Responsive image

16
نوفمبر

الجمعة

26º

16
نوفمبر

الجمعة

 خبر عاجل
  • "أونروا" تؤكد تجاوز أزمة التمويل الناجمة عن قرار ترامب
     منذ 9 ساعة
  • نتنياهو يجتمع مع رؤساء مستوطنات غلاف غزة
     منذ 9 ساعة
  • جيش الاحتلال يهدد سكان غزة
     منذ 9 ساعة
  • "إسرائيل" تصادر "بالون الأطفال" على معبر كرم ابو سالم
     منذ 9 ساعة
  • نجل خاشقجي يعلن إقامة صلاة الغائب على والده بالمسجدين النبوي والحرام الجمعة
     منذ 12 ساعة
  • الخارجية التُركية: مقتل خاشقجي وتقطيع جثته مخطط له من السعودية
     منذ 18 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:50 صباحاً


الشروق

6:15 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:38 مساءاً


المغرب

5:03 مساءاً


العشاء

6:33 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

المسلمون بين المناجزة وصناعة الحضارة ! (2ـ2)

كتب: الخضر هارون
منذ 1970 يوم
عدد القراءات: 8391

تنحصر مهمة الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة عبر الاقتراع الحر الشفاف لا فى إنفاذ ما يرونه مشروعا إسلاميا (فلا أعرف مشروعا إسلاميا يترجم مبادئ الإسلام العامة فى العدالة والمساواة والحرية تتناسب مع العصر الذى نعيشه كما سيرد لاحقا)، بل فى توحيد الأمة حيثما كان المسلمون أغلبية ساحقة فى تقوية مؤسسات الحكم الديمقراطية وإشاعة الحريات وابتدار دعوة لبلورة مشروع للنهضة تساهم فيه جميع تيارات المجتمع، وحتى الأقليات غير المسلمة، فى إطار قيام الحقوق والواجبات على المواطنة وحدها وفى إطار مبادئ العدالة والمساواة الإسلامية. ذلك لأنى لا أعرف مشروعا إسلاميا قابلا للتطبيق فى هذا العصر، كما تقدم، ولنكن صرحاء، فليس للإسلاميين برامج فى نمط الحكم وفى الاقتصاد ومحاربة الفقروتحقيق العدالة بين الناس يتميزون به عن غيرهم. هناك إجماع بينهم على شىء واحد هو القوانين الحدية، أى القانون الجنائى، وهو يشكل جزئية صغيرة فى معترك الحياة الواسع يعاقب الجنوح والاعتداء على الغير وعلى حرياتهم وخصوصياتهم. والجنوح والجريمة استثناءات لا تبنى عليها الحياة، وإنماء تبنى الحياة على الخيرية وتوضع القوانين لحماية تلك الخيرية وليس العكس، فضلا عن كون تطبيق تلك الحدود يرتبط بتحقيق شروط بعينها كالكفاية والعدل والسوية. ولأن ذلك القانون الجنائى أو الحدود يعد جزئية، فمن الطبيعى ألا تقوم الدولة على جزئية والدعوة لاعتماد دساتير إسلامية لا تكاد تتعدى هذه الجزئية. وحتى هذه الجزئية المتمثلة فى الحدود، فقد رأى الأستاذ حسن الهضيبى المرشد العام الأسبق لحركة الإخوان المسلمين وهو قانونى مرموق، أن تطبيقها لا يكون إلا بقيام النظام المثالى الذى تسود فيه الكفاية والعدل والطهر، وإلى أن يتحقق ذلك تطبق القوانين السائدة على اعتبار كونها أحكاما تعزيرية (دعاة لا قضاة).
 ونقول الشأن ذاته فى الأمور الأخرى، فأين الاقتصاد وأين الثقافة والفنون وأين التعليم وأين التعامل مع عالم محكوم بنظم ومؤسسات دولية فاعلة ومؤثرة فى إطار نظام عالمى وقوانين تحكم العلاقات فى البر والبحرو الجو وتحكم التجارة والاقتصاد وثقافة عالمية يصعب التنصل من تأثيراتها؟ وأحسب أن الناس فى معظم البلاد التى تنشط فيها الحركات الإسلامية ليسوا فى حالة رفض للتعاليم الإسلامية. والتخوف من الشريعة إنما هو تخوف من اختزال الإسلام كله فى القانون الجنائى المتمثل فى الحدود وخلو برامج الحركات الإسلامية من مشروعات متكاملة تحكم جوانب الحياة المختلفة وتمكِّن مجتمعات المسلمين فى عصر بالغ التعقيد من التقدم.. وأحسب أن رسالة الحركات فى استئناف نهضة الشعوب الإسلامية تكمن حاليا فى تمتين هذه المشتركات المعرفية الحضارية بحيث ينصرف جهد المسلمين مجتمعين فى أوطانهم إلى العناية بالإنسان وتكريمه وفق النداء الربانى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء: 70). والسعى لتحقيق إجماع على مشروع نهضوى عام يعنى بإقامة نظم التعليم على توطين المعارف العلمية والتقانات سيكون بالضرورة فى البلاد ذات الأغلبية المسلمة فى إطار المبادئ الإسلامية العامة بغض النظرعن طبيعة التيارات التى تحكم، فسيكون الدفاع عن الأوطان فى حالة تعرضها للاستهداف، مستمدا من العقيدة الإسلامية، ولن يجعل تلك المهمة وقفا على تيار بعينه؛ ففى الثقافات جميعا يواجه الناس الموت ذودا عن أوطانهم وفقا لمعتقداتهم فى معانى التضحية والفداء. وتكرمة الإنسان تتحقق فى الكفاية من ضرورات العيش واحترام إنسانيته بقطع النظر عن دينه ولونه وأصله العرقى. وهذه قاعدة إسلامية تلتقى مع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان. لذلك يتعين فى المجتمعات المتعددة المساواة التامة بين المواطنين على أساس المواطنة وحده. وتسامح الإسلام فى بداياته فى دولة المدينة يؤكد ذلك ويعد قاعدة يمكن أن ينبنى عليها فقه فى التعامل مع الأقليات فى هذا العصر وفقا لقاعدة المواطنة وهى تطور إنسانى نتج عن تراكم الخبرات البشرية الذى بلغ مدى إنسانيا يوشك أن يقضى على التحامل الذى يساء استخدام الدين لتبريره. ويمكن إذًا اعتبار وثيقة المدينة وعاء تطورت فى كنفه التجربة الإنسانية فى التعامل مع الأقليات حتى بلغت اليوم ما نسميه اليوم المواطنة، أى الصفة الوحيدة التى ترتب عليها الحقوق والواجبات. أشار أمين معلوف فى كتابه فى الهوية إلى ذلك التسامح، وهو مسيحى من لبنان يعيش فى فرنسا إلى أن عائلته احتفظت بديانتها منذ ألفى عام فى لبنان وظلت كذلك على ديانتها المسيحية بعد أن اجتاح الإسلام والمسلمون المنطقة. قال إنه يعتقد أن عائلته لو كانت عائلة مسلمة فى بلاد غزتها جيوش نصرانية لما بقيت فى قريتها محتفظة بدينها الإسلامى على مدار ألفى عام. ويتبع ذلك بالضرورة ألا يحال بين معتنقى الديانات الأخرى فى ظل دستور اعتمد بطريقة ديمقراطية شفافة بأن يتقلدوا أية وظيفة فى الدولة وفق الضوابط التى يخضع لها الجميع دون تمييز.
إن كرامة الإنسان هى أولوية لا تتحقق بدونها نهضة، ومن ثم لا تتحقق للمسلمين ريادة، لأنهم يملكون مزايا أخلاقية رفيعة محبوسة فى بطون الكتب. وإنما بتحقيق الريادة بامتلاك ناصية العلوم لا لمناجزة الغرب، ولكن لتحقيق مملكة الرب الفاضلة على الأرض وتحقيق القدوة الصالحة للبشرية على الأرض، فالعالم الذى تهتز مقوماته اليوم بتفكك الأسر، بل وبإعادة تعريفها وانتشار الخطايا المهددة لبقاء البشرية بحاجة إلى قدوة عملية ليست موجودة مع الأسف. وعالمنا الإسلامى الذى يتخبط فى الديكتاتوريات وتضربه المجاعات والأوبئة والبؤس لا يمكن أن يكون قدوة لأحد، ولا يمكن أن يكون هو الأمة الوسط الشهيدة على الناس وتميز الإسلام كمتمم لمكارم الأخلاق فى بطون الكتب فقط يعد حجة على المسلمين لا لهم. والنماذج القليلة التى تعد بدايات فى الطريق الصحيح توجد فى تركيا وماليزيا لأنها محاولات جادة لكسب المعارف الضرورية لتحقيق كرامة الإنسان المسلم باكتساب المعارف العلمية الضرورية اللازمة للنهضة. الحركات الإسلامية لم تغادر محطات القرنين الثامن والتاسع عشر فى شحذ الهمم للمقاومة والمجابهة وإرجاع كل إخفاق لتربص الأعداء، ومن ثم صرف الجهد لتركيب الأسنة على القنا بديلا عن مجاهدة النفس على فك شفرات التقانات المعاصرة لتحقيق الكرامة الحقيقية لأوطانها مثل ما فعلت حضارات الصين واليابان وعلى الطريق الهند والبرازيل وإندونيسيا وفيتنام وكوريا الجنوبية. ولذلك بقيت منطقتنا فى ذيل القائمة تخطو خطوة ثم تتراجع خطوات.
جهد الحركات الإسلامية ينبغى أن ينصرف عن السعى لكراسى الحكم لجمع شتات الأمة على إطار فضفاض للمبادئ الإسلامية لاستئناف تعلم علوم العصر لترقية الإنسان المسلم من الأمية والجوع والأمراض الفتاكة وتمكينه بذلك من إنتاج غذائه وكسائه ودوائه. تلك هى معالم الطريق الحقيقية وذاك هو الطريق الذى لا سبيل سواه. والإسلام موجود فى وجدان الأمة حتى بين المواطنين غير المسلمين ثقافةً وحضارةً، وأحسب أن احتكار التحدث باسمه من قبل فئات بعينها هو الذى يثير حفيظة المسلمين على اعتبار كونه ملكا للجميع لا يجوز احتكاره من قبل أحد.
والدور الذى لعبه الإسلام فى تحرير شعوبه من قبضة الاستعمار والتأريخ الطويل الذى عاشه العالم الإسلامى فى ظل الإمبراطوريات الإسلامية عبر القرون خلق من الإسلام سياجا حضاريا حتى لغير معتنقيه من أتباع الديانات الأخرى الذين عاشوا فى كنفه بين المسلمين. فنظم الأحوال الشخصية والمواريث قد صبغت الحياة الاجتماعية والأعراف بصبغة إسلامية لا تخطئها العين. فلا توجد فى بلاد المسلمين اليوم نظم تبيح الزواج المدنى مثلا أو ترفض نظام المواريث. وحتى المثاليات فى العدل والمساواة لدى العلمانيين لا تخرج كثيرا عن أنموذج عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وأبو ذر الغفارى... وهكذا. وقد سبق أن كتب الدكتور عبد الله على إبراهيم مقالة ذكر فيها أن الأستاذ عبد الخالق محجوب قد تمنى على الشيوعيين السودانيين التماهى مع مثاليات الإسلام فى الزهد والتواضع والعدل.. ذكر فيها تجرد مصعب بن عمير الذى ترك حياة الترف ومات على أسمال لم تكد تغطى جثمانه يوم استشهد، وعمر بن الخطاب الذى كان ينام تحت شجرة وهو على رأس إمبراطورية مترامية الأطراف. ولعله تحسر -إن لم تخنى الذاكرة- على خطاب إسلامى متشدد لا يسمح للشيوعيين بالتعبير عن تلك الأشواق ومقاربتها. وللدكتور عبد الله أحمد النعيم كتاب صدر عام 2008 بعنوان «الإسلام والدولة العلمانية» يتحدث فيه من منظور الفكر الجمهورى عن ضرورة التزام المسلمين بالشريعة، لكن يلزم ذلك أن تكون الدولة علمانية حتى يتم الالتزام بتعاليم الإسلام دون إكراه من قبل الدولة بالطبع مع اجتهاد جديد فى أمور الشريعة ذكرمنها قوامة الرجال على الناس، ومفهوم أهل الذمة والجهاد باستخدام العنف يفضل هو أن يتم وفق منهجية الأستاذ محمود محمد طه وفهمه للشريعة، أى وفق مفهموم الرسالة الثانية، لكنه لا يمانع فى بلوغ ذلك عبر منهجيات أخرى.وليس هذا موضع مناقشة ما ذهب إليه الدكتور، لكن أردنا تأكيد ما أشرنا إليه أن الإطار العام للإسلام يمثل مرجعية معرفية مقبولة للمسلمين على اختلاف توجهاتهم، وعلى الجملة فالعقل المسلم حتى غير الملتزم بالشعائر لا اعتراض له على الإطار العام للحياة الذى صنعه الإسلام، ولعل ذلك ما عناه الأمريكى «نوح فيلدمان» فى كتابه «سقوط وقيام الدولة الإسلامية» الذى أشار فيه إلى هذا السياج الحضارى الذى يجعل المسلمين لا يعتبرون سقوط الدولة أو النظام الإسلامى سقوطا لمبادئ الإسلام فى شأن الدولة، ولذلك قال إن جميع الإيديولوجيات عندما تسقط يكون سقوطها أبديا إلا الإسلام الذى يكرر العودة بعد السقوط. واعتبر هذا السياج بنظمه الأهلية وبطبقة العلماء المستقلة بذاتها عن الحكومة المراقبة للأداء العام للدولة هى الشريعة وليس القانون الجنائى والعقوبات وحدهما. والدليل على عودة الإسلام وعدم تجريمه بأخطاء التطبيق ما حدث فى تركيا بعد عقود من قبضة العلمانية الكمالية المتطرفة المعادية للدين، تلك العودة المتمثلة فى فوز حزب حاكم فيها اليوم بمرجعية إسلامية. وكان «عصمت إينونو»، الذى خلف أتاتورك رئيسا لتركيا فى خمسينيات القرن الماضى، قد رأى إرهاصات ذلك عندما قال: «زرعنا العلمانية فحصدنا الإسلام»، ومن ذلك أيضا ما حدث فى تونس من فوز ساحق للإسلاميين بعد علمانية متشددة فرضها بورقيبة لعقود طويلة أيضا. هذا القبول العام يفتح المجال لاعتماد مشروع عام للنهضة يقوم على ما تقدم ذكره واعتبار الإسلام إطارا معرفيا عاما لا يختلف عليه تتطور الحياة فى إطاره فى سياج العصر الذى نعيشه.
والنهضة التى تحققت لليابان وللصين تمت بفك شفرات التقانات المعاصرة وامتلاك ناصية العلوم الطبيعية وذلك كله فى إطار روح وسياج الفلسفة الكونفوشية. كتبت الأنثربولوجية                ( روث بنديكت) عن اليابان عام 1946 كتابًا بعنوان «بين زهرة الأقحوان والسيف» أعيد طبعه حتى عام 2000 ستة وأربعين مرة لأهميته وجدواه حتى اليوم فى فهم الشخصية اليابانية.
  كتبته عقب استسلام اليابان بعد هزيمة دول المحور فى الحرب العالمية الثانية عن العقلية والشخصية اليابانية وعن عادات وتقاليد اليابانيين فى التواصل الاجتماعى وفى المأكل والسلوك داخل الدور، وزهرة الأقحوان هى الرمز الإمبراطورى والسيف هو رمز الساموراى المحارب العنيد وبين النقيضين يكمن سر الشخصية اليابانية.
 قال لى مثقف يابانى عام 2001 : إن شيئًا من تلك التقاليد والعادات ومنظور الفرد اليابانى للحياة لم يتغير حتى اليوم ذلك رغم مظاهر اليابانيين الخارجية؛ فالتقدم والعيش فى إطار العصر أضمن فى ظل السياقات الحضارية والثقافية عبر التثاقف الخلاق الذى يحافظ على الهوية الحضارية للأمة وينفتح دون حرج على التجارب الإنسانية التى أثبتت جدواها فى ترقية حياة البشر على هذا الكوكب. وتمنعنا مخافة الإساءة إلى شعوب دخلت جحر الضب خلف أوروبا ففقدت شخصيتها الثقافية ولم تغادرموقعها فى طوابير المتخلفين إلا فى الأشكال والشارات وتوافه الأمور.
ولكى لا يؤدى الاستقطاب الحاد القائم حاليا بين النخب الإسلامية الحاكمة والنخب الليبرالية المعارضة إلى اشتباك مدمر يعيد المنطقة إلى عهود الاستبداد السياسى وإعادة الحياة للدورات الخبيثة من الصراع الدام على السلطة وربما لتجزئة للأوطان، يتعين على الحركات الإسلامية ما يلى:
-- والقبول فى المعترك السياسى كمبدأ لا كـ(تكتيك) بالديمقراطية كحل لإدارة البلاد، وهى بذلك لا تكون قد أبعدت النجعة عن مفهوم الشورى على اعتبار أن التجربة البشرية المستوعبة لاتساع العمران قد طورت ذات المبدأ عبر التطبيق إلى الديمقراطية السائدة فى هذا العصر وهو مبدأ تعطل تطبيقه لدى المسلمين بعد بيعة يزيد بن معاوية لأكثر من ألف عام وبالتالى تعطل مع تعطيل التطبيق النظر فى تطوير هذا المبدأ المهم فى الحكم الأقرب لمعانى التوحيد فى إخضاع الحكام لإرادة المحكومين فى رعاية مصالحهم عبر المحاسبة والشفافية وانتفاء القداسة والتأليه، لقد حرمت بيعة يزيد المسلمين من موقع المرجعية عبر التجريب فى تعليم الإنسانية ثمرات هذا المبدأ العظيم فى اختيار الحكام ومحاسبتهم.
ورد أن الصحابى عبد الرحمن بن عوف ذكر أنه والنفر الذين كلفهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب باستشارة المسلمين فيمن يخلفه دخلوا حتى على العذارى ربات الخدور يستشيرونهن فى على وعثمان.
هذه قضية تبدو حلا جاهزًا لموضوع الحكم فكأن لجنة عبد الرحمن بن عوف قد وضعت سياجًا ووعاءً يتطور داخله مبدأ حكم الشعب وإرادته عبر التجارب الإنسانية على مر العصور. فلتقر حركات الإسلام السياسى بوضوح مبدأ الديمقراطية والتداول السلمى على السلطة وإن رأى الناس فى اقتراع قادم أن يسلسوا قيادهم لحكم علمانى فليكن استنادًا إلى ما جاء فى التنزيل «لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى»، قبول حركات الإسلام السياسى بهذه القاعدة الذهبية ستجعل التجارب الإسلامية فى الحكم تجارب تخضع للاختبار كسائر التجارب الأخرى وتنزع عنها بهاء قداسة لا تستحقه تجربة قائمة على اجتهاد البشر فى فهم النصوص والتوجيهات الأزلية وستقضى على حالات الاستقطاب الحاد فى البلاد الإسلامية حيث يخشى الناس من أن تكون الانتخابات التى يفوز فيها الإسلاميون هى آخر الانتخابات بل ستحفز الإسلاميين لتجويد بضاعتهم وتطوير برامجهم بدلاً من أن يجعلوا مجرد بقائهم فى السلطة محمدة وإبقاء للنظام الإسلامى ولو صورياً!
-- استنادا إلى مقاصد الشرع من الاقتصاد يلزم بلورة رؤية اقتصادية تجعل هدفها محاربة الفقر والبطالة وتحقيق حد الكفاية لجميع المواطنين بقطع النظر عن معتقداتهم وما يلزم من ذلك من مجانية التعليم والصحة مع الإبقاء على آليات السوق ميداناً للتسابق الشريف فى الكسب.
 إن نظام المصارف الإسلامية فى المرابحة وفى التمويل وغيرها لم يغير واقع الفقر المزرى السائد فى بلاد المسلمين وهو كما وصفه الدكتور طارق سعيد رمضان خلق آليات أصبحت بمثابة الدروع لحماية الرأسمالية الجشعة وجعلت نظام الاقتصاد العالمى السائد مقبولاً فكأنها تمكِّن له عوضًا عن خلق بديل له أكثر إنسانية. ومبدأ دولة الرعاية الاجتماعية طوره عمر بن الخطاب بمقولته المعروفة: لو عثرت بغلة بالعراق لخشيت أن يسألنى الله لمَ لم تعبد لها الطريق، فالناس أولى بالرعاية من الحيوان، إن مبدأ دولة الرعاية الاجتماعية قائم كمبدأ تختلف أساليب تطبيقه وفق آليات ووسائل كل عصر.
-  ويلزم إلى جانب امتلاك ناصية العلوم الطبيعية والتقانات العصرية الاهتمام بالعلوم الإنسانية وعلوم الاجتماع والسياسة والقوانين فالبشرية قد خطت خطوات واسعة فى مسائل التغيير الاجتماعى وتقانات التربية والتعليم والتصدى للجريمة وجنوح الأحداث والاتجار بالبشر وتفشى المخدرات وتقانات السطو على محتويات الحاسوب وما إلى ذلك. ويتبع ذلك توفير هذه العلوم جميعا العناية بترقية المعرف باللغات الحية فى محاضن العلوم والمعاهد والجامعات الدينية لتشجيع الاجتهاد واستنباط الأحكام من واقع معرفة أصيلة بعلوم العصر حتى لا تكون مهمة تلك المؤسسات استنساخ كتب بشرية تحمل آراء رجال اجتهدوا لمقابلة احتياجات أزمنة غابرة. ويلزم أيضا تشجيع قيام دراسات تعنى بالفكر الغربى واتجاهاته حتى تتم مخاطبة العالم انطلاقا من معارف بثقافاته  للتواصل الإنسانى معه، بهذه المزاوجة يصبح التثاقف الناتج عن التقاء حضارتين إيجابيًا أخذًا وعطاءً لا سلبيًا يخضع فيه المغلوب لسلوكيات الغالب بلغة ابن خلدون أو بلغة ريدكليف براون « تغير الحياة الاجتماعية لدى المجتمعات المتلقية بتأثير الفاتحين القادمين من أوروبا».
- ويلزم لتحقيق النهضة تشجيع  الأبحاث العلمية وتحفيز الاختراعات وتشجيع من فى الشتات من العلماء والباحثين بالعودة إلى أوطانهم وتوفير وسائط البحث العلمى ووسائل التواصل بالمراكز البحثية فى العالم وإعادة النظر فى مناهج التعليم العام والعالى فى هذا الاتجاه.
وعلى الجملة فإن الإسلام قد ركزعلى المبادئ اللازمة لتأكيد الكرامة الإنسانية وهى: العدل، المساواة، الحرية والتى تنبنى عليها المسئوليات أكثرمما فصل من الهياكل والأشكال التى تتغير بتغيرات الأزمنة واتساع العمران وتطور أوجه الحياة من البساطة إلى التعقيد لذلك ترك أكثر ذلك لتطور التجارب البشرية عبر العصور حتى لا يضيق واسعًا فمتى ما تحققت الغايات والمقاصد المرجوة من المبادئ كان ذلك من صميم الإسلام.
وما ورد بشأن الحركات الإسلامية وما يلزمها القيام به ينطبق على الحركة الإسلامية فى السودان بفصائلها الحاكمة والمعارضة فألح من كل ضرورة فى هذه الظروف العصيبة أن تسعى لجمع كلمة السودانيين وإشراكهم كأصحاب حق أصيل عبر توجهاتهم المختلفة فى الحفاظ على الوطن والتصدى للعنف عبر جبهة عريضة تقوم على الثوابت الوطنية والدعوة للديمقراطية والتداول السلمى على السلطة ولتنخرط تلك الجبهة مع حركات الهامش المدنية والمسلحة إن جنحت للسلم فى حوارات وفقا لتلك الثوابت للوصول إلى اتفاق يقوى مؤسسات الدولة مع النظر فى معالجة أوجه قصورها وتأكيد حيدتها ومهنيتها ويضع فى ضوء ذلك أسسًا للتنافس المدنى الديمقراطى على السلطة لا يضار فى كنفه أحد، ولتخرج تلك الجبهة العريضة – وقد نزعت مكوناتها عن نفسها مؤقتًا رداء الحزبية الضيقة والمرارات الممضة فى سبيل الوطن - إلى العالم بدعوة حقيقية للإصلاح وتحقيق الحكم المدنى ودرء مخاطر الانزلاق العنصرى الدموى الذى يلوح فى الآفاق، ذاك أفضل استدراك وتلك أبلغ الكفارات عن كل خطأ وقع أوخطيئة ارتكبت وذلك لكى يتمكن أبناء الوطن أجمعين من القيام بواجباتهم فى حمايته من التجزئة والزوال وبلورة مشروع للتمنية يفجر الطاقات يفضى إلى حصاد الموارد الهائلة التى يذخر بها السودان لخير ورفاهية مواطنيه.
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers