Responsive image

17º

23
سبتمبر

الأحد

26º

23
سبتمبر

الأحد

 خبر عاجل
  • "حسن روحاني" :رد إيران (على هذا الهجوم) سيأتي في إطار القانون ومصالحنا القومية
     منذ 25 دقيقة
  • "حسن روحاني" دولا خليجية عربية تدعمها الولايات المتحدة قدمت الدعم المالي والعسكري لجماعات مناهضة للحكومة تنحدر من أصول عربية
     منذ 26 دقيقة
  • ليوم..الحكم على "بديع" و805 شخصًا في "أحداث العدوة"
     منذ 27 دقيقة
  • مقتل 7 جنود في شمال غرب باكستان
     منذ 27 دقيقة
  • زلزال بشدة 7ر4 درجة يضرب شمال إیران
     منذ 28 دقيقة
  • 11 إصابة برصاص الاحتلال شمال قطاع غزة
     منذ 12 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:15 صباحاً


الشروق

6:38 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:15 مساءاً


المغرب

6:56 مساءاً


العشاء

8:26 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

كيف تطيح المخابرات الأمريكية برئيس شرعي منتخب ؟

درس تاريخي من شيلي (2ـ4)

منذ 1901 يوم
عدد القراءات: 18218

>>  مساهمات سخية قدمتها المخابرات والشركات الأمريكية لمساندة إليساندري في انتخابات الرئاسة
ويستعيد «روكفلر» فى مذكراته عن تلك الأيام كيف أنه قام، ومع قرب حلول موعد الانتخابات فى شيلى، بمكالمة هاتفية ساعدت فى دفع إدارة الرئيس «نيكسون» إلى المسار المعادى لترشيح «الليندى».
أخبرنى صديقى «أوجستين دونى إدوارد»، ناشر جريدة «الميركيرو»، وهى الصحيفة الأولى فى شيلى فى مارس 1970، وقبل الانتخابات مباشرة، أن «الليندى» ما هو إلا سوفييتى مخادع، وسيدمر اقتصاد شيلى الهش، وسيعمل على نشر النفوذ السوفييتى فى المنطقة. ومضى (دونى) مُحذرا، إذا ما فاز «الليندى» فإن شيلى سوف تتحول إلى كوبا أخرى، تدور فى فلك الاتحاد السوفييتى. وصمم على تأكيد أقواله بأنه يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية أن تمنع انتخاب «الليندى». وكانت هواجس (دونى) من القوة؛ بحيث كانت تقض مضاجعه، ما جعلنى أقوم بترتيب عملية تواصله مع «كيسنجر».
وسيكون «كيسنجر» هو أكبر مسئول مباشر فى الولايات المتحدة الأمريكية عما حدث فى شيلى، مع احتمال استثناء وحيد ربما هو «نيكسون» نفسه. ولم يفتر اهتمامه بشيلى طوال ثلاث سنوات تعامل فيها مع حزمة من الأزمات الدولية عبر العالم. وذلك لأن «نيكسون» كان يضغط عليه بلا هوادة، بالإضافة إلى أن الاتجاه المناوئ لـ«الليندى» كان يتطابق مع رؤيته للعالم، ورؤيته لمكانة أمريكا فى ذلك العالم. تلقى «كيسنجر» درسا من خلفيته -لاجئا من ألمانيا النازية- بأن الهدف الأسمى لرجل الدولة يجب أن يكون دائما توطيد أواصر الاستقرار بين الدول والحفاظ عليه. وقد خصص أطروحته التى قام بتقديمها لرسالة الدكتوراه عن «مترنيخ»، وهو الدبلوماسى النمساوى الذى عاش فى القرن التاسع عشر وكان واحدا من أنصار دبلوماسية العصا الغليظة. وقام بتطبيق أفكار «مترنيخ» بمجرد توليه منصبه. وقد أبرز القوة الأمريكية من خلال حلفائه الإقليميين مثل إيران، وزائير، وإندونيسيا، كما قام بغض نظره عن الديكتاتوريات فى هذه الدول وهم يقومون بالاسترسال فى القمع والنهب بلا تحفظ. وقد استنتج أحد المقربين منه ومنذ فترة طويلة وهو «لورانس إيجلبرجر»، أنه كان يحتذى بمبادئ «تتعارض مع الخبرة الأمريكية». ويؤكد «إيجلبرجر» أن الأمريكيين يميلون إلى اتباع مجموعة من المبادئ الأخلاقية. ولا يمتلك «هنرى» أحاسيس حقيقية بالنظام السياسى الأمريكى، كما أنه لا يبدأ بنفس القيم والافتراضات.
لم يعر «كيسنجر»، طوال حياته الوظيفية الطويلة، أدنى اهتمام بمنطقة أمريكا اللاتينية شأنه شأن الكثيرين من رجال الدولة المعاصرين له. فقد قام بزيارة إلى سفارة شيلى فى واشنطن فى ربيع عام 1969، وقال للسفير بفظاظة: «أنا لست مهتما، ولا أعرف شيئا عن الجزء الجنوبى من العالم والذى يبدأ من بيرنيه جنوبا». وعندما استمع إلى «إدوارد»، بعدها بعام، تغيّر كل شىء إلى النقيض تماما.
واعتمدت «اللجنة »فى 25 مارس 1970 «حملة الإفساد» ضد «الليندى» بميزانية تُقدر بـ135,000 دولار أمريكى، وزيدت فيما بعد إلى 390,000 دولار أمريكى. وهى محاولة مُصغرة ضمن جهود تتكلف عدة ملايين من الجنيهات تقوم بها المخابرات المركزية الأمريكية لمنع «الليندى» من الفوز فى انتخابات عام 1964. كما قام العملاء بإزالة الغبار عن العديد من الأساليب المشابهة، سواء من زرع الدعاية المضادة فى الصحف لدعم المجموعات المدنية للمواطنين المناهضين للشيوعية. وكانت بعض هذه المطبوعات يتم طبعها وتوزيعها على شكل صور تظهر فيها الدبابات الروسية فى شوارع بلغاريا. كما أُنشئت وكالات أنباء مُغرضة، وقاموا ببذر بذور الفتنة فى داخل صفوف الاتحاد الشعبى، ونشر كتب وكتيبات ومطبوعات كلها تحوى مواد مناهضة لـ«الليندى».
وقد بذل هارولد جينين، رئيس مؤسسة (AT & T) فى خضم احتدام سباق الرئاسة فى شيلى، محاولاته الحثيثة للتأثير فى نتائج الانتخابات. وطلب من «ماكون» أن يقوم بترتيب مقابلة له مع «ويليام برو»، رئيس قسم العمليات السرية فى المخابرات المركزية الأمريكية فى نصف الكرة الغربى. وتقابل الرجلان بالفعل يوم 16 يوليو فى جناح شركة (آى. تى. تى) فى فندق شيراتون كارلتون بواشنطن. وأخبره «جينين» أن شركته تود أن تقوم باستخدام وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كطرف وسيط لتوصيل أموال لحملة «جورج إليساندرى» الرئاسية، وهو المرشح اليمينى لمنصب الرئاسة. واقترح عليه «برو» أن تقوم الشركة بتقديم مساهمتها مباشرة وبمعاونة من ضباط المخابرات المركزية فى سينتياجو، وهكذا تم الأمر فى النهاية. ومنحت شركة (AT & T) سرا مبلغ 350,000 دولار أمريكى لحملة «إليساندرى»، كما قامت بترتيب منحة أخرى من رجال أعمال أمريكيين آخرين بمبلغ 350,000 أخرى وللحملة نفسها.
وعلى الرغم من أن «حملة الإفساد» التى شنتها المخابرات المركزية الأمريكية والمساهمات السخية التى قدمتها الشركات الأمريكية لحملة «إليساندرى» كان لها بعض التأثير، فإنها لم تكن كافية. فقد توجه الناخبون فى شيلى يوم 4 سبتمبر 1970 إلى صناديق الاقتراع ومنحوا «الليندى »نصرا بالأغلبية. ولم تكن مثل هذه النتائج غريبة على النظام السياسى المتعدد فى شيلى، كما أن الكونجرس كانت له تقاليده الراسخة منذ فترة طويلة باختيار الفائز بالمركز الأول كرئيس للدولة. وذلك هو ما جعل الرئيس «نيكسون» يعطى أوامره بعد ظهر يوم 15 سبتمبر لكل من «كيسنجر» و«هيلمز» لمنع حدوث ذلك بكل الوسائل.
وقد أدلى «هيلمز» بشهادته فيما بعد قائلا: «أقبل الرئيس وتبدو عليه العصبية بطريقة غير معتادة وكان يريد أن يتم عمل أى شىء، ولم يكن يعنيه فى شىء كيف يتم ذلك، وكان على أتم الاستعداد لتوفير الأموال المطلوبة، لقد كان ذلك أمرا شاملا لكل شىء تماما.. وإذا ما كنت قد حملت عصا المارشالية فى حقيبتى فى أى يوم من الأيام خارج المكتب البيضاوى، فقد كان هو ذلك اليوم».
وأصدر «نيكسون» أوامره إلى المخابرات المركزية بأن تقوم بإعداد خطة لإزاحة «الليندى» خلال 48 ساعة فقط، ولذا فلم يكن لدى «هيلمز» كثير من الوقت لإضاعته. واجتمع فى وقت مبكر من صباح اليوم التالى فى يوم 16 سبتمبر 1970 مع طاقمه من خبراء الأعمال السرية. وأخبرهم كما ذكر أحدهم فيما بعد،«بأن الرئيس (نيكسون) قد قرر أن نظام حكم «الليندى» ليس مقبولا من الولايات المتحدة الأمريكية؛ وأن« نيكسون» قد طلب من المخابرات المركزية منع «الليندى» من اعتلاء كرسى السلطة، أو عزله؛ وأن الوكالة، وعلى العكس مما هو مألوف سوف تقوم بتنفيذ المهمة بدون التنسيق مع أى من وزارتى الخارجية أو الدفاع».
وقد أخبر «كيسنجر» مجموعة من محررى الصحف فى شيكاغو فى اليوم التالى، وبينما كان «هيلمز» وطاقمه منهمكين فى إعداد العمليات السرية، إنه إذا ما تسنى لـ«الليندى» أن يعتلى كرسى السلطة، فإنه سوف يقوم بتشكيل«نوع من الحكومة الشيوعية» والتى يمكن أن تتسبب فى متاعب جمة للولايات المتحدة الأمريكية. وعاد إلى واشنطن بعد ظهر اليوم نفسه، وعقد اجتماعا فى الساعة الثامنة والنصف من صباح اليوم التالى (للجنة 40) ليستمع إلى مقترحات المخابرات المركزية. وكما أوجزها «هيلمز»، فإن عملية الإطاحة بـ«الليندى» ستكون من جزأين؛ الجزء الأول ويطلق عليه المسار 1، وكانت تستهدف سد الطريق أمام «الليندى» باستخدام وسائل قانونية. وتم تنفيذها على الفور، وأدت إلى وضع عشرات المقالات الصحفية فى الصحافة الشيلية التى تُحذر من الكارثة إذا ما تولى «الليندى» الرئاسة. وكان تركيزها الأساسى على الرئيس المنصرم ولايته «إدواردو فيرى». وكانت المخابرات المركزية تأمل فى أن حملتها الصحفية، بالتوازى مع إرسال العديد من الخطابات الخاصة إلى فيرى، والضغوط المنظمة عليه من بعض السياسيين المؤتمن عليهم، ستؤدى به إلى أن يقوم بدعوة الكونجرس إلى خرق التقليد المستقر والمعمول به فى شيلى منذ فترة طويلة، وحرمان المرشح الفائز بأغلبية الأصوات من المنصب.
وفشل هذا المخطط، على الأرجح لأن فيرى، وكما وصفه أحد عملاء المخابرات، «يحمل بين جوانحه قلبا رقيقا»، كما أنه غير راغب فى تمزيق النظام السياسى فى بلاده. وأصبح المسار رقم 1 وفى غضون أسابيع قليلة جزءا من مشروع أكبر وأكثر طموحا، وأطلقت عليه المخابرات المركزية المسار رقم 2، والتى كانت تستهدف بصراحة ووضوح التحريض على انقلاب عسكرى. وقام المخططون فى المركز الرئيسى للمخابرات المركزية فى «لانجلى» بولاية فيرجينيا بإصدار تعليمات إلى العملاء فى سينتياجو «بجس النبض عن احتمالات عمليات عسكرية من أجل سد الطريق على الليندى» والبحث عن وسائل لتقوية عزيمة العسكريين فى شيلى للعمل ضد «الليندى».
وكما جاء فى إحدى البرقيات الصادرة من أمريكا «قوموا بالاتصال بهم ودعهم يعرفون أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ستقوم بدعمهم اليوم، وغدا، ودائما. ونحن نريد، باختصار رعاية تحرك عسكرى يمكن أن يحدث، وإلى أبعد مدى ممكن، فى أجواء من الغموض الاقتصادى والسياسى».
ومن أجل خلق أجواء الغموض الاقتصادى والسياسى، فإن أمريكا ترغب فى أن تدفع شيلى نحو الفوضى. وشرع «كيسنجر» فى خلق ذلك، مستخدما جميع الموارد الهائلة المتاحة تحت إمرته. وقد قام بتبرير جهوده بواحدة من أكثر الأقوال المأثورة عنه، وهو يقول لرفاقه من المخططين: «لا أعرف لماذا نحتاج إلى الوقوف ساكنين والانتظار ونحن نرى دولة تتحول إلى الشيوعية من جراء عدم المسئولية التى يُبديها شعبها».
وبينما كان هذا المشروع يتشكل، فإن العديد من الدبلوماسيين وضباط المخابرات الذين علموا به أبدوا شكوكهم القوية حيالها. وقد استنتجت مذكرة عن دراسة أعدها مجلس الأمن القومى بطلب من «كيسنجر» نفسه ما مفاده «إن الولايات المتحدة الأمريكية ليست لديها مصالح قومية حيوية فى شيلى، كما أن ميزان القوى العسكرية فى العالم لن يتحول بشكل مؤثر نتيجة لتشكيل «الليندى» لحكومة فى شيلى». كما ذكر «هنرى هيكشر»، مدير مركز المخابرات الأمريكية فى سينتياجو، والذى قاد الحملة السرية لمنع «الليندى» من الفوز فقال: «والآن وقد انتهت الانتخابات، فإنه يعتقد أن أى نوع من أنواع التدخل فى العملية الدستورية هو أمر غير مرغوب فيه». كما كتب ضابط آخر من ضباط المخابرات فى مذكرة له يقول: «إنه من غير المحتمل أن يتلقى «الليندى» أوامره من موسكو أو هافانا، وأن التآمر ضده يعتبر تكرارا للأخطاء التى ارتكبناها فى أعوام 1959، و1960، وذلك عندما قمنا بدفع «فيدل كاسترو» إلى المعسكر السوفييتى. كما تنبأ «تشارلز ماير» مساعد وزير الخارجية بأن العمل السرى يمكن أن يلوث صورة أمريكا أكثر من ذلك فى أمريكا اللاتينية». كما قام «فيرون فاكى» رئيس مستشارى «كيسنجر» لشئون أمريكا اللاتينية، بتحذيره من أن العمل العسكرى ضد «الليندى» يمكن أن تكون له عواقب وخيمة».
ما نقترحه هو بوضوح شديد انتهاك لمبادئنا ومعتقداتنا السياسية. وستكون لذلك، بعيدا عن الأخلاق، نتائج عملية وفعلية.. إذا ما كانت لهذه المبادئ أى معنى، فإننا نبتعد عنها بشكل طبيعى لنجد أخطر التهديدات علينا، على سبيل المثال حياتنا. هل يُشكل «الليندى» تهديدا مميتا للولايات المتحدة؟ من الصعوبة بمكان أن نفترض ذلك.
ولم يكن يدرك هؤلاء المتشككون كيف كان نيكسون وكيسنجر عاقدين العزم وبشراسة للحيلولة دون الليندى ومنصب الرئيس فى شيلى. ولم تكن لتحذيراتهم أى تأثير فى المتآمرين لعملية الانقلاب فى واشنطن. وكان أحدهم، وهو «ديفيد أتلى فيليب»، موجودا بالخارج من أجل عمليته الثانية للإطاحة بحكومة من حكومات أمريكا اللاتينية.
وكان فيليب، والذى كان يقوم بإدارة محطة الراديو الناجحة «صوت الحرية» فى أثناء حملة الانقلاب التى جرت ضد «جاكوبو أربينز» فى جواتيمالا فى عام 1954، قد أصبح مديرا لفريق العمل المخصص لشيلى والذى تم تشكيله مؤخرا عن طريق وكالة المخابرات الأمريكية، وكان شريكه هو «ويليام برو». وكلاهما كانا على اتصال مستمر على مدار الأربع والعشرين ساعة بمركز وكالة المخابرات فى سينتياجو، وتحت ضغوط من البيت الأبيض وصفها أحد موظفى الوكالة بـ«الهائلة والمستمرة».
وقام كل من «فيليب» و«برو» بإرسال برقية مطولة إلى عملائهما فى سينتياجو بمجرد أن اتخذت الخطة الأمريكية ضد «الليندى» شكلها المحدد. وأمرتهم تلك البرقية باستخدام ثلاث وسائل: «الحرب الاقتصادية»، و«الحرب السياسية»، و«الحرب النفسية» من أجل خلق أجواء مواتية لإحداث انقلاب عسكرى، وذريعة أو نقطة اشتعال من أجل التحرك للعمل.
«يجب أن نقوم بإثارة المشاعر فى شيلى وخارج شيلى بشأن انتخاب الليندى وبأنه تطور شائن لشيلى، وأمريكا اللاتينية، والعالم بأسره.. واستنتاج فورى يتعذر تجنبه بأن الانقلاب العسكرى هو الحل.. الحرب النفسية هى الحل السحرى فى شيلى. ويجب على مركز المخابرات أن يقوم بتوظيف كل استراتيجية ممكنة، وكل خدعة، أيًا كانت غرابتها، من أجل خلق تلك المقاومة الداخلية ضد الليندى. ويجب أن تكون معركة الدعم أكثر شراسة واستفزازا.. يجب أن يتم حشد مسيرات للجماهير وخلق أجواء الإثارة، ويجب أن تزيد الحشود فى الحجم والكثافة حتى يكون هناك رد فعل من الشيوعيين.. وإذا ما نجحنا فى تصعيد درجة التوتر من خلال الخطوط الثلاثة الرئيسية المذكورة بعالية، فإن الذريعة، على الأرجح، ستقدم نفسها». 
تفهم العملاء فى سينتياجو هذه الرسالة بصورة جيدة تماما، فقد كان رد هيكشر ببرقية مماثلة إلى المركز الرئيسى فى واشنطن تقول: «لقد طلبتم منا أن نقوم بإثارة الفوضى فى شيلى»، «سنقوم بتزويدكم بوصفة من أجل إثارة الفوضى والتى ليس من المستبعد أن تكون دموية».
وأصبحت الأجواء السياسية مُفعمة بالتوتر بطريقة متزايدة عبر الأسابيع القليلة التالية. وعمدت الصحف ومحطات الراديو، بما فيها تلك التى تدعهما المخابرات المركزية الأمريكية إلى شجب الليندى بقسوة بالغة وحذرت بقوة ووضوح من المآسى وأعمال الرعب التى يمكن أن تجلبها حكومته بالتأكيد. ونظمت جماعة ذات ميول فاشية، وتدعى فازرلاند أند ليبرتى (أرض الآباء والحرية)، مسيرة فى شوارع سينتياجو، وكانت قد تلقت 38,500 دولار أمريكى من المخابرات الأمريكية. والتقى اثنان من عملاء المخابرات الأمريكية سرا مع أكثر من عشرين ضابطا من ضباط الجيش، وطبقا لتقرير نُشر فيما بعد، فإن أولئك الذين دعموا فكرة الانقلاب العسكرى منهم «قد تلقوا تأكيدات بالدعم الكامل من أعلى المستويات من الحكومة الأمريكية سواء قبل الانقلاب أو بعده».
وكانت الملامح الرئيسية فى هذه العملية والتى تحمل الكود السرى (فوبلت)، تشير بوضوح إلى تشديد الضغوط حول شيلى، بهدف تمزيق اقتصادها، وكتب هيلمز فى مذكرة أرسلها إلى كيسنجر:
«وضع اقتصادى كارثى ومفاجئ هو الوضع الأمثل لاستخدامه كذريعة لتحرك عسكرى، ويجب أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بخلق أزمة صغيرة على الأقل»، ولديها العديد من الوسائل لتفعل ذلك.
واقترح السفير كورى فى برقية له إلى واشنطن الضغط على البنوك الأمريكية للتوقف عن منح ضمان قروض قصيرة الأجل لمجال الأعمال فى شيلى؛ وأن يقوم العملاء بنشر الشائعات عن وشك نفاد مخزون الأغذية، وعن انهيار البنوك، وعن خطط خيالية لليندى لمصادرة المنازل الخاصة، وعدم السماح للفنيين من مغادرة البلاد؛ وأن تتباطأ الشركات الأمريكية فى شيلى ولأقصى قدر ممكن فى طلب قطع الغيار المطلوبة لشيلى.
وقام كورى بتحذير وزير الدفاع الشيلى سيرجيو أوسا فى مقابلة جرت بعد فترة قصيرة من الانتخابات قائلا:
«لن يُسمح بأن يصل مسمار أو صامولة إلى شيلى تحت حكم الليندى، سنفعل كل ما فى وسعنا للحكم على شيلى والشعب الشيلى بأقصى درجة الفقر والحرمان إذا ما تم ذلك وصعد الليندى إلى سدة الحكم».
ومن دواعى الإجلال للنظام السياسى فى شيلى أنه رغم كل الجهود التى بذلتها المخابرات المركزية الأمريكية، فإن الخطة الخاصة بها «فوبلت» قد مُنيت بالفشل، فلم يقتنع الرئيس فيرى، ولا أعضاء الكونجرس من الأحزاب المناوئة لحكم الليندى فى شيلى بأن التهديد الذى يمثله اعتلاء الليندى للسلطة كان كبيرا بدرجة كافية تستدعى تمزيق التقاليد الديمقراطية الراسخة فى شيلى. أما عن فكرة التشجيع على القيام بانقلاب عسكرى، فقد تحمس القليل فقط من الضباط لذلك، ولم تكن لديهم أية فرصة واقعية للنجاح لأن الجنرال رينيه شينيدر القائد العام للجيش، كان معارضا صارما لأى تدخل من الجيش فى الأمور السياسية، وأبرق السفير كورى إلى رؤسائه فى واشنطن قائلا: «لكى ينجح أى انقلاب فيجب تحييد الجنرال شينيدر، أو استبداله إذا ما كانت هناك ضرورة».
وبدا الأمريكيون فى التركيز على شينيدر كعقبة أساسية فى سبيل تنفيذ مخططهم فى أواخر شهر سبتمبر. وقد سأل المخططون فى وكالة المخابرات الأمريكية فى برقية لهم قاموا بإرسالها إلى هنرى هيكشر: «هل هناك ما يمكن أن نقوم به من أجل تفعيل إزاحة شينيدر؟، نحن نعلم أن هذا سؤال بلاغى، ولكننا نريد أن نستلهم الأفكار على الجانبين فى هذا الشأن.«وبدا عملاء أمريكا فى سينتياجو، بعد تسلمهم لهذه البرقية، بالاجتماع ببعض ضباط شيلى الساخطين، وكان أكثر الضباط حماسا هو جنرال متقاعد يُدعى روبرتو فو وهو مناوئ للشيوعية، وتم تسريحه من الخدمة بعد أن قام بقيادة انتفاضة فاشلة ضد الرئيس فيرى. وقام عملاء المخابرات المركزية فى سينتياجو فى منتصف أكتوبر بمد روبرتو فو بمبـلغ 20,000 دولار أمريكى ليحتفظوا به منتعشا ماليا وبتمويل كاف لشراء أسلحة، ورشوة قادة الأسلحة، أو اكتسابهم بالطريقة التى يراها مناسبة».
وقام الرئيس نيكسون بدعوة فريقه للأمن القومى فى يوم 13 أكتوبر وطلب منهم التحرك للعمل، ولم يكن متبقيا على اجتماع الكونجرس فى شيلى لتنصيب الليندى سوى أقل من أسبوعين. وطبقا لأقوال أحد المشاركين فى الاجتماع: «فقد بذل نيكسون جهدا كبيرا للتأثير فى جميع الحاضرين بقناعته الشخصية بأنه من الضرورة القصوى أن تتم عرقلة تولى الليندى لسلطة الرئيس». وكان يبدو عليه الإحباط لأن كورى قد بدا غير قادر على ترتيب ذلك، وقام باستدعاء السفير إلى البيت الأبيض فى 15 أكتوبر».
وكان نيكسون يتمتم لنفسه وهو يضرب بقبضة إحدى يده على راحة اليد الأخرى:
«ابن العاهرة ذاك، ابن العاهرة ذاك»!، وذلك فى الوقت نفسه الذى كان فيه كورى يدلف إلى المكتب البيضاوى. وعندما لمح الذعر الذى بدا على وجه كورى، فإنه استجمع شتات نفسه، وبادره قائلا: لا أقصدك أنت يا سعادة السفير، إنه ابن العاهرة ذاك الليندى، ونحن عازمون على تحطيمه.
وتقابل كيسنجر فى تمام الساعة الرابعة والنصف مع توم كارامزينس، مدير العمليات السرية فى المخابرات المركزية، من أجل مناقشة موضوع شيلي. وظل ما حدث فى ذلك الاجتماع غامضا وموضع جدال كبير حتى اليوم. فقد زعم كيسنجر فيما بعد «أنه أغلق ملف الخطة التى تم تدبيرها ضد شينيدر، ونادى بتطبيق المسار رقم 2 قبل تنفيذ تلك الخطة».
ومع ذلك، فإن تسجيلات وقائع جلسة الاجتماع، لا تثبت قوله ذلك، وقالوا إن كيسنجر اعتمد قرارا من أجل تعطيل خطة فو، على الأقل مؤقتا»، ولكنهم يقولون أيضا أنه أقر رسالة تشجيع ملحوظة للجنرال، وتقول الرسالة: «حافظ على مصادر قوتك، سيحين الوقت الملائم عندما تقوم أنت وأصدقاؤك بعمل ما، ستظل تحتفظ بدعمنا الكامل لك».
وقام كارامزينس بإرسال برقية إلى مركز المخابرات المركزية فى سينتياجو بعد ذلك الاجتماع، يعيد فيه التأكيد على «سياسة الإدارة الثابتة والحازمة بان الليندى يجب أن تتم الإطاحة به فى انقلاب عسكرى، ويجب أن يقوم العملاء باستخدام الدعاية المضادة، والعمليات القذرة، ونشر الشائعات والمعلومات المضللة، والاتصالات الشخصية، أو أى شىء آخر يمكن أن يخطر بذهنك». كما وجهت البرقية إلى العملاء تعليمات بضرورة الدعاء «بأقصى الحظوظ الطبية» للجنرال فو، ومجموعة أخرى من الضباط المتمردين الذين يترأسهم الجنرال كاميلو فالينزولا.
وأرسلت المخابرات المركزية على الفور إلى هؤلاء الضباط ما هو أكثر من الدعوات بأقصى الحظوظ الطيبة. وجاءت الهدية السخية داخل حقيبة دبلوماسية وصلت مطار أرتيرو ميرنو، فى سينتياجو فى يوم 21 أكتوبر. وكانت الحقيبة تحتوى على ثلاثة مدافع رشاشة خفيفة، والعديد من صناديق الذخيرة، وست قنابل مسيلة للدموع.
ووصلت المؤامرة لقمتها بعد ذلك بيومين، فقد قام الكولونيل بول ويمرت الملحق العسكرى الأمريكى فى سينتياجو فى الساعة الثانية صباحا وفى أحد الشوارع التى يلفها صمت القبور بتسليم الأسلحة إلى المتآمرين من أنصار فو فى شيلى. وبعد ذلك بست ساعات، وبينما كان الجنرال شينيدر فى طريقه إلى عمله، صدمت سيارة جيب سيارته التى كان يقودها سائقه، وأحاط بها خمسة رجال. أحدهم قام بتحطيم الزجاج الخلفى للسيارة بمرزبة حديدية ثقيلة كانت معه، وهنا تختلف الوقائع عما إذا كان شينيدر قد استل سلاحه دفاعا عن نفسه، ولكن المهاجمين أطلقوا نيران أسلحتهم الخاصة، بدلا من تلك التى قامت المخابرات الأمريكية بتزويدهم بها. وأطلقوا على شينيدر ثلاث طلقات، وتوفى بعدها وفور وصوله إلى المستشفى.
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers