Responsive image

12
نوفمبر

الإثنين

26º

12
نوفمبر

الإثنين

خبر عاجل

ماس: إستمرار القصف الإسرائيلي الهمجي على #غزة وتدمير البيوت والمقرات والمؤسسات الإعلامية تخطي لكل الخطوط الحمراء ،و رسالة تصعيد وعدوان، سيصل للاحتلال جواب ...

 خبر عاجل
  • استهداف عمارة الرحمة في شارع العيون غرب مدينة غزة بصاروخين
     منذ دقيقة
  • الغرفة المشتركة للمقاومة: المقاومة توسع دائرة قصفها رداً على العدوان الإسرائيلي
     منذ دقيقة
  • ماس: إستمرار القصف الإسرائيلي الهمجي على #غزة وتدمير البيوت والمقرات والمؤسسات الإعلامية تخطي لكل الخطوط الحمراء ،و رسالة تصعيد وعدوان، سيصل للاحتلال جواب المقاومة وردها وبما يتوازى مع حجم هذه الجرائم .
     منذ دقيقة
  • اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية: نشيد بالأداء البطولي للمؤسسات الإعلامية الفلسطينية والإعلاميين الفلسطيين ، ونخص منهم الاعلاميون العاملون في فضائية الأقصى ، والمرابطون في ساحات المواجهة ، ونقدر عالياً التضحيات التي تقدمها الصحافة والإعلام في فلسطين
     منذ 2 دقيقة
  • اعلام العدو: صفارات الانذار تدوي من جديد في مستوطنات محيط غزة
     منذ 9 دقيقة
  • اندلاع حرائق جراء القصف على عسقلان وسيارات الاسعاف تهرع الى المكان
     منذ 9 دقيقة
 مواقيت الصلاة

المنصورة

الفجر

4:47 صباحاً


الشروق

6:13 صباحاً


الظهر

11:38 صباحاً


العصر

2:38 مساءاً


المغرب

5:03 مساءاً


العشاء

6:33 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

الأمير المتغلب.. دفاع عن المجتمع الإسلامي وثقافته السياسية

بقلم: د.عاصم الفولي
منذ 1755 يوم
عدد القراءات: 14563
الأمير المتغلب.. دفاع عن المجتمع الإسلامي وثقافته السياسية

>>تحويل طاعتنا من الرئيس المنتخب إلى آخر عسكرى يحتمى بالدبابات .. واقعة لم تحدث فى تاريخنا ولم يفت بها أى عالم قبل الآن
>>أبو حنيفة يؤيد ثورة زيد بن على  وقال إن خروجه ضاهى خروج الرسول يوم بدر ... لكنه تنبأ بأن  أهل العراق سيخذلونه كما خذلوا جده الحسين
>>مدرسة الخوارج أصرت على أن جهاد الحاكم الظالم فريضة واجبة بغض النظر عن احتمالات النجاح أو الفشل
>>مدرسة الصبر ترى أن ظروف العصر الموضوعية لن تعطى أى احتمال لتنظيم ثورة مسلحة ناجحة يمكنها أن تأتى بحكام أفضل مما هو موجود .. لكنهم لم يقولوا إن الحاكم تجب طاعته

لقد مثل نظام الحكم الأموى، ثم العباسى انحرافا عن مبادئ الإسلام فى الحكم، وأئمتنا لم يخفوا هذا عن الأمة، بل ظلت كل فتاواهم وكتبهم تؤكد أن هذه ليست هى الطريقة الصحيحة لتولى السلطة، لقد كان ظهور «الخلفاء – الملوك» مؤذنا ببداية الانقسام الذى عرفه التاريخ الإسلامى بين رجال السلطة والحكم من ناحية، والفقهاء وعلماء الدين من ناحية أخرى، والذين ظل معيار نزاهتهم فى نظر عامة المسلمين هو بمقدار تباعدهم عن السلطة، حيث اضطلع هؤلاء العلماء بقيادة المعارضة
أبو حنيفة يهاجم الأمويين
 .. فهذا أبو حنيفة يؤيد ثورة زيد بن على زين العابدين على الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك ويرسل إليه عشرة آلاف درهم، ويقول إن خروجه ضاهى خروج رسول الله (ص) ليوم بدر، وإنه لو علم باحتمال انتصاره لخرج معه، ولكن يغلب على ظنه أن أنصاره من أهل العراق سيخذلونه كما خذلوا جده الحسين .. والإمام مالك أفتى بعدم انعقاد أيمان المكره، فثار الناس على بنى العباس وخلعوا بيعتهم، وضرب مالك حتى خلع كتفه فما تراجع عن فتواه .. وشجع مالك الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ضد المنصور العباسى، وأفتى أنها أفضل من حجة تطوع .. وعندما جمع المنصور العلماء يسألهم عن خلافته قال له أبو حنيفة: «إنما أردت أن تعلم العامة أنا نقول فيك ما تهواه مخافة منك، ولقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك اثنان من أهل الفتوى، والخلافة تكون بإجماع المؤمنين ومشورتهم
».
مدرسة الخوارج
وإذا استبعدنا مدرسة الخوارج التى أصرت على أن جهاد الحاكم الظالم فريضة واجبة بغض النظر عن احتمالات النجاح أو الفشل، سنجد مدرستين انقسم إليهما الفكر الغالب عند المسلمين، فقه أهل السنة والجماعة، اشترطت المدرسة الأولى لجواز الخروج المسلح أن يتوافر للخارجين من عناصر القوة ما يضمن لهم النصر، أو يجعله على الأقل الاحتمال الغالب، وهى التى أطلق عليها «مدرسة التمكن»، أما المدرسة الثانية فلا ترى أملا فى امتلاك القوة للتغيير، وتبحث عن أفضل الوسائل للضغط على الحكام القائمين لتغيير سلوكهم، وهى المدرسة التى سميت «مدرسة الصبر» .. لاحظ أن الكلام كله هو فى معرض البحث عن الموقف من الثورة المسلحة وليس عن الموقف من المعارضة، فكلهم يتفق على وجوب الإنكار باللسان مهما تعرضوا للعنت والاضطهاد.
التمكن من أسباب القوة الكافية
تشترط المدرسة الأولى ضرورة التمكن من أسباب القوة الكافية لتحقيق الهدف من الثورة، وإلا فإنهم يحرمون التهور والخروج المسلح دون إعداد كاف .. وقد ظهرت هذه المدرسة بعد الإخفاقات الكاملة التى انتهت إليها كل الثورات السابقة، والتى فسروا إخفاقها بأنه كان راجعا لافتقارها إلى الإعداد الكافى، ووضع هذا الشرط كان توسطا بين الرأى القائل بوجوب القتال متى ظهر الجور (رأى الخوارج)، والرأى الذى اعتقد بعدم جواز الدعوة لحمل السلاح ما لم تخرج السلطة عن الإسلام خروجا صريحا وتكفر كفرا بواحا، وإذا كان شرط التمكن هذا يبدو فى نظرنا الآن بديهيا لا يستحق أن تتبلور حوله مدرسة كاملة، فإن الأمر يغدو مفهوما إذا أدركنا أن مدرسة التمكن إنما كانت تقوم فى مواجهة فقه الخوارج الذى نادى بأن المسلمين يأثمون جميعا بعدم حمل السلاح فى مواجهة كل حاكم جائر مهما كانت الظروف، فردوا عليهم بأن المفسدة لا تقاوم بما هو أشد منها إفسادا، وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فلا إثم إذا لم تتوافر القدرة، مع التأكيد على وجوب السعى لتوفيرها ..
 أبو حنيفة والثورة على الحاكم الظالم
 وأعلام مدرسة التمكن الذين وضعوا أصولها كانوا غالبية المعتزلة، بالإضافة طبعا إلى رائدها الأصيل الإمام أبو حنيفة النعمان، وهذه المدرسة لم تر فى الثورة على الحاكم الظالم إلا جهادا يثاب المسلم عليه، وقتلى الثائرين فى نظر هذه المدرسة شهداء عند الله، بل من أفضل الشهداء، لكنهم أصروا على الموازنة بين الضررين، فرأوا أن الثورة بدون إعداد جيد هى فتنة وتهور يجب النهى عنه، أما بعد توفير الظروف والإمكانيات التى ترجح إزالة منكر الحكام الظالمين واستبدالهم بحكام صالحين فإن الخروج يكون من أفضل الجهاد .. ولم يقتصر المعتزلة على هذا الموقف الفكرى، فقد كانت لهم حركات خروج مسلح عديدة فى العهد الأموى ثم العباسى الأول، وبعض هذه الحركات اقترب فعلا من تحقيق أهدافه.
تنظيم ثورة مسلحة
أما مدرسة الصبر، فقد كان تقدير قادتها أن ظروف العصر الموضوعية لن تعطى أى احتمال لتنظيم ثورة مسلحة ناجحة يمكنها أن تأتى بحكام أفضل مما هو موجود، لكنهم لم يقولوا إن الحاكم تجب طاعته مهما كان وفى كل الأحوال، فقادة هذه المدرسة رفضوا الخروج العنيف، ولكن هذا كان لصالح المعارضة السلمية بصفة عامة، ولصالح العصيان بصفة خاصة كلما كانت المسألة تتعلق بأوامر محددة يطلب منهم تنفيذها ويرونها مخالفة للحق، فهذا سعيد بن المسيب، التابعى الجليل، والذى كان من أوائل الذين رفضوا حمل السلاح ضد الحكام، يتبنى موقف العصيان المدنى، ويرفض إعطاء البيعة لابنى عبدالملك بن مروان – الوليد وسليمان – ويصر على موقفه برغم الضرب والإهانة، والإمام أحمد بن حنبل لم يخلع يدا من طاعة الدولة، غير أن هذا لم يمنعه من رفض الاستجابة لطلب الخليفة فى مسألة خلق القرآن، فكانت محنته الشهيرة، أما الحسن البصرى، العلم الكبير لمدرسة الصبر، والذى عارض كل الثورات التى قامت فى عصره، لم يتردد رغم ذلك فى القول باغتصاب الأمويين للسلطة وتحويلها من «خلافة» إلى «ملك»، ولم يتوان فى إدانة جورهم وفضح مظالمهم، وعندما حاول البعض إيقافه بدعوى أن هذا نوع من الغيبة المحرمة أعلن أن المقام ليس مقام غيبة «فليس للفاسق غيبة، ولا لأهل الأهواء والبدع غيبة، ولا للسلطان الجائر غيبة» .. ونقل عنه ابن سعد فى طبقاته أنه «لا يحبذ الخلع إلا عند السلطان» .. يعنى عند وجود القوة والتمكن من إنفاذ الخلع، فالحسن البصرى لم يقف موقف الرفض المطلق من الثورة المسلحة، وإنما انصب كلامه على الواقع الذى عاصره، فرفضه للخروج ارتبط بتقديره لموازين القوى فى عصره، والتى رأى مع الكثيرين غيره أنها لن تسمح بنجاح أى حركة للخروج المسلح، وفى تقديرنا أن هذا هو محور الخلاف بين المدرستين، فأنصار التمكن كان يحدوهم الأمل فى تحقيق الشروط الموضوعية لثورة مسلحة ناجحة إذا أجادوا الإعداد.
الموقف من السلطة الغاصبة
سواء كنت من أنصار التمكن الذين يعملون على توفير القدرة اللازمة لتغيير النظام بالقوة، أو كنت ستكتفى بالمعارضة السلمية وممارسة الضغط الشعبى على الحكام ليغيروا أسلوبهم فى الحكم، فعليك أن تعترف بأن الوضع الحالى سيستمر لفترة من الزمن، فما هو الموقف الشرعى من هؤلاء الحكام الذين فرضوا أنفسهم على الأمة فرضا دون مشورة أو رضا؟ .. إنهم وحدهم الذين يمكن أن يسيروا الأمور فى الدولة، فبما ستحكم على ما يقومون به؟.. إذا أصدر الحاكم المتغلب أمرا لأحد أعوانه بقتل القاتل: هل يكون منفذ الحكم مقيما للحد الشرعى أم يكون قاتلا بدوره؟ .. إذا جمعوا الزكاة والخراج هل تبرأ ذمة المسلم ويكون قد أدى حق الله أم يكون ما دفعه مالا اغتصب منه وتظل الزكاة فى ذمته والخراج لم يسدد؟ .. هل القاضى الذى عينه الحاكم هو القاضى الشرعى الذى تنفذ أحكامه، فيجوز لمن يقضى له بالتعويض أن يقبضه ولمن يقضى بطلاقها أن تتزوج بآخر .. إلخ؟ .. وإلا فكيف يطبق المسلمون الشريعة؟
فرق الأئمة الأعلام فى القرن الثانى الهجرى
هنا فرق الأئمة الأعلام فى القرن الثانى الهجرى بين شرعية الحاكم فى نفسه وبين شرعية ما يصدر عنه وعن ولاته من أحكام .. إن ممارسة الحاكم للسلطة بغير مشورة المسلمين أو رضاهم يظل عملا غير شرعى يؤخذ على هذا الحاكم ويبوء بإثمه، ومجرد احتكار السلطة لا يضفى على المتغلب صفة خليفة رسول الله (ص)، فهو مجرد سلطان بحكم الأمر الواقع، فإذا وافقت أحكامه الشريعة فهى شرعية بالنسبة للمحكومين لا تثريب عليهم إذا أنفذوها، أما إذا خالفت الشريعة فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق .. سنجد هذه الفكرة متضمنة فى كثير من الفتاوى الجزئية والسلوك العملى لكل الأئمة، وربما كان أبو حنيفة هو الأكثر وضوحا عندما يفرق فى كلامه بين «الإمام بالحق» و«الإمام بالفعل»، فبينما نجد الخوارج وبعض الشيعة يعطلون نظام المجتمع المسلم كلية فى حالة عدم قيام «إمام بالحق»، فلا حج عندهم ولا جمعة ولا يتم أى عمل من أعمال المسلمين الجماعية، دينيا كان أو سياسيا، على نحو شرعى، نجد أبا حنيفة يقول إنه فى حالة عدم وجود «إمام بالحق» فإن حياة المسلمين الجماعية تمضى على نحو شرعى حتى لو كان عليهم «إمام بالفعل» إمامته غير شرعية .. ويوضح الجصاص رأى أبى حنيفة فى قوله: «ومن الناس من يظن أن مذهب أبى حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته .. فإنما جاء غلط من غلط فى ذلك، إن لم يكن تعمد الكذب، من جهة قوله [ أى أبى حنيفة] ..إن القاضى إذا كان عدلا فى نفسه فولى القضاء من قبل إمام جائر فإن أحكامه نافذة وقضاياه صحيحة، وإن الصلاة خلفهم جائزة مع كونهم فساقا، وهذا مذهب صحيح، ولا دلالة فيه على أن مذهبه تجويز إمامة الفاسق».
دويلات الأقاليم
وعندما وصلنا إلى العصر العباسى الثانى ازداد الأمر سوءا، لقد أصبحت الخلافة نفسها مجرد منصب رمزى لا سلطة فعلية له، وسيطر أمراء الجند من البويهيين على بغداد والعراق كله ليغدو الخليفة ألعوبة فى أيديهم، أما سائر الولايات فقد تراخت يد السلطة المركزية فيها تماما، فبرز فى كل إقليم قائد جمع حوله بعض الأتباع ليكون جيشه الخاص ويتولى السلطة، لا باعتباره خليفة للمسلمين ولكن على أنه أمير هذا الإقليم وصاحب السلطان فيه، ويظل يمارس كل سلطات الحكم وتتوارثها سلالته حتى يظهر أمير آخر أقوى يقصيهم لينشئ سلالة حاكمة جديدة، وكان الأمير المتسلط بالسيف هو الجهة الوحيدة القادرة على فرض الأمن والنظام وتنفيذ الأحكام فى إمارته، وعلى الفقهاء أن يختاروا: إما الاعتراف بشرعية السلطة الفعلية للأمير المتغلب ما دام يعلن التزامه بحكم الشريعة أو إعلان عدم شرعيته فتنهار من ثم أمة الإسلام نفسها .. ويشرح الإمام أبو حامد الغزالى (450-505 هـ/ 1058-1112 م) والذى عاصر بدايات الاحتلال الصليبى هذا الوضع فيقول: «ليست هذه مسامحة من الاختيار، أى اختيار الإمام الصالح، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، فنحن نعرف أن تناول الميتة محظور، ولكن الموت أشد منه، فليت شعرى من يقضى ببطلان الإمامة فى عصرنا لفوات شروطها، وهو عاجز عن الاستبدال بالتصدى لها، بل هو فاقد للمتصف بشروطها، فأى أحواله أحسن من أن يقول: القضاة معزولون والولايات باطلة والأنكحة غير منعقدة وجميع تصرفات الولاة فى أقطار العالم غير نافذة، وإنما الخلق كلهم مقدمون على الحرام، أو أن يقول: الإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار..»
العجز عن توفير بديل شرعى
فى ظل العجز عن توفير بديل شرعى كان إنكار سلطة المتغلبين بالسيف يعنى انفراط عقد الأمة تماما، خاصة وقد كانت هذه القرون هى قرون الغزو الصليبى ثم التترى، وقد كان لهؤلاء الأمراء بلاؤهم العظيم فى مقاومة هذه التهديدات الخطيرة (فى هذه الفترة ظهر نور الدين وصلاح الدين وقطز وبيبرس .. إلخ، ولم تكن هناك طريقة أخرى كى يتصدوا بها للقيادة فى ظل انهيار تام فى مركز الخلافة إلا أن يفرضوا أنفسهم على الخليفة فرضا) .. لقد كان هدف الفقهاء هو تهيئة الجو السياسى لقبول حكومة قوية قادرة على دفع المعتدين، وإسباغ الشرعية الإسلامية على سلطتها لتوفير الدعم اللازم جماهيريا، وفى ظروف تهديد المغول – بل دخولهم فعلا – دمشق، قال ابن تيمية، وله كل العذر فيما ذهب إليه: «لو تولى من هو دون هؤلاء الملوك الظلمة لكان ذلك خيرا من عدمهم».. ولم ينظر مؤرخو الفكر السياسى الإسلامى للملابسات التاريخية التى أعلن فيها هذا الرأى، ولا إلى الأخطار الجسيمة التى كان هؤلاء الأمراء المتغلبون يسعون لمواجهتها، فأخذوه على ابن تيمية، ثم زادوا واعتبروه واحدا من مبادئ الفكر السياسى الإسلامى .. مع أن قبول الاستبداد السياسى لم يتم إلا باعتباره أهون الشرين، مع الإصرار الذى لم يكل على طلب الحكم العادل.
الملك الذى ورث الحكم
وفى كلتا الحالتين، حالة الخليفة – الملك الذى ورث الحكم، وحالة الأمير المتغلب الذى فرض أمرا واقعا بالسيف، اشترط العلماء أن يكون الحكم بالشريعة، وأن ينزل الحكام على اجتهادات الفقهاء، وقد استجابوا كلهم لهذا الشرط بصفة عامة، ما لم يتعرض العلماء لسلطانهم السياسى، باستثناء بعض التصرفات المالية التى جهر العلماء بمعارضتها .. لقد كان الأمر واضحا على الدوام، ولم يقل أحد من العلماء الكبار أبدا إن أيا من هؤلاء المتغلبين بالسيف قد تولى سلطته بالطريقة التى أوصت بها الشريعة، ولا أنه تجب طاعته بموجب أى نص من نصوص الوحى، فالماوردى مثلا يتكلم عن إمارة الاستيلاء وأحكامها «المعقودة عن اضطرار، لتبنى حكم الاضطرار على حكم الاختيار، فيعلم الفرق بينهما من شروط وحقوق»، والنووى يقول فى شأن سلاطين المماليك: «اسمع وأطع للأمير [بعد أن أفاض فى أن السمع والطاعة لا تجب فى المعصية] حتى لو كان عبدا أسود مقطوع الأطراف فطاعته واجبة، وتتصور إمارة العبد لو ولاه بعض الأئمة، أو إذا تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز ابتداء عقد الولاية له مع الاختيار، بل شرطها الحرية» .. كانت الفتاوى واضحة فى أنه حكم الضرورة .. ولاحظ أن هذا كله كلام عن أسلوب الوصول للسلطة، لكن علماؤنا لم يقدموا أية تنازلات فيما يتعلق باشتراط أن يلتزم الحكام والقضاة بأحكام الشريعة.
إن فتاوى علماء العصر الوسيط ليست هى المبادئ التى طلب منا الإسلام السعى لتحقيقها، وهم أنفسهم لم يزعموا لها ذلك، إنها كانت فتاوى فى ظل وضع قائم بالفعل لم يكن فى وسع الفقهاء تغييره، لقد أعلنوا بكل صراحة ووضوح أنه وضع خارج عن النموذج الإسلامى لتعيين الحكام ولممارسة السلطة، لكنهم عاجزون عن مواجهته، وهم يفتون الناس بأنسب الطرق التى غلب على ظنهم أنها ملائمة للتعامل مع هؤلاء الحكام المتغلبين بالسيف والقائمين بالأمر بحكم الواقع .. طاعة الأمراء واجبة فى غير معصية، وهى حرام فى المعصية.
النتائج
أولا: لا حجة فى الفتاوى القديمة
لا بد أن القارئ قد لاحظ بنفسه أن الظروف التاريخية التى صدرت فيها فتاوى طاعة المتغلب قد انقضت، ولم يعد هناك ما يضطرنا لإرغام الناس على طاعة من لم يحترم إرادتهم ووصل إلى السلطة بالقوة، ففى ظل الدولة الحديثة انفصلت تماما وظيفة الدولة عن شخص الحاكم، فهناك قوانين ولوائح وإجراءات مستقرة تنظم حياة الناس، والموظفون العموميون يظلون يتمتعون بسلطاتهم القانونية بمعزل عن رغبات الحاكم، ولا خطر على حياة المسلمين الجماعية من رفض المجتمع لسلطة رجل معين طالما ظل المواطنون يخضعون للقوانين ويؤدون للدولة ما عليهم، والموظفون العموميون يقومون بوظائفهم، ثم إن هناك آليات متعددة لحماية الدولة من التفكك بدون الحاجة لطاعة كل من سطا على الحكم .. كاتب هذه السطور لا يدعى لنفسه الوصول لمرتبة الاجتهاد حتى يقدم للناس فتوى بديلة، ولكن كل من له معرفة عامة بأصول الفقه يعلم أن تغير الزمان والمكان والمحل يجعل الاستناد إلى فتاوى قديمة عملا لا يمت للفقه بنسب.
ثانيا: عدم الاعتراف بشرعية المتغلب فى زماننا لا يعنى الخروج من طاعة الدولة
- حتى لو لم تسلم معنا بعدم حجية فتاوى الأقدمين بعد تغير الظرف التاريخى، فإن فتاوى سلفنا الجليل لم تكن ترى أن الطاعة تعنى عدم المعارضة أو السكوت عن المنكر، فما الفرق بين موقف الرافضين لتعديل الدستور وبين موقف الإمام أحمد بن حنبل الذى رفض طلب الخليفة المأمون بالقول بخلق القرآن؟ .. لم يعلن الإمام أحمد رفضه لطاعة الدولة العباسية، ولكنه قال إن طلب الخليفة لا يستند لأى أساس شرعى وأعلن رفضه له، ونحن نقول إن هذا الذى عطل الدستور وشكل لجنة لتعديله أو لكتابة دستور جديد لا يستند لأى أساس شرعى، ونحن نرفض الاعتراف بدستوره، ونذكر مشايخ آخر زمن أن التشريع لم يكن أبدا داخلا فى نطاق سلطة الأمير، سواء كان مختارا بالشورى أم كان متغلبا .. وما الفرق بين رفضنا للرئيس المعين من الانقلابيين ورفض الإمام أبى حنيفة الاعتراف للمنصور بأنه خليفة رسول الله (ص)؟! .. وما الفرق بين عدم انصياعنا لبعض أوامر الحكومة التى لم يخترها الشعب (قانون منع التظاهر) وبين رفض التابعى الجليل سعيد بن المسيب لأمر عبد الملك بن مروان بإعطاء البيعة لولديه الوليد وسليمان ؟! .. نحن ما زلنا نحترم الدولة المصرية ونحترم قوانينها المحترمة، ونتبع نظامها فى السفر وفى المرور وفى البناء، ونذهب لأعمالنا ونخدم الجماهير .. إلخ .. لم نرفض طاعة الدولة التى أراد أصحاب فتاوى طاعة المتغلب أن يطيعها المسلمون.
    -أما المظاهرات والاعتصامات وكل صور الاحتجاجات السلمية فهى حق للمواطنين طبقا للقانون، وممارستها ليست خروجا على طاعة الدولة، وإنما على العكس: محاولة الانقلابيين تعديل القوانين لسلب الأمة حقها هى التى تعد عدوانا على الدولة.
ثالثا: لم يحدث أن أفتى أى عالم بطاعة من يتغلب على ولى الأمر الشرعى وينازعه سلطته، والانقلابيون ليسوا هم المتغلبون الذين صدرت لهم الفتاوى.
    لا توجد فتوى واحدة، واحدة فقط، لأى فقيه كبيرا كان أو صغيرا، مشهورا كان أو مغمورا، تطلب من المسلمين طاعة أمير تغلب على ولى أمر شرعى وأزاحه عن السلطة بالقوة، ونتحداهم أن يجدوا لنا فتوى واحدة بذلك.. ببساطة لأن هذه الحالة لم تحدث أبدا .. كل المتغلبين فى تاريخنا أزاحوا عن السلطة حاكما كان هو بدوره متغلب، لذلك تعرضت الفتاوى لطاعته ولم تتكلم عن نصرته .. لنوضح ذلك.
    - واجب المواطنين تجاه ولى الأمر الشرعى الذى وصل للحكم بالشورى والرضا هو الطاعة والنصرة، ويدخل فى النصرة الوقوف معه ضد من يحاول أن يغتصب منه السلطة، أما الحاكم المتغلب الذى وصل بالقوة فإنه موكول إلى قوته للحفاظ على سلطته، وإذا قام من ينازعه فالرعية ليست مطالبة بنصرته، ويكون الحكم لمن غلب منهما، وكلاهما متغلب على أى حال، يطاع ما أطاع الله ورسوله، فإن خرج عن الشريعة فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.. هذه هى فتاوى العلماء الذين تناولوا حكم الأمير المتغلب بالسيف.
    - وفى تاريخنا لم يحدث أن وصل حاكم للسلطة بأن تغلب على ولى أمر شرعى، ولنبدأ من البداية، من الصراع بين على ومعاوية. لقد رفض معاوية بن أبى سفيان بيعة على بن أبى طالب رضى الله عنه تأسيسا على أن المطلوب هو القصاص لعثمان أولا قبل تنصيب الخليفة، وعلى كل فإن أغلب العلماء أجمعوا على أن معاوية فى صراعه مع على كان باغيا، لكن معاوية لم يتغلب على على وانتزع منه الخلافة، إنما قام الخوارج باغتيال على كرم الله وجهه، ثم تم الصلح بين الفريقين على أن يتولى معاوية الخلافة، ثم يليه فيها الحسن بن على رضى الله عن الصحابة أجمعين. وبذلك فإن معاوية قد غدا بعد عام الجماعة أميرا للمؤمنين برضا الجميع.
    - فرض معاوية ابنه يزيد، وتوالت وراثة المنصب دون شورى أو رضا، فكانوا كلهم متغلبين باستثناء عمر بن عبد العزيز الذى أحل الناس من بيعته كولى عهد لسليمان بن عبد الملك فاختاره الناس برضاهم، لكنه توفى دون أن يعهد لأحد، ففرض هشام بن عبد الملك نفسه وعدنا لوراثة المتغلبين بعضهم بعضا، فلما أسقط العباسيون حكم بنى أمية فإنما كانوا متغلبين حلوا مكان متغلبين، وكان هذا هو الحال حتى سقوط الخلافة العثمانية.
    ففتاوى طاعة المتغلب تنطلق من أنه لم ينتزع الخلافة من ولى أمر شرعى، فهو إما انتزعها من آخر متغلب، أو فرض نفسه حال خلو المنصب. أما أن يطلب منا أحد تحويل طاعتنا من الرئيس المنتخب إلى آخر معه دبابة فواقعة لم تحدث أبدا فى تاريخنا ولم يفت بها أى عالم قبل الآن.
هدانا الله وإياكم وبرهامى وشيعته للحق والرشاد..

فى معرض محاولتهم لتبرير انخراطهم فى العملية الانقلابية استخرج لنا بعض «المشايخ» من بطون كتب العصر الإسلامى الوسيط، عصر التراجع والانحطاط، فتاوى تتحدث عن شرعية حكم الأمير المتغلب، فيزعم هؤلاء المشايخ أنه طالما أن الانقلابيين قد حازوا بالفعل كل مفاتيح القوة والقهر فى مصر فهم قد تغلبوا، وتكون مساندتهم واجبة بذلك شرعا.. لكنهم تجاهلوا الأوضاع التى ظهرت فيها هذه الفتاوى، والفتوى تتغير زمانا ومكانا ومحلا، فهى لا تفهم إلا فى ضوء الظروف التى قيلت فيها والملابسات التى أحاطت بها والناس الذين قيلت لهم.. والأدهى من ذلك أنهم لا يوضحون أبدا صفات هذا المتغلب الذى تجوز معها طاعته، ولا على من يتغلب، وكيف يتغلب، وماذا يفعل بعد أن يتغلب، وهم فوق هذا لا يخبروننا عن آراء الفقهاء فى الفرق بين شرعية حكم المتغلب وشرعية فعل التغلب نفسه، وهى نقطة مهمة سنعرض لها فى هذه الدراسة، لنعرف كيف يدلسون علينا الفتاوى.
إن الطريقة التى يعرضون بها هذه الفتاوى تصور المجتمع المسلم كأنه قطيع من الأغنام يسوقه كل من يحمل عصا.. هذا البحث المختصر هو دفاع عن مجتمع المسلمين عبر تاريخه الطويل وعن ثقافته السياسية التى ورثها عن أئمته الأعلام أكثر مما هو دفاع عن الشرعية فى مصر.. وأرجو أن يصل معنا القارئ فى نهاية الدراسة إلى نتائجها الثلاث:
1-أن فتاوى القدماء التى تتحدث عن طاعة المتغلب قد صدرت لمعالجة مشكلة لم نعد نواجهها، لذا ينبغى، أن يعاد النظر فيها، ولا يصح العمل بها بدون مراجعة.
2-أن معارضى الانقلاب لا يمكن اعتبارهم، من وجهة نظر شرعية صرف، خارجين عن الطاعة حتى نطالبهم بها.
3- لا توجد فتوى واحدة صدرت لتطالب بطاعة شخص تغلب بالقوة على ولى أمر شرعى، بل كلها كانت فتاوى عن حالة أمير فرض نفسه على المنصب الشاغر بعد وفاة من سبقه، أو أمير تغلب على حاكم لم يكن يتصف بالشرعية.
لقد تأسست القواعد والمبادئ العامة للحكم فى الإسلام منذ زمن التنزيل فى آيات الكتاب وأحاديث الرسول (ص) وممارساته، وما يعنينا منها هنا هو طريقة اختيار الحكام، ولقد ترسخت هذه القواعد والمبادئ وتجلت من خلال الخبرة التاريخية لزمن الخلفاء الراشدين: الخلافة عقد بين الأمة والحاكم، والخليفة لا يتم اختياره إلا من خلال شورى المسلمين ولا يتم تنصيبه إلا برضاهم، وينقل عبد الرزاق فى مصنفه وابن حجر فى فتح البارى شرح صحيح البخارى عدة روايات فى تأكيد هذه القاعدة عن عمر بن الخطاب، الخليفة العبقرى، منها: «الإمارة شورى» و«من دعا إلى إمارة نفسه من غير مشورة من المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه» و«من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا يتابع هو ولا الذى بايعه تغرة أن يقتلا»، وعلى الخليفة أن يحكم بالعدل وأن يلتزم بالشريعة، فإذا استوفى هذه الشروط فله على الأمة حق الطاعة والنصرة.. الطاعة ما أطاع الله ورسوله، فإن عصى أو بدل أو أمر بما يخالف الشريعة فلا طاعة له، والنصرة هى إعانته على القيام بواجباته، وإذا استنفرهم لجهاد العدو أن ينفروا.
الانحراف
لقد بدأ الانحراف عن تعاليم الإسلام فى اختيار الحكام منذ غدت الخلافة ملكا يورث، بدأ ذلك على يد معاوية بن أبى سفيان عندما أخذ البيعة بنفسه لابنه يزيد، صحيح أن هذه الوراثة كانت بعهد من الخليفة القائم إلى الوريث الذى لا يصبح خليفة – من الناحية النظرية – إلا بتلقى البيعة من أهل الحل والعقد بعد وفاة الخليفة القائم.. هذه الطريقة أرادوا لها أن تبدو كأنها ذات الطريقة التى تولى بها عمر بن الخطاب، غير أنها من الناحية الموضوعية لم تكن تمت لها بأى صلة.. فأبو بكر عندما شعر باقتراب أجله خطر بباله أنه من الضرورى تسمية من يخلفه قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى، لا لأنه لا يثق فى اختيار الأمة من بعده، وحاشا لله أن يخطر ببالنا أن أبا بكر قد فكر بهذه الطريقة وهو يعلم أن الرسول (ص) نفسه لم يرشح من يخلفه، ولكن أبو بكر وضع نصب عينيه أن الدولة كانت قد خرجت لتوها من حرب أهلية طاحنة – حروب الردة – وهى مازالت مشتبكة مع قوتين كان الاشتباك مع واحدة منهما فقط يعد مجازفة كبيرة، فقد كانتا هما القطبين الأعظم للعالم فى زمانهم – الفرس والروم – وفى هذه الحالة فمن الحكمة أن يحرص الخليفة على ألا تخلو القيادة من بعده ولو ليوم واحد، فخطبهم قائلا: «أيها الناس، قد حضرنى من قضاء الله ما ترون، وإنه لابد لكم من رجل يلى أمركم، فإن شئتم اجتمعتم فائتمرتم ثم وليتم عليكم من أردتم، وإن شئتم اجتهدت لكم رأيى.. قالوا: يا خليفة رسول الله أنت خيرنا وأعلمنا، فاختر لنا».. وواضح من الرواية أنهم لو أرادوا أن يختاروا هم لأنفسهم لكان لهم ما أرادوا، ولكنهم فوضوه، لا باعتبارها سنة ماضية يجب اتباعها، وإلا ما خرج عنها عمر، ولكن باعتبارها حلا لمشكلة معينة عرضت للدولة فى ظرف خاص.. وأبو بكر لم يستقل بالرأى عند اختيار من يعهد إليه، بل شاور كبار الصحابة الذين كانوا فى المدينة وقتها حتى استقر الرأى على ترشيح عمر، الذى لم يكن يمت لأبى بكر بأية صلة، إلا الصحبة فى الإسلام، ومن جهة أخرى كان هؤلاء الذين وافقوا على ترشيح عمر هم حقا ممثلى الأمة وقادتها، لم يكتسبوا صفتهم هذه من تعيين أبى بكر لهم فى وظائفهم، ولكن من سبقهم للإسلام وطول صحبتهم لرسوله وجهادهم فى سبيله ومن ثقة الأمة كلها فى أنهم خير أهل زمانهم، وقد وافقوا على هذا الترشيح بإرادتهم الحرة دون أى ضغط أو إكراه، وعمر لم يصبح خليفة فعلا إلا بعد موافقة عامة المسلمين عليه وبيعتهم له.. فأين هذا من خليفة – ملك، يعهد إلى ابنه أو أخيه دون مشورة من أحد، ثم يعين بنفسه أهل الحل والعقد، ويأخذ منهم فى حياته عهدا ملزما لهم على أن يبايعوا ولى عهده بالخلافة من بعده؟ (بعض خلفاء بنى العباس وصل بهم الأمر إلى حد إرغام من عينوهم للحل والعقد أن يقسم الواحد منهم على أنه سيبايع ولى العهد وإلا كانت نساؤه طالق وعبيده طلقاء وأمواله مستباحة.. إلخ).
لم تتقبل الأمة هذا الانحراف بسهولة، فقد توالى اندلاع الثورات فى وجه حكام بنى أمية ثم بنى العباس، ومن وقتها ظل قادة هذه الثورات يعدون فى تراثنا قيادات إسلامية مخلصة رفيعة القدر والمقام، مثل الحسين بن على بن أبى طالب، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن الأشعث، وزيد بن على زين العابدين وابنه يحيى، ومحمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم، رضى الله عنهم أجمعين، وكلها ثورات نظر إليها الفكر الإسلامى بكل التوقير والاحترام، غير أن كلها باءت بالفشل الذريع، وبعضها كانت نتائجه أشد ضررا على الأمة من الانحراف الذى قامت لمواجهته.. وبانتصاف القرن الثانى الهجرى بات تيار الفكر الإسلامى الغالب (أهل السنة والجماعة) ينظر إلى الثورة المسلحة، من حيث قدرتها على تحقيق نتائج إيجابية، بقدر كبير من التوجس والحذر.. قبل أن نتعرض لآراء الفقهاء علينا أن نتذكر بعض الملاحظات المتعلقة بموقع الدولة والسلطة من الإسلام، وبدور الفقهاء فى المسائل العامة، كالسياسة والاقتصاد والاجتماع، ثم علينا أن نلقى نظرة على الظرف التاريخى الذى كانت تمر به الأمة، والذى بدأ فيه التفكير فى طريقة التعامل مع الحاكم المتغلب مغتصب السلطة، حتى يمكننا أن نفهم فتاوى الأئمة ونضعها فى سياقها وندرك مراميهم منها.
الدولة فى حياة المسلمين
لكل دين مؤسسته، تتكون هذه المؤسسة من رجال الكهنوت الذين يتمتعون بصلاحيات دينية خاصة لا يملكها المؤمن العادى، كقيادة الصلوات وتقديم القرابين والأضحيات وقبول النذور، وعقد الزواج وفسخه، وأحيانا لا يمكنك دخول الدين إلا على يد أحد الكهنة الذى يمكنه أيضا إخراجك منه، وغيرها من الصلاحيات التى تختلف باختلاف الأديان.. وهذه المؤسسة تقوم على رعاية العلاقة بين المؤمن ودينه باستقلال عن سلطة الدولة التى ترعى مصالح الناس الدنيوية بعيدا عن مسائل الدين.. الإسلام وحده يخلو من الكهنوت وليست له مؤسسة دينية، مع أنه أكثر الأديان قاطبة تداخلا، بأوامره ونواهيه، فى حياة الناس ومعايشهم، لا تكاد تجد مجالا من مجالات الحياة ليس للإسلام توجيه فيه، ولقد أوكل الله سبحانه وتعالى أمور الدين إلى كل المؤمنين، يختارون من بينهم بإرادتهم الحرة من يقوم بتنظيم شئونهم كمسلمين، وكثير من أحكام الإسلام لا يمكن أن تقوم به إلا السلطة – الدولة – فإقامة الحدود فرض على المسلمين، ولكن ليس لأى فرد أن يقيمها، إن الدولة هى التى تعين من يقتل القاتل ويقطع يد السارق ويجلد شارب الخمر.. وقد أمرنا الله بتغيير المنكر، لكن كل المنكرات الشرعية التى لا يمكن تغييرها إلا بالقوة لا يملك المسلم إزاء مرتكبيها إلا أن ينصح المخالفين ثم يرفع الأمر إلى السلطات.. والقاضى التى تعينه السلطة هو وحده الذى يمكنه إيقاع الطلاق للضرر كى يجوز للمرأة أن تتزوج بآخر، وهو وحده الذى يمكنه إثبات نسب طفل إلى رجل ينكره بما يترتب على هذا النسب من حقوق وواجبات ليس أخطرها التوارث بين الطرفين، وغير هذا كثير.. لهذا يعالج الفقه الإسلامى قضايا السلطة، فلا يمكن أن تستقيم منظومة الأحكام الفقهية دون تحديد من الذى يمثل سلطة الدولة، إذ ليس للمسلمين أى تنظيم آخر يعتصمون به كى تتسق حياتم مع تعاليم دينهم.
ولم تعرف البشرية كلها قبل العصر الحديث مفهوم الدولة كشخصية اعتبارية مستقلة تماما عن الأفراد الذين يتولون مناصبهم فيها، فنحن الآن نتعامل مع الدول كأجهزة ونظم وقوانين وإجراءات لا تتأثر بتغير الأشخاص الذين يديرونها، لكن حتى قرنين من الزمان كانت السلطة تستقر عند رأس الدولة، ويعد كل أصحاب المناصب التنفيذية مجرد معاونين للرأس، لا يستمدون سلطتهم إلا من تفويضه لهم بها، ولا يساءلون إلا أمامه، لذلك سنلاحظ أن الفكر السياسى للمسلمين، شأنهم شأن غيرهم من الأمم، لم يفرق بين سلطة الدولة وسلطة رأسها، الخليفة أو الإمام أو أمير المؤمنين، حتى وجدنا الفقهاء يناقشون المركز القانونى للولاه والقضاة بعد وفاة الخليفة الذى عينهم، هل ينعزلون بموته كما تنتهى صلاحيات الوكيل بموت موكله، أم أن الخليفة قد عينهم بصفته وكيلا عن الأمة، فيكون الموظفون معينين من الأمة، ولما كانت تصرفات الوكيل تصل سارية فى حق الموكل بعد موت الوكيل فإن المعينين يستمرون فى وظائفهم ما دام الموكل الأصلى، الأمة، ما زال على قيد الحياة.
من هنا ندرك لماذا اهتم الفقهاء بقضية تصرفات من يستولى على السلطة بطريق غير شرعى، فلا يوجد غيره من يستطيع إدارة الدولة وحفظ الأمن فيها، فإذا لم نعترف بصحة تصرفاته فإن هذا سيعنى فى الواقع العملى أننا نلغى الدولة وأجهزتها.
الفقه فى الحياة العامة
يعترف كل المسلمين أن للشريعة دورا مهما فى تنظيم الحياة العامة (لذلك لا يستطيعون حذف المادة الثانية من الدستور، لكن لا بأس من إفراغها من مضمونها، ولهذا حديث آخر)، لكن كثير من المسلمين لا يفهمون حقيقة دور الفقهاء فى تطبيق الشريعة، فسيادة الشريعة لا تعنى سيطرة الفقهاء.
إن الفقه هو استنباط الأحكام التفصيلية لأفعال المكلفين من المصادر الشرعية، الكتاب والسنة، وهذا هو موضوع العلوم الشرعية التى ينبغى على المرء أن يتعلمها ليغدو فقيها إذا أتقنها وتدرب على استخدامها، لكن المصادر الشرعية لم تأت فى العديد من المسائل العامة فى السياسة والاقتصاد والاجتماع بنصوص تفصيلية، بل جاءت بقواعد ومبادئ عامة، وعلى المسلمين أن يقوموا بابتكار وتصميم الوسائل والأدوات التى يطبقون بها هذه القواعد والمبادئ، فهذه الوسائل والأدوات تتغير بتغير الزمان والمكان، عندما تتغير معها المشاكل والتحديات وتتطور الموارد والإمكانيات والمعارف التى نستخدمها، فهل الفقهاء هم الذين يقومون بهذا الابتكار للوسائل والأدوات؟؟.. بالقطع لا.. فعلومهم وتدريبهم لا تقدم لهم العلم ولا الخبرة الضروريين للقيام بهذه المهمة.. إن صياغة النظم وابتكار الأساليب والتفكير فى الإجراءات هى مسئولية أهل العلم وذوى الخبرة فى المجال العام، السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، ويأتى دور الفقهاء فى تقييم مقترحات أهل الاختصاص، وبيان مدى موافقتها للشريعة من عدمه، وربما يحتاج الأمر لضرب بعض الأمثلة.
يخبرنا الفقهاء أن اختيار الحكام لا يكون إلا من خلال شورى المسلمين ورضاهم إعمالا لنصوص مثل: «وأمرهم شورى بينهم».  (الشورى: 39)، لكنهم لا يعرفون كيف يصممون نظاما سياسيا تتمثل فيه هذه القاعدة ويكون صالحا للتطبيق ومحققا لمصالح الناس، فأهل الذكر فى هذه العملية هم أهل الخبرة والعلم فى مجال الإدارة السياسة، وهم يعرضون النظم السياسية المختلفة على الفقهاء فيستبعدون منها ما لا توافق عليه الشريعة، وما تبقى فإنه يعد بدائل نختار منها، وهذا الاختيار هو فى جوهره عملية سياسية يقوم بها أصحابها.
ويأخذ الفقهاء من قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول.... » - (النساء: 59) .إن المواطنين يمكنهم أن يختلفوا مع الحكام، ويكون الفصل فى هذا الخلاف لكتاب الله وسنة رسوله (ص)، لكنهم لا يزيدون على تقرير المبدأ دون الدخول فى إجراءات النظام الذى يمكنه أن يحقق ذلك، وإذا حاول أحد الفقهاء اقتراح مثل هذا النظام فإن كان يجمع مع تخصصه الشرعى علما وخبرة بالنظم السياسية فإن اقتراحه يكون قيما بالدراسة الجدية، أما إذا كان كل محصوله ينحصر فى العلوم الشرعية فإنه يكون كالمهندس الذى يقترح علاجا لمرض ما، أو الطبيب الذى يريد ابتكار نظام لاستصلاح الأراضى. لا ينبغى أن يؤخذ كلامهم بجدية، والفقيه فى هذه الحالة إنما يمارس حقه كمواطن عادى يتكلم فى الأمور العامة، ولا يعد كلامه اجتهادا فقهيا.
من هنا، نفهم لماذا لم يعمل الفقهاء على تطوير أسلوب للمعارضة المنظمة يتلافى أضرار الثورات المسلحة ويمكنه العمل على تغيير السلطة بالوسائل السلمية.. لماذا كان المطروح عليهم هو الاختيار بين بديلين اثنين فقط: إما تغيير السلطة بالسلاح، أو دعوتها إلى تعديل مسارها دون تغييرها، لماذا لم يكن مطروحا محاولة تنظيم الجماهير لفرض نظام يحترم قاعدة الشورى بدون حمل السلاح؟.. هل هذا سؤال مشروع؟.. هل يمكن أن نحاكم مفكرى القرن الثانى الهجرى طبقا لمفاهيم لم تصل إليها مدارك البشر إلا بعدهم بعشرة قرون؟.. من أين لهم أن يتصوروا وجود طريقة لتغيير نظام يحكم إمبراطورية شاسعة مترامية الأطراف متعددة الأعراق بوسائل سلمية؟.. لكن حسبهم أن وصلوا إلى وجوب العمل على تعبئة الرأى العام للضغط على السلطة لتعديل مسارها، والعمل على إعداد العدة لتغييرها بالقوة التى لم يتصوروا وجود طريقة غيرها لتغيير الحكام.. هل نلوم الفقهاء لأنهم لم يبحثوا إمكانية تغيير السلطة بطريقة أخرى غير إسقاطها بالقوة المسلحة؟.. ربما رغبنا فى أن نلومهم.. لكن الفكرة لم تخطر ببالهم ولم يطرحها أحد من قادة العمل السياسى الذين هم أهل الذكر فى مجال الحكم والسلطة، لم تكن الفكرة مطروحة عند المسلمين ولا عند غيرهم.. لقد كانوا أبناء عصرهم، لا يمكنهم مناقشة إلا ما يمكن تصوره فى هذا العصر.
الظرف التاريخى
لا يمكننا أن نفهم أى فكر لنصدر عليه حكما موضوعيا إلا فى ضوء ظروف العصر التى أحاطت به، وظروف العصر الذى عاش فيه أئمة الفقه الإسلامى فى القرنين الثانى والثالث للهجرة فرضت عليهم التخوف الشديد من الانقسام والفرقة، وحملتهم على إعلاء شأن وحدة الأمة ولو على حساب تحمل بعض التعنت من الحكام، وقد أعطوا لاستمرار الأمة الوليدة التى لم تترسخ جذورها بعد الأولوية على سائر الاعتبارات المتعلقة بسلامة الحكم.. هذا كان اجتهادهم على أية حال.
فلم يكن العرب عند البعثة أمة بالمعنى السياسى ولا الاجتماعى، بل كانوا عرقا واحدا متفرقا فى قبائل متصارعة، تعد كل قبيلة منها كيانا مستقلا، ولم يخضع العرب فى تاريخهم كله قبل الإسلام فى أى وقت من الأوقات لسلطة مركزية واحدة، سواء كانت سلطة عربية أو سلطة أجنبية، والقبيلة نفسها لم تحكمها سلطة سياسية بأى معنى من المعانى، فسلطة شيوخ القبائل وزعمائها قامت على محض التراضى، ولم يكن أفراد القبيلة مضطرين للخضوع لسلطة الشيوخ الأدبية إلا مقابل حماية القبيلة لهم، ويمكن لأى فرد من أفراد القبيلة أن يرفض النزول على حكم شيوخها، فيفقد بذلك حقه فى حماية القبيلة ويغدو عاريا من العصبية التى كان يلتحف بها فى مواجهة الآخرين، ولكن لا شىء أكثر من ذلك، فلم يكن لشيخ القبيلة أى من الأدوات التى تملكها الحكومات لإرغام الرعايا على الانصياع لأوامرها.. وبنشأة الدولة الإسلامية غدا العرب كلهم لأول مرة فى التاريخ أمة واحدة تحت سلطة مركزية يدينون لها بالطاعة، غير أن العصبيات القبلية ظلت تحكم جوانب كثيرة من حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية لعدة قرون تالية (وفى مناطق شاسعة من العالم الإسلامى مازالت العصبية القبلية والعشائرية هى سيدة الموقف حتى الآن).. وهكذا كانت حساسية قادة الأمة الثقافيين من الفرقة لها مبررها القوى.
أما الدولة الإسلامية التى بدأ تأسيسها فى زمن الراشدين فقد تكونت من خليط من شعوب عديدة، وهذه الشعوب قبلت السلطة الإسلامية كبديل عن الدول التى أسقطها المسلمون لأنها كانت سلطة أفضل بكل المقاييس، لكن هذه الشعوب، خاصة فى القرون الثلاثة الأولى، ظلت تحمل فى وجدانها بقايا انتماءاتها العرقية والثقافية والحضارية السابقة، فلم يكن قد انقضى على انضوائها فى الدولة الجديدة إلا عقود قليلة لا تكفى لانصهارها فى أمة واحدة، ولم تكن رابطة الإسلام قد توثقت بعد، فأغلب هذه الشعوب قد تطلب دخول أبنائها الإسلام على نطاق واسع مرور قرن أو اثنين، ففى مصر – على سبيل المثال – لم يصبح غالبية أهلها مسلمين إلا فى القرن الثالث الهجرى.. ما زالت للعصبيات القبلية قوتها إذن، وما زالت النعرات العنصرية والاختلافات الثقافية للشعوب غير العربية يعلو صوتها هنا وهناك، لذا كان قادة الأمة الثقافيون، فقهاءها، يخشون أن تتحول الثورات المجهضة من سعى لإصلاح الأمة الواحدة إلى انشقاقات تدعو للانفصال.. لقد كان الحرص على سلامة الدولة له ما يبرره، خاصة ونحن نعلم أن المسلمين لا يملكون أية مؤسسة أخرى يعتصمون بها.
التوجس من الثورات المسلحة كان له إذن ما يبرره، مهما كان نبل مقصدها ونقاء قادتها وإخلاصهم، فهى لم تثمر أية ثمرة صالحة فى أحسن الظروف، وتسببت بأضرار جسيمة فى أغلب الأحيان، وسيزداد فهمنا للوضع إذا أخذنا فى اعتبارنا حجم الضرر الآخر الذى قامت الثورات لمقاومته، وسنكتشف لماذا اختار العلماء تحمله باعتباره أهون الضررين، ونقصد به الضرر الواقع على الأمة من استبداد الحكام، فلم يكن للدولة فى زمنهم تلك السلطات الواسعة المهيمنة التى نجدها فى أيامنا، لم تكن الدولة تتداخل مع كل الفاعليات الاجتماعية بالصورة التى تحدث الآن، فظلم الحكام وجورهم كاد أن يقتصر على المسائل المتصلة بالوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها وبعض التجاوزات فى توزيع إيرادات بيت المال، ووظيفة الدولة لم تتجاوز إلا قليلا؛ موضوعات الأمن الخارجى وبعض حوانب الأمن الداخلى، أما باقى الوظائف الاجتماعية، التعليم والصحة والنقل والمواصلات والضمان الاجتماعى ورعاية العجزة.. إلخ، فكانت من المهام الملقاة على عاتق منظمات المجتمع المدنى، وقد أفرزت منها حضارتنا أشكالا راقية قامت بالدور المطلوب بصورة فى غاية التميز بالنسبة للعصر الذى نتكلم عنه، بل قدمت لمجتمعاتها خدمات عامة لم تعرفها أوروبا من الأصل إلا فى عصورها الحديثة، وابتدع أجدادنا نظام «الوقف» العبقرى كى يضمنوا به استمرار مصادر مستقلة ومستقرة لتمويل هذه الأنشطة.. أما التشريع والقضاء فلم يكونا من مهام الدولة، فالتشريع كان واجب الفقهاء وحقهم لا يشاركهم فيه الحكام بأى وسيلة، أما القضاء فلا يتولاه إلا فقيه، غالبا ما يكون على المذهب الفقهى لغالبية سكان الإقليم الذى يتولى قضاءه.. كانت الجماهير تمارس حياتها تحكمها شريعة الإسلام، سواء من حيث التكافل فى تقديم الخدمات العامة وشيوع الجهات الأهلية التى تقوم على الرعاية الاجتماعية، أو من حيث التحاكم إلى القضاة الشرعيين أو المجالس العرفية بمعزل عن أهواء السلطان ورغباته، ولم يكن للحكام – الصالحين منهم والطالحين – علاقة ذات خطر بمعيشة المواطنين.. كان ضرر استبداد الحكام إذن، من وجهة نظر علماء ذلك العصر على الأقل، مما يمكن احتماله، مقارنة بالأضرار المحققة التى تنجم عن حركة خروج مسلح فاشلة، وعن الأضرار الأخطر التى يحتمل أن تتطور إليها الفتنة: الفرقة بين أبناء الأمة.
 

 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers