Responsive image

17º

23
سبتمبر

الأحد

26º

23
سبتمبر

الأحد

 خبر عاجل
  • 11 إصابة برصاص الاحتلال شمال قطاع غزة
     منذ 9 ساعة
  • ارتفاع عدد قتلى الهجوم على العرض العسكري للحرس الثوري الإيراني في الأهواز إلى 29 شخصا
     منذ 16 ساعة
  • بوتين يؤكد لروحاني استعداد موسكو لتطوير التعاون مع طهران في مكافحة الإرهاب
     منذ 16 ساعة
  • عون: اللامركزية الإدارية في أولويات المرحلة المقبلة بعد تأليف الحكومة الجديدة
     منذ 16 ساعة
  • تقرير أمريكي يتوقع تراجع إنتاج مصر من الأرز 15% خلال الموسم الجاري
     منذ 16 ساعة
  • "النقض" تقضي بعدم قبول عرض الطلب المقدم من الرئيس الأسبق المخلوع مبارك ونجليه في "القصور الرئاسية"
     منذ 16 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:15 صباحاً


الشروق

6:38 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:15 مساءاً


المغرب

6:56 مساءاً


العشاء

8:26 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

بدعة تفرقة الأمة إلى شيعة وسنة

منذ 2702 يوم
عدد القراءات: 10376
بدعة تفرقة الأمة إلى شيعة وسنة

 وذلك بسبب تعصب بعض المسلمين لمذاهبهم وآرائهم ، مما نتج عنه تكفير وتبديع وتفسيق لم نجده بهذه الصورة فى العصور السابقة ، ولا فى تاريخنا الإسلامى .

ولا شك أن الذين يتسببون فى هذه الفرقة يؤدون ، من حيث لا يشعرون ، هدفا للعدو الصهيونى خاصة وأعداء الإسلام عامة ، حيث إن الهدف الأول والأسمى لهؤلاء الأعداء هو الفرقة ، فهى تجعل العدو يسود بأفكاره ومبادئه وتياراته ، بل ويسود مستعمرا مسيطرا على أراضى ومقدسات المسلمين .

إن العمل على التواصل بين المسلمين هدف عكسى يغيظ أعداء الله وأعداء الإسلام من الصهاينة وغيرهم ، فقد أصبح الإسلام يشكل فى بعض المجتمعات الغربية قلقا شديدا .

إن التواصل والوحدة الإسلامية يؤديان إلى القوة التى حث عليها شرعنا الحنيف . قال تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[آل عمران103]

ولذلك ، فإننى أرى أن فى قوله تعالى : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[الأنفال60] إشارة إلى نوع آخر من القوة ، وهى قوة الوحدة ، وقوة الفكر ، وقوة العقل ، وقوة المنطق ، وقوة الاستدلال .

والقوة التى تغلب بها تختلف من عصر إلى عصر ، والعصر الذى نعيش فيه يحتاج إلى قوة الذكاء والفطنة والعمل والنجاح .

والله عز وجل عطف على القوة رباط الخيل ، والعطف يقتضى المغايرة ، فعلم من ذلك أن القوة شئ يضاف إلى رباط الخيل ، وهى قوة السلاح ، وهذه أيضا يختلف من عصر إلى عصر ، وقد خاطب الله تعالى العرب بما فى عصرهم ، ولم يتكلم عن العصور التالية لهم حتى لا يكون هناك غرابة وتعجب .

وأما القوة فإنه تعالى تكلم عنها بصيغة النكرة ، وهذا يقتضى العموم ، والتوسع فى المعنى .

ولذلك أوجبت الشريعة على الدعاة فى كل عصر أن يجاهدوا بألسنتهم الكفار ، وهذا نوع من القوة.

قال صلى الله عليه وسلم : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " (1)

الشيعة والسنة :

من المعروف أن الفرق الإسلامية ظهرت فى بداية العصور الإسلامية لأسباب سياسية تتعلق بنظام الحكم ، ومن أقدم الفرق التى ظهرت : الشيعة ، وهم الذين شايعوا عليا رضى الله عنه ووالوه ، ثم والوا آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك باعتبار أنهم أحق بالخلافة والحكم .

وقد ظهرت فرق أخرى إسلامية فى العصر الأول كالخوارج ، والمرجئة ، ثم المعتزلة بعد ذلك .

وقد كان فى ذات الوقت ، ومع بداية العصر الأول من العلماء والفقهاء والمحدثين والمجتهدين من تجنبوا الخوض فى علم الكلام ، واقتصرت بحوثهم ودراساتهم وتفقهم على الاعتكاف على جمع السنة ، والتفرغ للمسائل الفقهية ، وهؤلاء هم الذين استطعنا أن نطلق عليهم بعد ذلك (أهل السنة) ، وذلك بسبب انفصال الشيعة وغيرها من الفرق ككيان خاص فى عام 41 هجرية وهو ما سمى بعام الجماعة ، وبالتالى لم يكن هناك فرقة تسمى أهل السنة لها بداية معينة أو نشأة خاصة إلا بافتراق غيرها عنها ، فاتضحت وظهرت مراسمها وأصولها .

وفى القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجرى استطاع اثنان من رجالات العلم والفقه والحديث وهما : أبو الحسن الأشعرى (2) ، وأبو منصور الماتريدى أن يدعوا إلى ما ذهب إليه الفقهاء والمحدثون من منهج أهل السنة ، وأن يجمعا الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة على مذهب أهل السنة ، وأن يرسخا هذه المبادئ والقواعد فى مؤلفات أصبحت بعد ذلك نبراسا وميثاقا لأهل السنة والجماعة ، كما أنهما تصديا لأفكار ومعتقدات من يخالفهم كالمعتزلة وغيرهم .

ومما يعجب له الإنسان ويعجب له التاريخ أن الوهابية (3) التى ظهرت منذ حوالى مائتى عام أو أكثر قليلا ، والسلفية الحديثة ، يطلقون مصطلح أهل السنة عليهم فقط ، وكأن أهل السنة لم يظهروا على مدى التاريخ إلا منذ حوالى مائتى عام ، ومن كانوا قبل ذلك فهولاء لم يكونوا من أهل السنة !! . بل إنهم ينكرون أن تكون الأشاعرة من أهل السنة ، مع أن التاريخ يجمع والأمة مجمعة على أن الأشاعرة هم أول من أصلوا وكتبوا عقائد أهل السنة فى ميثاق شامل ، وإن كانت بداية أهل السنة قبل ذلك ، كما ذكرنا من قبل .

فاستطاع أتباع السلفية الحديثة والوهابية ، بما أوتوا من إمكانات كبيرة ، أن يقنعوا الناس بأن المقصود بأهل السنة هم وحدهم ، وبذلك نشروا بين الناس أن مذهب الأشاعرة ، والذى عليه جمهور أهل العلم قديما وحديثا ، خارجا عن أهل السنة ، وبالتالى فليس أمام الناس إلا اتباع الوهابية والسلفية الحديثة حتى يكونوا من أهل السنة وحتى يكونوا مسلمين .

أما الشيعة فهم الذين يوالون عليا كرم الله وجهه ، ويكرمون آل البيت ، ويحصرون الخلافة أو الإمامة فى على وذرية على رضى الله عنه من فاطمة رضى الله عنها ، وقد نشأت الشيعة فى منتصف القرن الأول ، وإن كان البعض يرى أن البذرة الأولى للتشيع ظهرت يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد حصل بعد ذلك مغالاة وإطراء وغلو من بعض الفرق كالخطابية ، إلا أن المعتدلين منهم بقوا على مر الزمان واستمر طريقهم ، وأشهر هذه الفرق المعتدلة الآن : الزيدية والإمامية .

فالزيدية هم أتباع زيد بن على بن الحسين ، وقد كان زيد يثنى خيرا على أبى بكر وعمر عندما سألوه عن رأيه فيهما ، والزيدية هى أقرب الفرق إلى أهل السنة ، خاصة فى آرائهم الفقهية واعتمادهم على كتب أهل السنة أيضا ، وهم موجودون فى اليمن ، وقد أجازوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل .

اشتهر من فقهاء الزيدية فى العصور القريبة الصنعانى صاحب كتاب سبل السلام ، والذى يدرس فى مدارس أهل السنة ، والشوكانى صاحب كتاب نيل الأوطار ، وهو كتاب معتمد أيضا عن أهل السنة .

وأما الإمامية ، فهم الذين قالوا بإمامة اثنى عشر من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم يسمون بالاثنى عشرية ، فهم يرون الإمامة بعد الحسين لابنه على ، ثم محمد الباقر ، ثم لجعفر الصادق ، ثم لموسى الكاظم ، ثم لعلى الرضا ، ثم لمحمد الجواد ، ثم لعلى الهادى ، ثم للحسن العسكرى ، ثم لمحمد ابنه ، وهو الإمام الثانى عشر الذى دخل سردابا ، فى اعتقادهم ، فى سر من رأى ( سامراء) ولم يعد بعد .

والاثنا عشرية موجودون الآن أكثرهم فى إيران ، وفى بعض البلاد الأخرى مثل لبنان ، ولهم مذهب فقهى ثرى ، وآراء فقهية معتمدة على أدلتهم من القرآن الكريم ، والسنة الثابتة عن طريق آل البيت ، واجتهاد المجتهدين من علمائهم ، وهم كثير على مر العصور .

ويتميز الفقه الشيعى الإمامى بالثراء ، فهو فقه خصب ، كما يتميز بالاجتهادات العصرية التى فيها حل لمشاكل كثيرة حدثت فى العصور الحديثة والمتأخرة .

الصلة بين الأئمة وأصحاب المذاهب :

كان هؤلاء العلماء يقرون الحق لأهله ، بل ويمدحون من يستحق المدح ، فقد قال الشافعى فى أبى حنيفة " الناس كلهم عيال على أبى حنيفة فى الفقه "

وقال الشافعى فى مقاتل : " الناس عيال على مقاتل بين سليمان فى التفسير " ومقاتل بن سليمان شيعى زيدى .

وقال ابن حنبل فى الشافعى : الشافعى فيلسوف فى أربعة أشياء : فى اللغة واختلاف الناس والمعانى والفقه .

وقال أبو حنيفة فى جعفر الصادق : " ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق "

وقال أبو حنيفة فى زيد : " شاهدت زيد بن على كما شاهدت أهله فما رأيت فى زمانه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جوابا ولا أبين قولا لقد كان منقطع القرين " .

وهذا السلوك الطيب ينقصنا اليوم ، وقد قام مدعو العلم يلقى بعضهم الاتهامات فى وجه بعض ، وإن وجد أحدهم فى أخيه علما أنكره ، بل قد يفسقه حتى يصرف الناس عنه .

ما أحوجنا الى سلوك الأئمة الراقى فى معاملة بعضهم لبعض وإقرار الحق لأهله .

إنك لتجد هؤلاء الأئمة تعلموا من كل شيخ اتصف بالعلم ، حتى وإن كان يخالفهم فى مذهبهم ، فتجد أبا حنيفة قد أخذ عن زيد إمام الزيدية ومحمد الباقر وجعفر الصادق إمام الشيعة الإمامية ، وان كان يخالفهم فى رأيهم فى كبار الصحابة وترتيب أفضلهم .

وإننا لنجد فى هذه الأيام من طلاب العلم من يمتنعون عن التلقى على أيدى بعض العلماء لمجرد أنه وجده يتبنى رأيا لا يوافق رأيه ، بل إنه قد يفسقه أو يبدعه أو يكفره ، وهذا سلوك ما عهدناه فى أئمة الهدى . بل إننى سمعت بعضهم ينكر على من يأخذ العلم على أيدى حالق اللحية ، ولا أدرى ما علاقة اللحية بالعلم وثرائه ، فهل إذا كثر شعر اللحية كثر العلم وإذا قل قل !! شئ عجيب .

جالس أبو حنيفة العلماء من أهل السنة ، واخذ منهم .

وجالس أبو حنيفة كثيرا بالعراق من فرق الشيعة على اختلافهم ، بعضهم من الزيدية وبعضهم من الإمامية الاثنى عشرية ، وإن لم يعرف أنه نزع منازع الشيعة ، إلا فى محبته للعترة النبوية .

التقى بالأئمة زيد بن على ، ومحمد الباقر ، وأبى محمد عبد الله بن الحسن ، وكل له قدم فى الفقه والعلم ثابتة .

فالإمام زيد بن على زين العابدين ، المتوفى سنة 122 هجرية كان عالما غزير العلم فى شتى الفنون الإسلامية ، القراءات وعلوم القرآن ، وعلوم الفقه ، والعقائد ، ويروى أن أبا حنيفة تتلمذ له سنتين .

والإمام محمد الباقر بن زين العابدين أخو الإمام زيد ، توفى قبله وهو من أئمة الشيعة الإمامية ، ولقب بالباقر لأنه بقر العلم ، ولقد كان ، مع أنه من آل البيت ، لا يذكر الخلفاء الثلاثة بسوء ، يروى أنه ذكر بحضرته أبو بكر وعمر وعثمان من بعض أهل العراق بسوء ، فغضب وقال مؤنبا : أنتم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ؟ قالوا : لا ، قال : أنتم من الذين تبوءوا الدار والإيمان ؟ قالوا : لا ، قال : ولستم من الذين جاءوا من بعدهم يقولون : " ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان " قوموا عنى ، لا قرب الله داركم ، تقرون بالإسلام ولستم من أهله" .

وكان الباقر على علم غزير ، التقى أبو حنيفة به فى المدينة وهو يزورها .

والإمام جعفر بن محمد الصادق ابنه ، كان لأبى حنيفة اتصال به ، وقد كان فى سن أبى حنيفة ، ولدا فى سنة واحدة وتوفى جعفر قبل أبى حنيفة بسنتين .

جاء فى المناقب للموفق المكى " أن أبا جعفر المنصور قال " يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيئ له من المسائل الشداد " فهيأ له أربعين مسألة ، وإن أبا حنيفة يقول عندما دخل على أبى جعفر وهو بالحيرة : " أتيته فدخلت عليه ، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلتنى من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلنى لأبى جعفر المنصور ، فسلمت عليه ، وأومأ فجلست ثم التفت اليه ، فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة ؟ فقال : نعم ، ثم التفت إلى ، فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبى عبد الله من مسائلك ، فجعلت ألقى عليه فيجيبنى ، فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا ، حتى أتيت على الأربعين مسألة ، ثم قال أبو حنيفة : إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس .

وأبو محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن من الذين تتلمذ لهم أبو حنيفة ، وكان محدثا ثقة صدوقا روى عنه سفيان الثورى ومالك وغيرهما ، وكان معظما عند العلماء ، عابدا كبير القدر ، وفد على عمر بن عبد العزيز ، فأكرمه . وكانت وفاة عبد الله سنة 145 هجرية .

وقد كان أبو حنيفة يتلقى العلم من كل من كانت له قوة فى ناحية من نواحيه وإن انحرف فى بعض تفكيره عن منهجه الذى يعتقده ، يأخذ منه موضع نفعه ، ويتجنب موضع الخلاف ، يميز الآراء بعضها من بعض ، فيجنى منه ما يريد .

والانتقاء بهذا الشكل لا يستطيعه إلا أقوياء العقول الذين علا أفق تفكيرهم ولم تستهوهم فكرة معينة ، تمنعهم من تعرف الخير فى غيرها .

وأما الشافعى فقد تلقى الفقه والحديث على شيوخ تباعدت أماكنهم واختلفت مناهجهم ، أخذ من شيوخ بمكة وشيوخ بالمدينة وشيوخ باليمن وشيوخ بالعراق .

فتلقى عن سفيان بن عيينه ومسلم بن خالد الزنجى .. وتلقى عن مالك بن أنس وإبراهيم بن سعد الأنصارى ... وتلقى عن مطرف بن مازن وهشام بن يوسف ... وتلقى عن وكيع بن الجراح وأبو أسامة حماد بن أسامة ... ، وتلقى عن محمد بن الحسن .

ولم يقتصر على دراسة المذاهب السنية ، ولكن كان يدرس آراء الشيعة وغيرهم ، فقد قال : " ومن أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان " ومقاتل شيعى زيدى ، ورغم ذلك اعتبره إماما فى هذا العلم .

الإمام زيد بن على (4):

هو زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب ، جده علىّ فارس الإسلام ، وأقضى الصحابة ، وباب مدينة العلم ، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخوه عند المؤاخاة .

وجده من قبل أمه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين . فهو ذو نسب رفيع ولد فى سنة ثمانين من الهجرة ، وقتل شهيدا فى دفاعه عن الظلم فى سنة 122 هـ .

وقد كان أبوه على زين العابدين هو الذى بقى من أولاد الحسين ، بعد قتل أخ له فى المعركة التى شنها يزيد وعماله على الإمام الحسين .

فلم يحضر زين العابدين المعركة بسبب مرضه ، وكف الله أيدى عمال يزيد عن قتله ، وقد كان زين العابدين دائم الحزن والبكاء ، فقد عاش بعد قتل الأحبة ، ولم يعمل بالسياسة لما رآه فى أسرته ، لكنه لم يقر ظالما على ظلمه ، وكان مشغولا بإسداء الخير ودرس العلم والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وانصرف إلى الدراسة والتحصيل والبحث وطلب الحديث والسعى وراء الصالحين .

وكان كثير السخاء والجود على الغارمين والفقراء ، لدرجة أنه كان هناك أناس يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم ، فلما مات فقدوا ذلك وعلموا أن الذى كان يأتيهم بالليل هو زين العابدين .

وكانت صدقاته ليلا ، وكان يقول : " صدقة الليل تطفئ غضب الرب ، وتنير القلب والقبر ، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة " .

وقد كان لا يساير الذين يذمون الأئمة الراشدين ، ولم يعلم أنه قال فى أبى بكر وعمر وعثمان إلا خيرا ، ويعتبر ذم هؤلاء عارا على من يزعم محبة آل البيت .

ويروى أن هشام بن عبد الملك حج قبل أن يتولى الخلافة ، فطاف بالبيت ولما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فجلس عليه وتسلم ، وأهل الشام حوله ، وبينما هو كذلك إذ أقبل علىّ زين العابدين فلما دنا من الحجر تنحى له الناس هيبة واحتراما ، فقال هشام : من هذا ؟ وكان الفرزدق حاضرا ، فقال : أنا أعرفه ، فقال هشام : من هو ؟ فأنشد يقول :

هذا الذى تعرف البطحاء وطأته                                 والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم                                      هذا التقى النقى الطاهر العلم

إذا رأته قريش قال قائلها                                        إلى مكارم هذا ينتهى الكرم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله                                   بجده أنبياء الله قد ختموا

ثم قال فى نهاية القصيدة الطويلة :

فليس قولك من هذا بضائره                                     العرب تعرف من أنكرت والعجم

فهذا علىّ زين العابدين الذى أخلف بعده زيدا الذى ترعرع وتربى وسط دوحة من الخلق والمكارم : شرف نسبى ، وعلم .

فى هذا البيت نشأ زيد وتلقى علمه الأول على أبيه زين العابدين ، وحفظ القرآن الكريم وطلب الفقه والحديث عن أبيه الذى روى عن كثير من آل البيت .

فروى عن ابن عباس وجابر ومروان وصفية أم المؤمنين وأم سلمة وغيرهم من الصحابة ، وقد روى عن على زين العابدين الزهرى بحر العلم ، فقد كان زين العابدين محدثا أخذ عنه ابنه زيد علم الحديث ، كما أخذ عن غيره ، وقد أخذ عن أبيه الفقه أيضا ، فقد كان فقيها واسع الاطلاع ومجتهدا .

وتلقى زيد أيضا عن أخيه محمد الباقر ، الذى خلف أباه فى العلم والفقه والحديث ، وكان مثله فى أخلاقه وورعه ، واحترامه لسلف الأمة ، يروى عروة ابن عبد الله : سألت جعفر محمد بن على عن حلية السيف ، فقال : لا بأس بها قد حلى أبو بكر الصديق سيفه ، قال وتقول الصديق . فوثب وثبة واستقبل القبلة ، ثم قال : نعم الصديق ، نعم الصديق ، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا فى الدنيا والآخرة ، وقد أخذ زيد الفقه أيضا عن أخيه محمد الباقر .

تخرج زيد فى المدرسة النبوية ، وذهب بعد أن نضج إلى البصرة والتقى بعلمائها ، ودرس الفرق ، وهذا شأن طالب العلم ، فهو كطالب الجواهر لا يتقيد بمكان .

وقد خلف زيد مدرسة علمية وفقهية كبيرة اعتمدت على الأصول ، وقد كانت له أراء معتبرة فى أصول الدين والسياسة والإمامة ، كما كانت له آراء فقهية بناها على الحديث والاجتهاد ، واعتمد على روايات أهل البيت والصحابة كلهم ، فأثر عنه فقه عظيم انتشر فى أقاليم كثيرة ، ونقله بعده تلاميذ وأئمة .

الإمام جعفر الصادق (5):

كما قلنا فإنه منذ قتل الشهيد الحسين انصرف آل البيت إلى العلم النبوى ، وبعدوا عن السياسة ، فعلىّ زين العابدين كان إمام المدينة علما وورعا ، ومحمد الباقر كان وريثه ، وكان يقصده المتشيعون وأهل السنة وأئمة الفقه كسفيان الثورى وابن عيينة وأبو حنيفة ، وقد كان مفسرا للقرآن ومجتهدا فى الفقه ، وله من الحكم والأقوال ما يسمو به كل مسلم ، وكان قويا فى دينه وكان يرى أن طلب العلم مع أداء الفرائض خير من الزهد .

انتفع بهذه الثمرات كلها ابنه جعفر الصادق ، الذى روى الحكمة عن أبيه ، وقد مات أبوه الباقر سنة 114 هجرة ، وأكمل جعفر مسيرة العلم والتعلم بعد أن نهل من علم أبيه ونور حكمته .

وكانت أم الإمام جعفر الصادق من بيت علم أيضا ، فقد اختارها محمد الباقر من كرائم التابعين ، فهى حفيدة أبى بكر الصديق فهى أم فروة بنت القاسم بن محمد الذى تربى فى حجر عائشة عمته وأحد الفقهاء السبعة .

وأخذ جعفر عن جده أبى أمه حيث أدركه وهو فى سن ناضجة فى الثامنة والعشرين من عمره .

ولد جعفر الصادق فى وسط هذا النبع الصافى من آل محمد والتابعين فى سنة 80 من الهجرة ، نشأ بالمدينة حيث العلم المدنى وآثار الصحابة وكبار التابعين ، وقد عاصر جعفر الصادق الإمام الزهرى .

استمر جعفر فى طلب العلم ، وكان معنيا بدراسة آراء الفقهاء على شتى مناهجهم ، وقد حكينا فى الأوراق السابقة ما يدل على قوة علمه ، حينما سأله الإمام أبو حنيفة عن المسائل الأربعين .

ولم يقف الإمام جعفر على دراسة الفقه والحديث والقرآن ، بل شغل أيضا بعلم الكون وما اشتمل عليه استجابة لطلب الله تعالى عباده أن ينظروا فى السموات والأرض ، كما عنى بدراسة القوى العقلية والنفسية .

وقد دفن جعفر فى البقيع فى قبر أبيه محمد الباقر وجده زين العابدين وعم جده الحسن بن على عليه رضوان الله تعالى .

درس الإمام جعفر الفقه ، وخاض فى علوم العقيدة مدافعا عنها ، كما خاض فى علوم الكونيات وطب الأجسام والأرواح .

وقد ذاع علمه وذاعت آراؤه فى مسائل العقيدة وفى المسائل الفقهية ، حتى إن علماء عصره شهدوا له بالعلم والتقوى والورع ، ومنهم أبو حنيفة الذى شهد بأن جعفر من أعلم الناس.

فجعفر الصادق من أبرز فقهاء عصره ، كما كان من الرواة والمحدثين أيضا ، روى عنه المحدثون الذين عاصروه ، وروى عنه أصحاب السنن أبو دواد والترمذى والنسائى وابن ماجه والدارقطنى .

وروى عنه مسلم ، وكان من الثقات عن أهل الحديث .

والذى قيل من أن البخارى لم يرو عنه ، لا لأجل الشك فى صدقه ، فهو الذى لقبه المسلمون جميعا بالصادق ، ولكن البخارى لم يرو عنه لشكه فى السند المتصل به ، أى الرواة الذين يوصلون السند إليه رضى الله عنه .

الشيعة والسنة على مر العصور :

ومن خلال ما سبق يتضح لديك أن علماء السنة وعلماء الشيعة لم يكونوا فى معزل بعضهم عن بعض ، إنما كانوا فى تلاق وارتباط وتبادل للمعارف ومناقشة للآراء .

لقاءات عديدة بينهم ومناظرات كثيرة وإقرار كل منهم للآخر بعلمه وورعه وتقواه .

ففى العصور الأولى ، كما أسلفنا ، التقى علماء أعلام كأبى حنيفة برؤوس آل البيت : زيد بن على ، جعفر الصادق ، محمد الباقر .... وغيرهم . يناقشهم ويوقرهم ويعترف بفضلهم على العلم .

والشافعى يعتبر بفضل مقاتل ابن سليمان ، فيقول : الناس عيال على مقاتل فى التفسير ، ومقاتل شيعى زيدى .

وهكذا كان اللقاء والتواد بين العلماء الأوائل دون تكفير أو تبديع أو تفسيق ، بل احترام وتوقير ، لأن هؤلاء يستندون إلى أدلة من الشرع ، ولم يكن كلامهم بهوى من النفس .

وكل مجتهد يعتقد بصواب رأيه الذى وصل إليه ، وخطأ رأى غيره ، فهذا هو المنطقى ، ولكنه يعطى نسبة من الاحتمال لغيره أن يكون على صواب ، ويعطى احتمالا لنفسه أن يكون على خطأ .

فهذه كلمة مشهورة للشافعى : رأيى صواب يحتمل الخطأ ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب .

كل مجتهد مصيب ، وكل مجتهد له أجر إذا أخطأ ، وله أجران إذا أصاب .

فهذه مسلمات فى شريعتنا تجعلنا نتواصل بعضنا مع بعض ما دمنا داخل دائرة الإيمان ، فلا يخرج من هذه الدائرة من أقر بالشهادتين ، وكان من أهل القبلة إلا بإنكار شئ معلوم من الدين بالضرورة ،أو إنكار شئ مما دخل به فى الإسلام .

وقد كان علماء السنة وعلماء الشيعة على مر العصور يعيشون مترابطين متكاتفين ، وكذلك كان الناس وعوامهم ، إلا هؤلاء الذين يتربصون بالأمة شرا ، ويوالون أعداء الإسلام ، فعلى مر العصور وجدنا فى تاريخنا الإسلامى ، وفى تراثنا ، مفسرين من السنة والشيعة ، وفقهاء ومحدثين ومفكرين وقفوا بجوار بعضهم ، ولم يكونوا أحزابا متفرقين ، بل كان يجمعهم الإسلام والتوحيد والقبلة .

ويظل التاريخ يذكر لنا هذه النماذج وهؤلاء العلماء المتحابين .

فقد لا نستطيع فى هذه الورقة البحثية أن نذكر مواقف من تاريخنا ، إلا أن أقرب شئ لنا هو ذكر مواقف لهؤلاء العلماء فى تاريخنا الحديث ، فقد كان كثير من علماء الأزهر فى العصر الحديث يسعى إلى التواصل مع كبار علماء الشيعة من الزيدية والإمامية .

فهذا سليم البشرى شيخ الأزهر يرحب بعالم كبير من علمائهم ويجرى معه حوارا طويلا نشر بعد ذلك فى كتاب " المراجعات " .

وقد رحب البشرى بالموسوى العالم الشيعى ترحيبا كبيرا ، وقابل الموسوى الترحيب برد جميل أسوق إليك هذا الترحيب :

قال الشيخ سليم البشرى ـ شيخ الأزهر الأسبق ـ فى تحيته للإمام الموسوى :

" سلام على الشريف العلامة الشيخ شرف الدين الموسوى ورحمة الله وبركاته .

إنى لم أتعرف فيما مضى من أيامى على دخائل الشيعة ، ولم أبل أخلاقهم ، إذ لم أجالس آحادهم ، ولم أستبطن سوادهم . وكنت متلعلعا إلى محاضرة أعلامهم ، حران الجوانح الى تخلل عوامهم ، بحثا عن آرائهم ، وتنقيبا عن أهوائهم ، فلما قدر الله وقوفى على ساحل عيلمك المحيط ، وأرشفتنى ثغر كأسك المعين ، شفى الله بسائغ فراتك أوامى ، ونضح عطشى ، وألية بمدينة علم الله ـ جدك المصطفى ـ وبابها ـ أبيك المرتضى ـ إنى لم أذق شربة أنقع لغليل ، ولا أنجع لعليل ، من سلسال منهلك السلسبيل ، وكنت أسمع أن من رأيكم ـ معشر الشيعة ـ مجانبة إخوانكم ـ أهل السنة ـ وانقباضكم عنهم ، وأنكم تأنسون بالوحشة وتخلدون الى العزلة ، وأنكم وأنكم . لكنى رأيت منك شخصا رقيق المنافثة ، دقيق المباحثة ، شهى المجاملة ، قوى المجادلة ، لطيف المفاكهة ، شريف المعاركة ، مشكور الملابسة ، مبرور المنافسة ، فإذا الشيعى ريحانة الجليس ، ومنية كل أديب .

وإنى لواقف على ساحل بحرك اللجىّ ، أستأذنك فى خوض عبابه والغوص على درره ، فإن أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك فى صدرى منذ أمد بعيد ، وإلا فالأمر إليك ، وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة ، أو متتبع عورة ، ولا بمفند أو مندد ، وإنما أنا نشاد ضالة ، وبحاث عن حقيقة ، فإن تبين الحق ، فإن الحق أحق أن يتبع وإلا فإنا كما قال القائل :

نحن بما عندنا وأنت بما عنـــــ                  ــدك راض والــرأى مختلــــف

وسأقتصر ـ إن أذنت ـ فى مراجعتى إياك على مبحثين ، أحدهما فى إمامة المذهب أصولا وفروعا ، وثانيهما فى الإمامة العامة ، وهى الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وسيكون توقيعى فى أسفل مراجعاتى كلها (س) فليكن توقيعك (ش) وأسلفك رجاء العفو عن كل هفو والسلام. "

رد عليه التحية الإمام شرف الدين الموسوى ، فقال :

السلام على مولانا شيخ الإسلام ورحمة الله وبركاته .

خولتنى بكتابك العطوف من النعم ، وأوليتنى به من المنن ما يعجز عن أداء حقه لسان الشكر ، ولايستوفى بعض فرائضه عمر الدهر .

رميتنى بأمالك ونزعت إلى برجائك ، وأنت قبلة الراجى ، وعصمة اللاجى ، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال ، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال ، منتجعا علمك ، مستمطرا فضلك ، وسأنقلب عنك حى الرجاء قوى الأمل ، إلا أن يشاء الله تعالى .

استأذنت فى الكلام ـ ولك الأمر والنهى ـ فسل عما أردت ، وقل ما شئت ، ولك الفضل ، بقولك الفصل ، وحكمك العدل وعليك السلام .

تحية عظيمة ، لقاء جميل ، أسلوب أدبى رائع ، يدل على توقير العلماء بعضهم لبعض ، وإن اختلفوا فى المنهج وفى الرؤية وفى الاجتهاد .

وها هو المراغى شيخ الأزهر يحث على الترابط بين السنة والفرق المعتدلة من الشيعة كالزيدية والإمامية ، ويقرر فى عهده ، بعد موافقة كبار علماء الأزهر كلهم ، تدريس فقه الزيدية وفقه الإمامية فى مادة الفقه المقارن ، فصار الأزهر منذ حوالى مئة عام يدرس المذاهب الثمانية : الأربعة السنية والإمامية والزيدية والإباضية والظاهرية .

وذلك من أجل التعرف على تراثنا الإسلامى الخصب الواسع ، فتراثنا الإسلامى يخصنا جميعا ويهم كل مسلم ، ولا يقتصر تراث مذهب معين على أتباع هذا المذهب .

وها هو عبد المجيد سليم شيخ الأزهر الأسبق يسعى للتقريب بين الشيعة والسنة .

وها هو شلتوت شيخ الأزهر السابق يفتى بجواز التعبد على مذهب الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية ، وهى فتوى أثارت ضجة فى الوسط الدينى العلمى ، كما أثارت ضجة فى وسط العوام ، ولكنها حرصت على بيان هذا المذهب الفقهى والتعرف عليه وعلى أدلته ، وبيان أنه مذهب إسلامى .

وهكذا كان العلماء فى الحصر الحديث : سيد سابق ، الغزالى ، الشعراوى .........

ولا يفوتنا الكلام عن " محمد أبو زهرة " رحمه الله الذى قدم بحوثه عن الأئمة الأربعة فى موسوعات ضخمة ، ثم كتب كتابين كبيرين أحدهما عن الإمام زيد والزيدية ، والآخر عن الإمام الصادق والإمامية ، كما كتب عن الفرق الإسلامية المختلفة التى انتشرت فى اليمن وإيران وغيرها من البلدان .

وها هو الأزهر ينشئ دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ينشط فيه حركة التقريب والتقارب .

وها هو قانون الأحوال الشخصية المصرى [ 25 لسنة 29 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 85 ، والقانون 77 لسنة 43 والقانون 25 لسنة 44 والقانون 71 لسنة 46 ]

يأخذ القانون فى بعض أحكامه بمذهب الإمامية : مثل الطلاق المقترن بعدد لفظا وإشارة لا يقع إلا واحدة ، فقد أخذ هذا الحكم من مذهبهم ، فالمذاهب الأربعة تجعل الطلاق المقترن لفظا أوإشارة يقع بحسب ما نطق به إن كان ثنتين يقع ثنتين وإن كان ثلاثة يقع ثلاثة .

وأيضا أخذ القانون بعدم وقوع الطلاق المعلق ( غير المنجز ) إذا قصد به الحمل على فعل شئ أو تركه ليس غير .

وأيضا أخذ القانون بجواز الوصية للوارث فى حدوث ثلث التركة ، فهذا غير جائز فى مذهب الأئمة الأربعة ، وقد أخذ القانون برأى فى مذهب الإمامية .

وهذا كله اعتراف وإقرار بأن مذهب الشيعة الإمامية هو مذهب فقهى قائم على اجتهاد ، وإقرار بأنه مذهب يتمسك به فريق من المسلمين .

من كل ما سبق نرى كيف كان التلاحم والوصال بين السنة والشيعة فى زماننا وفى العصور السالفة .

الخلاف بعيد عن الأصول الثابتة :

والخلاف ما دام بعيدا عن الأصول الثابتة من العقائد ، فإنه يكون داخلا فى إطار دائرة الإسلام ، وليس سببا فى خصومة بين طرفى الأمة .

والأصول الثابتة تدور حول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ، والإيمان بالغيبيات من الجنة والنار والصراط والحساب والموازين ... إلى غير ذلك من الأمور الغيبية .

أما الاختلاف حول استنباط أحكام معينة ليس فيها دليل قطعى من ناحية الثبوت والدلالة ، فإن الخلاف يكون مقبولا فى الفروع ، ويكون أيضا دليلا على ثراء تراثنا الإسلامى وحيويته وصلاحيته لكل زمان ومكان .

وهذا الخلاف قد حصل بين الصحابة أنفسهم بعد أن لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى .

فقد اختلفوا فى بعض الأحكام ، وهناك مواطن كثيرة تبين اختلافهم ، ولكن قلوبهم كانت واحدة . فمن نماذج اختلافهم : اختلافهم فى المفقود ، فقد قال علىّ رضى الله عنه بأنه لا تتزوج امرأته ـ وهو ما أخذ به الأحناف ـ بينما قال عمر : تتربص امرأته أربع سنين ـ وهو ما أخذ به مالك ـ .

ومنها اختلافهم فى ترك التسمية فى الذبح ، فقال علىّ وابن عباس رضى الله عنهما : إذا كان ذلك عمدا لا تحل الذبيحة ، وإن كان نسيانا تحل ـ وهو ما أخذ به الأحناف ـ وقال ابن عمر رضى الله عنه : إن ترك التسمية ناسيا يحرم عليه أكل الذبيحة ـ وهو ما أخذ به مالك ـ .

ومنها اختلافهم فى الحامل اذا توفى عنها زوجها ، فقال ابن مسعود وأبو هريرة : إن عدتها وضع الحمل وهو ما أخذ به الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة ، وقال ابن عباس وعلىّ رضى الله عنهما: إن عدتها أبعد الأجلين.

ومنها اختلافهم فى حجب الجد للأخوة فى الميراث ، كالأب ، فقال بالحجب الصديق وعائشة والحسن البصرى ، وهو ما أخذ به أبو حنيفة ، وقال بالمقاسمة بينه وبين الإخوة الأشقاء أو لأب عمر وعثمان وعلى وابن مسعود رضى الله عنهم أجمعين ، وهو ما أخذ به الشافعى وأبو يوسف ومحمد .

واختلفوا فى تفسير المراد بالإحصار فى قوله تعالى  : {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}[البقرة196] فقال كثير منهم : الإحصار من كل حابس حبس الحاج من عدو وغير ذلك ، وقال ابن عباس : لا حصر إلا بالعدو .

واختلفوا أيضا فى أيام النحر ، كم هى ؟ فقيل : ثلاثة يوم النحر ويومان بعده ، وهذا ما ورى عن أبى هريرة وأنس بن مالك ، وقد أخذ به مالك وأبو حنيفة والثورى وأحمد . وقيل : أربعة ، يوم النحر وثلاثة بعده ، وهو ما ورى عن علىّ وابن عباس وابن عمر ، وأخذ بذلك الشافعى والأوزاعى (6).

وهكذا اختلف الصحابة ، ولكن هذا الاختلاف فى الفروع لم يجعلهم متفرقين يسب بعضهم بعضا ، ويرمى بعضهم بعضا بالكفر أو الفسق ، وإنما كانوا متحدين ضد أعداء الإسلام .

ولا يعنى هذا أنهم كانوا دائما مختلفين فى الأمور الفقهية ، بل كان هناك أمور ظهر فيها إجماعهم.

وحدث هذا الاختلاف أيضا فى عصر التابعين ، فاختلف الفقهاء السبعة ، واختلف الأئمة بعدهم ، فقد كان أئمة المذاهب الأربعة مختلفين فى أمور كثيرة ، اجتهد كل واحد منهم فيها بأدلته ، ووصل إلى رأى مخالف لما عليه الآخر . حصل هذا بين الإمام أبى حنيفة والإمام مالك والإمام الليث بن سعد ، الذى شهد له الشافعى بأنه كان أفقه من مالك ، لكن أصحابه ضيعوا فقهه .

وحصل اختلاف بينهم وبين الأوزاعى وابن أبى ليلى القاضى والإمام زيد بن على والإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق .

ثم ظهر بعد ذلك مجتهدون آخرون ، مثل الإمام الشافعى الذى ولد فى السنة التى مات فيها أبو حنيفة ، سنة 150 هجرية ، فحصل اختلاف بينه وبين أبى يوسف ومحمد بن الحسن ، وإن كان قد تتلمذ عليهم ليتعرف على فقه العراق فقه أبى حنيفة ، كما حصل اختلاف بينه وبين الإمام أحمد الذى كان تلميذا للشافعى ، ومع هذا الخلاف فكل واحد من هؤلاء المجتهدين كان يعترف للآخر بالفضل ، بل وربما بالسبق فى بعض الأحايين ، وكل واحد منهم كان متسما بالأخلاق والإخلاص ، فلم يكن غرضه أن يتفوق على نظيره أو يصفق له الجمهور ، ولكن كان يبتغى الحق من وجهة نظره ، فلم تنشأ بينهم خصومة ، كما هو حادث فى عصرنا الحديث .

ولابد أن ننبه إلى أن الاجتهاد لا يخص فروع الفقه فحسب وإنما يخص أيضا مسائل علم الكلام التى جاءت فيها أدلة اختلف فى معناها ومخزاها ، فحملها البعض على معنى ظاهرى وحملها البعض الآخر على معنى مجازى ، فهذه أمور مختلف فيها منذ عصر الكتابة ، ولم ينتج عن الاجتهاد فيها أو الأخذ برأى من الآراء تكفير أوتبديع أو تفسيق ، وإنما هو فقط عرض للأراء والاستنباطات .

فقد اختلف الصحابة ومن بعدهم فى القول بفناء النار دون الجنة : فقد نقل عن بعض الصحابة منهم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد وغيرهم القول بفناء النار بعد أن يعذب فيها أصحابها ، دون الجنة ، بينما ذهب فريق آخر من الصحابة إلى أن النار لا تفنى أبدا وإنما تبقى ، وكل من الفريقين له أدلته (7) .

فالدين واحد ، والعقيدة واحدة ، والقبلة واحدة .

إن توحيد الأمة الإسلامية أمر يسعد كل مسلم ، ويحزن كل عدو لهذه الأمة ، فأعداؤنا يسعون إلى تفريقنا ، وبعض المسلمين يشاركون فى ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر .

سبل المواجهة :

ولكى نواجه هذا الداء الذى نعيش فيه الآن ، وهو التفرقة بين مسلمى الأمة ، فإن هناك دورا على العلماء ، كما أن هناك دورا آخر على الناس عامة ، كما لابد من تفعيل مؤسسات دور التقريب بين المذاهب الإسلامية .

أولا : دور العلماء :

العلماء عليهم دور كبير فيما نواجهه من تفرقة ، فالعلماء ورثة الأنبياء (8)، وقد حلاهم الله تعالى بالعلم وفضلهم على غيرهم ، قال تعالى : {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}[البقرة269] فوصف الله العلم الشرعى المرتبط بالكتاب والسنة بأنه خير كثير ، بينما وصف الدنيا كلها بزخارفها ومتاعها وقصورها بأنها متاع قليل عندما قال سبحانه : {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى}[النساء77]

وما يجب أن يتنبه إليه العلماء هو أن التأصيل وإرجاء كل قضية إلى أصلها ودليلها ، وإرجاع الآراء إلى أساسها ، وتحديد الأمور تحديدا دقيقا ، وبيان ما هو أصل مما هو فرع ، وما هو أساس مما هو بناء ، وما يستطيع أن يعيش به الإنسان مما لا يستطيع أن يعيش به ، وما يدخل فى العقائد ، وما يدخل فى الفروع .

ينبغى أن يتم تأصيل وتعميق المفاهيم وتحديدها تحديدا دقيقا لاشبهة فيه .

كما ينبغى عليهم عدم الجرى وراء كل ما كتب فى التراث دون تحقيق وتدقيق وبحث وتنقيب ، حتى لا يقعوا مما يقع فيه عوام الناس من مسائل دخيلة وآراء غريبة على عقديتنا وعلى شريعتنا وعلى ديننا .

كما ينبغى على العلماء ترك التعصب لرأى ، فقد يصل العالم أو المجتهد إلى رأى فى مسألة أو قضية يخالف ما عليه مجتهدون آخرون ولكن عليه أن يسامح فى القدر المعفو عنه ، لا يسامح فى الشرك ، ولا يسامح فيما يخرج عن الملة ، ولكن يسامح فيما هو أدنى من ذلك من الأمور الفرعية المختلف فيها .

وقد أسس لنا ربنا قاعدة عظيمة لنفسه سبحانه وتعالى وهى فى قوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}[النساء48] . وإن كانت الآية تعنى شيئا آخر ، وهو أن الله لا يسامح المشرك الذى مات على شركه ولا يغفر له أبدا ، فقد كتب الله على نفسه ألا يدخل أحدا من المشركين الجنة ، ولا يخرجهم من النار  {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ }[البقرة167] ، وكتب على من قال لا إله إلا الله أن يدخل الجنة ولو بعد حين ، ولا يخلد فى النار ، لكن من فعل بعض الذنوب وتاب إلى الله تعالى غفر الله له إن كان صادقا فى توبته .

وإن لم يتب كان أمره بينه وبين الله إن شاء عذبه ، وإن شاء عفا عنه .

هذا موضوع الآية ، ولكنى ألتمس منه إشارة إلى أن المشرك فقط والكافر فقط هو الذى لا يشترك مع المسلم فى وحدة أو فى تكاتف أو فى تعاضد ، أما المسلم الذى شهد بالتوحيد وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآمن بما جاء به ولم ينكر شيئا مما ثبت عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مؤمن داخل فى دائرة الإسلام ، حقا على كل مسلم أن ينصره ، وأن يقف بجواره ، وأن يعزز من قوته .....

ومما ينبغى التنويه عليه أيضا ألا يتبنى العلماء آراء شاذة قيلت فى هذا المذهب أو ذاك أو ذكرت فى كتبهم ، ثم يعلق عليها بالتبديع والتفسيق والتكفير ، فكثيرا ما نرى من الدعاة والعلماء الذين وصفوا بالتعصب إذا أراد أن يدلل على ما يرى من تكفير للشيعة مثلا ، فإنه يأتى بآراء ذكرت فى الكتب القديمة عن بعض فرق مغالية أو آراء ضعيفة ، الشيعة أنفسهم يضعفونها أو ينكرونها ، ثم يسقطها عليهم دون تحقق من هذا الآراء أو بحث دقيق وراءها ودون أن يعرف هل فعلا هذه الفرقة تلتزم هذه الآراء الشاذة وتدعو إليها ، ويقوم مذهبهم عليها ، أم أنها مجرد كلام ذكر فى الكتب القديمة ، ثم أنكروه بعد ذلك أو أنكروا صحته .

إن هذا الأمر نعانى منه أيضا فى كتب علماء أهل السنة ، ففى بعض الكتب التراثية القديمة تجد أقوالا لا تتناسب مع قدر الأنبياء ، ومع ذلك فبعض الدعاة يكررها ويذكرها فى كلامه ، وهذا يدل على قلة العلم . لكن العلماء المحققين من أهل السنة لا يذكرون مثل هذه الآراء ، وإذا ذكرت أمامهم أنكروها . فليس كل ما قيل فى الكتب يقال . وليس من العدل أن يحاسب المعاصرون على آراء شاذة قيلت فى كتب مذهبهم ماداموا لم يقروها .

إننا شاهدنا فى رحلاتنا للحج والعمرة من أتباع المدرسة الوهابية من يصفون المصريين بعباد القبور ، لأنهم يقيمون الموالد للسيدة زينب والإمام الحسين ، ويفعلون أمورا ينكرها الشرع الحنيف. فهل كل المصريين يفعلون ذلك حتى يعمم الأمر بهذه الطريقة ؟ وهل العلماء راضون عن مثل هذه الأفعال أو يقرونها أم أنهم يستنكرون ما يحدث فى مثل هذه الاحتفالات من منكرات ومخالفات ؟ وهل بمجرد أن بعض العوام قد خرجوا بجهلهم عن الجادة فى هذه الاحتفالات أو تلك أصبح كل المصريين مشركين وعبدة قبور ؟ !!! إن هذا لشئ عجيب .

إنه ينبغى على العلماء أن يعلنوا أن الآراء الشاذة تخالف العقل والنقل ، وأن هذه الآراء وإن كان لها مكان فى الكتب ، إلا أنه ليس لها مكان فى القلوب ، وليس لها قوة عند التحقيق .

فكثير من الآراء التى نسبت للشيعة لم تتحقق نسبتها إلى أئمتهم ، فأئمة الشيعة لا يرضون بلعن أحد من الصحابة أو من الخلفاء الراشدين ، وإنما أنكروا ذلك .

كما ينبغى على الدارسين للفرق المختلفة أن يتريثوا فى الدراسة قبل الحكم ، وأن يدرسوا الآراء من كتب أصحابها ، لا من كتب من كتب عنهم فربما يكون من كتب عنهم متعصب إلى رأى ما ، والذين بحثوا ودرسوا بتعمق وتنقيب وصلوا إلى الغاية ، فلآن يخطئ المرء فى العفو خير له من أن يخطئ فى العقوبة ، كما قال علماء الأصول .

ومن الجدير بالذكر أن هذا التكفير والتبديع لم تتعرض له الفرق المعتدلة فقط ، وإنما تعرضت له المذاهب داخل أهل السنة أنفسهم ، فقد رأينا من أتباع المدرسة الوهابية من يبدعون ويفسقون وربما يكفرون من اعتنق مذهبا آخر غيرهم من المذاهب الكلامية ، كالأشعرية ، مع اتفاق الأمة أن الأشعرية من أهل السنة ، بل هم مؤسسو أهل السنة والجماعة ، إلا أن الوهابية أو بعضهم يخرجونهم عن أهل السنة ، ويقذفون فى قلوب الناس أن أهل السنة هم أتباع محمد بن عبد الوهاب وحدهم ، وأن غيرهم خارج عن أهل السنة ، مع أن الأشاعرة لا يكفرون الوهابية ولاينظرون إليهم هذه النظرة ، بالرغم أن هناك أمورا للوهابية لا يوافق عليها الأشاعرة .

فكيف رجح أتباع الوهابية أن غيرهم مخالف ومبتدع ؟ وكيف وصلوا إلى هذا الترجيح ؟ ولماذا لا يعتبر الأشاعرة أتباع الوهابية خارجين عن أهل السنة ؟ وهل هناك مقياس ؟

ربما يقول أحدهم المقياس هو القرآن والسنة ، ونقول لهم : إن كل فريق من هؤلاء يستدلون بالقرآن والسنة ، فليس فى كلا الفريقين من يترك الاستدلال بالقرآن والسنة ، أو ينكر حجة كل منهما ، فلماذا يعتبر أحدهم أن رأيه هو الصواب ولا صواب غيره ، بينما رأى غيره خطأ وغلط، ولا شئ غير ذلك ؟ ومن الذى أعطاهم هذا المعيار .

وقد تعرض المتصوفة المعتدلون أيضا لمثل هذا التكفير والتبديع والتفسيق ، ونحن لسنا مع الطرق التى تخالف ما عليه القرآن والسنة ورأى الجمهور من العلماء ، ولكننا ننظر إلى التصوف القائم على هدى الكتاب والسنة ، ولا يتعارض مع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلماذا ينكر الوهابية عليهم تعمقهم فى الارتقاء بالنفس والروح ، والتعمق فى الذكر والعبادة والعزوف عن الدنيا وما فيها ؟!!!

إننا فى حاجة إلى أن يجتمع العلماء المنصفون من أهل السنة ومن الشيعة ومن المتصوفة ومن الأشاعرة ، ليدرسوا هذه الأمور بعضهم مع بعض بعد البحث والتنقيب والبعد عن الاتهامات ، ثم يخرجون على الناس بقراءات منصفة وأدلة قوية ، ورأى جماعى ، يكون من خلاله إرشادات للمسلمين ، ويكون هذا هو رأى جمهور العلماء الذى لا ينبغى لأحد أن يخالفه ، بل يجمعون الكلمة ويجمعون الأمة .

ثانيا : دور الناس عامة :

أما دور الناس عامة ، فإنه هام جدا وضرورى ، وما ينبغى عليهم هو أن يلجأوا فى استماعهم وفى فتواهم إلى أهل العلم وأهل الذكر {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل43] فاللجوء إلى المتخصصين الباحثين المتعمقين الثقاة من علماء الأزهر وغيرهم لهو النجاة .

أما اللجوء فى الاستماع أو الفتوى إلى غير المتخصصين ممن قرأوا ثم عملوا بالدعوة ، فهذا لايكفى ، لأن الداعية والعالم لابد أن تكون له مؤهلات أسست عنده قواعد ينطلق منها.

فكما أنه من المستغرب ، بل من المستحيل أن يعمل المرء طبيبا دون أن يتخرج فى كلية الطب ويتأهل ويتدرب على ذلك ، ولا يعمل المرء مهندسا دون أن يتخرج فى كلية الهندسة ويسجل فى نقابتها ويتدرب على العمل ، فإنه من المنطقى أن لا يعمل فى مجال الدعوة والإفتاء إلا من تخرج فى كلية شرعية متخصصة تؤهله لأن يخترق هذا المجال بعد التعمق والدراسة والبحث .

ففى هذه الكليات ومن خلال معاهد العلم يتعلم الطالب كيف ينفتح على الآراء والمذاهب المختلفة ، التى تتيح له نوعا من المرونة ، ويتعرف من خلال ذلك على الأدلة المختلفة التى يستدل بها كل فريق ومذهب ، وبالتالى يعلـم أن هذه المذاهب والاجتهادات لم تأت من فراغ ، فيزول عنده التعصب .

نعم من حق المرء أو الباحث أن يتبنى رأيا معينا ويعتقد الصحة فيه ، لكنه فى نفس الوقت لا يتهم المخالف بتهمة البدعة أو الفسق أو الكفر ، إلا إذا كان ذلك المخالف خرج بدليل يقينى عن دائرة الإسلام ، كآراء الفرق الضالة كالبهائية والبابية ..... وغيرها .

فهؤلاء الذين درسوا فى الأزهر وتعلموا الشريعة وأصول الدين يعرفون هذا .

كما ينبغى على الناس عامة أن يجنحوا إلى رأى الجمهور من العلماء ، لأن العوام ليس لديهم أدوات الاجتهاد ، فالاعتصام برأى الجمهور هو الأولى من الأخذ برأى بعض الأفراد ، وذلك لأن احتمال الخطأ فى رأى الجمهور أقل من احتماله فى رأى الفرد وإن كان مجتهدا .

ويمثل رأى الجمهور فى هذا الزمن المجامع الفقهية والمؤتمرات الإسلامية التى تصدر بياناتها عن كافة الحاضرين والباحثين من العلماء .

كما أن رأى الجمهور يمثله الأكثرية أيضا من علماء الأمة ، وهذا واضح .

 

ثالثا : دور مؤسسات التقريب :

أنشئت منذ سنين فى الأزهر الشريف دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ، وذلك بغرض التواصل بين المسلمين ، خاصة الشيعة والسنة ، كما أنشئت مؤسسات للتقريب أيضا فى بعض البلدان الإسلامية الأخرى ، مثل مجمع التقريب بين المذاهب . 

 ونحن نتمنى تفعيل دور مؤسسات التقريب القائمة ، حتى نصل إلى الغرض المنشود والهدف الحقيقى ، وينبغى أن لاتقتصر دور هذه المؤسسات على الاجتماعات بين علماء الفريقين فقط ، وإنما لابد أن يكون هناك دور تجاه الناس عامة ، وذلك بنشر ما وصلت إليه هذه المؤسسات من قرارات وبيانات ، وأيضا يكون ذلك بطبع بعض الكتب العلمية التى تحث على التقريب ، وبنشر آراءهم فى وسائل الإعلام المختلفة المسموعة والمرئية ، حتى يصل الهدف الحقيقى إلى الناس .

 


(1)الحديث أخرجه أبو دواد عن أنس

(2)أبو الحسن الأشعرى ولد بالبصرة ، وكانت وفاته سنة نيف وثلاثمائة وثلاثين ، وقد شهد العلماء والمؤرخون بأنه مجدد القرن الثالث الهجرى ، فقد ولد فيه .

(3) ولد محمد بن عبد الوهاب بنجد فى القرن الثانى عشر الهجرى ، وقد انكب على دراسة كتب ابن تيمية وتعصب لها ودعا إلى اعتناق آرائه دون غيرها ، وقد استجاب له الناس ، ونشر دعوته وساعده وآزره صهره محمد بن سعود ، وانتشرت دعوته التى أخذت صبغة سياسية أيضا . وقد قامت دعوته على محاربة ما يرونه بدعا من وجهة نظرهم ، فحرموا زيارة الأضرحة ، بل حرموا زيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم ، وإنما المرغوب زيارة المسجد فحسب ، ومنعوا المآذن والمسابح ، فآمن بفكرهم البعض وناهضهم البعض الآخر ، وقد كان تشددههم ومحاربتهم للمباحات سببا فى خصومة البعض ، وقد قاموا فى وجه الدولة العثمانية وخرجوا عليها ، وبعد الحرب العالمية الأولى استطاعوا السيطرة على الأسرة الهاشمية فى الحرمين ، وصارت الجزيرة العربية تحت سيطرتهم ، وقد استطاعوا بعد ذلك نشر دعوتهم بالإمكانات المادية .

ومما تجدر الإشارة إليه أن التعصب للرأى الاجتهادى تعصب ليس فى محله ، كما أن الدعوة تحتاج إلى حكمة وسماحة فى التعامل مع الآخرين وعدم التشديد عليهم .

(4) الإمام زيد : محمد أبو زهرة ، دار الفكر العربى ، ص25 وما بعدها .

(5) الإمام الصادق : محمد أبو زهرة ، دار الفكر العربى ، ص18 وما بعدها .

(6)تفسير القرطبى ، جـ 12 ، ص 37 .

(7)شرح العقيدة الطحاوية : جماعة من العلماء ، المكتب الإسلامى ، ص 428

(8)حديث " العلماء ورثة الأنبياء " أخرجه أبو داود والترمذى والدارمى من حديث أبى الدرداء

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers