين من قادة طالبان فى غرفة خالية من الأثاث، إلا من بعض البُسُط على الأرض.
وكان ميللر أحضر معه مسودة اتفاقية مبدئية، إلا أنه اكتشف أن طالبان لم يكونوا فى نهاية المطاف على تلك الدرجة من البدائية؛ فقد أرادوا التعامل لكن بموجب شروطهم الخاصة؛ فما كان من ميللر إلا أن حزم أمتعته وغادر قاصدا حاكم طالبان فى بلدة هيرات. وقد اعتقد الحاكم أن ميللر كان طيبا للغاية؛ لذلك سأله: «لماذا لا تعتنق الإسلام؟!». وبالتأكيد لم يكن ذلك ما حضر ميللر من أجل أن يفعله فى أفغانستان. وما إن عاد ميللر إلى الولايات المتحدة حتى زاره أحد ضباط العمليات من رجال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى مكاتب أونوكال فى شوجر لاند تكساس. وكان مثل هذا الأمر روتينيا؛ فإما أن يزور ميللر وكالة المخابرات المركزية في لانجلى، أو أن ترسل لانجلى ضابط عمليات لتبادل المعلومات مع ميللر بعد عودته من رحلات خارجية. وكانت هذه اللقاءات فى الغالب تكرس لتقارير ميللر عن رحلاته، وفى أحيان أخرى قليلة ربما تعطى الوكالة تلميحا أو معلومة ذات قيمة لميللر. ولقد كانت تلك علاقة متداخلة بين حكومة الولايات المتحدة وإحدى شركات الولايات المتحدة فى سبيل تمكين الحكومة من أن تكون بتصرّف الشركات.
نشرت جريدة «نيويزرك تايمز» فى 13/6/2010 خبرا بعنوان «الولايات المتحدة تجد معادن بكميات هائلة فى أفغانستان» جاء فيه أن «الولايات المتحدة اكتشفت قرابة تريليون (1000.000.000.000) دولار من مناجم المعادن التى لم تستغل. هذه المناجم تتكون من كميات هائلة من الحديد والنحاس والكوبالت والذهب ومعادن مهمة جدا للصناعة مثل الليثيوم؛ ما سيجعل أفغانستان من أهم مراكز إنتاج المعادن فى العالم. وفى مذكرة داخلية للبنتاجون، فإن أفغانستان ستكون كالسعودية من حيث النفط. والليثيوم هو مادة أساسية لتصنيع البطاريات لأجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة. وفى الوقت ذاته يخشى المسئولون الأمريكيون من أن تصبح الصين هى المستثمر لهذه المعادن؛ لكونها متعطشة إلى مزيد من الثروات المعدنية».
أمريكا فى العراق
إن المبادرة لاحتلال أرض الآخرين والأدوار المسندة ذاتيا للتدخل فى شئون البلدان الأخرى، قديمة قدم التاريخ الأمريكى نفسه؛ ففى 1823 شرع الرئيس مونرو ما أصبح يعرف لاحقا بمبدأ مونرو. وضمن نقاط أخرى أوضح هذا المبدأ أنه ليس لأى دولة أوروبية أن تقيم منطقة نفوذ -على الإطلاق- فى أى بلد فى الأمريكيتين باعتبارها منطقة نفوذ للولايات المتحدة، كما أنه أطلق عقيدة أن الولايات المتحدة ستعتبر أى محاولة كهذه للاستعمار تهديدا لأمنها القومى. وفى وقت لاحق سيضيف الرئيس ثيودور روزفلت عبارته المشهورة التى يمكن إيجازها كما يلى: «تحدّث بنعومة واحمل عصا غليظة».
وفى 1962، أطلع دين راسك وزير خارجية كيندى إحدى لجان مجلس الشيوخ على 103 تدخلات عسكرية أمريكية فى شئون البلدان الأخرى بين 1798 و 1894 فقط. وكان درس رسك فى التاريخ -فى جوهره- دفاعا عن هجوم الإدارة على كوبا، وهو غزو خليج الخنازير الفاشل فى 1961. وفى 1963 أوضح دين أتشيسون وزير خارجية ترومان السابق والمستشار، فى وقت لاحق، لكل من إدارات كنيدى وجونسون ونيكسون.. أوضح وبفظاظة أن بقاء الدول هو مسألة ليس للقانون شأن بها.
تشابهات غريبة
عندما قرر بوش تغيير الحقائق من أجل شن حرب احتلال مدعيا وجود صلة بين صدام و11/9، كما تضرع للرب لتأييدها ودعمها؛ فعندها كان التاريخ يعيد نفسه. كان السبب الرسمى لتعليل بدء الولايات المتحدة الحرب الإسبانية الأمريكية سنة 1898 هو الادعاء بأن إسبانيا دمرت المدمرة الأمريكية يو إس إس مين Maine فى هافانا. وتم التحقيق فى الادعاء، لكن بعد احتلال كوبا ومناطق إسبانية أخرى، فاتضح أن الانفجار على المدمرة مين Maine كان على الأرجح «حادثا فنيا» ولم يكن مدبرا من إسبانيا. أما المفجر الحقيقى لهذه الحرب فإنما كان رغبة أمريكا فى التوسع إلى أسواق الشرق الأقصى خاصة الصين. وهنا تدخل الفلبين فى المشهد؛ فمن أجل تأمين معبر إلى «الشرق»؛ فقد كانت الولايات المتحدة مصممة على احتلال هذا البلد ذى الجزر ذات الموقع الاستراتيجى.
إلا أن أكثر الأمور مدعاة للاستغراب كان الكيفيّة التى برر فيها الرئيس ماكينلى الغزو. ولقد استخدم كل من ماكينلى وبوش، الرب من أجل الذهب؛ فماكينلى أبلغ مجموعةً من زوار البيت الأبيض كيفية تلقيه رسالة إلهية لاحتلال وضم أراضى شعوب أخرى: «الحقيقة هى أننى لم أكن أريد الفلبين، ولكن عندما جاءتنا هدية من الرب لم أدر ما الذى أصنعه بها؛ لذا طلبت النصح والمشورة من جميع الجهات –من الديمقراطيين ومن الجمهوريين- على حد سواء ولكن لم أوفق سوى فى الحصول على قليل من المساعدة. وفكرت فى البداية أن نكتفى بأخذ مانيلا فقط، ثم لوزون ثم ربما جزر أخرى أيضا، وبقيت أجول أرضية البيت الأبيض جيئة وذهابا، ليلة بعد ليلة، وحتى منتصف الليل. ولست خجلا من إبلاغكم، أيها السادة، بأننى جثوت على ركبتى وصليت للرب الكلى القدرة طلبا للنور والهداية ولأكثر من ليلةٍ واحدة، وفجأة وفى وقت متأخر من احدى الليالى أتتنى على هذا النحو، ولا أدرى كيف كانت إلا أنها أتت. لم يعد هناك من شىء علينا فعله سوى الاستيلاء عليها جميعا، ومن ثم تعليم الفلبينيين والارتقاء بهم وتحضيرهم وتنصيرهم. وبعد ذلك أويت إلى الفراش لأنام، ورحت فى نومٍ عميقٍ مريح».
أما توكل بوش على الهداية الخاصة فقد كان أكثر بيانا؛ فقبل أسبوع من غزو الولايات المتحدة للعراق فى 10 مارس 2003، كتب هوارد فينمان فى «نيوزويك»، جزءا من تقرير خاص حول، بوش والرب: «يستيقظ جورج بوش قبل الفجر فى معظم الأيّام. وانسحب إلى مكان هادئ لكى يقرأ على انفراد، ومادة قراءته ليست ملخصات إخبارية عن برقيات المخابرات، وليست قراءة من النوع المسلى، وإنما بدلا عن ذلك، كما أخبر أصدقاءه، يقرأ كتابا إيفانجيليكيا يحتوى على عظات قصيرة My Utmost For His Highest، والمؤلف هو أوزوالد تشامبرز. وتحت هذه الظروف فإن الأصداء التاريخية عالية؛ فتشامبرز كان واعظا بابويا جوالا من اسكتلندا، مات فى شهر نوفمبر عام 1917 وهو يحضر الإنجيل للجنود الأستراليين والنيوزلنديين المتحشدين فى مصر (فى جيش الجنرال اللنبى). ومع حلول الكريسماس كانوا قد ساعدوا فى اغتصاب فلسطين من الأتراك (المسلمين). والآن يدور كلام حول حرب جديدة فى الشرق الأدنى، ولكن فى هذه المرة فى أرضٍ تدعى بابل. وفى وقت لاحق من ذلك اليوم، أبلغ بوش مذيعين متدينين، أن الولايات المتحدة مدعوة إلى منح كل إنسان فى العالم هدية الرب، وهى الحرية».
نقمة النفط
لم يُعرف عن جورج دبليو بوش بتاتا، حدة الذهن ولا المعرفة بالشئون الخارجية. وفى الحقيقة، عندما سألته  مجلة «جلامور» فى مايو 2000 عما إذا كان يعرف من تكون طالبان، فأجاب بأنها فرقة لرقصة «روك أند رول».
وبحكم أنه واحد من رجال النفط وابن رجل نفط، وعنده ديك تشينى نائبا للرئيس، وهو رجل نفط، وكوندوليزا رايس عضو مجلس إدارة واحدة من عمالقة شركات النفط الأمريكية، ومستشارته لشئون الأمن القومى؛ لذلك فقد كانت إدارة جورج دبليو بوش، إدارة من الدرجة الأولى لأمريكا الشركات البترولية، ولجهدها الإمبريالى فى السيطرة الكاملة على نفط العالم، ولم يكن هذا مرغوبا فيه لتعزيز أرباح الشركات فقط، بل كان إلزاميا ولا بد منه لأمريكا كى تتمكن من إنفاذ دورها الناشئ عن تعيينها لذاتها منفذا للعولمة، ولتأمين الاحتياجات النفطية للإمبراطورية الأمريكية وحلفائها، فى وقت وصلت فيه مواردهم البترولية قمة إنتاجها، وأصبحت فى مراحل نضوبها الأخيرة.
وقد تحدث الأمريكيون قليلا عن وصول نفطهم حد إنتاجيته الأعلى، لكنهم يعرفون الكثير؛ فالولايات المتحدة قد استُنزف نفطها، فيما يمتلك العالم الإسلامى فى الشرق الأوسط وأواسط أسيا معظم ما تبقى من نفط. وفى الحقيقة فإن معظم احتياطى النفط فى العالم كان آخذا فى الانحدار إنتاجيا صوب نهايته، فيما عدا الشرق الأوسط ودول أواسط أسيا الإسلامية.
وكانت المعضلة واضحة؛ فحضارة أمريكا والغرب القائمة على النفط، إنما تعتمد على نفط لا تملكه، ويقع فى بلاد إسلامية ترفض بعناد الانضواء تحت مظلة الغرب الذى تقوده الإمبراطورية الأمريكية. أما أجندة بوش فتتلخص فى سطر واحد؛ ففى مايو 2001 وبعد شهرين من استلامه السلطة قال: «ما يحتاج الناس إلى سماعه وبصوت عال وواضح، هو أن الطاقة فى أمريكا تنضب».

العوامل الأساسية لغزو العراق

ونختم بأن العراق تم غزوه وأطيح بصدام حسين ثم شُنق فى الواقع لعدة أسباب:
* النفط -كما تم إيضاحه أعلاه- هو العامل الرئيسى، إلا أن عوامل أخرى كانت موجودة.
* حافظ العراق على اقتصاد تديره الدولة خلافا لنصح ورغبة الولايات المتحدة نصيرة التجارة الحرة، التى كانت ترغب فى انفتاح العراق للشركات الأمريكية متعددة الجنسيات. ويتوفر لدى العراق 80 حقلا نفطيا مؤكدا؛ 20 منها فقط طُوّرت وتنتج، مع احتياطى يقدر بـ115 مليار برميل. وبهذه الحقول الـ20 فقط، يملك العراق ثانى أكبر احتياطى نفطى فى العالم. وعلينا أن نتصور الحال عندما تكون جميع هذه الحقول الـ80 تحت سيطرة شركات النفط الأمريكية وفى أيديها.
* أصبح صدّام قوة عسكرية إقليمية تخطت الحدود المقبولة، خاصة فى منطقة حساسة؛ إذ يمكن خلال دقائق من الطيران النفاث الوصول إلى نحو 70% من احتياطيات العالم النفطية.
بعد أن غزت أمريكا العراق وأعادت تسمية غزوها إلى «عملية الحرية»، ألقت الكاتبة الهندية روى آرونهاتى خطابا فى نيويورك فى 13 مايو 2003 بعنوان «الديمقراطية الإمبريالية سريعة الذوبان.. اشتر واحدة واحصل على أخرى مجانا».
وفيما يلى مقتطفات من الخطاب: «قبل أن تبدأ الحرب على العراق، أرسل مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية إلى البنتاجون قائمة بـ16 موقعا حيويا لحمايتها، وكان المتحف الوطنى ثانيا على تلك القائمة، ومع ذلك فإن المتحف لم يُنهب فقط، بل دُنس وانتُهكت قدسيته. وآخر مبنى فى قائمة مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية من الـ16 موقعا واجبة الحماية كان وزارة النفط، وكانت هى الوحيدة التى مُنحت الحماية، ربما لأن جيش الاحتلال اعتقد أنه فى البلاد الإسلامية تُقرأ القوائم بالمقلوب».
تحالف بين وول ستريت والبنتاجون لإخضاع المسلمين لنظام العولمة
طبقا لاثنين على الأقل من استراتيجيى الولايات المتحدة العسكريين النافذين؛ فإن احتلال العراق «لم يكن من أجل تسوية حسابات قديمة أو من أجل فرض نزع سلاح بقرار الأمم المتحدة، بل بدلا من ذلك، كان أول تطبيق لاستراتيجية إدارة بوش فى الحرب الاستباقية الإجهاضية، وكان نقطة فاصلة فى التاريخ، وهى اللحظة التى قررت
فيها واشنطن الامتلاك الحقيقى لاستراتيجية الأمن فى عصر العولمة».
هكذا كتب توماس بى إم بارنت الباحث الأول السابق فى الاستراتيجية، وأستاذ كلية الحرب البحرية للولايات المتحدة، وهنرى إتش جافنى (قائد فريق بمركز الدراسات الاستراتيجية فى هيئة البحوث المستقلة)؛ وذلك فى مقالة بمجلة المسئول العسكرى فى مايو 2003. وكان عنوان المقالة «استراتيجية التصرف عالميا»، ويوصيان بأن على الولايات المتحدة «أن تتوقع الإسهام بحصة الأسد من الجهد الأمنى لتطبيق العولمة؛ لأننا سنكون من سيتمتع بفوائدها بما يفوق ما قدمنا».
بعد مرور عشر سنوات على تأليفى كتابى عن العولمة، أصوغ الآن تعريفى الخاص لها: «العولمة هى العملية التى تحوّل الإمبراطوريةُ الأمريكية بوساطتها، الدولَ القومية إلى جمهوريات موز فى خدمة الإمبراطورية، مستخدمة بذلك ما أمكن مؤسسات عالمية (صندوق النقد الدولى، ومنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولى، والأمم المتحدة)، والقوة العسكرية عندما تقرر الإمبراطورية وحدها لزوم ذلك».
وهكذا، وحيث إن الولايات المتحدة تجد أن العولمة الاقتصادية تعمل لمصلحتها، وحيث إنها -أى الولايات المتحدة- مسئولة عن نصف الإنفاق العالمى على التسلح، والقواعد العسكرية، والوجود البحرى، والحروب؛ فإن المؤلفين ينوهان بأن الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادى والعشرين يجب أن تكون «استيراد الاستهلاك وتصدير الأمن» أى تصدير الحروب.
ويقسم بارنت وجافنى العالم إلى بلدان ترغب فى الاصطفاف بجانب قوانين العولمة كما وضعتها البنتاجون و(وول ستريت) «النواة العاملة»، وأولئك الذين لا يقبلون قوانين العولمة، بسبب التصلب السياسى أو الثقافى، وهم «الفجوة غير القابلة للاندماج». ويقع العالم المسلم فى الصنف الأخير، فيما يسمون الصين والهند وجنوب شرق أسيا «النواة الجديدة»؛ إذ إن هذه البلدان لديها قابلية التواصل والارتباط بالعولمة، فيما تشكل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان «النواة القديمة». ويجادل المؤلفان بأن على الولايات المتحدة -بصفتها إدارى العولمة- أن تؤمّن وتحقق «التدفقات» الأربعة التالية بتزامن؛ إذ إن تعطل أى واحدة منها سيلحق ضررا بالأخريات، ويؤدى إلى تعطيل العولمة.
التدفق الأمنى
وطبقا لجافنى وبارنيت، فإن المناطق الرئيسة لتدخلات الولايات المتحدة العسكرية، فى النصف الأول من القرن الحادى والعشرين، ستكون أواسط وجنوب غرب أسيا. ولكل النوايا والمقاصد فإن هذه المناطق هى العالم الإسلامى. إنهم يكتبون أن على الولايات المتحدة أن «تصدر الأمن» إلى هذه البلدان، وبذلك إنما يعنون قواعد عسكرية، وزيادة الوجود البحرى، وأنشطة الرد على الأزمات، والتدريب العسكرى.
وفى معادلة العولمة حسب الولايات المتحدة، التى عرفت بأنها «تصدير الأمن واستيراد الاستهلاك»، فإن السلعة التى ينبغى استيرادها هى النفط. أما تلك الواجبة التصدير فهى الحرب، وبالإضافة إلى ذلك، يقول المؤلفان -وحيث إن النزاع بين البلدان الإسلامية والولايات طويل الأمد- فإن «من الأجدر بالولايات المتحدة أن تقيم قواعد عسكرية دائمة فى العراق».
وكما يقول المؤلفان، فإن بعض قواعد الولايات المتحدة العسكرية فى اليابان وألمانيا قد أقيمت قبل 60 عاما مضت، ولا تزال هناك. كتب المؤلفان: «إلى متى ستبقى قوات الولايات المتحدة فى العراق وفى بلدان أخرى من بلاد الفجوة؟ إن الجواب الضمنى هو: إلى الأبد. وهنا أصل إلى نقطتى النهائية حول هذه الإدارة، وحول كل من يتبعها، للتحدث بصراحة مع الجمهور الأمريكى، لن نغادر الفجوة أبدا، ولن نعيد أبناءنا إلى الوطن».
إن ما تسميه الولايات المتحدة انسحابا لسنة 2010 هو انسحاب على الطريقة اليابانية والألمانية؛ إذ تبقى القواعد العسكرية الضخمة تستعملها كما تشاء وحيث يتولى «حلفاء» محليون تنفيذ سياساتها عوضا عن العسكر الأمريكان.
إن كثيرا من المحافظين الجدد الأمريكان، سعداء بسياسة آرييل شارون المقترحة حول جدار فاصل بين «إسرائيل» وفلسطين من طراز «جدار برلين»، رغما عن إعلان محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة، عدم قانونية الجدار. وكثيرون من مجموعة النخبة هذه يبدون غير مكترثين بعمليات القتل (الإسرائيلية) دون محاكمة (الاغتيالات المستهدفة)، ويشعرون بأن العالم والولايات المتحدة -كما يبين بارنت وجافنى- «عليهما الانتظار محتملين جيلين أو أكثر قليلا من الغضب الفلسطينى، قبل أن يتم فى النهاية شراؤهم بمساعدات اقتصادية (محرزة) من (النواة)، ويخفض الفلسطينيون حجم أسرهم، فيما يحققون شيئا من قابلية النماء الاقتصادى».
ولأن الشيوعية قد ماتت، كقوة حقيقية، يستبعد المؤلفان «حروب قوى عظمى»، لكنهما يريان ضروريا فى المستقبل المنظور تصدير «الأمن والحروب» إلى المناطق الإسلامية فى جنوب غرب أسيا ووسطها، بوصفها أكثر مهام الأمن العالمى (الأمريكية) جدية. ونحن نشهد البداية لمحاولة توحيد طويلة الأمد هناك.. محاولة ستنافس فى النهاية مجهود «الحرب الباردى» فى أوروبا، من حيث «مركزيتها الاستراتيجية».
ولتحقيق هذا العنصر من مستلزمات العولمة، فإن الولايات المتحدة اليوم تقيم 900 قاعدة عسكرية حول العالم، كما أن لها تحالفات وحروبا ضد 75 دولة حول العالم أيضا، خصوصا فى البلدان النفطية المسلمة فى أكثرها، أو فى بلدان خطوط إمدادات النفط. وقد جاء فى نبأ لـ«أسوشيتد برس» أن البنتاجون يصرف مبلغ 4.7 مليارات دولار لتسويق حملاتها وبرامجها العسكرية داخل الولايات المتحدة، فى عملية غسل دماغ مبرمجة موجهة إلى أغلبية الأمريكيين المشغولين بلقمة عيشهم.
تدفق النفط
بما أن مجال الأعمال الأمريكى الرئيس سيكون تصدير الأمن بدلا من المنتجات الاستهلاكية، فإن الطلب الأمريكى على النفط سيزداد ببطء فى العقود القادمة. أما الصين والهند اللتان تصنعان الآن «الاستهلاك» الذى تستورده الولايات المتحدة، فسيضاعفان استهلاكهما من النفط. وبموجب دورها بحكم كونها إدارى العولمة، وقوة العالم الشرطية، فإن على الولايات المتحدة أن تحكم تدفق النفط الشرق أوسطى إلى أصدقائها وأعدائها. وعندما نوقشت مخاطر تحويل اليابان إلى بلد صناعى بعد الحرب العالمية الثانية، جادل جورج كينان مهندس سياسات الاحتواء للحرب الباردة، بأنه يمكن لليابان أن تصنع نفسها كما تشاء، ما بقيت صمامات إغلاق النفط عن صناعاتها فى أيد أمريكية. وبالمثل، فإن الصين والهند أسرع اقتصادين ناميين فى العالم؛ يمكنهما التصنيع حسبما ترغبان، ما دامت أمريكا تحكم تدفق النفط إليهما، وما دام الأمريكان يحرسون منافذ وصولهم إلى الصمامات، عبر قواعد عسكرية ومراكز بحرية موجودة الآن فى البلدان الإسلامية المنتجة للنفط.
وتصدر الصين الآن كثيرا من المنتجات إلى الولايات المتحدة؛ إذ يُدفع لها بالدولار. وستتكدس المليارات من الفوائض التجارية السنوية، وما دامت هذه المليارات تعود إلى الولايات المتحدة بشكل أو آخر (مثل سندات خزينة الولايات المتحدة)، «فلا يوجد كثير مما يوجب علينا التذمر فى هذه الصفقة، التى هى كناية عن مبادلة قطع ورقية ببضائع حقيقية».
ومع نمو استعمال المنتجات النفطية والبترولية فى الصين والهند، فإن مركز الطلب عليها سينتقل خلال السنوات العشرين القادمة من أمريكا الشمالية إلى أسيا. وطبقا لإدارة الطاقة فى الولايات المتحدة، فإنه بحلول العام 2020 ستشترى أسيا ثلثى نفط الشرق الأوسط من الخليج، وسيكون ذلك معادلا لـ80% من واردات أسيا من النفط.
وأى تعطيل لتدفق النفط من الشرق الأوسط سيلحق الضرر بعمليات ومناهج العولمة السياسية والاقتصادية. والولايات المتحدة بوصفها إدارى العولمة الذى نصب نفسه ذاتيا، سيذهب إلى أبعد مدى لضمان استمرارية استغلاله موارد العالم البشرية والمادية لمصلحته، وبأسلوب غير عادل ولا يتناسب مع ما يقدم، ولن يتوقف عند احتلاله العراق. وكما رأينا، فإن الحرب فى أفغانستان قد شنت لتأمين نفط بحر قزوين، ومسارات خطوط أنابيب النفط عبر أفغانستان ومختلف جمهوريات الاتحاد السوفييتى السابق، إلى موانئ على المتوسط. وبعد 11 سبتمبر أنشئت قواعد عسكرية فى هذه البلدان.
تدفق الاستثمارات
ولأجل أن تكون العولمة فاعلة، فلا بد لتدفق الاستثمارات المباشرة -من متمولى الولايات المتحدة وأوروبا- من أن يكون مضمونا؛ إذ تحتاج اقتصادات «النواة الأسيوية الجديدة» المتضخمة، إلى قرابة تريليونى دولار بحلول عام 2020؛ لذلك فإنها ستعتمد فى تنميتها الاقتصادية على التمويل الذى يقدمه بارونات مال أمريكا وأوروبا، كما ستعتمد على النفط المُسيطَر عليه أمريكيا. وهذان العاملان يعطيانها ثقلا ورجحانا كافيا، لضمان إعادة تدوير فوائض الدولارات التى اكتسبتها اقتصادات أقطار «النواة الجديدة» إلى الولايات المتحدة لتمويل ديونها وعجزها السيادى.
تدفق العمال
يحتاج تدفق العمال من «الفجوة» إلى «النواة القديمة» (اقتصادات الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان) إلى أن يصبح سيلا؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة الحالية إلى أنه فى حدود عام 2050 ستنخفض نسبة العاملين إلى المتقاعدين بنسبة ملموسة فى بلاد «النواة»، ما لم يُستورَد الشبيبة من بلدان «الفجوة»؛ إذ ستحتاج اليابان إلى أكثر من نصف مليون مهاجر فى السنة للمحافظة على قوتها العاملة الحالية، كما ستحتاج أوروبا إلى زيادة تدفق الهجرة الحالية 500%، فيما ستتراجع نسبة العاملين إلى المتقاعدين فى الاقتصادات المتقدمة من نسبة 1 : 5 إلى نسبة 1 : 2؛ فإن هذه النسبة ستكون 1 : 10 فى البلدان الإسلامية.
ومن دون تدفق من بلدان «الفجوة» إلى بلدان «النواة»، فإن الاكتظاظ السكانى فى بلدان «الفجوة» المتدنية الأداء (اقتصاديا)، سيقود إلى أوضاع متفجرة، فيما سيؤدى النقص السكانى فى بلدان «النواة» إلى نقص فى العمالة، يقود إلى تراجع اقتصادى، لكن تدفق العمالة يجب أن ينظم، كما يقول بارنت وجافنى. ويقترحان عدم منح العمالة المؤقتة حقوق المواطنة أو الإقامة الدائمة. ويخلص المؤلفان إلى أنه فيما كانت سياسة الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة هى سياسة الاحتواء، ففى عصر العولمة الأمريكى الجديد لم يعد بكاف احتواء العالم الإسلامى، ولا بد له من أن يتقلص. وكان تفكير كسنجر أن رد فعل الولايات المتحدة على 11/9 يجب أن يشابه الطريقة التى ردت بها على بيرل هاربر. وقال إنه يأمل لرد الولايات المتحدة «أن ينتهى بالطريقة التى انتهى بها الهجوم على بيرل هاربر بتدمير النظام المسئول عنه»، كما نوه كثير من مشاركي . وهكذا فإن كسنجر كان يشجع الحرب ضد الإسلام بمصطلحات لا مواربة فيها، وهكذا أُعلنت حرب الحضارات، مع كون الإسلام المستهدف الأول فيها.
ويضع بارنت وجافنى سيناريو مستقبليا مقنعا بقولهما: «إذا كانت العولمة تؤدى إما إلى التسبب فى خسارة بلد ما، أو إلى رفضه كثيرا من مكونات التدفقات المرتبطة بتقدمها؛ فإن هناك احتمالات تكاد تكون مرجحة بأن الأمر سينتهى بالولايات المتحدة -عند نقطة ما- إلى إرسال قواتها العسكرية».
وبعيدا عن الأهمية الاستراتيجية والجغرافية والجيوبوليتيكية والجيولوجية (النفط)، فإن سببا آخر لغزو العراق كان رفضه «الارتباط» بالعولمة؛ إذ إنه حافظ على اقتصاد مسيطر عليه حكوميا سرعان ما جرى اقتلاعه وتفكيكه، كواحد من أول الإجراءات المتخذة بعد الاحتلال، وكان أن تمت الاستعاضة عنه -تماما كما حصل فى روسيا- بالمافيا الرأسمالية.



 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers