Responsive image

-2º

15
نوفمبر

الخميس

26º

15
نوفمبر

الخميس

 خبر عاجل
  • إصابة شرطيين إسرائيليين اثنين في عملية طعن شرقي القدس (إعلام عبري)
     منذ 9 ساعة
  • عملية طعن عند مركز للشرطة الإسرائيلية في القدس
     منذ 9 ساعة
  • تشاووش أوغلو: لا نرى أن سياسات الممكلة العربية السعودية والإمارات لمحاصرة الجميع في اليمن صحيحة
     منذ 9 ساعة
  • أنباء عن عملية إطلاق تجاه قوة من جيش الاحتلال قرب مستوطنة في البيرة
     منذ 11 ساعة
  • يديعوت أحرونوت تؤكد استقالة وزير الدفاع الإسرائيلى بسبب "غزة"
     منذ 15 ساعة
  • بينيت يهدد نتنياهو: إما وزارة الجيش أو تفكيك الحكومة
     منذ 15 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:49 صباحاً


الشروق

6:14 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:39 مساءاً


المغرب

5:04 مساءاً


العشاء

6:34 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

حتمية الحل الإسلامي

منذ 1881 يوم
عدد القراءات: 8262
حتمية الحل الإسلامي


فى مفتتح القرن الثامن عشر الميلادى،تمكن شعب مصر من صد موجة الغزو العسكرى الأوروبى الأولى فى العصر الحديث، حملة نابليون الفرنسية.. وقد فعلها المصريون دون أن يكونوا مستظلين بسلطة منظمة، ودون قوات مسلحة، بل دون أى تجهيزات حربية من أى نوع. فقط أهالى عزل يثورون تحت قيادة نخبتهم المثقفة -علماء الأزهر- التى نمت فى تربتهم تحمل وجدانهم وتمتلك مفاتيح حركتهم.
لكن بعدها بثمانية عقود سقطت مصر بسهولة نسبية تحت الاحتلال الإنجليزى الذى دام نيفا وسبعين عاما، لم يكن شعبها قد تغير، فهل يكون السبب أن نخبتها هى التى تغيرت؟
لقد أفاق المصريون على طرقات الحملة الفرنسية ليدركوا حجم تخلفهم الحضارى، فى جوانبه المادية والثقافية معا.. وفى محاولته لبناء دولة عصرية، لم يكن أمام محمد على من بد لتعويض التخلف المادى من اللجوء إلى أوروبا ليحصل على احتياجاته المادية وليتعلم طرق إنتاجها، لكنه -كأى حاكم مستبد- لم ينس أهمية تفكيك النخبة القديمة حتى يثبت ملكه، مكتفيا بعسكرة تنظيم الدولة كله تحت قيادته، ثم بناء كوادرها الفنية من خلال استقدام الخبراء من أوروبا وإرسال بعض الطلبة المصريين إليها ليعودوا مؤهلين للعب دور الكوادر الفنية لنظام حكمه.
لم تدرك عناصر النخبة المصرية الجديدة الآخذة فى التشكل من المبعوثين العائدين ومن تأثر بهم، وما أظن أنها كان فى وسعها أن تدرك، أن المكون المادى للحضارة يصعب فصله عن المكون الثقافى، وأن الجوانب التقنية والتنظيمية للتقدم تحمل فى طياتها جزءا من ثقافة الحضارة التى أنتجتها، وأن زرعها فى تربتنا يستدعى تجديد الفكر الوطنى حتى يمكنه هضم ما نستورده ثم تمثله لنتمكن من إعادة إنتاجه بصورة تتناغم مع شخصيتنا الوطنية وتراثنا ووجداننا، وإلا فلن نستطيع الإستفادة منه، وما لم نقم بمهمة التجديد الفكرى فإن جوانب مهمة من فكر الغرب ستتسلل دون قصد ودون وعى داخل وعائنا شبه الخالى لتعرقل عملية بناء نهضة حقيقية، وتحول الهياكل المستوردة إلى ركائز للتبعية.
أما بعد الاحتلال الإنجليزى فى 1882 فلم تعد مسألة الغزو الثقافى تتم بشكل عفوى خلال محاولتنا لاستعادة موقعنا الحضارى، بل صارت تتم بصورة مخططة يقوم بها المحتل عمدا حتى يضمن استمرار الاحتلال، وساعد على ذلك أن حاملى ثقافتنا الأصيلة لم يتجهوا إلى تجديدها لمواجهة التحدى الحضارى، بل تخندق أغلبهم فى حصونهم الموروثة التى تجمدت خلال قرون التراجع الحضارى، الأمر الذى صور لقادة الأمة فى المجالات العملية أنه ليست أمامهم فرصة للاختيار إلا بين بديلين أحلاهما مر: إما أن يقبلوا بما يأتيهم من الغرب على علاته، أو يقبلوا التخلف والانتحار.
هل تصلح السطور السابقة للاعتذار عما فعله جلة سياسيينا ومثقفينا فى القرنين الماضيين من تبنى مناهج الغرب فى السياسة والاقتصاد والاجتماع؟.. ربما رغبنا فى رفض التماس أى عذر لهم، فنتائج عملهم كانت فشلا ذريعا فى إنجاز نهضة حقيقية، لكننا لسنا بصدد إصدار حكم على ما فعلوه، ولن ننشغل ببحث ما إذا كان فى إمكانهم السير فى طريق آخر لبناء النهضة لكنهم تركوه وآثروا الاستكانة للهزيمة الحضارية بدلا من التصدى ومواجهة التحدى، أم أن الظروف الموضوعية فرضت عليهم المسار الذى سلكوه ولم تترك لهم فرصة للاختيار.. فنحن نحاول فهم دوافعهم وليس الحكم على أفعالهم، فما قاموا به أصبح اليوم مادة للتاريخ، ندرسه لعلنا نستفيد منه، لكن المشكلة أن الدوافعذاتهاالتى حكمتهم مازالت تحكم قطاعات لا بأس بها من مثقفينا وقادة الرأى عندنا.. هؤلاء علينا أن نتعامل معهم كما هم الآن ونحاول ضمهم إلى صفوف بناة النهضة بدلا من أن يتحولوا إلى قوى كل همها عرقلة ما نقوم به.
نحن نواجه الآن تركة قرنين من الفشل فى تقديم الاستجابة الملائمة للتحدى الحضارى، وضمن هذه التركة وجود قطاعات من نخبنا الثقافية والسياسية تحمل فى عقولها مناهج منبتة الصلة، أو تكاد، عن تراثنا الحضارى ووجداننا الوطنى وثقافتنا المركوزة فى لاشعورنا الجمعى،وتلك القطاعات التى تحمل مناهج غربية إنما تحملها غالبا بإخلاص كبير واقتناع بأن ما نهضت به أوروبا هو السبيل كى تنهض أمتنا وتلحق بركب "الحضارة".. كأن للحضارة طريقا واحدا محددا علينا أن نسير فيه حثيثا أو نقبع متخلفين فى القاع.
أما نحن، أبناء حركة الإحياء الإسلامى، فنحمل رؤية مختلفة للحضارة والنهضة.. إننا لا نستنكف عن الإقرار بأن الغرب أمكنه التوصل إلى حلول لبعض المشاكل التى يمكننا الاستفادة منها، لكننا فى الوقت نفسهنؤمن أن الإسلام -شريعة وثقافة وفكرا- ينبغى أن يكون هو الأساس الذى نقيم عليه دعائم نهضتنا.
* * * * *
لماذا نريد أن يكون الإسلام هو المرجعية والأساس الذى نبنى عليه نهضتنا؟.. يزعم البعض -ويحلو له أن يصدق- أننا نسعى لهذا الهدف لأننا مسلمون متعصبون نريد أن نصبغ كل شىء بصبغتنا، أو أننا نعانى من صدمة حضارية ونريد أن نخبئ رءوسنا فى رمال الماضى هربا من تحديات المستقبل.. إلى آخر ما يقال فى كل مرة يتعرضون فيها لتفسير الصحوة الإسلامية.. تتنوع الأسباب عندهم بين خداع الذات أو مشاعر التعصب أو الحنين للماضى.. إلخ، المهم أن يبحثوا لهذه الصحوة عن تفسير خارج نطاق التفكير الواعى الرشيد.. هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.
لا ننكر وجود ذلك العنصر الوجدانى الذى يدفع كل أصحاب العقائد من كل الاتجاهات إلى الحركة ويعينهم على تكاليفها، إنه الزاد الذى بدونه ربما توقفوا عن بذل الجهد وتقديم التضحيات، لكن الدوافع الوجدانية أشبه بالشحم الذى يساعد الآلة على الدوران.. الشحم ليس هو الذى يحدد نوع الإنتاج.. الإنتاج يرتبط بكفاءة الآلات وبتصميم المنتجات.. بالمحتوى الفكرى للعقيدة وبالجانب العقلى الذى ينظم حركة أصحابها ويحدد لهم أهدافهم وطريقة الوصول إليها.
إن هؤلاء الذين تسيطر عليهم مشاعر التدين الوجدانى وحدها سينحازون فى أغلبهم للاتجاهات الصوفية التى تقتصر على جوانب السلوك الشخصى، أما الذين ينخرطون فى تيارات حركية تسعى لتغيير الواقع فلديهم إدراك لمصالح أمتهم، ويرون فى الإسلام طريقهم لتحقيق هذه المصالح.. لا نزعم أن إدراك جماهير الحركات الإسلامية لفكرة أن نهضتهم لن تتحقق إلا من خلال تمسكهم بالإسلام قد كان عندهم جميعا نتيجة تحليل رشيد وموازنات واعية بين البدائل المختلفة للنهضة ثم اختاروا الإسلام من بينها، فالغالبية قد أدركت ببداهتها الفطرية وحسها التاريخى أن تخلفها قد نتج عن استلابها حضاريا، وتبعيتهم لحضارة غريبة عنهم تعمل على تعميق تخلفهم لتتمكن من استغلالهم، وكانت استجابتهم لهذا الاستلاب هو الحرص على العودة لجذورهم الأولى التى يمكنهم الاعتصام بها فى مواجهة الغزاة، الذين تحول غزوهم من الصورة العسكرية الفجة إلى صورة أخرى أكثر خبثا وأشد خطورة، ثقافية واقتصادية.. ونرمى فى هذا البحث إلى توضيح الأساس الفكرى الذى تستند إليه النخب التى تقود هذه الحركات، والذى تؤصل به ما وصلت إليه جماهيرهم قبلهم.. سنستعرض الأسس الفكرية التى يقوم عليها اتجاه هذه النخب إلى الإسلام باعتباره المرتكز الأقدر، وربما الوحيد القادر، على تحقيق نهضة حقيقية..نحننريدإقامة نظام ذى مرجعية إسلامية لأن لدينا من الأدلة ما يبرهن على أن الارتكاز على الاسلام -فكرا وثقافة-سيحقق آمال هذه الأمة.
* * * * *
والنهضة عندنا ليست مجرد مشروعات اقتصادية لزيادة الإنتاج وتوفير الحاجات المادية ورفع مستوى معيشة المواطنين، فهذة ليست عناصر عملية النهضة ولكنها بعض نتائجها.. النهضة هى تغيير شامل فى كل الجوانب، إنها عملية مركبة متعددة الأبعاد والمستويات تنقل المجتمع كله من حالة الركود والجمود إلى حالة أخرى يكون فيها قادرا على المبادرة والحركة الجماعية لتطوير نفسه تطويرا مستمرا يرفع مستواه باضطراد فى كل الجوانب الثقافية والتقنية والتنظيمية، أما محاولة جذب الاستثمارات لزيادة الطاقة الإنتاجية دون تطوير مواز لسائر الجوانب فربما تكون نتيجتها مزيدا من التبعية والتخلف النسبى للمجتمع المعنى عن المستوى العام للتقدم فى سائر دول العالم، وكل تجارب النهضة عبر التاريخ تؤكد هذه الفكرة، فقد كان التقدم المادى دائما نتيجة للنهوض ولم يكن جوهره.. كانت العملية على الدوام تعتمد على تحريك البشر وتهدف إلى تغيير الأبنية الاجتماعية والسياسية وقواعد السلوك السائدة فى المجتمع لتعيد صياغته وتنقله إلى أوضاع جديدة يكون فيها قادرا على تطوير وتنمية نفسه بنفسه.
إن الهياكل المادية للنهضة ليست هى الأساس، فالشق المادى يعد متغيرا تابعا، وليس هو المتغير المستقل الأصيل.. أن البشر هم أساس النهضة.. الإنسان هو الذى يقيم هذه الهياكل ويستخدمها.. الإنسان الحامل للمعرفة الراقية المتخصصة، والحامل فى الوقت نفسهلقضايا أمته، والملتحم بذاكرته التاريخية وتراثه الأصيل وانتمائه الحضارى.. دون الارتكاز على الإنسان والإيمان بقدراته الخلاقة الكامنة، وتفجير طاقاته غير المحدودة، وغرس عناصر الطموح والتضحية والتحدى، فلا نهضة ولا تنمية، ودون تدعيم هذا الإنسان بالتعليم والتدريب والتنظيم، فلن تثمر ملكاته ولن تؤدى إلى تنمية حقيقية.
ومع أن التنمية البشرية وبناء الإنسان يأتيان فى المقام الأول والأهم، فليس هذا مجال بحثنا، وله أهله الأقدر على التعامل معه.. هذا البحث يتعلق بالأفكار والنظم والآليات السياسية والاقتصادية التى ينبغى تطويرها لتحقيق النهضة على أسس إسلامية.
* * * * *
الإسلام الحضارى
يرى إريك فروم أنه لم توجد ثقافة أو حضارة، فى الحاضر أو فى الماضى، ولا يبدو من الممكن أن توجد فى المستقبل، ثقافة أو حضارة يمكن وصفها بأنها لا تعتنق دينًا ما، وهو بالطبع لم يقصد بالدين المناسك والطقوس التى يزاولها المتدينون، فقد تخلو بعض الثقافات من هذه الممارسات، لكنه يقصد التصور العام للوجود والحياة والإنسان ووضعه على الأرض وعلاقته بغيره من البشر، وما تفضى إليه هذه التصورات من مسلمات قيمية وأخلاقية وقواعد للسلوك يقبل كل أفراد المجتمع بصحتها ويعملونها فى علاقاتهم بشكل تلقائى.. إذا كان هذا هو الدين -وهو فعلا جانب جوهرى فى كل دين- فلا يمكن بالفعل تصور أى اجتماع بشرى يتقدم دون دين.
مثل هذه المسلمات -من التصورات والأفكار والقيم والأخلاق وقواعد السلوك- هى التى تقوم عند الإنسان مقام الغرائز عند الحيوان، فدونها سيحتاج الفرد إلى أن يبدأ من الصفر فى كل مرة يفكر فيها ليتخذ أى قرار، ويفقد المجتمع تماسكه فى مواجهة أية مشكلة أو تحد يقابله، فيستغرق الجميع فى الجدل ويحتدم الخلاف بينهم فى كل قضية، ويقول إريك فروم فى نهاية شرحة لفكرته إنه دون خريطة للعالم الطبيعى والاجتماعى الذى يحيط بنا، أى دون تصور مشترك للوجود ولمركز الإنسان فيه، ودون مجموعة من المسلمات تحدد المعايير القيمية للمجتمع (كالخير والشر والخطأ والصواب، والحق والظلم والعدل.. إلخ) يفقد الفرد والمجتمع القدرة على التصرف بشكل هادف ومتسق.. وليس من الضرورى أن تكون هذه الخريطة صادقة ومعبرة فعلا عن الحقيقة، فحتى الخرائط غير الصحيحة تحقق وظيفة نفسية مهمة لا يمكن بدونها بناء حضارة.
وعندما يتكلم الإسلاميون عن الإسلام الحضارى فإنهم يدورون حول فكرة قريبة مما عرضه إريك فروم، فثقافة شعوب المنطقة قد تشكلت على مدى ألف وأربعمائة عام من سيادة المنظومة الثقافية والقيمية والأخلاقية التى قدمها لهم الإسلام بغض النظر عن الطريقة التى يتعبد بها إلى الله كل منهم، ولا يمكن بناء حضارة حقيقية، قوية وراسخة، بمعزل عن هذه المنظومة، وهذه هى المشكلة التى تواجه كل من يريد استنساخ تجارب الآخرين عندنا، إذ يجد أن هناك أسسا قيمية وأخلاقية ومجموعة من قواعد السلوك يرتكز عليها برنامجه ولا يمكن نجاحه دونها، بينما تفتقر لها بيئتنا الثقافية، فينظر إليها على أنها بيئة ثقافية متخلفة، أو فاسدة تماما، ويعيش حالة من الحيرة والارتباك فى البحث عن طريقة لتغيير هذه الثقافة، ويعتبر هذه القضية من المهام الأساسية لعملية النهضة، بينما يرى الإسلاميون أن الأمر هو على العكس من ذلك تماما؛ إذ يعتقدون أن المطلوب هو إزالة الصدأ عن منظومتنا الخاصة من القيم والمبادئ، وإحياء الممارسات المجتمعية التقليدية والمتجذرة فى وجدان شعوبنا، وصبغها بصبغة معاصرة تستجيب للتحديات المستجدة وتستفيد من التطورات الحديثة، كشرط ضرورى لمرحلة الإقلاع الحضارى، الثقافى والمادى.
ويستمد الإسلاميون إيمانهم بقدرة الإسلام على إنتاج طبعة جديدة معاصرة من حضارته العريقة من اقتناعهم بأن منظومة الأفكار والقيم والتصورات الإسلامية ما زالت هى الأصلح، وليس فقط لمجرد أنها الموجودة وأن إحياءها أسهل من تغييرها، وتزخر أدبيات حركة الإحياء الإسلامى بأدلة الإسلاميين على صحة موقفهم، بينما يرى نقاد الحركة الإسلامية أن هذا كله ليس إلا محاولات تبرير عاطفية يريد الإسلاميون أن يصوروها على أنها مناقشات عقلية.. والواقع أنك إذا راجعت ردود هؤلاء العلمانيين لوجدتها إما عبارات إنشائية فارغة، أو مجادلات تستند إلى مغالطات تاريخية، أو إلى وقائع صحيحة، لكنهم يحاولون استنطاقها بما لا تشهد به.. لكننا لا نرغب فى الدخول فى مثل هذا النوع من الجدل؛ إذ باتت علوم الإدارة والتنمية تعترف بأنه لا توجد منظومة ثقافية صالحة وأخرى معوقة للتنمية، ولكن توجد طرق متعددة لتحقيق التقدم والنهضة، وكل منظومة تناسبها طريقة ولا تناسبها طرق أخرى.. فالقضية عندهم لم تعد بحث مدى ملائمة ثقافة شعب ما لتحقيق النهضة، لكنها صارت البحث عن طريق النهضة الذى يلائم ثقافة الشعب المعنى.. أى أننا بتنا نرى من رواد التنمية من يتعامل مع الخصائص الثقافية للشعب كمعطى يصمم له طريق للتنمية، بدلا من محاولة "تطوير" الثقافة المحلية لتناسب طريقا محددا سلفا ظنوا فى وقت ما أنه الطريق الوحيد للتنمية.. وإذا كان الأمر كذلك فلم يعد محور النقاش هو إثبات أن منظومتنا الثقافية هى الأصلح، يكفى أن تكون هى منظومتنا لنرفض كل ما يتعارض معها من نماذج للنهضة، وأن نصر على أهمية تصميم نموذج يكون مناسبا لما نحن عليه بالفعل.
* * * * *
الخصوصية الثقافية
الاستخدام الشائع لمصطلح "الثقافة" يقرنه عادة بالآداب والفنون، لكن علماء الاجتماع يعطونه مفهوما أوسع من ذلك بكثير، وتزخر أدبيات علم الاجتماع بعشرات التعاريفت لمفهوم "الثقافة"، لكنها تنقسم بصفة عامة إلى مجموعتين، تدور الأولى منهما حول أنها تتكون من القيم والمعتقدات والرموز والأيديولوجيات وغيرها من المنتجات العقلية والفكرية للبشر، أما المجموعة الأخرى فتربطها بنمط الحياة الكلى للمجتمع والعلاقات التى تربط بين أفراده وتوجهات هؤلاء الأفراد فى حياتهم.. وعلى كل حال فهى تتناول جميعا ثلاثة موضوعات مترابطة فيما بينها:
1-    التحيز الثقافى: وهو مجموعة المعتقدات والتصورات والقيم المشتركة بين أفراد المجتمع.
2-    العلاقات الاجتماعية: أى طبيعة العلاقات الشخصية بين الأفراد وقواعد السلوك التى تحكمها.
3-    نمط الحياة: وهو التركيبة الحية التى تنشأ من تفاعل التحيزات الثقافية والعلاقات الاجتماعية فى مسار الواقع.
واصطلاح "التحيز الثقافى" يستخدم للتعبير عن الخصوصية الثقافية لمجتمع معين، وليس لتعبير "التحيز" هنا أية ظلال سلبية، بلإن العكس هو الصحيح، فهم يرمون إلى القول بأن كل الثقافات يمكن قبولها، غير أن كل مجتمع ينحاز لثقافة معينة، وعلماء الاجتماع لا يشغلون أنفسهم بالأسباب التاريخية لهذا الانحياز، ويتركون هذه المهمة لغيرهم من علماء الأناسة، فما يهم علم الاجتماع هو الفاعليات الاجتماعية القائمة ومحاولة فهمها وتفسيرها والتنبؤ بالطريقة التى سيستجيب بها المجتمع للمتغيرات التى قد تواجهه.
إن المجتمع لا يقوم ولا يحتفظ بتماسكه إلا بفضل الانحيازات الثقافية المشتركة لأفراده.. الثقافة هى نمط متكامل لحياة أفراد المجتمع، وهى التى تمده بالأدوات اللازمة لاطراد الحياة فيه، أن الانحيازات الثقافية هى التى تعلم الناس ماذا يفضلون وماذا يكرهون، فيكون الحكم على السلوكيات بأنها مرغوبة أو غير مرغوبة بناء على مدى توافقثها وانسجامها مع القيم والمعتقدات التى يتبناها الأفراد، أو غالبيتهم.
ولا يمكن بحال الفصل بين التحيزات الثقافية للمجتمع وبين قواعد السلوك والعلاقات السائدة بين أفراده، فالتحيزات الثقافية تنتج رؤية للوجود والحياة تبرر وتدعم نموذجا معينا للعلاقات الاجتماعية ينسجم معها، وفى الوقت نفسهفإن محاولة تغيير نمط العلاقات الاجتماعية لابد أن يواكبه تغير فى نظرة الأفراد للوجود والحياة.
يقودنا ذلك إلى أننا إذا أردنا تغيير نمط الحياة الراكد ليتحول إلى نمط منتج وخلاق ومبدع يسير نحو النهضة سيرا حثيثا فإن أمامنا طريقين متمايزين: إما أن نحترم تحيزات مجتمعنا الثقافية ونعمل على إعطائها مضامين حديثة تؤدى لتطوير قواعد السلوك الفردى والعلاقات الاجتماعية بما يقود إلى نمط الحياة المرغوب فيه، أو أن نقرر أن العيب يكمن فى تحيزات قومنا الثقافية، وأنها هى سبب تخلفهم، فنبدأ فى العمل على تعديل هذه التحيزات كى تتواءم مع قواعد للسلوك وأنماط للعلاقات الاجتماعية أفرزتها تحيزات لمجتمعات أخرى حققت نهضتها.. وهنا يكمن جوهر الخلاف بين التيارات الإسلامية وتلك الأخرى التى تريد أن تترسم خطى النهضة الغربية والتى صارت تسمى نفسها "مدنية".
* * * * *
لا تدرك نخبنا ذات الثقافة العالمانية-أو "المدنية" فى الطبعة الأخيرة-المأزق الذى عليها أن تعبره إذا أرادت تحقيق نهضة شعبنا على أسس مستمدة من نهضة الغرب، وهو فى نظرنا مأزق ثلاثى الأبعاد:
البعد الأول: أن تغيير ثقافة شعب من الشعوب هى عملية شاقة ومركبة ومعقدة، فالناس لا تغير قيمها ومعاييرها الأخلاقية وأساليبها فى التعامل لمجرد أن مجموعة من المثقفين تنصحها بذلك، عليك أولا أن تقنعهم بفساد العقائد والأفكار والتصورات التى يستمدون منها معاييرهم، ثم أن تثبت لهم أن ما تنصحهم بتبنيه أرقى وأفضل مما هم عليه، ثم لابد أن تنقضى فترة طويلة قبل أن تتحول الأفكار والتصورات الجديدة إلى قيم وعادات وأخلاق، والأهم: أن يقوم الناس بتعديل قواعد السلوك السائدة بينهم لتتناغم مع الثقافة الجديدة (تطلب تحول المصريين إلى الثقافة الإسلامية نحوثلاثة قرون كاملة).
البعد الثانى: سيشعر قادة التغيير الثقافى خلال فترة التغيير بالاغتراب عن جماهيرهم، وإذا كانوا يؤمنون إيمانا راسخا بصحة ما يدعون إليه فسيتحملون هذا الشعور، لكن المشكلة أن الجماهير لن تتجاوب مع خططهم العملية للتغيير ولن تتبناها بإخلاص قبل أن يتم تغيير ثقافتها فعلا، وهذا على العكس تماما من حاله القادة الذين يطلبون إعمال القيم ذاتهاالتى تحترمها الجماهير بالفعل، ويطلبون منها القيام بأعمال تعد عندها أخلاقية ومفيدة ومرغوب فيها، ويقدمون لذلك أسبابا ودوافع تتفق تماما مع الحكمة التقليدية المعتبرة لدى هذه الجماهير.. فى الحالة الثانية ستشعر الجماهير أن هؤلاء القادة هم طليعتها المنبثقة منها والمتجاوبة مع وجدانها.. سيرون أن ما يطالبون به هو فعلا ما ينبغى القيام به.
البعد الثالث: أن المهمة الأولى فى مسار النهضة المادية هى رفع المستوى العلمى للكوادر التى ستقود الاقتصاد والصناعة..إلخ، وخطط العلمانيين للنهضة ستقتضى إيفاد أبنائنا المتفوقين، بعد أن يتم غرس القيم الثقافية الغربية فيهم، إلى الغرب لتلقى العلم على أمل أن يعودوا ويتولوا قيادة التنمية.. لكن المجنمع الأمريكى هو مجتمع من المهاجرين يمكنه بسهولة أن يستوعب فيه كل القادمين الجدد، ولن يمنع أبناءنا من الاندماج فيه إلا إحساسهم بالغربة الثقافية، ولكن نخبنا العلمانية ستكون قد أضعفت الفوارق الثقافية لدى من ترسلهم، ولن يكون لديهم حافز حقيقى للعودة إلى مجتمعهم الذى باتوا ينفرون من ثقافته، لن يمكنهم مقاومة الإغراءات التى ستقدم للمتفوقين منهم، وإذا كنا نشكو الآن من أن 40% من دارسينا فى الغرب لم يعودوا، فإن التغريب الثقافى سيزيد من هذه النسبة.. لا يمكن التقليل من خطورة هذه المشكلة، فالاغتراب الثقافى هو الذى أعاد المهندسين اليابانيين فى مطلع القرن العشرين، وهو الذى فعل الشىء نفسه مع علماء الذرة الإيرانيين فى نهايته، وهو الذى سيعيد إلينا بإذن الله شبابنا المتدين الذى سنوفده ليأتى لنا بثمار التقدم العلمى فى النصف الأول من القرن الواحد والعشرين.
* * * * *
التمايزات الثقافية ومسارات النهضة
فى كتابه القيم "رأسا برأس Head to head" يبدأ ليستر ثورو -الحائز على جائزة نوبل فى الاقتصاد- عرضه لما اعتبره "المعجزة اليابانية" بملاحظة مندهشة، يمكن ترجمتها تقريبا: "إن المراقب لنمو الاقتصاد اليابانى قد لا يجد تفسيرا إلا أن الماء هناك يصعد فى العالى".. فأغلب عوامل القوة التى اعتمدت عليها منظمات الأعمال اليابانية تكاد أن تكون هى بالضبط محاذير ينبه علم الإدارة الغربى من الوقوع فيها باعتبارها ممارسات مفضية إلى الفشل، ونسوق فيما يلى بعض الأمثلة التى أوردها ليستر ثورو وغيره من خبراء التنمية على ما لاحظوه من فروق جوهرية بين النمطين الأمريكى واليابانى فى التنمية الاقتصادية والتى تعطيك انطباعا بأن اليابانيين ساروا عكس الاتجاه فى كل شىء تقريبا:
•    بينما ترى علوم الإدارة فى أمريكا أن المعدل العالى لدوران العمالة هو ظاهرة صحية تعبر عن حيوية المنظمة؛ إذ معناها أن الإدارة تقوم باستبعاد العمالة السيئة فورا وتعمل على استقطاب أفضل العناصر من خارج المنظمة كلما أمكن ذلك، فإن الممارسات اليابانية تقوم على العكس من ذلك تماما، فالعامل يتقاعد عادة فى الشركةنفسهاالتى بدأ فيها حياته المهنية.
•    وتعتمد المنظمات الأمريكية على نظم صارمة فى الثواب والعقاب على أساس فردى، فكل عامل يحاسب على أدائه الشخصى بغض النظر عن أداء أقرانه، لكن المنظمات اليابانية تخلو من هذه النظم، وتعتمد بدلا منها على نظم لتحفيز فرق العمل بشكل جماعى دون التمييز بين الأفراد.
•    تقوم الشركات الأمريكية بالتصعيد السريع للشباب النابه المتفوق على أساس نظم تقييم الأداء الفردى. أما فى الشركات اليابانية فالترقية تكون على أساس الأقدمية لفترة تصل أحيانا للخمسة عشر عاما الأولى من خدمة العامل فى الشركة، ولا يبدأ الاختيار على أساس المهارة الفردية إلا فى المستويات الإدارية العليا، وحتى عندما يتمايز الأفراد فى مسئولياتهم الإدارية لا ينعكس هذا فى صورة تمايز كبير فى الدخول كالذى توصى به أدبيات علوم الإدارة وكما نلحظه فعلا فى الممارسات الأمريكية.
•    وكنتيجة لارتفاع معدل دوران العمالة فى الشركات الأمريكية لا تبذل هذه الشركات جهودا تذكر فى تنمية المهارات الأساسية للعاملين، ويعد رفع المستوى المهنى للفرد هو مسئوليته الشخصية، يستثمر جهده وماله لرفع قدراته حتى يحسن من وضعه التنافسى فى سوق العمل، لكن استقرار العمالة وانتمائها شبه القبلى لجهة العمل فى اليابان يعطى الفرصة لأن تكون تنمية مهارات العاملين مسئولية الشركات قبل أن تكون مسئولية الأفراد.
•    وعلى مستوى الأداء الكلى للشركات يلاحظ ليستر ثورو أن الهدف الأعلى لإدارات الشركات الأمريكية هو تعظيم ارباح حملة الأسهم، وأن المديرين هناك يولون أهمية كبرى لنتائج الأعمال ربع السنوية ولتوزيعات الأرباح، فأى نتائج منخفضة ستؤدى إلى مسارعة حملة الأسهم لبيع أسهمهم مما يضر بالقيمة السوقية للشركة، أما الهدف الأعلى لإدارات الشركات اليابانية فهو تحسين المركز التنافسى للشركة وزيادة حصتها السوقية، وهى لا تخشى كثيرا من تخلى حملة الأسهم عنها لمجرد انخفاض أرباحها على المدى القصير طالما كانت كفاءتها الإنتاجية وحصتها السوقية فى تحسن.
•    كنتيجة لاختلاف الهدف الأعلى فإن الشركات الأمريكية تسعى لخفض الأجور إلى حدها الأدنى لتقليل التكاليف وزيادة أرباح حملة الأسهم، بينما تعتبر الشركات اليابانية أن زيادة أجور العمال أهم من توزيعات أرباح حملة الأسهم.
* * * * *
يلاحظ "ثورو" -كما يفعل كثيرون غيره من خبراء التنمية-أن هذه الفروق، وغيرها كثير، ترجع أساسا إلى اختلاف الثقافة والقيم اليابانية عن تلك التى تحملها شعوب أوروبا وأمريكا، ولنضرب مثلا لواحد من هذه الفروق وأثره على نمط إدارة التنمية، وهو اختلاف طبيعة العلاقات الأسرية، فالثقافة الأمريكية الليبرالية تعزز النزعة الفردية فى أبنائها منذ الصغر، فينفصل الابن عن والديه بمجرد تجاوزه لسن المراهقة، ونادرا ما تجد أسرة متوسطة تتحمل نفقات إعالة وتعليم ابنها بعد الثانوية العامة، فعادة ما ينفصل الابن عن عائلته حتى فى السكن بمجرد تخرجه من المدرسة.. لا تشعر الأسرة بواجبات نحو الأبناء ولا يشعر الابن بحقوق له على أسرته، وعندما يتقدم العمر بالوالدين تستمر العلاقة نفسهاوتؤثر فى الاتجاه المعاكس، فلا يشعر الابن بمسئوليته عن والديه فى شيخوختهما، فعليهما أن يؤمنا مصروفات تقاعدهما من مدخراتهما، وعندما يحتاج أى منهما لرعاية خاصة فمكانه هو واحدة من دور المسنين، أما الأسرة اليابانية، والأسر الشرقية بصفة عامة، فتربطها علاقات متبادلة قوية، يخضع الفرد لرغبات أسرته وينزل على إرادتها فى الكثير من تفاصيل حياته، لكنه فى الوقت نفسهيتمتع برعايتها له ومسئوليتها عنه طوال عمره، فالوالد يشارك فى اختيار زوجة ابنه لكنه يتحمل كل تكلفة تعليمه وزواجه، ويعد اضطرار أحد الوالدين للسكن فى دار للمسنين عار يلحق بالأبناء، بل بالعائلة كلها.. هذا الاختلاف فى طبيعة العلاقات داخل الأسرة يمتد إلى علاقات العمل وإلى البناء الاجتماعى كله.
فمن الطبيعى أن يتوقع العامل اليابانى من شركته أن توفر فرصة عمل لأبنائه، ويتعامل العامل مع شركته بنفس المشاعر التى يتعامل بها مع أسرته، فالعامل المتفوق يرى أنه من الخيانة أن ينتقل إلى شركة أخرى سعيا لزيادة دخله، ولو حاول فلن تقبله هذه الأخرى، والعامل الذى يملك مهارات أقل من المتوسط يتوقع من زملائه أن يعاونوه على رفع مهارته قبل أن يتوقع هذا من شركته، وليس من المستغرب أن تقوم الشركة التى تمر بأزمة بتخفيض مؤقت لأجور العاملين بها حتى تخرج من أزمتها، ولن يؤدى هذا لفقدانها المتميزين منهم، فهم يشعرون أنهم جزء من الفريق عليهم معاونته على النهوض من عثرته.. يبدو هذا كله غريبا فى أمريكا، فلا العامل يتوقع مساندة من شركته أو زملائه (الذين تقوم علاقته بهم على المنافسة فى المقام الأول)، ولا هو مستعد لتقديم أى نوع من التضحيات، وكل إنجاز يحققه العامل الأمريكى لابد أن يحصل مقابله على مكافأة شخصية وفورية وإلا فقد حماسة.
إذا فهمنا هذه العلاقات سنفهم لماذا تحرص الشركات الأمريكية على فردية نظم التقييم والتحفيز والترقى، بينما يستقر اليابانيون تماما ويبذلون أقصى جهدهم فى ظل نظم التقييم والتحفيز الجماعية ولا يشعرون بالراحة أبدا فى جو المنافسة الفردية والصراع المحموم الذى يعد طبيعيا وصحيا فى المنظمات الأمريكية، كما سيمكنك أن تفهم نظام فرق العمل الذى ينتشر فى المنظمات اليابانية؛ حيث ينشغل العاملون بتطوير الأداء وتخطيط الإنتاج ودراسة أهم القرارات الإدارية للأقسام التى يعملون بها، وهم يفعلون ذلك فى أحيان كثيرة بشكل تطوعى خارج أوقات العمل الرسمية.
كما يساعدنا هذا على أن نستوعب العوامل التى تجعل حامل الأسهم اليابانى يصبر على شركته عندما تريد توجيه الأرباح إلى البحوث والتطوير بدلا من توزيعها على المساهمين، أو عندما ترغب فى تقليل أرباحها حتى تحقق ميزة سعرية تمكنها من غزو أسواق جديدة، بينما يؤدى أى انخفاض فى الإعلانات ربع السنوية عن أرباح الشركات الأمريكية لتخلى حملة الأسهم عن الشركة فتنخفض أسعار أسهمها، بلإن ذلك قد يحدث لمجرد توقعات أو شائعات عن انخفاض الأرباح وقبل أن يحدث هذا بالفعل.. هذه الظاهرة بالذات كان لها أثر بالغ فى تدهور القدرات التنافسية للشركات الأمريكية فى مواجهة نظرائها اليابانيين، برغم استمرار تفوق مراكز البحث العلمى الأمريكية وقدرتها على تقديم أفكار جديدة، غير أن قدرة الشركات الأمريكية على المخاطرة بتبنى هذه الأفكار يعوقها خوفهم من احتمالات تدنى الأرباح فى المدى القصير.
* * * * *
ليست التجربة اليابانية وحدها هى التى تعزز مركزية المنظومة الثقافية وأهمية استلهام نسق القيم الخاص فى أى محاولة للنهوض.. يمكننا أن نجد النموذج ذاتهفى تجارب شعوب أخرى حققت أفضل النتائج، فالصين، التى أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا للقيادة الغربية للعالم، لم تنفصل أبدا عن تراثها، فقد ظلت تحتفظ بالكونفوشيوسية فى عقلها الجمعى وفى ممارساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فرغم أن "ماو تسى تونج" أسس حزبا شيوعيا على المبادئ الماركسية اللينينية فقد أصر على الدوام أنه فى حاجة إلى الصينى الشيوعى لا الشيوعى الصينى.. بمعنى آخر: أصر "ماو" على المحافظة على خصوصية الحالة الصينية للتجربة الماركسية، ولم يهمل مبادئ الكونفوشيوسية، مع أنها من وجهة نظر التحليل الماركسى مجرد إفراز ثقافى للمرحلة الاقطاعية وتعبير عن علاقات الإنتاج فيها، حتى وصل الأمر ببعض الماركسيين للقول بأن "ماو" لم يؤسس حركة ماركسية بقدر ما أدخل بعض المفاهيم الماركسية على حركة كونفوشيوسية الجوهر.. وعندما ثبت للحزب الشيوعى الصينى تعثر التقدم على الأسس التى وضعها "ماو" قرر أن يقلل جرعة الماركسية فى أفكاره (لصالح المكون الآخر بالطبع) وأعاد إنتاج طبعة جديدة من أيديولوجيته أسماها "اقتصاد السوق الاشتراكى".. فى هذه الطبعة التى قادت انطلاقة الصين السريعة زادت إلى درجة ملحوظة مساحة الكونفوشيوسية، التى لم تغب أبدا عن قادة النهضة الصينية..وتجربة الدكتور محاضر محمد فى ماليزيا لم تبتعد عن تراث الغالبية الماليزية المسلمة، فجاءت بامتياز تجربة إسلامية تراعى كل خصوصيات مجتمعها، ويمكننا أن نجد النموذج نفسهفى الهند وفى البرازيل وغيرهما.. أن النهضة الأوروبية كانت مجرد واحدة من التجارب التى ارتكزت على خصوصياتها الثقافية فى ظرف تاريخى معين، ومن أبرز الأخطاء المنهجية التعامل مع تجربة الغرب على أنها النموذج الإنسانى العام الذى يمكن تطبيقه فى أى مكان وأى زمان.
* * * * *
نخلص من ذلك إلى ما استخلصه العديد من أبرز مفكرى التنمية: كل شعب عليه أن يحترم خصوصياته الثقافية كى يجد الطريق الملائم له، والذى قد يكون شديد الاختلاف عن الطرق التى اتبعتها شعوب أخرى سبقته.. لم يعد من المستساغ الحديث عن مراحل محددةللتنمية لابد أن تمر بها كل الأمم، ولا عن شروط معينة للإقلاع يجب توفيرها لبدء العملية، المهم أن تعرف كيف تعبئ الجهود بالطريقة التى يستجيب لها الناس وتناسب الموارد للسير فى طريق يتناغم مع خصائص وظروف الأمة المعنية.
* * * * *
إن فكرتنا فى أن برنامجا للنهضة لا يشتق من الإسلام أو يبتعد عن مرجعيته لا يمكنه النهوض بهذه الأمة لا تعنى أننا نرى أن أى خطة يستمدها البعض من الإسلام لابد أن تكون ناجحة.. إذا كنت قد فهمت كلامنا بهذه الطريقة فقد أسأت فهمنا بكل تأكيد، فالمرجعية الإسلامية هى شرط لازم، إذا تخلف فلن تتجاوب الجماهير ولن يعطى البرنامج ثماره، لكنها بالتأكيد ليست شرطا كافيا للنجاح، فبعض الناس قد يكون اجتهاده فى فهم الإسلام قاصرا، أو يفشل فى إدراك تحديات الواقع وأولوياته، أو يعجز عن امتلاك القدرات الفنية والتنظيمية للتعامل مع هذا الواقع، ولله سنن لا تتخلف، من أخطأ فى معرفتها أو فى العمل بها لن يصل إلى أهدافه.
فى تقديرنا فإن المشروع الذى يريد أن يطرح نفسه على الأمة ينبغى أن يتحلى بأربعة مقومات على الأقل حتى يمكننا أن نتعامل معه بجدية، نراجعه نظريا ونختبره عمليا.
أولا: أن يكون تطبيقا متكاملا ومعاصرا لشريعة الإسلام
فالمجتمع كائن عضوى تتكامل مكوناته وتتفاعل عناصره، لا يمكنك أن تحاول تغيير بعضها دون أن تعمل على باقى الجوانب، فأى محاولة لتعديل القوانين مثلا لن تؤتى ثمارها ما لم يواكبها تعديل فى النظم الإدارية والسياسية والاقتصادية. ومحاولة إعادة تنظيم الفاعليات الاقتصادية دون تعديل قواعد السلوك الفردية والجماعية لن تكون مثمرة.
واستنباط الأحكام الشرعية لم يكن فى أى وقت من الأوقات مجرد إعمال إلى للعلوم الشرعية ومناهج الاستنباط،فالوصول لحكم شرعى سليم يحتاج لفهم واقع الناس ومشاكلهم ومصالحهم،والأمر لا يقتصر على ما استجد من أوضاع نحتاج معرفة حكم الشريعة فيها وإنما يمتد لكل الأحكام التى بنيت على عرف معين أو تقدير لمصالح مضى وقتها، فالفتوى تتغير زمانا ومكانا ومحلا، ولابد للمشروع الإسلامى المعاصر من إفراز علمائه الذين سيقومون بصياغة الأحكام الشرعية، سواء فى المسائل المستجدة أو فى تلك التى سبق أن تكلم فيها السلف مراعين واقعنا المعاصر.
ثانيا: أن يكون وصول أصحاب المشروع إلى السلطة من خلال الآليات الديمقراطية، وأن تكون الديمقراطية هى وسيلتهم فى الحكم
فإذا كنا نذهب إلى حتمية الحل الإسلامى بدعوى أنه وحده القادر على تحريك جماهير الأمة، فإن عجز أصحاب أى مشروع عن الوصول إلى السلطة من خلال صناديق الاقتراع معناه أنهم قد فشلوا فى إقناع الجماهير بتبنى مشروعهم، وهم من ثم غير قادرين على قيادتهم وتحريكهم خلف هذا المشروع. أما إذا كانت المشكلة هى افتقار المجتمع إلى الآليات الديمقراطية فإن هذا يجعل الأولوية فى عمل الإسلاميين تتوجه إلى إقامة نظام ديمقراطى والعمل على استقراره، لا أن يحاولوا الوصول إلى السلطة بطريقة انقلابية.
ومن جهة أخرى، فإننا نرى أن الآليات الديمقراطية هى الوسيلة الوحيدة المقبولة شرعا لممارسة السلطة فى زماننا باعتبارها أفضل تطبيق لمبادئ الشورى الإسلامية، وقد أفردنا لهذه الفكرة مؤلفا كاملا تحت عنوان "الإسلاميون والديمقراطية.. دفاع عن الحل الإسلامى فى مواجهة أنصاره"، ليرجع إليه من يريد مناقشة أداتنا على أن الديمقراطية فريضة شرعية فى هذا العصر.
ثالثا: أن يمتلك فهما سليما لتحديات الواقع وأولوياته
فلا يكفى أن يكون لديك منهجا صحيحا لتنظيم المجتمع وآليات سليمة لممارسة السلطة كى تصل إلى برنامج صالح للنهضة. عليك أن تدرك حقيقة الأوضاع التى تواجهك وطبيعة المشاكل التى عليك حلها، وأن ترتب الأولويات ترتيبا صحيحا كى تركز على الأهم ولا تنشغل بما يمكن تأجيله، وألا تحاول إنجاز شىء قبل أن تستكمل شروط تحققه. وعليك أن تفهم القوى التى ستعارض مشروعك، ومن منها يعارضك وهو مخلص لمصالح الوطن لكن لديه برنامج يراه أصلح مما لديك، ومن الذى سيعارضك لأن مصالحه تتعارض مع أى نهضة حقيقية وسيعارض كل محاولة للنهضة مهما كان البرنامج الذى تقوم عليه، فالأولون ينبغى أن تحاول التعاون معهم، والآخرون يجب أن تسعى لتحقيق أوسع تحالف وطنى فى مواجهتهم.
إن المنهج العلمى لن يقودك إلى نتائج صحيحة إذا استخدمته مع مقدمات غير صحيحة.
رابعا: أن تمتلك القيادة القدرة على حشد أصحاب الخبرةوالمعرفة العلمية والفنية خلف مشروعهم
إن أى مشروع للتغيير هو مشروع سياسى فى المقام الأول ووصول أصحابه إلى السلطة يعنى أنهم يمتلكون الخطاب الإعلامى والقدرات السياسية والتنظيمية لحشد الجماهير خلفهم، لكن نجاح المشروع -مهما كانت جودته من الناحية الفكرية- يعتمد على الكوادر العلمية والفنية التى ستتولى القيام بالمهام الإدارية والإقتصادية والمالية.. إلخ، ومشاركة هذه الكوادر واندفاعها للعمل بإخلاص مع القادة السياسيين يستلزم مداخل أخرى غير تلك التى تستخدم لإقناع الجماهير بالتصويت للمشروع فى صناديق الاقتراع.

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers