Responsive image

14
نوفمبر

الأربعاء

26º

14
نوفمبر

الأربعاء

 خبر عاجل
  • الاعلام العبري: رغم وقف اطلاق النار لن تستأنف الدراسة في اسدود وبئر السبع ومناطق غلاف غزة
     منذ 8 ساعة
  • مسيرة جماهيرية فى رام الله منددة بالعدوان الإسرائيلى على غزة
     منذ 9 ساعة
  • إصابة 17 طالبة باشتباه تسمم غذائى نتيجة تناول وجبة كشرى بالزقازيق
     منذ 9 ساعة
  • الاحتلال الإسرائيلى يمنع أهالى تل ارميدة بالخليل من الدخول لمنازلهم
     منذ 9 ساعة
  • التعليم: عودة الدوام المدرسي في كافة المدارس والمؤسسات التعليمية غداً
     منذ 10 ساعة
  • جيش الاحتلال: اعترضنا 100 صاروخ من أصل 460 صاروخاً أطلق من غزة
     منذ 11 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:48 صباحاً


الشروق

6:12 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:39 مساءاً


المغرب

5:05 مساءاً


العشاء

6:35 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

عرض كتاب: أمريكا تريد والله فعّال لما يريد (4-4)

منذ 1986 يوم
عدد القراءات: 6722
عرض كتاب: أمريكا تريد والله فعّال لما يريد (4-4)

>>الولايات المتحدة تفرض ديكتاتوريتها الاقتصادية والثقافية باسم الديمقراطية
 >>الإدارات الأمريكية ما هى إلاّ إدارة تنفيذية تطبق سياسات وأجندات المؤسسات صاحبة السلطة الحقيقية فى الظل
>> خريطة أمريكية جديدة للحرب والسلام فى القرن الحادى والعشرين تنقسم لبلدان "الفجوة" و"النواة"
 >>اشتبكت أمريكا فى 17 عملية عسكرية بالشرق الأوسط جميعها كانت موجهة ضد مسلمين
 >>لا تشن أمريكا حملاتها الصليبية كى يعتنق المسلمون المسيحية وإنما لفرض "مجموعات القوانين الجديدة"
>> أكثر من 40 مليون أمريكى مصنفون تحت الفقراء فى بلد يعد أغنى بلاد العالم
>> الحاخام إسحق غينسبيرغ: لا يمكن المساواة بين دم اليهود ودم غير اليهود
 >>إسرائيل لا تنشد التعايش السلمى مع جيرانها لكنها تبغى الهيمنة العسكرية
 >>دراسة أعدّتها وكالة المخابرات المركزية أكدت عدم إمكانية "إسرائيل" من المحافظة على وضعها الراهن
خارطة عالمية جديدة؟
فى عام 2004 نشر بارنت كتابه "خريطة جديدة: الحرب والسلام فى القرن الحادى والعشرين"، والذى أصبح واحدا من أكثر الكتب مبيعا. وينعكس تقسيم بارنت للعالم إلى بلدان "الفجوة" وبلدان "النواة" فى كتابه هذا، وتتضمن بلدان "الفجوة" فى هذه الخريطة، وكما رأينا، معظم العالم الإسلامى، بالإضافة إلى قلة من بلدان أمريكا الجنوبية، ذات الأغلبية السكانية الكاثوليكية، والتى تختلف أخلاقياتها عن الإنجيليكانية الموالية لـ"إسرائيل"، والتى تسود بين نخبة السلطة الأمريكية.
ويعرف بارنت كيف يمكن له أن يقسم هذين النوعين من الدول: "فى عصر العولمة نرسم خطا فاصلا بين هذه الأجزاء من العالم والتى تنشط فى دمج اقتصاداتها الوطنية فى اقتصاد عالمى. وأولئك الذين يخفقون فى دمج أنفسهم فى مجتمع اقتصادى أكبر، وفى مجموعات الأحكام والقوانين التى تولدها"، وهذا قريب إلى حد يثير الدهشة إلى رأى لورد بالمرستون المأثور فى القرن التاسع عشر: "تجارة من دون حكم حيث يمكن، وتجارة مع حكم حيث يكون ضروريا"، ودلالة هذا أنه على البلدان الأخرى شراء (اعتناق) الرأسمالية الأمريكية وتجارتها (بما فى ذلك منظمة التجارة العالمية)، وأخلاقياتها وقوانين وول ستريت بقضها وقضيضها، وبخلاف ذلك يكون ذاك البلد خارجا عن القانون أو إرهابيا ويستأهل أن يتذوق طعم سياسة الولايات المتحدة الإجهاضية وصواريخها من طراز كروز. ولكن من الذى يضع القوانين؟ ومرةً ثانية يبدو الأمر مشابها لمادة نظرية المؤامرة، ولكن أمن الممكن أن تكون البنتاجون ووول ستريت؟
وإذا ما أخذنا بمعطيات كتاب بارنت، فسيتبدى لنا أن هذا فعلا هو الوضع. سلسلة من الاجتماعات تضم أعضاء ممثلين عن البنتاجون ووول ستريت، انعقدت فى عام 2001 بمكاتب الوسيط المضارب فى وول ستريت، شركة كانتور فيتزجيرالد، فى الطابق 107 من مبنى مركز التجارة العالمى رقم 10 ويكتب بارنت خريطة البنتاغون الجديدة: "كان مشروع البحث الذى أجريه بمساعدة كانتور، ينطوى على استكشاف الكيفية التى تعدل بها العولمة، التعريفات الأمريكية لأمنها القومى، وفى المحصلة تعديل حسابات المرء حول إدارة المخاطر. وكانت ورش العمل التى أجريناها معا قد جمعت أبطال الوزن الثقيل من وول ستريت، وكبار رسميى الأمن القومى، وخبراء بارزين من الأوساط الأكاديمية والخزانات الفكرية. وقد دعى تآلفنا باسم مشروع مجموعات القوانين (الأحكام) الجديدة".
دكتاتورية اقتصادية وثقافية باسم الديمقراطية
سواء مع أحداث 11 سبتمبر أو من دونها، فإن مهندسى العولمة كانوا قد قرروا، وقبل 11 سبتمبر بوقت طويل، أن صداما حضاريا مع الإسلام والمسلمين هو أمر محتوم، وأن حربا طويلة الأمد هى أمر واقع، وأنه يترتب على المسلمين أن يغيروا ثقافتهم، والذى بالنسبة لهم -أى المسلمين- يعنى تغيير دينهم لتسويغ التعامل مع العولمة، وبغير ذلك سيصبحون خوارج العولمة والنظام العالمى الجديد.
وإذا كان الأمر يقتضى -لتفعيل العولمة- أن تسود مجموعة القيم والأخلاقيات الغربية، فإن هذا القرار الانفرادى لا هو بالديمقراطى ولا هو بالقرار المقبول لدى المسلمين، وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن نهج العولمة الأمريكية ذاته وصراعات حضاراتها مزروعة فى هذا النظام العالمى الجديد، ليس بسبب أن "الآخر"، أى المسلمين، قد اختاروا مثل هكذا صراع، وإنما لكون دول النواة الغربية، والولايات المتحدة مسئولة عن وجود هذا الخلل فى النظام، وكثيرون هم الناس حول العالم، ومعظمهم من ضمن المليار ونصف المليار مسلم، الذين سيعارضون المادية عن طريق الاستعباد والإمبريالية والحروب، وكانت هذه هى القيم ذاتها المسئولة عن شن الأمة الأمريكية الفتية، أكثر من مائتى حرب أو الإسهام فيها فى فترة تاريخها القصير، بمعنى أنها عمليا كانت فى حالة حرب مستمرة. وأيضا فإن المجتمع الأمريكى ليس موضع حسد العالم، حيث يلحظ العالم أن المجتمع الأمريكى ومع تلك الوفرة كلها، إلا أن 40 مليونا من مواطنيه مصنفون رسميا على أنهم فقراء، ويرى العالم التباين فى الثروة، ويلاحظ أن الأمريكيين هم من بين شعوب الأرض الأقل سعادةً، وكان الآخرون راغبين فى ترك الغرب وأمريكا وحضارتهم وقيمهم من دون تدخل، إلا أن مبدأ بوش لم يترك مجالا لذلك، حيث جعل الأمر غاية فى الوضوح "إن لم تكن معنا فأنت ضدنا"!
المشكلة إذا، وكما ورد تأكيدها فى مبدأ بوش، هى اقتناع أمريكا بتفوق وعالمية قيمها، لا بل والأسوأ من ذلك، هو محاولة فرض هذه القيم من خلال الاستباق، والتفرد، وكما أوضحنا سابقا، فإن مجموعات قوانين العولمة قد استنبطت من كتاب وول ستريت غير المقدس.
إنه الغرب إذا، الذى يعرف أن أجندته هى التى ستقود إلى صراع حضارات، وباشر حملته لتصنيع الرضى والقبول بصراع حضارات، وخاصةً مع المسلمين، وذلك فى وقت أبكر بكثير  من 11 أيلول.. إذ قبل سنوات عدة من 11 أيلول استهدف الإسلام كعدوّ.
وفى 1995 أعلن الأمين العام لحلف الناتو  NATO، أن الإسلام السياسى: "هو على الأقل فى خطورة الشيوعية بالنسبة للغرب"، ووفقا لهنتنجتون، فإن أحد الأعضاء البارزين فى إدارة كلينتون أشار إلى الإسلام باعتباره "المنافس العالمى للغرب.."، خلال السنوات الخمس عشرة بين 1980 – 1995، ووفقا لإدارة دفاع الولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة قد اشتبكت فى سبع عشرة عملية عسكرية فى الشرق الأوسط جميعها كانت موجهة ضد مسلمين، ولا يوجد نموذج آخر مشابه لعمليات عسكرية للولايات المتحدة ضد أى شعب ينتمى لأى حضارة أخرى، كما كتب صاموئيل هنتنجتون.
ويخلص إلى أنه بالنسبة للغرب، فإن المعضلة ليست الأصولية الإسلامية بل الإسلام، والذى هو طريقة مختلفة فى الحياة يؤمن المسلمون بتفوقها.
وقد خطأ هنتنجتون الرئيس كلينتون فى مقولته أن لا مشكلة للغرب مع الإسلام، وإنما مع المتطرفين الإسلاميين العنيفين "فمن ناحية، كان التناقض، نتاج اختلاف، وعلى الأخص فهم المسلم للإسلام على أنه طريقة تسمو بالحياة وتوحد العقيدة والسياسة". وبمدى تعلق الأمر بهنتنجتون، فإن الصدام بين الإسلام والغرب حتمى لا مفر منه، "طالما بقى الإسلام هو الإسلام (وهو ما سيكون)". كما كتب هنتنجتون، "وطالما بقى الغرب هو الغرب (وهو أمر يحتمل الشك أكثر)، فإن هذا الصراع الأساسى بين حضارتين عظيمتين وطرق الحياة، سيستمر فى تحديد علاقاتهما فى المستقبل، وحتى كما سبق وحددها عبر القرون الأربعة عشر الماضية". وأضاف هنتنجتون: "يخشى المسلمون ويغتاظون من القوة الغربية والتهديد الذى تشكله على مجتمعهم ومعتقداتهم، فهم يرون الثقافة الغربية مادية، فاسدة منحطة ولا أخلاقية، كما يرونها أيضا إغوائية، وبذا تؤكد أكثر فأكثر الحاجة لمقاومة تأثيرها فى تغيير طريقتهم فى العيش. ويهاجم المسلمون الغرب بشكل متزايد، ليس بسبب التزامه بعقيدة يشوبها نقص، والتى هى مع ذلك "عقيدة كتابية"، وإنما بسبب عدم التزامه أية عقيدة بالمرة".
ومع أن البعث الإسلامى يعبر عن نفسه فى السمات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، وأن تعبيره السياسى عن الذات لم يبدأ سوى منذ فترة وجيزة، إلا أنه كان التطور المنفرد الوحيد الأعظم أهمية فى البلدان الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضى، والأسلمة السياسية، إن جاز التعبير، وكما يحلو لهنتنجتون أن يسمى البعث الإسلامى أحيانا، هو نتاج مناهج الحداثة، ويتحدر المسلمون "المولودون ثانية" من "الشباب الجوالين المتأقلمين حداثيا"، والذين تأتى صفوتهم من بين الطلبة وأصحاب الفكر، من الصحيح أن قيم الرأسمالية -فى حقيقة الأمر- تختلف عن قيم المسلم الصادق، ويصبح هذا الاختلاف واضحا إذا تسنى للمرء قراءة كتابات كارين آرمسترونج عن الموضوع، فآرمسترونج -وهى راهبة أصبحت باحثة فى العقائد- كتبت أربعة كتب عن الإسلام، وبينت كيف أن الإسلام يختلف عن الديانات الأخرى من حيث إنه دين وطريقة حياة معا، وفى كتابها "الإسلام" كتبت تقول: "فى الغرب الحديث، جعلنا من الفصل بين الدين والسياسة هدفا"، ولكن فى "الإسلام، نظر المسلمون إلى الخالق من منظور تاريخى، فكتابهم المقدس، القرآن، أعطاهم مهمة تاريخية، فواجبهم الرئيس هو خلق مجتمع عادل، يعامل فيه جميع أعضاء المجتمع -حتى أضعفهم وأكثرهم قابلية للاستباحة- باحترام مطلق.
وتمنحهم تجربة بناء مثل هذا المجتمع والعيش فيه ألفة وحميمية مع السامى والمقدس، بسبب أنهم إنما يعيشون وفقا لإرادة الله، فعلى المسلم تحرير التاريخ وتخليصه من الخطيئة، ويعنى هذا أن شئون الدولة لم تكن ابتعادا عن الروحانية وإنما كانت مادة الدين فى ذاتها". وأضافت "أما إذا لم ترق مؤسسات الدول إلى المستوى القرآنى، وإذا كان قادتهم السياسيون قساةً أو مستغلين، أو إذا أهين مجتمعهم من قبل أعداء من الواضح أنهم غير متدينين، فإن المسلم أو المسلمة قد يشعر أو تشعر بإن إيمانه أو إيمانها، بهدف الحياة النهائى وقيمتها هو محل خطر.
ولذا كانت السياسة بالنسبة لهم ما يمكن للمسيحيين أن يسموه بالسر المقدس أو القربان المقدس.. وهى الحلبة التى فيها يستشعر المسلمون الخالق، والتى تمكن السامى والمقدس من الأداء الفاعل فى العالم".
وأشارت بحوث آرمسترونج إلى أن المدركات العامة فى الغرب عن المسلمين والإسلام، هى فى أغلب الحالات غير صحيحة، وكثيرا ما تكون مرتكزة على تحيزات تاريخية مجحفة، فالإسلام هو المنافس، وبالنسبة للبعض، كان هو التهديد للغرب على مدى1400  سنة، بينما لم تشكل الشيوعية تهديدا سوى لفترة 70 سنة ما لبثت بعدها أن انطفأت. ومن بعض النقاط الأخرى التى نوهت بها: بقيت للإسلام صورة سلبية فى الغرب، والذى له تاريخ طويل من العداوة ضده، على الرغم من كونه الديانة الإبراهيمية الثالثة: "ولكن الكراهية القديمة تستمر وتزدهر على جانبى الأطلسى، ولدى الناس القليل من التردد فى مهاجمة هذه الديانة، حتى ولو لم يكونوا يعرفون سوى القليل عنها".
ولا تشن أمريكا حملاتها الصليبية كى يعتنق المسلمون المسيحية، وإنما كى تفرض عليهم "مجموعات القوانين الجديدة"، حتى يبادلوا نفطهم بالورق، وحتى يستمروا فى تمويل عجز أمريكا السيادى، وإنها لإكرامية تأتى فوق ذلك بالطبع -إذا ما قرر المسلمون التوقف عن أن يكونوا مسلمين، أو على الأقل- أن يغيروا الإسلام فى الأماكن التى لا توافق فيها بين كتاب وول ستريت المقدس، وبين الإسلام. وكثيرون هم المسلمون الذين أعجبوا وما زالوا يعجبون بالشعب الأمريكى، ولكنهم ليسوا بالضرورة معجبين برأسماليتهم الجامحة. وإنهم ليدركون أن الرأسمالية الأمريكية الأنجلوساكسونية لا نظير لها عندما يتعلق الأمر بخلق الثروة وتكديسها، إلا أنهم يدركون كذلك، أن لا نظير لها عندما يتعلق الأمر بسوء توزيع الثروة والظلم الاجتماعى، ولا يباريهم أحد عندما يتعلق الأمر برأسمالية السوق وتغليف الشر وتعبئته على أنه خير، والخير على أنه شر.
ما يراه العرب والفلسطينيون فى "إسرائيل" مجرد كيان دخيل أقيم على أجسادهم وأراضيهم المسلوبة، وبدعم مالى أمريكى إجمالى، لا يمكن مجاراته، يقدر حتى الآن بـ160 مليار دولار تحمّلها دافعو الضرائب الأمريكيون، وغطاء عسكرى وسياسى لا محدود، بما فى ذلك إفشال القرارات الدولية باستخدام الفيتو 42 مرة فى مجلس الأمن منذ 1972 وتوفير الحماية للاحتلال، وتبرير التجاوزات "الإسرائيلية" فى مجال حقوق الإنسان.
تعرض العرب الفلسطينيون لعملية تطهير عرقى منظمة ليعيشوا كلاجئين بالملايين حتى يومنا هذا. أما من استطاع الصمود منهم فى الداخل فيعيشون غرباء فى أرضهم، ويعاملون كمواطنين "إسرائيليين" من الدرجة الثالثة. وخلال الفترة من 1948 إلى 1963  تعرضت 531 قرية عربية للدمار الكامل لتصبح أثرا بعد عين، وأصبح التهجير، التعبير "الإسرائيلى" المفضل للتطهير العرقى، سياسة رسمية للقيادة "الإسرائيلية" مع فرق فى الأسلوب. تعرضت أراضى الفلسطينيين، ولا تزال، للمصادرة لبناء مستوطنات جديدة أصبحت تنتشر الآن فى كل مكان فى الأراضى المحتلة. ما يتعرض له الفلسطينيون منذ عقود هو عملية إذلال ونزع للصفة الإنسانية قولا وفعلا من قبل دولة عنصرية تتحدى بممارساتها سائر القيم التى جاءت بها الأديان، وهى صفة تنسحب أيضا على حاميتها الكبرى، أمريكا.
وعندما أطلق 30 طالبا من مدرسة يشيفا النار على فتاة عربية لا يزيد عمرها على13  عاما وأردْوها قتيلة فى شوارع إحدى البلدات العربية، وقف الحاخام إسحق غينسبيرغ أمام المحكمة "الإسرائيلية" مبررا الجريمة بالقول: "ينبغى الاعتراف بأنه لا يمكن المساواة بين دم اليهود ودم غير اليهود.. على شعب "إسرائيل" النهوض والجهر بحقيقة أن اليهودى وغير اليهودى لا يمكن أن يتساويا لا قدر الله، وعليه فإن أى محاكمة تقوم على مبدأ المساواة بين الاثنين إنما هو تزييف للعدالة".
وصل المشروع الصهيونى و"إسرائيل" الكبرى إلى طريق مسدود. بل أصبح الصهاينة الأمريكيون مع الصهاينة "الإسرائيليين" يدركون أن الديمغرافيا (وقنبلة الأرحام الفلسطينية) هى أقوى من قنابلهم الذرية والهيدروجينية، بل أقوى من توأمهم: أمريكا. فهذا رئيس الوزراء وعضو قيادى سابق فى الليكود، والرئيس السابق لحزب كاديما إيهود أولمرت، يتحدث عن "أشياء مثيرة قد لا تكون مثيرة فى حد ذاتها إلا أنها تصبح كذلك عندما تخرج من فم شخص مثل أولمرت".
ومما جاء على لسان أولمرت القول: "علينا التوصل لاتفاقية مع الفلسطينيين، جوهرها الانسحاب الفعلى من معظم الأراضى إن لم يكن منها كلها. سنحتفظ بنسبة من هذه الأراضى إلا أننا سنضطر لإعطاء الفلسطينيين نسبة مماثلة، ومن دون ذلك لن يكون هناك سلام".. بما فيها القدس، حيث أتصور حلولا خاصة لوضع جبل الهيكل والأماكن التاريخية المقدسة.. إن كل من يعتقد بإمكانية الاحتفاظ بكامل المدينة يجد نفسه أمام خيار وحيد هو وضع أكثر من 270 ألف عربى خلف السياج ضمن السيادة "الإسرائيلية" وهذا خيار غير قابل للتطبيق".
"كنت أول من يرغب فى بسط السيادة "الإسرائيلية" على كامل المدينة. وأعترف بأننى لم أكن مستعدا وقتها للتمعن فى أعماق الواقع". "فيما يتعلق بسوريا.. ما نحتاجه أولا هو قرار سياسى.. أتساءل ما إذا كان يوجد شخص واحد فى "إسرائيل" يعتقد بإمكانية عقد سلام مع سوريا من دون التخلى عن مرتفعات الجولان فى نهاية المطاف"؟
"الهدف هو محاولة الاتفاق ولأول مرة، على حدود دقيقة بيننا وبين الفلسطينيين.. حدود يعترف بها العالم أجمع". "دعونا نفترض أن حربا إقليمية ستنشب فى العام أو العامين القادمين وسندخل فى مواجهة عسكرية مع سوريا، ليس لدى شك فى أننا سنلحق بهم هزيمة منكرة، ولكن ماذا بعد انتصارنا؟ لمَ الدخول فى حرب مع السوريين فى وقت نستطيع فيه تحقيق ما يمكن تحقيقه من دون دفع ثمن باهظ؟"
ما وجه العظمة فى شخص مثل مناحيم بيجين؟ أرسل دايان إلى المغرب للقاء تهامى (مبعوث السادات)، حتى قبل التقائه بالرئيس المصرى، وهناك أبلغ دايان تهامى على لسان بيجين باستعداد "إسرائيل" الانسحاب من سيناء".
"آرائيل شارون، بيبى نتنياهو. إيهود باراك ورابين بوركت ذكراه، كل من هؤلاء أقدم على خطوة قادتنا فى الاتجاه الصحيح إلا أنه فى لحظة ما، وعلى مفترق طرق، وعندما تحين ساعة اتخاذ القرار، لا يجد القرار طريقه إلى النور".
قبل فتره جمعتنى جلسة نقاش مع عدد من الأشخاص ضمن دائرة صنع القرار فى "إسرائيل"، وفى ختام الجلسة قلت لهم: بعد أن استمعت لكم، أدركت لماذا لم نتوصل لسلام مع الفلسطينيين والسوريين خلال السنوات الأربعين الماضية".
"قد نستطيع الإقدام على خطوة تاريخية فى علاقاتنا مع الفلسطينيين، وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقاتنا مع السوريين. وفى كلتا الحالتين نجد أنفسنا أمام القرار نفسه الذى رفضنا مواجهته بأعين مفتوحة على مدى أربعين عاما".
"عندما تجلس على هذا الكرسى وتسأل نفسك: فى أى اتجاه ينبغى علينا توجيه الجهود؟ هل تحقيق السلام هو الهدف، أم تعزيز قدراتنا العسكرية لنصبح أقوى وأقوى وأقوى لنكسب الحرب؟ نملك من القوة ما يكفى لمواجهة أى مخاطر. وعلينا محاولة البحث عن طريق لاستخدام هذه القوة فى سبيل التوصل للسلام لا لكسب الحروب فحسب".
"تشكل إيران قوة عظيمة. والافتراض القائل أن عجز دول مثل أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وألمانيا عن معالجة الملف الإيرانى بينما يستطيع "الإسرائيليون" ذلك، ومن أننا سنفعل هذا الأمر، ليس سوى مثال على افتقار البعض لسائر درجات الوعى والإدراك".
"عندما أقرأ التصريحات الصادرة عن جنرالات "إسرائيل" السابقين أتساءل فى نفسى: كيف حصل أن هؤلاء لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا؟".
لم يكن أولمرت وحده هو الذى توصل إلى النتيجة أن حلم "إسرائيل" الكبرى قد انتهى، ولكن حتى المحافظين الجدد (من اليهود) قد وصلوا إلى القناعة نفسها بأن هذا الحلم قد وصل إلى طريق مسدود، خصوصا بعد ثمانى سنوات من سماحهم لـ"إسرائيل" -ذلك الكلب المسعور- بالانقضاض على الفلسطينيين. أصبحت المسألة الديمجرافية -والتى يسميها الديمجرافيون اليهود بقنبلة الأرحام- ضاغطة، وثمانى سنوات من القهر لم تزد الشعب الفلسطينى إلا صمودا. البعض اقترح حل الدولتين، والآخر حل الثلاث دول كما اقترحه جون بولتون، لكن المهم أن الكل وجد أن إيجاد الدولة الفلسطينية على الطريقة "الإسرائيلية" قد أصبح ملحّا.
كتب جون بولتون: "دعنا نعترف بأن بناء سلطة وطنية على أنقاض منظمة التحرير الفلسطينية قد فشل، وأن مشروع الدولتين لم ينطلق. لقد قتلت حماس ذلك المشروع، ولربما الأرض المقدسة لا تتسع إلى بعثين. لذلك علينا البحث عن مشروع الدول الثلاث بحيث تعاد غزة إلى مصر، والضفة الغربية إلى الأردن بطريقة أو أخرى. وحيث إن مصر والأردن مرتبطتان بمعاهدتى سلام مع "إسرائيل"، فإن إعادة غزة والضفة لتلك الدولتين يضمن السلام بطريقة أوتوماتيكية. أما قضية وضع قوات أو مراقبين دوليين فلن يكون كافيا، فما نحتاجه هو دول تملك أجهزة أمنية.
وهذا الاقتراح لن يكون محببا من مصر والأردن واللتين أرادتا أن تنفضا يديهما من المسألة الفلسطينية. لذلك فيجب عدم تحميلهما هذه المسئولية وحدهما، بل مساندة جامعة الدول العربية والغرب بالطريقة التى تمت فيها مساندة النظامين المصرى والأردنى من الولايات المتحدة لسنوات عديدة. وعلى "إسرائيل" قبول الحكم الإدارى للأردن ومصر إلا إذا أرادت "إسرائيل" نفسها أن تقوم بهذه المهمة، وهو أمر لا تريده "إسرائيل".
لقد أوضحنا أنه لن يكون ممكنا لأى رجل سياسة أمريكى الوصول إلى مناصب رفيعة من دون مؤازرة أصحاب النظام والسلطة الحقيقيين وبارونات المال العالميين، وقوى الظل للمؤسسة الحاكمة سواء كان الدعم ماليا أو سياسيا أو "تسويقكم" للوصول إلى تلك المناصب. وبذلك يمكن الاستنتاج أن الصعود الصاروخى لباراك أوباما من قوة الظل هذه ستكون نتائجه أن يحاول فرض حل الدولتين أو الثلاث دول، وبهذا يصبح أوباما رجل سلام، كما كان الحال مع آرائيل شارون، والذى سماه جورج بوش رجل سلام بعد مجزرة مخيم جنين. وكما بينا، فإن الإدارات الأمريكية ما هى إلاّ إدارة تنفيذية للمضى فى تطبيق سياسات وأجندات المؤسسات صاحبة السلطة الحقيقية فى الظل، والتى تقف من وراء ستار تُعلق كل أوساخ أجندتها على الرؤساء وإداراتهم، لاعنة أوساخهم مع الجماهير، داعية الجماهير للصبر حتى يأتى الرئيس القادم.. وهكذا.
كان المشروع الصهيونى، وكما شرحنا سابقا، قد تحرك وبثبات باتجاه أقصى اليمين من الخط الاشتراكى فى البداية، مرورا بحزب العمل الذى أطلق على جابوتنسكى لقب: "فلاديمير هتلر"، وأتهم أنصاره المتحمسين بالفاشية، ومنها إلى مرحلة الإرهاب الموجه للفلسطينيين والبريطانيين لاحقا، وصولا إلى تتويج المشروع بإقامة الدولة عام ،1948 غير أن الدولة الجديدة أريد لها أن تكون بلا حدود، فقد تركت لعملية التوسع كلما سنحت الفرصة، الأمر الذى لا يخفيه المؤرخون والقادة السياسيون فى "إسرائيل". ثم كانت حرب 1967 ليحل دعاة التوسع والتشدد تجاه العرب محل المعتدلين "نسبيا". الواقع إن سياسة التوسع كانت موجودة ومنذ البداية، ولكن كأجندة خفية لتتحول إلى سر مفتوح مع قفز تلامذة وأنصار جابوتنسكى إلى السلطة عام 1977.
كان جابوتنسكى من المنادين بسياسة القوة مع الفلسطينيين بهدف خلق "جدار حديدى" نفسى يصعب تخطيه فى المستقبل، لكن هذه السياسة فشلت فى تحقيق أى شىء فى أوساط الجماهير بشكل عام. حتى أطفال فلسطين انتفضوا ضد الاحتلال بسلاحهم الوحيد المتاح: الحجارة. لا شك فى أن الجدار الحديدى الذى أقامه جابوتنسكى وأتباعه اختفى إلى الأبد مع الصورة التى تناقلتها وسائل الإعلام عبر العالم للطفل الفلسطينى ابن السابعة، وهو يقفز على دبابة ميركافا "إسرائيلية" وبيده المرفوعة حجر. حل جدار فصل آخر أقامه شارون محل جدار جابوتنسكى، ولكن على أرض الواقع على طول الضفة الغربية، وحتى هذا الجدار سينهار يوما ما حتى فى حالة تطبيق رؤية أولمرت الخاصة بالعودة لحدود 1967 مع بعض التعديلات.
قاد حزب العمل حروب "إسرائيل" الكبرى كافة، وكان رابين هو من أصدر تعليماته بتكسير عظام الفلسطينيين فى الانتفاضة الأولى. قاد وزيرا حرب "إسرائيل" من حزب العمل حربى لبنان وغزة.. ويقولون إن هذا الحزب هو حزب الاعتدال كأن فى "إسرائيل" والصهيونية شيئا اسمه اعتدال. سيأتى إلى الحكم فى "إسرائيل" الأكثر حماقة وتطرفا، وستحاول الولايات المتحدة وأصدقاؤها العرب المعتدلون أن "يحموا هؤلاء من حماقاتهم... وهذا ما سيحاوله أوباما على كل حال..." قامت الصهيونية على الكذب وتم بناؤها فوق رمال متحركة. الآن بدأ "الإسرائيليون" أنفسهم بكشف هذا الزيف، فى الوقت الذى بدأ بعض العرب بالهرولة للاعتراف بهذا الكيان.
ووفقا للمؤرخ "الإسرائيلى" شلومو ساند الأستاذ فى جامعة تل أبيب مؤلف كتاب: متى وكيف وجد الشعب اليهودى، فإن قبيلة الملكة المحاربة وغيرها من القبائل المحلية ممن اعتنقت اليهودية هى المصدر الرئيسى الذى انبثق عنه اليهود الإسبان. ويشكل البحث فى أصول يهود شمال إفريقيا ومن أنهم قبائل محلية اعتنقت اليهودية ولا علاقة لها باليهود القدامى الذين نُفوا من القدس، أحد المواضيع الرئيسية موضع البحث فى كتاب ساند الجديد.
ويحاول المؤرخ "الإسرائيلى" فى كتابه المذكور البرهنة على أن اليهود الذين يعيشون حاليا فى "إسرائيل" وأماكن أخرى فى العالم ليسوا من نسل اليهود القدماء ممن سكنوا مملكة يهودا خلال فترة الهيكلين الأول والثانى. ويرى المؤرخ شلومو ساند أن اليهود حاليا ينتمون لشعوب عدة اعتنقت اليهودية على مدار التاريخ، وفى زوايا عدة من حوض المتوسط والمناطق المتاخمة. ليس يهود شمال إفريقيا وحدهم الذين تحولوا من الوثنية لليهودية، فهناك أيضا يهود اليمن (بقايا مملكة حمير فى شبه الجزيرة العربية ممن اعتنقوا اليهودية فى القرن الرابع)، واليهود الإشكناز فى أوروبا الشرقية (لاجئون من مملكة الخازار ممن تحولوا لليهودية فى القرن الثامن).
ووفقا للمؤرخ "الإسرائيلى" فإن وصف اليهود على أنهم: "أمة معزولة منفية هائمة على وجهها.. عبر البحار والقارات، وصلت نهاية الأرض قبل أن تنقلب على عقبيها، بفضل جهود الصهيونية، عائدة بموجات جماعية إلى وطنهم اليتيم، ليس سوى أسطورة وطنية". "وكغيرها من الحركات القومية الأخرى فى أوروبا، ممن تخيلت ماضيا ذهبيا رائعا اخترعت خلاله ماضيا بطوليا فى محاولة لإقناع نفسها بأنها كانت موجودة منذ بزوغ التاريخ (الإغريق أو القبائل التيوتونية على سبيل المثال). وهذا ما حصل مع تفتح أول براعم القومية اليهودية باتجاه الضوء الساطع المنبعث من مملكة داوود الأسطورية".
يعتقد البرفيسور ساند بأن الشتات اليهودى ليس سوى اختراع. وفى هذه الحالة يطرح التساؤل التالى نفسه: "ما دامت قصة الشتات مختلقة، فهل يكون الفلسطينيون هم سلالة سكان مملكة يهودا؟"، يجيب ساند على ذلك بالقول: "ما من سلالة تحافظ على نقائها على مدى آلاف السنين، ومع ذلك فإن احتمالات أن يكون الفلسطينيون هم سلالة الشعب اليهودى القديم هى أقوى بكثير من احتمال أن أكون أنا أو أنت من هذه السلالة".
كتب آفى شليم: "إن مطالعة سجلات "إسرائيل" خلال العقود الأربعة الماضية توصل إلى النتيجة بأن "إسرائيل" هى دولة مارقة... الدولة المارقة تُعرف بأنها تلك الدولة التى تخالف القانون الدولى بشكل دائم، وتمتلك أسلحة دمار شامل، وتمارس الإرهاب أى ممارسة العنف ضد المدنيين للوصول لأهداف سياسية. إن هذه الشروط تنطبق على "إسرائيل" تماما وعليها الاعتراف بذلك، فـ"إسرائيل" لا تنشد التعايش السلمى مع جيرانها لكنها تبغى الهيمنة العسكرية، وإنها تقوم بإعادة أخطائها فى الماضى ولكن بشكل مأساوى فى كل مرة".
فبعدما لم تعجبها انتخابات المجلس التشريعى الفلسطينى الحرة، والتى نجحت فيها حماس، قامت "إسرائيل" بسجن عدد من أعضاء هذا المجلس المنتخب، وكذلك عدد من أعضاء حماس الوزراء فى حكومة السلطة الفلسطينية. عن ذلك كتبت الجريدة اليومية "الإسرائيلية" "هآرتس" "ليس هذا فعلا خاطئا فقط، باعتقال الناس للمساومة عليهم كرهائن هو عمل العصابات وليس الدول".
فى وصفه لأخلاقيات الرأسمالية التى تشكل العمود الفقرى لإمبراطورية أمريكا العالمية، كتب البروفيسور ليستر ثارو من جامعة MIT يقول: "تعد الجريمة، وفقا لأشد التعبيرات قسوة فى أخلاقيات الرأسمالية، مجرد نشاط اقتصادى آخر، مع فرق واحد هو أن من يتم إلقاء القبض عليه بالجرم المشهود يدفع ثمنا باهظا هو السجن. ليس هناك من شىء محرم فعله، كما أنه لا وجود للواجبات أو الحقوق إذ لا وجود هناك سوى لتعاملات السوق".
كثيرا ما قادت ممارسات الرأسمالية الأنجلو-ساكسونية ولا تزال إلى: الحروب والمذابح الجماعية والجرائم الفعلية، على حد تعبير البروفيسور ثارو، ليس فى فلسطين فقط بل حتى داخل أمريكا. وهنا تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 40 مليون أمريكى مصنفون تحت خانة الفقراء فى بلد يعد أغنى بلاد العالم على الإطلاق. وبالمقارنة تصل نسبة الفقر بين فئة الأطفال الأمريكيين إلى 4.22%، بينما لا تتعدى 1.5% فى الدنمارك، و4.4% فى بلجيكا، و3.4% فى بريطانيا، و6.2% فى السويد. كما أن 1% فقط من الأمريكيين يملكون أكثر مما يملكه 80% من بنى وطنهم. ويتوصل ثارو إلى نتيجة مؤداها:
"فرغت الساحة العالمية للرأسمالية بعد أن تخلصت من منافسيها الرئيسيين فى القرنين التاسع عشر والعشرين.. الفاشية والاشتراكية والشيوعية التى اختفت عن الساحة.. ومع ذلك وحتى مع تراجع المنافسة إلى كتب التاريخ، فإن هناك ما يعمل على زعزعة أسس الرأسمالية من الأعماق".
فى عددها الصادر بتاريخ 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 نشرت مجلة هارفارد كريمسون نص محاضرة لأحد أشهر المؤرخين فى العالم، إيريك هوبسباون جاء فيها: "قد تشيع الإمبراطورية الأمريكية فعليا: الفوضى والبربرية وانعدام النظام أكثر مما تنشر السلام والنظام". ويعتبر هوبسباون أن مشروع الإمبراطورية الأمريكية سينتهى إلى الفشل الحتمى. ويضيف: "هل ستتعلم الولايات المتحدة دروس الإمبراطورية البريطانية، أم ستعمد إلى محاولة الحفاظ على دور عالمى آخذ فى التآكل، من خلال الاعتماد على قوة سياسية وعسكرية فاشلة لا تفى بالمتطلبات والأهداف الحالية التى تدعى الحكومة الأمريكية أنها مصممة لأجلها؟".
سيكون من المثير للاهتمام الانتباه لحقيقة لجوء هوبسباون لتعبير "البربرية" فى وصفه للنظام الحالى الذى يحكم الولايات المتحدة، وهو وصف سبقه إليه أحد رموز حزب "الشعب الأمريكى" عام 1890وقتها، قال الناشط الحزبى المذكور: "أى دولة تضع حقوق الملكية فوق حقوق الإنسان إنما تمارس البربرية".
نحن وآخرون كثر مع تقدير هوبسباون القائل إن اللعبة قد وصلت نهايتها فيما يتعلق بالولايات المتحدة.. وكذلك المشروع الصهيونى، فنحن نعيش عصر الانهيارات المفاجئة، سواء بالنسبة للشركات، الأمر الذى بدا جليا فى الانهيار الاقتصادى عام 2008، أو ما آلت إليه الإمبراطورية السوفييتية، وكذلك فإن "إسرائيل" بالرغم من تعاظم قوتها العسكرية والنووية لم تربح حربا واحدة بعد حرب 1967، وإن قوة ردعها قد عفا عليها الزمن حينما فشلت فى تحقيق أهدافها فى جنوب لبنان ضد حزب الله، بل وعندما فشلت فى تحقيق أهدافها ضد المقاومة فى غزة، والتى كانت تعانى ظلم الحصار من القريب قبل الغريب.
بعد ستين عاما من تأسيس "إسرائيل" وامتلاكها مئات القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ والأقمار الصناعية، بل وامتلاكها القرار السياسى لأقوى دولة فى العالم، تساءلت كبريات المجلات الأمريكية على غلافها (التايم) 19/01/2009، هل تستطيع "إسرائيل" استمرارية العيش؟" فهل يا ترى هذا هو الوقت المناسب لأن يهرول بعضنا مستجديا ما أسموه ظلما بالسلام، تُعهد فيه أعمال الكناسة والحراسة إلى دولة فلسطينية منقوصة السيادة، وتقوم بأعمال المقاول الأمنى لحماية دولة بدأ أصحابها ومواطنوها يشكّون فى إمكانية ديمومتها أو شرعيتها؟
ليست المشكلة بالنسبة للفلسطينيين والعرب هى "إسرائيل"، أمريكا الصغرى، والتى تم وصفها من المفكرين والقادة "الإسرائيليين" أنفسهم بأوصاف منها الدولة المارقة، أو دولة الإرهاب، أو الكلب المسعور، المشكلة هى فى الولايات المتحدة -"إسرائيل" الكبرى.
كتب إيهود سبرينزاك -الأستاذ فى الجامعة العبرية- يقول: "لم تحقق الدولة اليهودية استقلالها عام 1948، بصورة طبيعية كنتيجة حتمية لمرحلة من الكفاح ضد الاستعمار البريطانى فى فلسطين. بل كانت ولا تزال إحدى أكثر الدول "غير الطبيعية" فى تاريخ الدول حديثة العهد، والتى ظهر معظمها على خارطة العالم إبأن الحقبة الاستعمارية"، وأضاف: "لم تكن "إسرائيل" ما بعد 1948 بتلك الدولة الديمقراطية المثالية، حيث بقيت السلطة فيها وعلى مدار سنوات طويلة فى يد حزب واحد.. فقد بقيت الأقلية العربية، التى حصلت لاحقا على حق التصويت وانتخاب ممثليها فى الكنيست، ولسنوات طويلة خاضعة للحكم العسكرى الصارم...".
لو وافقنا على استنتاج أستاذ الجامعة العبرية هذا بأن "إسرائيل" هى مولود غير طبيعى، فالمرء يمكن أن يستنتج أن مثل هذه المخلوقات نتيجتها هى الموت غير الطبيعى.
تبين دراسة أعدّتها وكالة المخابرات المركزية تم تسريبها إلى أعضاء مختارين من الكونجرس عدم إمكانية "إسرائيل" من المحافظة على الوضع الراهن، إذ بينت تلك الدراسة أن فى فترة أقصاها عشرون سنة سيكون لدى "إسرائيل" خيارات فيما لو نفذت حل الدولتين الآن، فهى إما أن تصبح دولة ثنائية الجنسية سيصبح اليهود فيها أقليّة، أو أن تصبح دولة فصل عنصرى لن يقبل العالم بها، وهى فى كلتا الحالتين ستصل بالمشروع الصهيونى إلى نهايته.

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers