Responsive image

14º

21
نوفمبر

الأربعاء

26º

21
نوفمبر

الأربعاء

 خبر عاجل
  • برهوم: وفد من حماس برئاسة العاروري يصل القاهرة
     منذ 2 ساعة
  • تسريبات.. تسجيل صوتي يكشف عن آخر ما سمعه خاشقجي قبل قتله
     منذ 9 ساعة
  • مستوطنون يقتحمون الأقصى
     منذ 10 ساعة
  • التحالف الدولي يستهدف بلدة هجين بمحافظة دير الزور شرق سورية بالفوسفور الأبيض
     منذ 11 ساعة
  • السناتور الجمهوري راند بول: بيان ترمب يضع "السعودية أولا" وليس "أميركا أولا"
     منذ 11 ساعة
  • السناتور الجمهوري جيف فليك: الحلفاء الوثيقون لا يخططون لقتل صحفي ولا يوقعون بأحد مواطنيهم في فخ لقتله
     منذ 11 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:54 صباحاً


الشروق

6:20 صباحاً


الظهر

11:40 صباحاً


العصر

2:36 مساءاً


المغرب

5:01 مساءاً


العشاء

6:31 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

التراجع الأمريكى.. أسباب وتداعيات (الحلقة الأولى)

كتب: زياد حافظ
منذ 1842 يوم
عدد القراءات: 13147

>>أمريكا سيطرت على العالم بفضل قوتها العسكرية المتفوقة واقتصادها المبنى على التفوق العلمى والتكنولوجى

>>القوة الناعمة أقوى من القوة العسكرية التى ساهمت  فى احتلال عقل النخب العربية
>>الخبراء  يعتقدون أن التفوق العسكرى الأمريكى أقل شمولية مما يُعتقد وأقل فائدة مما يتصوره المحافظون الجدد والمتشددون الأمريكيون
>>تفاقم الديون أدى إلى فرض سياسة التقشف  و إغلاق قواعد عسكرية داخل وخارج الولايات المتحدة؛
>>1% من السكان يملكون ويتمتعون بـ99% من الثروة و15% من يعيشون خط الفقر. و 50 مليون أمريكي  يعيشون دون أى ضمان اجتماعى
>>الخط البيانى للنفوذ الأمريكى فى تراجع مستمر تمهيدا للخروج  من المنطقة لفترة طويلة أو بشكل دائم.
>>العمل النقابى أصبح مهمشا بسبب تراجع نسبة التصنيع التى شكلت العمود الفقرى للحركة النقابية
سؤال نسمعه دائما: «ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟». العالم ينتظر قرارات الإدارة الأمريكية وكأنها قدر فرض علينا أى «القدر المتجلى» للولايات المتحدة. أصبح قدرا بسبب قناعات النخب الحاكمة فى الوطن العربى بأن الولايات المتحدة هى الفيصل فى كافة الخيارات المتاحة فى مواجهة مختلف الأزمات التى تعصف بالأمة. نقول بكل وضوح إننا لسنا من ذلك الرأى. كنا من الأوائل عندما نبهنا فى ذروة الوجود الأمريكى فى الوطن العربى -أى بعد احتلال بغداد- على أن الحرب على العراق كانت هروبا إلى الأمام!. أشرنا فى ورقة قدمناها إلى المؤتمر السنوى الثانى عشر للمؤتمر القومى العربى الذى عقد فى صنعاء فى حزيران 2003، ثم نشرت فى مجلة «المستقبل العربى» فى أغسطس 2004 -تلت تلك الورقة عدة أوراق ومقالات ومحاضرات خلال العقد المنصرم- فحواها أن الخط البيانى للوجود والنفوذ الأمريكى فى تراجع مستمر أو فى حالة تقهقر حادة، تمهيدا لخروج الولايات المتحدة من المنطقة لفترة طويلة إن لم نقل: بشكل دائم.

فقدت كثيرا من هيبتها وقوتها
فى هذه المناسبة، سنعدد أسباب التراجع الأمريكى وتداعياته على الولايات المتحدة أولا، وعلى المنطقة العربية ثانيا، ناهيك عن العالم.
لكن قبل التكلم عن التراجع الأمريكى، علينا أن نوضح أن الولايات المتحدة لا تزال قوة لا يُستهان بها، وإن فقدت كثيرا من هيبتها وقوتها كما سنرى، لكن علينا أن نقر بأنها لا تزال تمتلك عناصر القوة التى مكنتها من الهيمنة على العالم. لقد استطاعت الولايات المتحدة الوصول إلى موقع السيطرة بفضل قوتها العسكرية المتفوقة ساندها (فعل ماض!) اقتصاد متين مبنى على التفوق العلمى والتكنولوجى، فأوجد علاقة عضوية دائرية بين المسببات والنتائج؛ إذ عامل الوقت يجعل المسببات نتائج، والعكس. أضف إلى ذلك تمكنت الولايات المتحدة من ممارسة هيمنتها الثقافية فى العالم بسبب جاذبية إنتاجها السينمائى والتلفزيونى ومويسقاها التى تستهوى الشباب، وسياراتها وأخبارها الرياضية، وأزيائها ووجبات الطعام السريع[1]، وكل ما يمكن أن يدل على إشباع الرغبات والشهوات التى تروجها الثقافة الاستهلاكية التى تمتلكها الولايات المتحدة التى يجب أن نقر بجاذبيتها لدى شرائح واسعة فى مجتمعات العالم.
استقطاب أصحاب الأدمغة والكفاءات والمهارات
وأخيرا لا بد من الاعتراف بأن الولايات المتحدة تستفيد من الهجرة إليها؛ فهى التى تشجع استقطاب أصحاب الأدمغة والكفاءات والمهارات، وتغذى وتنمى القدرات البشرية المبدعة أكثر من أى بلد آخر فى العالم[2]. فما عدا القوة العسكرية فكل ما سردناه يشكل عناصر القوة الناعمة التى هى فى رأينا أقوى من القوة العسكرية التى ساهمت -ولا تزال إلى حد كبير- فى احتلال عقل مُعظم النخب العربية، وحتى شرائح واسعة من الشعب العربى الذى لا يزال يتطلع إلى الولايات المتحدة كنموذج يُقتدى به.
مواطن التراجع الأمريكى
أولا- التراجع فى القدرات العسكرية:
صحيح أن الولايات المتحدة تملك ترسانة هائلة تستطيع أن تدمر المعمورة آلاف المرات. لا نشك فى ذلك الأمر، لكن فيما يتعلق بالأداء العسكرى فالأمر يحتاج إلى نقاش[3]. وهناك من يتساءل عن فاعلية اِلآلة العسكرية الأمريكية؛ فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتى أصبحت القدرة العسكرية الأمريكية التى لا تقهر نوعا من المعتقد الإيمانى بين مختصى السياسة الخارجية الأمريكية ونخبها. وتعتقد تلك النخب أن تلك القدرة العسكرية لا يحدها شىء إلا الانضباط الإنسانى والضمير الكاظم عند القيادات الأمريكية[4]. لكن بعض الباحثين يعتقدون أن التفوق العسكرى الأمريكى أقل شمولية مما يُعتقد وأقل فائدة مما يتصوره المحافظون الجدد والمتشددون الأمريكيون[5]. إن الحروب التى شنتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصرت فيها، لم تكن إلا على خصوم أقل قوة ومقدرة على مجابهتها، مثل باناما وغرناظة والعراق (1991). أما الخصوم الأكثر كفاءة ومقدرة عسكرية فإما أجبرت الولايات المتحدة على «التعادل» معها (كوريا) أو هزمتها (فيتنام) ناهيك عن تقهقرها فى لبنان والصومال، ومؤخرا فى العراق وأفغانستان. أما انهيار الاتحاد السوفييتى فجاء نتيجة طموحاته الجيوستراتيجية التوسعية وسعيه إلى الحصول على القوة العسكرية لا نتيجة حملته فى أفغانستان أو سباق التسلح الذى أدت إلى الإفلاس الاقتصادى كما تروجه المصادر الغربية. ويمكن القول إن الاتحاد السوفييتى هزم نفسه ولم تهزمه الولايات المتحدة[6]. وعلى صعيد آخر، هناك تساؤلات حقيقية حول المقدرة العسكرية المتوفرة لدى الولايات المتحدة فى إدارة الإمبراطورية؛ فالباحثان إمانويل تود وشالمرز جونسون يشككان فى القدرة العسكرية، وعلى ما يبدو فإن الولايات المتحدة تبالغ فى تقييم قدرتها على إدارة العالم؛ ما تؤكده المشكلات الاقتصادية التى تواجهها الآن وحتى فى المستقبل المنظور. ويمكن القول إن الولايات المتحدة أقوى مما يتمناه خصومها وأقل قوة مما تعتقده هى.
ثانيا- التراجع الاقتصادى:
كتبنا مطولا وبتفصيل[7] عن ذلك الأمر، ولا داعى لتكرار كل ما قلناه؛ فهناك تراجع فى البنية الهيكلية وفى النظام السياسى والاقتصادى. التراجع فى البنية أوضح؛ لأنه يستند إلى أرقام محددة. أما التراجع فى النظام فهو أكثر صعوبة، وإن كانت بعض المؤشرات توضح ذلك. سنعالج الخلل النظامى السياسى فى فقرة مستقلة. نستعرض الآن فقط عناوين رئيسية مع شىء من الشرح.
حجم الدين العام الذى تجاوز فى نهاية 2012، 16 تريليون دولار. أما تقديرات الناتج الإجمالى الداخلى لعام 2012 فلم تتجاوز 15,6 تريليون، أى بمعنى آخر، تجاوز الدين العام الناتج الداخلى، كما أن الناتج الداخلى الأمريكى أقل بنحو تريليونى دولار من الناتج الداخلى للاتحاد الأوروبى، أى أصبح فى المرتبة الثانية بعدما كان فى بداية الألفية فى المرتبة الأولى. وأرقام الدين العام تمثل تراكم العجوزات المتكررة فى الموازنة الأمريكية ولا تأخذ بعين الاعتبار التزامات الضمان الاجتماعى ولا التزامات المؤسسات الضامنة للقروض (فانى ماى وفريدى ماك).
الاحتيال فى تقديم أرقام البطالة
حجم الدين المتفاقم أفضى إلى ضرورة اتباع سياسات تقشف بالإنفاق تشمل نفقات وزارة الدفاع التى ستؤثر فى الأداء العسكرى الأمريكى خارج الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك فموجة عصر النفقات ستؤدى إلى إغلاق قواعد عسكرية داخل وخارج الولايات المتحدة؛ فإغلاق القواعد داخل الولايات المتحدة سيساهم فى تفاقم البطالة؛ حيث عدد كبير من الولايات يستفيدون مباشرة من نفقات وزارة الدفاع، كولايات كارولينا الشمالية والجنوبية على سبيل المثال. وقد حجّم البطالة المتفاقمة التى تتنافى مع الأرقام المستقرة للبطالة بمستوى 8-9%. وتلجأ الدوائر الأمريكية إلى الاحتيال فى تقديم أرقام البطالة؛ إذ تذكر عدد الطالبين بالتعويضات عن البطالة كمؤشر عن البطالة. غير أن ما لا تقوله هذه الأرقام أن عددا كبيرا من الطالبين ييأسون من الوقوف فى طوابير الضمان الاجتماعى، ومن ثم يخف عددهم إحصائيا دون إلغاء واقعهم البطالى. أضف إلى ذلك تفاوت البطالة بين الولايات ومكونات المجتمع؛ حيث البطالة تصل إلى 14-15% فى بعض الولايات وبين الأقليات السوداء والسمراء وبين الشباب والنساء. كما أن الوظائف التى يخسرها الاقتصاد الأمريكى لا تستبدل مكانها وظائف أكثر مردودا للعامل. وتشير دراسات عديدة إلى أن مستوى الأجور الحقيقى -أى مع أخذ تضخم الأسعار بعين الاعتبار- فى انحدار مستمر منذ ولاية نكسون[8]. كما لا بد من الإشارة إلى تراجع الحركة العمالية التى واكبت التحولات فى البنية الاقتصادية من اقتصاد يعتمد على الصناعة والزراعة إلى اقتصاد يعتمد على الخدمات عامة والخدمات المالية خاصة؛ فالعمل النقابى أصبح مهمشا بسبب تراجع نسبة التصنيع التى شكلت العمود الفقرى للحركة النقابية. بدأ ذلك الأمر مع رونالد ريجان الذى أطلق حركة تفكيك القيود (deregulation) التى وصلت ذروتها فى عهد كلينتون الذى سمح للمصارف بدخول عمليات المضاربة على الأسهم بودائع الآخرين ولحساب المصارف لا لحساب المودعين، فكانت الأزمة المالية فى 2008 التى شرحناها بتفصيل فى عدة أبحاث ومقالات[9].
العجز فى ميزان التجارى
حجم العجز فى ميزان التجارى الذى تجاوز 540 مليار دولار عام 2012 يدل على أن الولايات المتحدة التى كانت تصدر للعالم أصبحت تستورد حاجياتها بنسبة متعاظمة من العالم؛ ما يكرس انكشافا وتبعية له ناتجة من عملية التصنيع السلبى أو العكسى (de-industrialization) التى بدأت فى السبعينيات من القرن الماضى عندما أقدمت الشركات الصناعية الكبرى على إعادة توطين قواعدها الإنتاجية خارج الولايات المتحدة، وخاصة فى الاقتصادات النامية التى لا تخضع لقيود عمالية وبيئية وضرائبية تذكر؛ فإعادة توطين القواعد الإنتاجية خارج الولايات المتحدة مع ما يرافق ذلك من تحويل التكنولوجيا إلى الخارج، وفقدان الولايات المتحدة ذلك الحيز فى مجال القطاع التكنولوجى؛ دفع عددا من الباحثين إلى حث الإدارة الأمريكية على إعادة النظر فى السياسة المعتمدة، إلا أنهم مستاءون من اللا مبالاة التى تمارسها الإدارة تجاه القطاع الصناعى[10].
انتقد الشيخ أرنسة هولينج والاقتصادى إيامون فنجلتون سياسة العجز فى الميزان التجارى الأمريكى التى تهدد الاقتصاد القومى فى الولايات المتحدة[11]؛ فالعجز يعنى أن الأمريكيين يعيشون فوق إمكاناتهم، أى ينفقون أكثر ما يمكنهم دخلهم، ولا يحولون أى قسم من دخلهم إلى حسابات الادخار، كما أنه يعنى أن الولايات المتحدة فقدت ريادتها فى كثير من القطاعات، وتواجه صعوبات عديدة فى استعادة موقعها الريادى[12]. ويعتبر الكاتبان أن تمويل العجز فى الميزان التجارى بمثابة بيع «كنز العائلة» أى عبر الاستدانة، وخاصة من دول خارجية؛ فالصين اليوم تحمل أكثر من 1,3 تريليون دولار من سندات الخزينة، تليها اليابان بـ1,1 تريليون دولار. ونضيف أن ذلك التطور أخذ أبعادا سياسية على الصعيد الداخلى فى أمريكا؛ إذ أصبحت قضية تصدير الوظائف قضية أساسية فى الخطاب السياسى فى الحملة الانتخابية الرئاسية. ولم تنحصر خسارة الوظائف فى القطاعات ذات المهارات المتدنية، بل طالت الوظائف المرتفعة الرواتب[13].
انخفاض الدولار مقابل اليورو
انخفاض قيمة الدولار مقابل اليورو والين والجنية الإسترلينى؛ ما يشجع حركة الصادرات الأمريكية ويقلص -على الأقل على الصعيد النظرى- الاستيراد، لكن تخفيض الاستيراد الأمريكى -لأنه أصبح أكثر كلفة للأمريكيين- يضعف حكومات العالم التى تتعامل مع الولايات المتحدة؛ لأن الاستيراد الأمريكى ومن ورائه الاستهلاك الداخلى، هو المحرك الأساسى للنمو الاقتصادى فى العالم؛ فالصادرات الصينية -ومعظمها تذهب تجاه الولايات المتحدة- تحتاج إلى استمرار الاستهلاك الأمريكى حتى بازدياد المديونية العامة للدول المصدرة تجاه الفترة السابقة. فأصبحت النتيجة معروفة لدى من يتابع التطورات الأمريكية؛ أى أنها لمصلحة الصين ومن ورائها اليابان وعدد من الدول الأسيوية المصدرة للولايات المتحدة، لكن الاستيراد الأمريكى لم يتوقف ولم يضعف، ومن ثم يستمر العجز فى الميزان التجارى؛ ما يشكل ضغطا مستمرا على الاقتصاد الأمريكى وتمويله عبر الدين. وإذا سألتم: أين الدين من ذلك؟! فهو عبر طباعة الدولار لتمويل الاستيراد؛ فما دام نظام المدفوعات العالمى يستند إلى الدولار (وإن انخفضت قيمته) فالولايات المتحدة ستستمر بطباعة النقود دون رادع. وكما قال جون كونللى وزير المالية (عام 1972) فى عهد الرئيس نيكسون لوزراء خارجية أوروبا واليابان: «الدولار عملتنا، ولكنه مشكلتكم!»، لكن انخفاض الدولار يقلل قيمة الاستثمارات الأجنبية فى الولايات المتحدة التى ترى فى التخفيض المتعمد للدولار سياسة مدروسة لتقليل القيمة الفعلية للدين الأمريكى وللاستثمارات الأجنبية. هذه عملية قرصنة ممنهجة مرتكزة على القوة المفرطة السابقة -فى رأينا- للولايات المتحدة لابتزاز العالم، لكن اليوم نرى محاولات جادة لتجنب الاتكال على الدولار فى المبادلات الخارجية بالتبادل العينى للسلع الاسترتيجية (barter trade) التى تقلص دور الدولار فى تحديد القيمة ونفوذ الولايات المتحدة.
الوقائع مخالفة للتوقعات
تآكل القدرة التنافسية والعجز فى الميزان التجارى يكشف عن واقع ذى أهمية بالغة؛ فبعد الحرب العالمية الثانية وحتى 1980، كانت التجارة الخارجية تمثل 8.3% من الناتج القومى، وكان الميزان التجارى دائما فى حالة فائضة، غير أن المنافسة من اليابان ودول أخرى أدت إلى تبخر تلك الفوائض. لكن فى المقابل ازدادت أهمية قطاع التصدير كقوة دافعة للاقتصاد الأمريكى؛ علما بأن التجارة الخارجية كانت دائما حجر الزاوية للسياسة الخارجية الأمريكية منذ القرن التاسع عشر. ومع انهيار الاتحاد السوفييتى كان من المتوقع أن تأخذ الولايات المتحدة حصة الأسد من انفتاح الأسواق فى أوروبا الشرقية، إلا إن الوقائع كانت مخالفة للتوقعات؛ فتراجع الشيوعية قوّى مناطق منافسة للولايات المتحدة؛ حيث حصل الاتحاد الأوروبى على حصة الأسد؛ ففى عام 2003 كانت حصة الاتحاد الأوروبى من التجارة مع روسيا 37%، فيما كانت حصة الولايات المتحدة 5% فقط. أما حصة استثمارات الولايات المتحدة فى روسيا فكانت 16%، أى أقل من حصة ألمانيا وأقل بكثير من حصة الاتحاد الأوروبى[14]. أما فى شرق أسيا فالمشاركة الأساسية فى التجارة مع الصين هى للمغتربين الصينيين أولا ومن بعدهم اليابان، وتأتى الولايات المتحدة فى المرتبة الثالثة مع الاتحاد الأوروبى[15]. هذه الوقائع تدل بوضوح على أن الولايات المتحدة ليست بالمرتبة والقدرة التنافسية للتكتلات الإقليمية المنافسة لها، كما تدعم نظرية الكاتب الفرنسى إمانويل تود الذى بشر باضمحلال الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة فى مؤلف شهير نشر عام 2002[16].
التفوق التكنولوجى الأمريكى فى أفول
وبالفعل كانت حصة الولايات المتحدة من الإنتاج الصناعى فى أهم 10 دول صناعية 62% عام 1950، لكنها انخفضت إلى 44% عام 1970[17]. ويمكن التساؤل عن حال الريادة فى الميدان التكنولوجى. والجواب يختلف من باحث إلى باحث؛ فبالنسبة إلى تود فإن التفوق التكنولوجى الأمريكى فى أفول؛ ففى صناعة السيارات تواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة من اليابان والاتحاد الأوروبى. أما فى الصناعات الحربية، فلا تزال الولايات المتحدة محافظة على مكانتها المتفوقة؛ ما يعزز نظرية عسكرة المجتمع الأمريكى. وفى صناعة الطائرات المدنية تواجه شركة بوينج الأمريكية منافسة شديدة من منافسها الأوروبى شركة إيرباص[18]. وفى قطاع تكنولوجيا المعلومات، يهدد عملية تصدير وتنمية البرامج المعلوماتية لمواقع فى الخارج، التفوق النسبى الذى كانت قد اكتسبته الولايات المتحدة بسبب اكتشافها وتطويرها الحاسوب وتسويقه تجاريا للمستهلكين.. كل هذه التطورات تشير إلى تراجع ملموس فى القدرة التنافسية للولايات المتحدة على الصعيد الدولى.
ازدياد الفقر
تفيد الإحصاءات الأمريكية لعام 2010، بأن نحو 15% من الأمريكيين يعيشون تحت الفاصل لمستوى الفقر. وهناك إحصاءات تفيد بأن نحو 50 مليونا يعيشون دون أى نوع من الضمان الاجتماعى. هذا دفع إلى قيام حركات احتجاجية معروفة بحركة الـ1%، أى أن 1% من السكان يملكون ويتمتعون بـ99% من الثروة. طبعا حاصر الحركة الإعلام الأمريكى الذى تملكه شركات لا يزيد عددها عن 10 تملكها بدورها شركات المجمع العسكرى الصناعى المالى!. رغم كل ذلك لا تزال الحركة مستمرة عبر التواصل التكنولوجى والأمور ستتجه إلى تصعيد كبير إن لم تقدم الإدارة الأمريكية فى الولاية الثانية للرئيس أوباما على تصحيح الوضع. لكن ليس فى الأفق ما يدل على ذلك.
ثالثا- التراجع السياسى:
التراجع الاقتصادى فى رأينا يعود إلى تراجع فى المشهد السياسى على صعيد الفكر والممارسة. نردد دائما أن الاقتصاد ليس إلا السياسة لكن بلغة الأرقام. مواطن التراجع الاقتصادى الذى سردناه تعود إلى البنية والنظام السياسى القائم. لسنا هنا فى إطار تشريح النظام السياسى؛ لأن ذلك يتطلب بحثا منفصلا، بل نكتفى بسرد النقاط التالية:
النقطة الأولى هى فقدان التوازن فى عقل النخب الحاكمة بين ضرورة التمسك بالإمبراطورية الكونية وبين مقتضيات الجمهورية. بل نقول أكثر من ذلك، فإن تماسك الجمهورية ارتبط منذ أواخر القرن التاسع عشر بالانتشار غربا نحو جزر هاواى وجزر الفلبين، والتوجه شرقا نحو جزر بحر الكاريبى، خاصة كوبا، استكمالا لنظرية الرئيس منورو فى الربع الثانى من القرن التاسع عشر؛ إذ حذر الإمبراطوريات الأوروبية من التدخل فى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة؛ أى أمريكا اللاتينية. إنشاء الأسطول الأمريكى لأغراض التوسع السياسى بدأ مع الرئيس مكينلى، تبعه تيودور روزفلت الذى غزا كوبا عام 1898. أما الحملة على الفلبين فى عهد مكينلى فكانت نتيجتها أكثر من 300 ألف قتيل فلبينى، كما أفادت به جلسات استماع الكونجرس آنذاك؛ فنزعة الإبادات الجماعية لم تقتصر على إبادة السكان الأولين فى القارة الشمالية، بل امتدت إلى الفلبين.
الحملات العسكرية الأمريكية
نلفت النظر إلى أن الحملات العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة بدأت فى الربع الأول من القرن التاسع عشر فى حملات على شواطئ المغرب وشمال إفريقيا بحجة ملاحقة القراصنة. ونشيد المارينز يبدأ بذكر هياكل مونتزوما آخر ملوك الآزتك فى أمريكا الشمالية والمكسيك خاصة، تيمنا بالفاتحين الإسبان كهرنان كورتيز، ورمال طرابلس؛ ما يدل على أن «القدر المتجلى» للولايات المتحدة فى «قيادة العالم» يتطلب قوة عسكرية كبيرة ودولة مركزية توفر الإمكانيات لتلك القوى.
الخلاف الفكرى السياسى بين الآباء المؤسسين كان -ولا يزال حتى اليوم- حول دور وحجم السلطة المركزية. الحرب الأهلية الأمريكية حسمت الخلاف لمصلحة من كان يطالب بقوامة الدولة المركزية على حساب سلطة الولايات؛ لذلك كانت سياسة الإنفاق المتزايد لتلبية حاجات الدولة المركزية.
من جهة أخرى، كان لا بد من «إلهاء» المواطنين الأمريكيين الآتين من مختلف بقاع الأرض، وإعطائهم فكرة يتمسكون بها، فكان شعار «الحلم الأمريكى». وهذا الشعار يوعد المواطن الأمريكى بحياة من الرفاهية إن تخلى عن الإرث السياسى والفكرى الذى أتى به من وطنه الأم، كما أن التسهيلات التى أعطيت منذ ستينيات القرن الماضى فى امتلاك السلع جعلته يعيش مظاهر الرفاهية لكن بالاستيدانة دون المطالبة برفع الأجور والرواتب؛ فالدين هو الذى يمكن المواطن الأمريكى من عيش حياة الرفاهية فى امتلاك المنزل والسيارة وأحدث الإلكترونيات... إلخ، وإن كان راتبه أو دخله لا يسمح بذلك؛ فالمواطن الأمريكى أصبح يعيش فوق مستوى قدراته، وأى تصحيح فى الأوضاع يعنى انخفاض مستوى المعيشة، وهذا ما لا تستطيع أن تتحمله أى قيادة سياسية فى البلاد.
انتشار ثقافة الدين كانت سياسة متعمدة لدعم الاستهلاك، لكن فى الماضى -أى حتى بداية الستينيات- كان مصدر الاستهلاك الصناعة الأمريكية. مع إعادة توطين الصناعات فى الخارج، كان لا بد من نشاط بديل يخلق الثروة، فكان التحول السريع نحو قطاع الخدمات، خاصة الخدمات المالية، فتلازم الدين المحلى مع نمو الدين الخارجى لتمويل الاستهلاك الداخلى. من جهة أخرى، فإن السياسات المالية استلزمت فك القيود المنظمة (deregulation)؛ ما أفقد الضوابط على ممارسات الشركات ومسئوليها، كما أن هذه السياسات رافقها الاتكال على السياسة النقدية المتحررة من القيود وضرورة تقليص دور السياسة المالية، أى بمعنى آخر تفكيك تمكين الدولة المركزية من قدرات على تقديم الخدمات بحجة أن الضرائب هى أموال المواطن، والأخير أحق بها من الإنفاق غير الرشيد للدولة.
إذا من جهة، هناك سياسة للإثراء السريع عبر سياسة نقدية متحررة من القيود، وتُسهل المضاربات المالية، وهناك سياسة مالية تضغط لتقليص دور الدولة. وتقليص دور الدولة يخفف قدرتها الرقابية على الممارسات غير القانونية وغير الأخلاقية لمسئولى الشركات الذين استطاعوا إغراء وإفساد المُشرع عامة.
تردى الحريات العامة والحقوق
هناك نقطة فى بالغ الأهمية؛ هى تردى الحريات العامة والحقوق بسبب ما سُمى «مقتضيات الحرب على الإرهاب». استطاعت النخب الحاكمة، خاصة فى عهد بوش، تقويض الحريات العامة وإخضاع شرائح واسعة من القضاء لمشيئة السلطة التنفيذية التى كانت ممارستها غير بعيدة عن السلوك الفاشية؛ فلا يزال حتى الساعة معتقل جوانتنامو يعمل دول أن يحرك ساكنا المجتمع الأمريكى. والتطور التكنولوجى يساعد بفاعلية انتهاك الحرمات الخاصة بالتنصت ومراقبة مختلف وسائل التواصل. وتسييس القضاء على قاعدة الانتماء السياسى والعقائدى يفقد التوازن بين السلطات الثلاث التى تشكل قاعدة الجمهورية القائمة.
إن هذه التطورات كانت نتيجة تردى الأداء السياسى للقيادات الأمريكية؛ فنوعية القيادات المنتخبة كانت دون المستوى الأخلاقى أو الكفاءة منذ نهاية ولاية أيزنهاور الذى حذر فى خطبة الوداع من مخاطر المجمع العسكرى الصناعى الذى اختطف السياسة فى الولايات المتحدة، وهو العسكرى القدير الذى قاد قوات التحالف فى المسرح الأوروبى فى الحرب العالمية الثانية. التردى السياسى وصل إلى ذروته فى الاستقطاب الحاد بين الحزبين الديمقراطى والجمهورى. كما أشرنا أعلاه فإن الخلاف الأساسى الفكرى بين الحزبين هو حول دور الدولة المركزية وحجمها. وبما أن سياسات الحزب الجمهورى تهدف إلى تقليص دور الدولة من جهة واستمرار التمسك بالإمبراطورية وما يستلزم ذلك من موارد عسكرية ومالية، فهنا تناقض واضح بين الطموحات والإمكانيات.
يعتقد الحزب الجمهورى أن بإمكانه الحفاظ على المكتسبات وفرض قوة الولايات المتحدة على العالم وتخفيض النفقات الحكومية لكن بتقليص الخدمات العامة، كالضمان الاجتماعى والتعليم والتطبيب. هذه الوصفة كارثية على الصعيد الداخلى ودون جدوى على الصعيد الخارجى؛ إذ إن المزاج الأمريكى هو تقليص الالتزامات الخارجية، كما أشار بات بيوكانان المعلق الجمهورى البارز والمرشح السابق للرئاسة الأمريكية[19]. نذكر هنا أن الكلفة المباشرة للحرب فى كل من أفغانستان والعراق تجاوزت 1,3 تريليون دولار. وإذا أضفنا الكلفة غير المباشرة فإن الكلفة الحقيقية للحرب فى العراق -حسب جوزيف ستيجليتز الاقتصادى الأمريكى المرموق حائز جائزة نوبل فى الاقتصاد- قد تتجاوز 3 تريليونات دولار، والحبل على الجرار[20]؛ لذلك نرى الرئيس أوباما يسعى إلى الانسحاب من أفغانستان بأسرع وقت ممكن لتخفيف العبء المالى والسياسى والمعنوى.
المزاج الأمريكى
يقابل الموقف الجمهورى موقف من الحزب الديمقراطى على 180 درجة منه فى دور وحجم الدولة، لكن يتوافق معه فى الدور الإمبراطورى، لكن يعى الحزب الديمقراطى أن المزاج الأمريكى لا يؤيد فتح جبهات جديدة أو الخوض فى حروب لا تمس الأمن القومى الأمريكى مباشرة، أى الدفاع عن الولايات المتحدة. الخلاف على الأجندة الداخلية وصل إلى حال من الحدة حيث أصبحت اللعبة الصفرية تتحكم بالأداء السياسى. فـ«مكسب» فريق يُعتبر «خسارة» للفريق الآخر وإن كان لمصلحة الوطن. أصبح العمل السياسى محوره إفشال الفريق الآخر مهما كلف الثمن. رأينا تداعيات ذلك السلوك فى عدم الاتفاق على سياسة موحدة حول الإنفاق. وتردى الأداء السياسى فى الولايات المتحدة حمل باحثَيْن مرموقَيْن أحدهما محافظ والثانى «ليبرالى» على إصدار كتاب مشترك خلال صيف 2012 عنوانه يفسر كل شىء: «الحالة أسوأ حتى مما تظنون: أو كيف اصطدم النظام الدستورى الأمريكى بسياسات التطرف الجديد»[21]. هذا التطرف سهل العملية الصفرية وسمم الأجواء السياسية، فأصبح الكونجرس عاجزا عن مواكبة ومعالجة شئون وشجون المواطن الأمريكى.
تفاقم الوضع جعل البعض فى الولايات المتحدة يعتبرون أنها تتجه لتصبح من دول العالم الثالث؛ لترهل البنى التحتية وعدم تأهيلها والاستثمار فيها[22]. والعنوان الإضافى يدين بوضوح الطبقة السياسية التى تخلت عن الطبقة الوسطى وخانت «الحلم الأمريكى». الكتابان المذكوران يلخصان الحالة السياسية فى الولايات المتحدة؛ حيث الشلل فى الكونجرس وسوء أداء النخب السياسية أدى إلى التراجع فى كافة الميادين.


البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers