Responsive image

16
نوفمبر

الجمعة

26º

16
نوفمبر

الجمعة

 خبر عاجل
  • "أونروا" تؤكد تجاوز أزمة التمويل الناجمة عن قرار ترامب
     منذ 2 ساعة
  • نتنياهو يجتمع مع رؤساء مستوطنات غلاف غزة
     منذ 2 ساعة
  • جيش الاحتلال يهدد سكان غزة
     منذ 3 ساعة
  • "إسرائيل" تصادر "بالون الأطفال" على معبر كرم ابو سالم
     منذ 3 ساعة
  • نجل خاشقجي يعلن إقامة صلاة الغائب على والده بالمسجدين النبوي والحرام الجمعة
     منذ 5 ساعة
  • الخارجية التُركية: مقتل خاشقجي وتقطيع جثته مخطط له من السعودية
     منذ 11 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:49 صباحاً


الشروق

6:14 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:39 مساءاً


المغرب

5:04 مساءاً


العشاء

6:34 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

الثورة السلمية وسيلة التغيير - النموذج الايرانى

بقلم: تيد جرانت
منذ 1822 يوم
عدد القراءات: 9912

>> فى مشهد يذكرنا بثورة فبراير 1917 الروسية الجنود ينضمون إلى الحشود ويصيحون: «نحن مع الشعب»
>> خروج أكثر من 3 ملايين إلى شوارع طهران للترحيب بعودة القائد الدينى آية الله الخمينى
>>التدخل المباشر للطبقة العاملةأُجبر الشاه على مغادرة البلاد رغم مقاومة الإمبريالية البريطانية والأمريكية اللتين تمتلكان استثمارات ضخمة فى إيران
>>اعتبر العصبويون الطبقة العاملة  مفلسة وجاهلة وأمية وعاجزة كليا عن تغيير موازين القوى القائمة فى إيران
>>الجماهير  فسرت خطب الملالى كدعوات حقيقية إلى النضال ضد نظام الشاه الكليانى والاستبدادى ...ولذلك انطلقت الدعوة للثورة من المساجد
خرج أكثر من 3 ملايين إيرانى إلى شوارع طهران، فى واحدة من أكبر التظاهرات التى عرفها تاريخ البشرية؛ للترحيب بعودة القائد الدينى آية الله الخمينى، التى شهدت إقامة متاريس ومواجهات بين العمال وقوات الجيش.
وفى مشهد يذكرنا بثورة فبراير 1917 (الروسية)، انضم الجنود الذين كان من المفترض أن يساندوا النظام القديم إلى الحشود وصاحوا: «نحن مع الشعب».
إيران بلد يعيش مخاضا ثوريا. والقوى المتصارعة فيه هى: النظام الملكى الأوتوقراطى المدعوم من طرف طبقة الرأسماليين والملاك العقاريين، المستند إلى الجيش والبوليس. وفى مواجهتهم الطبقة العاملة والطبقة الوسطى اللتين توجه أنظارهما إلى رجال الدين الإسلاميين، وخاصة آية الله الخمينى المنفى فى باريس.
لقد بدأت الثورة فى الواقع قبل عام من الآن من خلال تظاهرات ضد الشاه وبوليسه السرى الممقوت السافاك. ولا يمكن لنظام كليانى أن يحافظ على بقائه، عندما تكون الجماهير خاملة، إلا من خلال وسائل الإرهاب وجهاز من المخبرين، لكن بمجرد ما تتحرك الجماهير إلى النضال ضد النظام، تدق ساعة النهاية. وقد تبين أن جهاز البوليس السرى الرهيب وقف عاجزا أمام حركة الجماهير
.
أدى الضغط الآتى من تحت إلى خلق تصدعات بين صفوف الطبقة السائدة؛ فخشية منهم من أن تتم الإطاحة بهم، حاول الحاكمون إدخال بعض الإصلاحات من القمة من أجل تلافى حدوث ثورة من تحت. من هنا جاءت «توبة» ساعة الاحتضار التى أعلنها الشاه، وإعلانه المتأخر عن تقديم الإصلاحات، وخاصة «البرلمان» الذى بقى، رغم كل شىء، مجرد جهاز ملحق بالنظام الملكى.
لكن هذه «الإصلاحات» فتحت الطريق أمام عملية إسقاط حكم الشاه. لقد عبدت الطريق أمام التدخل المباشر للطبقة العاملة فى مجرى الأحداث بجانب مختلف شرائح الطبقة الوسطى.
أُجبر الملك بهلوى على مغادرة إيران بطريقة مخزية. وقد حدث هذا رغم مقاومة الإمبريالية، وخاصة الإمبريالية الأمريكية. لوّث كل من أوين وشلغان شرف الحركة العمالية بالعار بخروجهما لدعم الشاه، لكن محاولاتهما المسعورة لمساندة النظام الملكى الإيرانى المترنح انتهت بالفشل.
كان النفط بطبيعة الحال هو المحرك الرئيسى لسياسة الإمبريالية البريطانية والأمريكية اللتين تمتلكان استثمارات ضخمة فى إيران؛ فإيران هى ثانى مصدر للنفط فى العالم؛ إذ لا تتقدمها سوى السعودية. هذا النفط مادة حيوية بالنسبة إلى الدول الرأسمالية الغربية، وهو من العوامل المحددة فى سياسات الإمبريالية البريطانية والأمريكية فى العلاقة بإيران.
إيران هى رابع منتج للنفط. وسنة 1976 أنتجت 295 مليون طن من النفط (أى 10% من الإنتاج العالمى)، وأنتج الاتحاد السوفييتى 515 مليون طن (17%)، فيما أنتجت الولايات المتحدة أكثر من 404 ملايين طن (13,8%)، وأنتجت السعودية نحو 422 مليون طن.
الانتقال
حكم الشاه لإيران بعد سنة 1953 جعله بلدا يعيش وضعا انتقاليا. لقد صار بلدا نصف مستعمَر ونصف مصنّع وشبه مستعمِر. وفى الوقت الذى يخضع فيه لهيمنة الإمبريالية الأنجلو-أمريكية، حاول أن يحفر لنفسه طريق بلد استعمارى؛ فبعد انسحاب الإمبريالية البريطانية من منطقة الخليج الفارسى، على سبيل المثال، استولت إيران على جزيرتين، وحاولت أن تلعب دور الشرطى بين دول الخليج.
حافظ الشاه على بقاء نظامه بإتقانه صنع وسيلة إرهاب وقمع، أطلق عليها اسم السافاك -أى البوليس السرى- يمكن تشبيهها بالجيستابو من حيث أساليب التعذيب الشيطانية والاغتيالات والإعدامات والرعب الذى فرضته على الشعب الإيرانى.
فى الوقت نفسه، وفى سياق سعيه إلى جعل إيران من أعظم القوى فى العالم، عمل الشاه على نهج سياسة تصنيع سريع جدا. حدث هذا أساسا بعد سنة 1973 عندما تضاعف سعر النفط 4 مرات؛ ما مكن الشاه من فائض هائل من المليارات لغاية الاستثمار.
كان الشاه يحاول لعب دور ملك مطلق على شاكلة الأنظمة الملكية الإيرانية القديمة. وفى الوقت نفسه كان يحاول «عصرنة» اقتصاد البلد. وطبق «إصلاحا زراعيا» من أجل اكتساب قاعدة دعم لنظامه. أدى هذا «الإصلاح الزراعى» إلى إثراء النبلاء والملاك العقاريين المتغيبين الذين سيطروا على إيران. كانت الفكرة هى تحويل النبلاء إلى طبقة رأسمالية.. إلى طبقة سائدة على النموذج الغربى.
الدافع الحقيقى وراء هذا الإصلاح الزراعى كان طرد الفلاحين من الأرض من أجل توفير اليد العاملة للمصانع. وكما صرحت صحيفة «ذى إيكونوميست»: «لتعويض الأسر القروية الإيرانية، سمح (الشاه) لرئيس وزرائه السابق السيد هوفيدا، بأن يقيم معسكرات زراعية؛ ما شكل تقويضا لروح الإصلاح الزراعى».
التصنيع المكثف فى ظل حكم الشاه
هذا التصنيع المكثف فى ظل حكم الشاه، أربك بالكامل هؤلاء الذين كانوا يدّعون أو يتطلعون إلى قيادة العمال الإيرانيين. يصدق هذا خاصة على الحزب الشيوعى (المسمى حزب توده). لقد تصرف هذا الحزب طوال سنوات حكم الشاه وكأنه حزب ميت؛ لم يعمل على طرح سياسة مستقلة. يجد هذا الوضع تفسيره فى السياسة الخارجية للبيروقراطية الروسية؛ فحزب توده فى إيران خاضع كليا للبيروقراطية الروسية.
لم تكن البيروقراطية الروسية تريد مواجهة ذد الإمبريالية الأمريكية فى إيران، بسبب الأهمية الكبيرة التى تكتسبها إيران كبلد منتج للنفط. لقد تخلت البيروقراطية فى الاتحاد السوفييتى منذ زمن بعيد عن أى تفكير فى التطورات الثورية التى يمكنها أن توجه تهديدا مباشرا للمصالح الحيوية للإمبريالية، خاصة الإمبريالية الأمريكية؛ بسبب الاحتمال المؤكد لتدهور العلاقات بين روسيا وأمريكا الذى يمكنه أن يحدث فى هذه الظروف.
الصحافة الصفراء
كانت الصحافة الصفراء فى بريطانيا مخطئة عندما صرحت بأن هذه الأحداث ناتجة عن تدخل ومؤامرات البيروقراطية الروسية، فى الاتحاد السوفييتى والحزب الشيوعى.
فعلى العكس من ذلك، حاولت البيروقراطية الروسية دعم نظام الشاه. لقد كانت منخرطة فى تجارة مربحة مع الشاه، ورتبت لاستيراد كميات هائلة من الغاز الطبيعى من إيران، وحاولت عموما الإبقاء على علاقات ودية بالشاه. لقد نظرت بارتياب إلى التطورات الثورية التى تحدث فى بلد مجاور لها، خاصة أنه بلد ذو طبقة عاملة كبيرة بينت طبيعة ثورية خلال سياق هذه الأحداث.
تغير موازين القوى
لقد أدى تغير موازين القوى على الصعيد العالمى إلى تركز قوة هائلة بين أيدى البيروقراطية السوفييتية، فيما أدى إلى إضعاف الإمبريالية الأمريكية. ورغم أنها لم تكن مستعدة للقيام أى خطوة بنفسها، فإن البيروقراطية السوفييتية حذرت من أى تدخل مباشر للإمبريالية الأمريكية فى الشئون الداخلية لإيران. وأشارت إلى أن ذلك التدخل سوف يستثير رد فعل فوريا من الاتحاد السوفييتى، الذى سوف يرسل عندها قواته إلى إيران.
لقى هذا التحذير، من جانب البيروقراطية السوفييتية، صداه عند الدبلوماسيين الأمريكيين. اقترح مجانين البنتاجون إرسال حاملات الطائرات والسفن الحربية إلى الخليج الفارسى، من أجل التدخل ضد الثورة الإيرانية، وهو الاقتراح الذى رفضته وزارة الخارجية، التى تفهم عواقب مثل هذا الفعل على الصعيد الدولى فى العالم المستعمر، وبالطبع عواقبه فى إيران وعلى الاتحاد السوفييتى.
يبين هذا الواقع تضاؤل قوة الإمبريالية. الإمبريالية الأمريكية لم تتردد فى التدخل فى فيتنام، أو فى لبنان أو الدومينيكان. لكن الآن وبسبب عوامل داخلية ودولية، وجدت الإمبريالية الأمريكية نفسها عاجزة عن التدخل المباشر فى الشئون الإيرانية.
فى ظل هذا الوضع، كان الانشغال الرئيسى للحزب الشيوعى هو الجرى وراء القوى الدينية الرجعية وآية الله لطلب إقامة نوع من «الجمهورية الإسلامية الديمقراطية».
لكن ليس الحزب الشيوعى الإيرانى وحده هو من أبان عن رد فعل ضعيف فى إيران خلال مجرى الأحداث الأخيرة؛ فالعصب اليسارية المتطرفة هى أيضا لعبت –كالعادة- دورا سلبيا. وقد عبر بعضها عن تعاطفه ودعمه الطلاب «الثوريين» فى إيران.
الطلاب
الطلاب الثوريون فى إيران لم يتم توجيههم نحو الطبقة العاملة ولا إلى طرح برنامج لنضال الطبقة العاملة، بل على العكس، طلب منهم العصبويون التوجه نحو انتهاج أساليب الإرهاب الفردى العقيمة. لقد اعتبر العصبويون الطبقة العاملة -كما هى عادتهم دائما- طبقة مفلسة وجاهلة وأمية وعاجزة كليا عن تغيير موازين القوى القائمة فى إيران. وقد تعززت تصوراتهم بفعل واقع أن الطبقة العاملة كانت فاقدة تماما للتنظيم قبل حدوث التطورات الحالية.
حجة العصب وهؤلاء الذين اتجهوا نحو الإرهاب الفردى، كانت هى أن الشاه كان يُصنّع البلد، ومن ثم فإنه يمتلك كل الأوراق بين يديه. لقد رفع الشاه مستوى عيش الطبقة العاملة وقدم تنازلات هائلة لها وللفلاحين. وهذا بدوره سوف يؤدى إلى استقرار نظامه. أعلنوا أنه فى إمكان الشاه أن يحافظ على بقاء نظامه طوال عقود نتيجة لـ«الثورة البيضاء» والتطور الصناعى. وبالمصادفة كان الإمبرياليون بدورهم مقتنعين بهذه الأفكار؛ فعلى سبيل المثال أصدرت وكالة المخابرات الأمريكية تقريرا، أواخر شهر سبتمبر 1978، تقول فيه إن الشاه يمتلك نظاما مستقرا وسيواصل التحكم فى زمام السلطة طوال العشر أو الخمسة عشر سنة المقبلة على الأقل!
مأساة إيران الحقيقية هى واقع أنه لم يكن هناك فرع للماركسيين، لا بين صفوف الطبقة العاملة ولا بين الطلاب للتحضير لهذه الأحداث العظام، بالطريقة التى حضر بها لينين والبلاشفة فى روسيا.
لا تستطيع العصب القصيرة النظر أن ترى سوى الهموم والدمار فى التطور الهائل للصناعة. لكن تيار Militant من جهته أعلن أن تطور الصناعة قد زاد أيضا قوة الطبقة العاملة زيادة هائل، وهى القوة التى ظهرت مؤخرا فى بريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة واليابان وألمانيا الغربية.
إضرابات عمال السفن شهادة بليغة عن استيقاظ وقوة العمال
لقد أدت عمليات التعذيب الرهيبة وانعدام الحقوق والحرية، والإهانات التى عانت منها الجماهير، خاصة الطبقة العاملة فى إيران؛ إلى اندلاع حركة جماهيرية صلبة. فى الظاهر كان الشاه يقف على أرض صلبة وهذا هو الشىء الوحيد -مع الأسف- الذى كان فى إمكان الراديكاليين فى إيران رؤيته.
إذ قبل كل شىء لم تمض سوى 6-8 أشهر منذ أن كان الشاه يقدم للبريطانيين النصيحة حول كيفية التعامل مع الإضرابات و«الاضطراب الدائم» إلى «المؤسسات الديمقراطية فى بريطانيا»!.
لكن قندس الثورة العجوز كان يحفر تحت سطح الهدوء الظاهرى. لقد فوجئت وكالة المخابرات الأمريكية والإمبريالية وكذا منظمات الطبقة العاملة.
على الرغم من ذلك كانت هناك خلال السنوات القليلة الماضية، مؤشرات عن أزمة النظام؛ فبسبب منع كل المنظمات المعارضة، اتجهت المعارضة إلى التجمع فى المساجد. يصدق هذا خصوصا على الفلاحين والطبقة الوسطى، بل وفئة التجار المعارضين لنظام الشاه.
بسبب فشل الحزب الشيوعى والراديكاليين، حتى فى محاولة تنظيم معارضة بين صفوف الطبقة العاملة، عبّر الغضب عن نفسه فى المساجد؛ حيث ألقيت الخطب الراديكالية، التى رغم كونها غامضة وضبابية، فقد فسرتها الجماهير بطريقتها الخاصة.
صادر الشاه أراضى المؤسسة الدينية. لم يستفد الفلاحون من هذه الخطوة بل فقط النبلاء. وهذا ما أجبر آيات الله، أو القادة الدينيين، الممثلين الرئيسيين للمؤسسة الدينية الإسلامية فى إيران، على معارضة النظام.
لقد فسرت الجماهير خطب الملالى كدعوات حقيقية إلى النضال ضد نظام الشاه الكليانى والاستبدادى. ورفع الملالى مطلب تطبيق دستور سنة 1906.
يجب أن نتذكر أن نحو ثلثى سكان إيران لا يزالون أميين. هذه نتيجة للإرث الذى خلفه نظام الملاك العقاريين والنبلاء المتعفن.
التظاهرات
ما بين شهر أكتوبر 1977 وفبراير 1978 كانت هناك تظاهرات جماهيرية غير مرخص لها تطالب بالحقوق الديمقراطية. ثم خلال الأشهر الأخيرة من سنة 1978 اندلعت تحركات ضخمة للطلاب والتجار والطبقة العاملة أيضا. تحت غطاء الاحتفال بالأعياد الدينية كانت تنظم تظاهرات تضم آلاف المشاركين. لم يؤدِ القمع الذى مارسته قوات الشاه (الجيش والبوليس) إلا إلى مضاعفة سخط الجماهير وإلى اندلاع تحركات أكبر فأكبر فى طهران وفى جميع مدن إيران.
ومع تعمق النضال، صارت الطبقة العاملة -كما كان الحال فى روسيا- هى رأس حربة الشعب المستيقظ. خلال الثورة الروسية الأولى، 1905، بدأت الثورة بتظاهرة قادها كاهن الأب جابون، تطالب ببعض التنازلات وتطلب من القيصر (الأب الأصغر) إصلاح الأوضاع. تسبب هذا بجعل الجيش يطلق النار على الشعب، فقتل المئات وجرح الآلاف وبدأت ثورة 1905 الروسية. بالطريقة شهدنا بداية الثورة فى إيران.
لكن هناك اختلافات مهمة بين روسيا سنة 1905 والحركة الحالية فى إيران. لقد بدأت الثورة الإيرانية على أساس وعى أكبر من جانب الجماهير. لم تكتب جماهير الشعب أى عريضة لـ«أبيها» الشاه، بل على العكس من ذلك، طالبت بالقضاء على الملكية. كانت شعاراتها هى: «فليسقط الشاه» و«الموت للشاه».
تشكل الطبقة العاملة فى إيران نسبة أكبر كثيرا بين السكان من النسبة التى كانت تشكلها الطبقة العاملة الروسية قبل سنة 1917. فى القطاع الصناعى مليونا عامل إيرانى وحده، و3 أرباع مليون آخرون فى قطاع النقل وغيره من الصناعات. إضافة إلى ذلك هناك فئات عريضة قريبة من الطبقة العاملة بين الموظفين وعمال الخدمة المدنية والخادمات وأصحاب المشاريع الصغرى.
أغلب المؤسسات الصناعية فى إيران صغيرة، لكن رغم ذلك هناك شركات احتكارية ضخمة تسيطر على الساحة. بعضها يشغل المئات والآلاف بل وعشرات الآلاف من العمال. فى روسيا كان عدد الطبقة العاملة 4 ملايين عامل فقط بين ساكنة تساوى 150 مليون نسمة. أما الطبقة العاملة الإيرانية فإنها تساوى على الأقل 3 إلى 4 ملايين، بين ساكنة تساوى 35 مليونا.
بعبارة أخرى، موازين القوى داخل الطبقة العاملة فيما يتعلق بقوتها العددية هو أكثر ملاءمة فى إيران مما كان الحال عليه فى روسيا سنة 1905 أو 1917.
العمال
لكن، من جهة أخرى، كان موجودا فى روسيا الكوادر البلشفية والحزب، وقدر من الوعى الاشتراكى، على الأقل بين صفوف العمال الأكثر تقدما.
دور الطبقة العاملة فى عملية الإنتاج يعنى حتما أن العمال يطورون وعيا جماعيا، سواء فى تسيير العمل أو فى تسيير النضال ضد مضطهديهم. هذا هو السبب الذى يجعل الطبقة العاملة هى الطبقة الوحيدة القادرة على تغيير المجتمع.
حركة عمال النفط (ما تسمى الفئة ذات الامتيازات بين الطبقة العاملة فى إيران) قوضت بشكل حاسم فى الواقع أسس النظام. خلال الشهرين الأخيرين كان هناك إضراب عام متقطع فى حقول النفط. ورغم القمع العسكرى والاعتقالات ضد القادة وعمليات إطلاق النار، فقد ظل عمال النفط ثابتين على موقفهم، ورفضوا العمل على إنتاج النفط لصالح النظام الممقوت حتى مغادرة الشاه. لقد خرجت الجماهير، حتى الطبقة العاملة مرارا إلى التظاهر.
السافاك
أسهم عمال القطاع العمومى والبنوك -كما كان الحال فى البرتغال- بجزء حاسم فى تركيع الملكية المطلقة على ركبتيها. أدى إضرابهم إلى شل القطاع المالى للبلد. كان إضراب البنك المركزى على وجه الخصوص فعالا جدا. وقد تلا هذا إحراق الجماهير الغاضبة 400 مؤسسة بنكية.
عندما أضرب موظفو البنك أعلنوا أنه تم تهريب مليار دولار إلى خارج البلاد، خلال ثلاثة الأشهر الأخيرة، من طرف 178 عضوا من أعضاء النخبة الحاكمة، بمن فيهم أسرة الشاه. والآن عمل الشاه فى سياق تحضيره للالتحاق بالمنفى، بعدما أرسل عائلته إلى الخارج، على تحويل مليار دولار إلى بنوك أمريكية. هذا إضافة إلى المليار دولار تقريبا الموجودة فى بنوك بون وسويسرا وفى أجزاء أخرى من العالم. لقد نهبت الخزينة العامة الإيرانية من طرف الأوتوقراطية.
ضمت الثورة أغلب فئات الأمة ما عدا حفنة الرأسماليين والملاك العقاريين ومؤيدى الملكية وقسم من ضباط الجيش. لقد تعرض التجار وصغار أصحاب الحوانيت للإفلاس بفعل تطور الرأسمالية الحديثة فى إيران؛ الشىء الذى صب الزيت على نار كراهية الحاكم المطلق الذى يرون فيه مصدر مآسيهم. تعرض الآلاف للقتل نتيجة للقمع الذى سلطته قوات الدولة: البوليس والسافاك والجيش. لقد شهدت كل مدينة فى إيران تظاهرات وشهدت إطلاق النار على هذه التظاهرات وشهدت محاولات تنظيم الردة الرجعية ضد الطبقة العاملة وضد الشعب.
فى العديد من المدن الصغرى، حدثت هجمات فاشستية، من طرف قوات الجيش والبوليس والمجرمين اللقطاء، فيما يشبه قوات المائة السود فى روسيا قبل الثورة. لقد استعملت تلك القوات لهدف القمع والاغتصاب، من أجل إرهاب القرويين والطبقة العاملة فى المدن الصغرى فى إيران. ومما لا شك فيه أنه لو أنهم تمكنوا من النجاح فى تطبيق أساليبهم هذه لاستخدموها فى المدن الكبرى.
من أجل أن يترك سمعة حسنة وذكرى طيبة، عمل الشاه على تقديم مبلغ 25 مليون دولار الهزيل (بالنسبة إليه) لمؤسسة خيرية. لكن بطبيعة الحال فإن الشاه المتعود على فخامة النظام فى إيران، وهو يحضر للذهاب إلى ما يشبه المنفى، لم يرد طبعا أن يكون فقيرا، فأخذ بعض المصاريف معه: مليار دولار.
الملايين
الميل السائد فى جميع الثورات الحديثة هو خروج الجماهير بالملايين إلى الشوارع، كالتظاهرات التى شهدتها البرتغال لأكثر من مليون شخص بعد سقوط نظام كايتانو. فى إيران تظاهر الملايين. حسب التقارير المتحيزة التى تنشرها الصحافة الرأسمالية، فقد خرج على الأقل مليون إلى مليونى متظاهر إلى شوارع طهران من أجل إسقاط الشاه. مئات الآلاف تظاهروا فى جميع المدن الإيرانية. وتظاهر عشرات الآلاف فى البلدات الأصغر. إنها حركة للفقراء، وللمحرومين والمستغَلين، بمن فيهم العمال والطبقة الوسطى والعمال أصحاب الياقات البيضاء والتجار، بل وقد انخرط فى الحركة حتى قسم من الرأسماليين لخدمة أهدافهم وغاياتهم الخاصة. إنهم يريدون الركوب على ظهور العمال والطبقة الوسطى.
دق فرار الشاه نهاية المرحلة الأولى من الثورة. إنه حلم رجعى ذلك الذى يعيشه الشاه بأنه سيستطيع العودة سريعا، رغم مناورات «باختيار».
وأخيرا أسقط النظام الملكى فى إيران نتيجة التجاوزات والفساد والوحشية والتعذيب الذى مارسه طوال الربع الأخير من القرن. لن يعود أبدا إلى الدوس على حناجر الشعب الإيرانى المحروم حتى من أبسط الحقوق.
الميزة الحاسمة للثورة الإيرانية -كما هو الحال فى جميع الثورات- كانت هى الدور الذى لعبه الجيش. من الواضح أن الشاه تخلى عمليا عن السلطة؛ لأنه صار من المستحيل استمرار السيطرة على الجيش مدة أطول. لقد تصدع الجيش من العديد من النواحى. نرى هنا مرة أخرى التفنيد التام لموقف الإصلاحيين الذين يزعمون أن الثورات صارت مستحيلة فى ظل الظروف الحديثة بسبب الدور الذى يلعبه الجيش.
الجيش الحديث أكثر حساسية تجاه التحركات التى يقوم بها الشعب، والطبقة العاملة من أى جيش آخر فى التاريخ. لم يعد الأمر يتعلق بكتائب المشاة الفاقدين لأى تدريب حقيقى ودون أى مستوى من الفهم. على العكس من ذلك صار على الجيش أن يكون عالى التخصص والتحكم فى التكنولوجيا. إنهم يقومون بمهام مشابهة لغيرهم من العمال ويفكرون مثل العمال.
هذا ما يجعل الجيش أكثر نزوعا إلى الاستجابة لتحركات العمال. الجيش مشكل من أبناء وإخوة وعائلات العمال والفلاحين والطبقة الوسطى. نشهد فى أى ثورة فى التاريخ -وخاصة فى الثورة الروسية 1917، وفى الثورة الألمانية 1918- كيف انتقلت جماهير القوات المسلحة إلى جانب الشعب، عندما رأت إمكانية إحداث قطيعة تامة مع النظام القديم.
حدثت فى إيران حوادث من قبيل إطلاق أحد الجنود النار على اثنين من ضباطه عندما أعطى الأمر بإطلاق النار على المتظاهرين، وبعدها أقدم على الانتحار.
من جهة أخرى، كانت هناك حركة الجماهير. لكن بدون دعوة واضحة للجيش للالتحاق بجانب الشعب. نتيجة لذلك بقى الجنود يشعرون بأنفسهم تحت القبضة الثقيلة للانضباط العسكرى وخطر المحاكمة العسكرية بتهمة التمرد.
كانت هناك العديد من الحوادث لالتحاق الجنود بصفوف المتظاهرين أو سماحهم للمتظاهرين بالصعود فوق الدبابات. وتبين حوادث أخرى الوجه النقيض؛ إذ أطلق الضباط النار على خمسة من الضباط الطلاب بسبب محاولتهم مغادرة الثكنات من أجل الالتحاق بالمتظاهرين.
فى العديد من الحالات فى البلدات الرئيسية لإيران كانت هناك حالات مماثلة لرفض الجنود إطلاق النار وتآخيهم مع المتظاهرين وعمليات ضد الضباط من طرف الجنود. أبدى العديد من الضباط الصغار بدورهم تعاطفهم مع الحركة الجماهيرية.
السبب الذى جعل الجيش لا يلتحق بجانب الطبقة العاملة، بجانب الشعب -كما كان الحال فى روسيا سنة 1917 وفى ألمانيا سنة 1918- هو غياب أى منظمة قادرة على توفير القيادة.
لو طُرح بديل اشتراكى للعمال والجنود، لتغيرت بالتأكيد كل الوضعية فى إيران. كان من الممكن توزيع ملايين المنشورات على الجنود. لو توفرت ولو منظمة من بضعة مئات أو من ألف عضو فقط، لكان من الممكن توزيع ملايين المنشورات على العمال والجنود. كان من الممكن لهم أن يشرحوا القضايا التى تواجه إيران فى الوقت الحالى، ولكان من الحتمى تقريبا، فى ظل هذه الظروف، انتقال الجيش إلى جانب الشعب.
ستشهد هذه الثورة، مثلها مثل الثورة الإسبانية 1931 – 1937، العديد من فترات المد والجزر. يمكن أن تتعرض الجماهير للهزيمة بعد مرحلة من النضال. يمكن للرجعية أن تتمكن من إعادة لم صفوفها.
الجيش ... والشعب
لكنه لن يكون من الممكن للجيش خلال المستقبل القريب أن يقيم دكتاتورية عسكرية، كما يود ذلك الإمبرياليون الغربيون. أى محاولة لإقامة نظام دكتاتورى عسكرى سيواجه بتحرك أكثر شراسة من جانب الجماهير، وسينتهى بحدوث انشقاق داخل الجيش.
نضج الظروف لنجاح الثورة الاشتراكية فى إيران يؤشر عليه واقع أن الليبراليين (ما تسمى الجبهة الوطنية) وجدوا أنفسهم مجبرين على تبنى برنامج «اشتراكى» أو شبه اشتراكى. الوضع الحالى هو كأن حزب الكاديت (الليبراليون فى روسيا قبل 1911) اتحد فى حزب واحد مع الاشتراكيين الثوريين (حزب الإصلاح الزراعى الراديكالى) وزعم كونه حزبا اشتراكيا.
لكن قادة الجبهة الوطنية، من أشباه سانجابى المنحدر من صفوف الفئات العليا من الطبقة الوسطى (بل حتى من بين الطبقة الرأسمالية)، عبروا -مثلهم مثل الليبراليين فى روسيا- عن عظيم خوفهم من الجماهير. «باختيار» الذى كان مطرودا شكليا من الجبهة الوطنية عمل -رغم كل شىء- على تشكيل حكومة بمساعدة ودعم من جانب الشاه والجيش.
الاحتفاظ بالملكية
يود سانجابى -مثله مثل «باختيار»- الاحتفاظ بالملكية. إنهم يطمحون إلى ملكية مروضة إلى درجة معينة؛ لأنه يمكن للملكية الدستورية أن تلعب دور الحصن ضد الثورة وضد الطبقة العاملة. لقد احتفظوا بالدور الكلاسيكى لليبراليين فى الثورة. أهدافهم الرئيسية هى إرهاق الثورة وثلم نصلها وتحقيق تغيير للنظام بدون تعديل البنى الأساسية التى يقوم عليها المجتمع الحالى.
نرى هنا ما سماه تروتسكى بقانون التطور المركب. جميع العناصر لقيام ثورة اشتراكية موجودة. لا يمكن لليبراليين أبدا أن يلبوا أهداف وحاجيات الشعب العامل أو حتى الفلاحين. إنهم -فى آخر المطاف- ممثلون للطبقة الرأسمالية وللرأسمال المالى.
وقد صرح زعيم الجبهة الوطنية «سانجابى» فى أحد الحوارات الصحفية قائلا: «نحن داخل الجبهة الوطنية نريد الحفاظ على الجيش.. نريد جيشا قويا ولا نريد أن نقوم بأى شىء يضرب معنويات الجيش... لم ندعُ قط إلى إخلاء المواقع ولم نحاول خلق عدم الانضباط. لكن هذا يحدث بشكل حتمى ويمكنه إذا استمر أن يكون خطيرا».
وقفت الإمبريالية -وطبعا الشاه نفسه- ضد محاولة إقامة نظام دكتاتورى عسكرى؛ لأنه سيكون -فى ظل الظروف الحالية- عاجزا كليا عن الحفاظ على وحدته أمام مقاومة الجماهير.
حكومة «باختيار»
لم يكن فى إمكان حكومة «باختيار» -انطلاقا من طبيعتها بالذات- إلا أن تكون مجرد وسيلة لسد الثغرة ونظاما انتقاليا. حتى الإمبرياليون رأوا أن نظام «باختيار» لن يكون قادرا على الحفاظ على توازنه لمدة طويلة جدا، وهذا ما يدفعهم إلى الانفتاح على آية الله الخمينى.
أعلن الخمينى أنه لا يريد إقامة دكتاتورية عسكرية رجعية أو إقامة نظام دكتاتورى شبه فيودالى. هذا الجانب من البرنامج الذى أعلن فيه الملالى دفاعهم عن الحرية والديمقراطية، هو الذى شكل مصدرا قويا لاستقطاب جماهير الطبقة الوسطى وطبعا أقسام من العمال أيضا.
لكن لا يمكن بتاتا لبرنامج الخمينى أن يحل المشكلات التى تواجه الشعب الإيرانى فى الوقت الحالى.
لقد أوضح الخمينى أنه لن يقبل بأقل من إلغاء الملكية. لن يعود فى إمكان مجلس الوصاية على العرش الذى أقامته حكومة «باختيار» قادرا على الاستمرار فى الحكم، أو الإبقاء على الكرسى دافئا للشاه. حتى تنازل الشاه عن العرش لن يكون كافيا. إن المسألة تتعلق الآن بالقضاء على النظام الملكى.
فى ظل الوضع السائد فى إيران، يمكن ولو لمنظمة مُشكّلة من ألف ماركسى، وألف ثورى، أن تصنع فرقا حاسما. من الممكن أن تأتى مثل هذه المنظمة من صفوف القوى المتحلقة حول الجبهة الوطنية.
الجبهة الوطنية
بمجرد ما ستبدأ الجبهة الوطنية نفسها فى امتلاك قاعدة جماهيرية، فإنها سوف تتصدع حتما. ما يسمى الحزب الشيوعى (توده) يسير فى أعقاب رجال الدين، وخاصة آية الله الخمينى. ليس لديه منظور ولا برنامج ولا سياسة، ما عدا دعم الثورة البورجوازية فى هذه المرحلة المحددة.
فى ظل غياب منظمة بديلة من الممكن -بل من المحتمل بحق- أن يعرف حزب توده نموا سريعا. مثل هذا النمو فى ظل الظروف الحالية سيحدث انشقاقا فى صفوف الحزب الشيوعى. سيؤدى إلى تطور التناقضات بين الأعضاء والقادة. ستتطور التصدعات عندما يدخل الأعضاء العمال فى مواجهة ضد القيادة البورجوازية الصغرى التى تريد دعم الأوهام الدينية لآية الله دون نقد أو سياسة مختلفة أو منظور مختلف. لكن طبيعة الليبراليين والملالى ستنفضح بسرعة خلال مسار الثورة نفسها.
الثورة فى حد ذاتها ليست عملا واحدا. ستمتد الثورة الإيرانية طوال سنين. ستتعلم الجماهير فى مدرسة التجربة القاسية. سيصبح الجيش أكثر جذرية، مع تعود الجنود على حقيقة أن الجماهير هى التى أجبرت الشاه على التنازل. سيتأثر الجيش بالمزاج السائد بين الجماهير، ولن يكون من الممكن لجنرالات الشاه القدامى أن يعيدوا الانضباط، رغم جميع مجهودات الخمينى أو الليبراليين.
من المحتمل أن يصل الخمينى إلى السلطة. وستكون جميع مطالب «باختيار» بألا تسمح الدولة للمؤسسة الدينية بلعب دور مباشر وقيادى، بدون جدوى.




البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers