Responsive image

13
نوفمبر

الثلاثاء

26º

13
نوفمبر

الثلاثاء

 خبر عاجل
  • أبو عبيدة: مليون صهيوني سيكونون بانتظار الدخول في دائرة صواريخنا
     منذ 7 ساعة
  • قصف مقر الأمن الداخلي (فندق الامل) من قبل طائرات الاستطلاع غرب مدينة غزة
     منذ 7 ساعة
  • إعلام العدو: ارتفاع عدد الجرحى الإسرائيليين إلى 50 بسبب القصف الصاروخي من غزة على المناطق الحدودية
     منذ 7 ساعة
  • استهداف عمارة الرحمة في شارع العيون غرب مدينة غزة بصاروخين
     منذ 8 ساعة
  • الغرفة المشتركة للمقاومة: المقاومة توسع دائرة قصفها رداً على العدوان الإسرائيلي
     منذ 8 ساعة
  • ماس: إستمرار القصف الإسرائيلي الهمجي على #غزة وتدمير البيوت والمقرات والمؤسسات الإعلامية تخطي لكل الخطوط الحمراء ،و رسالة تصعيد وعدوان، سيصل للاحتلال جواب المقاومة وردها وبما يتوازى مع حجم هذه الجرائم .
     منذ 8 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

4:48 صباحاً


الشروق

6:12 صباحاً


الظهر

11:39 صباحاً


العصر

2:39 مساءاً


المغرب

5:05 مساءاً


العشاء

6:35 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

الفقهاء يفندون مزاعم العلمانيين عن لاعقلانية التراث الإسلامى ( 1 )

إعداد: د.عاصم الفولى
منذ 1722 يوم
عدد القراءات: 9693


-    العلمانيون لم يدرسوا تراثنا الفكرى، لكنهم يفترضون أن ما فعله باباوات روما لا بد أن يكون فقهاء بغداد قد فعلوا مثله فى مفكريهم
-    الفلسفة ليست شيئا محددا، وما عندنا هو فلسفات متعددة متعارضة ومتناقضة ومتصارعة، كلها يزعم أنه نتيجة الاستخدام الحاذق للعقل
-    الإسلاميون يستخدمون أساليب الشحن العاطفى لكسب الأصوات والوصول إلى السلطة، وهذا خطر على مستقبل الوطن
-    علماء السلف لم يكونوا ضد الفلسفة كإنتاج عقلى، لكنهم قاوموا فلسفة معينة تعارضت مقولاتها مع عقائد الإسلام
-    د. فؤاد زكريا لم يعرف أن المنطق علم يدرس فى الأزهر.. وأبو حامد الغزالى تعلمه وعلمه واستخدمه فى دحض ما وصل إليه الفلاسفة الإغريق ومن شايعهم من نتائج

جمعنى لقاء ببعض الشباب الذين أعرفهم اجتماعيا، والذين لم يفقدنى فكرهم العلمانى ثقتى فى إخلاصهم لقضايا الوطن، وكشأن المصريين جميعا عندما يلتقون هذه الأيام انخرطنا فى الحديث عن الوضع فى مصر، واستغربت للغاية ارتياحهم لإقصاء الإسلاميين عن الساحة السياسية، فقد عرفتهم ليبراليين يعلنون قبولهم للتعددية والحق فى الاختلاف، لكنهم دافعوا عن موقف بأن الفكر الإسلامى هو فكر "لاعقلانى" لا يصلح لحل المشاكل المعاصرة، لكن الإسلاميين يستخدمون أساليب الشحن العاطفى لكسب الأصوات والوصول إلى السلطة، وفى هذا خطر على مستقبل الوطن..
طفقت أحاول شرح الأسس العقلانية للمشروع الإسلامى تمهيدا للكلام عن أنه يقدم مضمونا يجب مناقشته قبل رفضه، لكن المتحمسين منهم حاولوا إسكاتى بحجة أنه لا جدوى من محاولة إقناعهم، فالتاريخ يثبت أن الإسلام كان ضد التفكير العقلى [!!]، فهم لن يصدقوا مزاعمى لأن التاريخ يكذبها، وإذا تمكن الإسلاميون من الحكم مجددا فلن يسمحوا بأى نقاش حر.. من الطبيعى أن أحاول اكتشاف منشأ هذه الفكرة عندهم قبل الرد عليها، وجدت أن أغلبهم متأثرين ببعض المثقفين الذين يتسم تناولهم للفكر الإسلامى بالكثير من السطحية، غير أن بعضهم أشار إلى كتاب الراحل الدكتور فؤاد زكريا "الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل".
تراثنا الفكرى بعيد عن العقلانية
وكاتب هذه السطور يكن تقديرا خاصا للدكتور زكريا، مع كونه مفكرا ماركسيا، لكنه أستاذ الفلسفة الذى أسهمت كتاباته فى فهمى لأسس منهج التفكير الموضوعى، ولا يمكننى الزعم بأنه مفكر سطحى لا يلتفت لكلامه، فرجعت إلى الكتاب الذى تجاوز عمره ربع القرن، فوجدته يدعى فعلا فى بعض فصوله أن تراثنا الفكرى بعيد عن العقلانية، استنادا إلى ما روى عن رفض علماء السلف للفلسفة وحملتهم عليها.. فكتبت هذه الدراسة المختصرة لعلها توضح للذين صدقوا الدكتور زكريا وشيعته حقيقة موقف السلف، أو تفيد هؤلاء الذين قد يدخلون فى حوار مع أمثال من التقيتهم من الشباب المخلص، فكما نعلم لا يتضمن البناء الفكرى للكثيرين من أبناء التيار الإسلامى الاطلاع على الفكر الفلسفى، متأثرين بالفكرة الشائعة عن أن الإسلام ضد الفلسفة، وهى فكرة غير صحيحة، وأرجو أن يتضح للقارئ من هذه الدراسة أن علماء السلف لم يكونوا ضد الفلسفة كإنتاج عقلى، لكنهم كانوا ضد فلسفة معينة تعارضت مقولاتها مع عقائد الإسلام، لكن معارضتهم هذه كانت تستند إلى موقف عقلى لحمة وسداة، بعضهم تبنى المنهج الفلسفى ذاته ليفند به مقولات الإغريق التى بدأت فى غزو سوق المثقفين المسلمين منذ القرن الثانى الهجرى، وبعضهم قام بدحض قيمة المنهج الإغريقى ذاته من حيث هو أداة مضمونة لسلامة التفكير، مستندين فى هذا إلى قواعد التفكير العقلى المستقيم، لا لمجرد أن مقولات الفلاسفة الإغريق ومن شايعهم تخالف عقائد المسلمين.
سنبدأ بعرض فقرات قليلة من كتاب الدكتور فؤاد زكريا "الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل"، فهو يعرض أغلب الأفكار الشائعة بين العلمانيين بشأن الاتهامات التى يوجهونها لتراثنا الفكرى، لكن علم الدكتور ووزنه فى دنيا الفلسفة يعطى لأفكاره ثقلا عند القارئ بأكثر مما يجده من كتابات مؤلف روائى أو ناشط سياسى، ليتبين لنا كيف ورط أستاذ الفلسفة الكبير نفسه فى إصدار أحكام على تراث أمته دون أن يبذل جهدا فى التعرف على هذا التراث، ويغلب على ظنى أنه لم يتعمد الكذب، إنما هو درس علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالفكر العقلى فى أوروبا، وتصور أن كل الأديان لا بد وأن يكون لها الموقف نفسه.. هذا هو الاعتذار الوحيد الذى يمكننى التفكير فيه لأعتذر عن خطأ أستاذ استفدت كثيرا من كتاباته.
*****
الصحوة الإسلامية فى عقل الدكتور فؤاد زكريا
يقرر الدكتور فى كتابه "أن السبب الأكبر للتعارض بين الفلسفة والدين.. لم يكن نوع الأفكار التى ينادى بها كلا الطرفين، وإنما طريقة التفكير لدى كل منهما.. لم يكن خلافا فى المحتوى والمضمون، بل كان خلافا فى المنهج ، ويتلخص هذا الخلاف فى أن منهج التفكير الفلسفى نقدى، فى حين أن منهج التفكير الدينى إيمانى، إن الفلسفة تناقش كافة المسلمات، ولا تعترف إلا بما يصمد لاختبار المنطق الدقيق، فلى حين أن مبدأ التسليم ذاته أساسى فى الإيمان الدينى، وأقصى غايات ذلك الإيمان هى أن يؤدى بالمرء إلى قبول المعتقد بلا مناقشة، بل بغير أن تطرأ على باله أصلا فكرة المناقشة" ص151... وإذا كنت تظن أن فى تاريخنا مفكرين إسلاميين عقليين كثيرين، فإن الدكتور يوضح لك أنه "إذا كان بعض المفكرين قد سعوا إلى دعم الإيمان ومعتقداته الأساسية.. على أساس براهين عقلية ومنطقية.. فكانوا.. أقرب إلى الفلاسفة منهم إلى رجال دين، فضلا عن ذلك فإن أمثال هذه البراهين لم تكن فى الأغلب تسير فى الطريق العقلى من بدايتها إلى نهايتها، بل كانت ترتكز فى مراحلها الحاسمة على قبول مسلمات دينية معينة، ثم تكمل هذه المسلمات بالاستدلال العقلى" ص151.. ولم يقدم الدكتور، ولا غيره، مثالا على واحدة من تلك المراحل الحاسمة التى لا نستطيع اجتيازها بالبرهان العقلى فنضطر إلى اللجوء إلى مسلمات دينية تساعدنا على تخطيها.. لو كان قد جاء بحالة واحدة -واحدة فقط- عجزت فيها عقولنا عن العمل فعدلنا عن العقل إلى المسلمات الدينية لصدقنا أن أفكاره هو وشيعته كانت نتيجة لدراستهم للفكر الإسلامى، وإلى أن يتمكنوا من ذلك، فنحن نصر على أنهم ينقلون نقد الفكر الدينى الذى قام به فلاسفة غربيون للأفكار المسيحية عندهم ثم يسحبونه دون تمحيص على الإسلام.
المنطق والعقيدة
ويقول: "فإن رجل الدين حين يصر على أن المنطق لا مكان له فى عقيدته فإنه لا يفعل ذلك كراهية فى المنطق، بل إنه قد يقبل المنطق والتفكير المنطقى، ويطبقهما فى مجالات أخرى، وكل ما فى الأمر أنه يتمسك بالمعنى الأصلى للإيمان من حيث هو تسليم وتصديق لا مجال فيه للتدقيق أو التمحيص" ص152.. ولا نعرف ما هو المصدر الذى نقل عنه أن هذا هو المعنى الأصلى للإيمان عند المسلمين.. ثم يستطرد "رجل الدين، حتى لو اعترف بمبدأ المناقشة، لا يسمح بهذه المناقشة إلا فى حدود معينة، ويرفض أن تمتد حتى تشمل المعتقدات الأساسية" ص153.. مرة أخرى: هل هذا فى الإسلام؟.. هل عندنا معتقدات أكثر أساسية من وجود الله وصدق نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ إن هذه أكثر ما نتحمس لمناقشة أدلتها العقلية، فما هو هذا الذى لا نقبل مناقشته عقليا؟
التشكيك فى مبدأ التفكير المنطقى
ويرى الدكتور أننا نعمل على: "التشكيك فى مبدأ التفكير المنطقى ذاته، وهو المبدأ الذى يرتكز عليه كل منهج علمى، على أساس أنه يؤدى إلى زعزعة العقيدة الدينية وتخلخل الإيمان.. إحياء للشعار القديم "من تمنطق فقد تزندق"... والمنطق كما أدرك العقل الإنسانى منذ القدم أداة، أو طريقة معينة فى التفكير، أساسها الحجة العقلية والاستدلال السليم الذى يفضى إلى الإقناع، وهكذا فإن ما يؤدى إلى الزندقة وفقا لهذا الشعار ليس مجموعة من الآراء أو النظريات التى ينادى بها أهل الفلسفة الذين يستخدمون المنطق، إنما هو منهج التفكير العقلى المنطقى الذى يسيرون وفقا له، فالشعار يقول فى الواقع أنك إذا استخدمت عقلك وفكرت تفكيرا متماسكا أوصلك هذا إلى الزندقة" ص159.. وهذه ليست بريئة، ولا أتصور أن الدكتور فؤاد زكريا لم يعرف أن المنطق علم يدرس فى الأزهر، أما هذا الشعار الذى رفعه "أبو عمرو بن الصلاح" فعلا فقد كانت له ظروفه التى سنتعرض لها فى هذا البحث، ولكن آخرين أشهر من ابن الصلاح، مثل أبو حامد الغزالى صاحب "إحياء علوم الدين"، تعلم المنطق وعلمه واستخدمه فى دحض ما وصل إليه الفلاسفة الإغريق ومن شايعهم من نتائج، أما الذين رفضوا استخدام منطق أرسطو الصورى -كابن تيمية- فلم يرفضوه بسبب حكاية الزندقة هذه، ولكن لأنهم رأوه أداة عاجزة سخيفة، ثم استخدموا أدوات عقلية أخرى أنتجوا بها فكرا عقليا راقيا، وبعدهم بقرون عديدة أيدهم فرنسيس بيكون رائد المنهج العلمى التجريبى فى أوروبا فتبنى منهجهم ونبذ منطق أرسطو.
ويختم الدكتور زكريا كلامه عن الفلسفة والإسلام بمطلب يستحق أن نعلق عليه، فيقول: "وكل ما هو مطلوب لتحقيق هذا المزج الخصب بين الفكر الفلسفى والفكر الدينى هو أن يشعر الفيلسوف بأنه لا يتعرض لتخويف أو إرهاب أو اتهام بالخروج على الدين" ص176.. من ذا الذى منع الفيلسوف بالذات من المناقشة؟.. ولكن إذا قال الفيلسوف كلاما خارجا عن الدين -أو رآه البعض كذلك- فهل الفيلسوف بالذات يملك حصانة تمنع الآخرين من مواجهته برأيهم فى كلامه؟ وهو يملك دائما إثبات أنه لا يخرج عن الدين إذا استطاع إقامة أى دليل على ذلك، ولكن إذا أراد الفيلسوف إهدار حجية الكتاب والسنة، متجاهلا كل الأدلة التى يسوقها المسلمون لإثبات هذه الحجية، لمجرد أن عقله لم يقبل ما جاء به، فإننا سنقول له إن هذا عند المسلمين كمن لا يريد الاعتراف بحركة الأرض لأن عقله لا يتصور ذلك، ثم هو حر بعدها، فنحن نؤمن بصدق أنه لا إكراه فى الدين، لكن يجب أن تسمى الأشياء بأسمائها.
*****
المسلمون والتفكير العقلى
ترى من أين جاءوا بهذه الفكرة؟.. فكرة أن العقل المنهجى المنظم قد يجد نفسه غريبا فى الفكر الإسلامى.. مع أن المتصفح للقرآن يلاحظ بسرعة أن الأوامر والنداءات المشتقة من أفعال القراءة والتفكير والتعقل والتفقه والتدبر والاعتبار منبثة فى الكتاب من أوله إلى آخره، فى المدنى وفى المكى، وتتكرر فيه الآيات التى تقدم للمخالف -وتطالبه- بالبرهان والحجة والجدال بالتى هى أحسن، وتعتمد أسلوب الاستقراء والمقابلة لاستخراج النتائج المطلوبة، فالقرآن لم يطرح العقائد أبدا كقضايا واجبة التسليم مجردة عن الدليل ليلزم الناس باعتناقها بسلطة النص المقدس، ولكنه يقدمها دائما مشفوعة بالبراهين المؤيدة لها.. أتكون المشكلة -إن كانت للعقل معنا أية مشكلة- فى الطريقة التى تعامل بها علماؤنا مع هذه النصوص؟
إن علماء الكلام الإسلامى (علم العقائد) عندما صنفوا كتبهم فى علم التوحيد سردوا الأدلة العقلية على وجود الله كما وجدوها فى القرآن، وذكروا الآيات القرآنية التى تدعم كل دليل، فنجد آيات لدليل الحدوث وأخرى لدليل الوجوب ودليل العلة الكافية ودليل العناية والاختراع.. إلخ، آيات توضح هذه الأدلة بأسلوب معجز يرضى عقل المفكر وذوق الأديب ووجدان الفنان.. وفقهاؤنا عندما شرعوا فى استنباط الأحكام الشرعية اعتبروا أن الأحكام العملية كلها معللة بأسبابها، وأن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، وأرسوا قواعد عقلية للاستنباط الفقهى فى علم أصول الفقه، وهو منهج عقلى صارم تفخر به ثقافتنا.. من أين جاءت تلك الفكرة إذن؟.. أنى يخطر لمسلم أن العقل ما زال فى حاجة للبحث عن مكان له فى الإسلام؟
يبدو لنا أن مشكلة العلاقة بين التفكير الدينى والتفكير العقلى لم تكن موجودة عند المسلمين، ولكن لأن مثقفينا المتغربين يظنون أنهم يعرفون كيف يحلونها، كان عليهم أن يجدوها حتى يحلوها.
أصل التفرقة بين التفكير الدينى والتفكير العقلى
الحكاية بدأت فى أوروبا فى بدايات عصر النهضة، عندما بدأ الناس فى القيام بالبحث العلمى المنهجى فى مسائل الطبيعة، فوصلوا إلى اكتشافات تخالف العديد مما كانت تتبناه الكنيسة على أنه حقائق منزلة، ودفعهم هذا للتفكير فى كل ما تقوله الكنيسة، فوجدوا أن عقولهم لا تهضم الكثير من تصوراتها عن الوجود والحياة والإنسان، ولكن من يستطيع أن يقول للغول عينك حمراء؟ فاخترعوا هذه القصة عن وجود حقيقتين، حقيقة روحية وأخرى عقلية فلسفية، فزعموا أنهما حقيقتان ولكنهما مختلفتان، وكل منهما صحيحة، ولا تسأل كيف، فالمسألة كلها كانت مجرد نوع من المراوغة لفض الاشتباك -ولو من الناحية الشكلية فقط- بين نتائج إعمال العقل ومقتضيات الإيمان عندهم، بإعلان أن لكل منهما مجاله وأنه لا علاقة بينهما، كان كل ما يريده هؤلاء المفكرون هو أن يتمكنوا من إعلان أفكار وتصورات مختلفة عن المواضيع ذاتها التى تتكلم فيها الكنيسة مع تجنب أن يكون هذا إعلانا للصدام.
الكنيسة عجزت عن إعطاء تبرير عقلى لأغلب عقائدها
والكنيسة من جانبها اضطرت فى النهاية اضطرارا لقبول هذا الوضع ولم تكن هى التى فرضته، فقد عجزت عن إعطاء تبرير عقلى لأغلب عقائدها، وكان هناك ما هو أهم من العقائد، فتلك يمكن على الأقل التغاضى عن البرهنة على صحتها بحجة أنها غير خاضعة للملاحظة والتجريب ولا للبحث والتحليل، لكن ماذا عن دعاوى الكنيسة فى المسائل المادية الطبيعية، مثل القول بأن الأرض هى مركز الكون وأن الشمس وكل الأجرام السماوية تدور حولها واعتبار أن القول بغير ذلك مخالفة للدين؟.. وقد حاولت الكنيسة فى البداية التضييق على المفكرين والعلماء لتدارى هذا العجز، ولكن مع تنامى البحث العلمى وتيار العقلانية، وتتابع مكتشفات العلم الطبيعى التى تناقض حكايات عديدة فى الكتاب المقدس، اضطرت فى النهاية للاعتراف بحق الناس فى استخدام عقولهم، بشرط ألا يكون ذلك فى الدين، بادعاء أن العقل لا يستطيع أن يصل إلى معرفة الله، وأن الوصول إلى الله يكون بواسطة القلب والحب، وبنور يقذفه الله فى قلب الإنسان فيحس به ويؤمن.
الحقيقة الواحدة
أما علماء المسلمين من السلف والخلف، فلم تكن عندهم مشكلة فى أى وقت مع البحث العقلى.. فالمودودى رحمه الله، الذى يحمل عليه مثقفونا العلمانيون بسبب حكاية "الحاكمية" المشهورة، يعلن فى كتابه "الإسلام فى مواجهة التحديات الحضارية": "ليس مدار الانتفاع من هذا الكتاب [القرآن الكريم] والبقاء على الصراط المستقيم واجتناب الضلالات فى العقيدة والعمل إلا على نفس ذلك الشىء الذى أقيم عليه الدين من أول يوم، أى: العلم والعقل"، ومن قبله بألف سنة قال أبو حامد الغزالى: "الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان، بل متحدان"، بل يذهب أبعد من ذلك عندما يقول: "النتائج اليقينية التى نستدلها من مقدمات يقينية، إذا قيل لك خلافها حكاية عن أعظم خلق الله مرتبة وأجلهم فى النظر والعقليات درجة، بل لو نقل عن نبى صادق، نقيضه، فينبغى أن تقطع بكذب الناقل أو بتأويل اللفظ المسموع عنه، ولا يخطر ببالك إمكان الصدق.. إن كان ما عقلته يقينيا" (من المهم الانتباه إلى هذا الشرط الأخير "إن كان ما عقلته يقينيا")، هل يمكن للغزالى أن يصرح بهذا الرأى الخطير إلا لو كانت أصول الإسلام واضحة فى استحالة أن يوحى الله إلينا بكلام يخالف يقينيات العقل الذى وهبه لنا؟.. موقفنا كان واضحا منذ البداية وعلى الدوام: لا توجد إلا حقيقة واحدة خلقها الإله الواحد، وما نحسه بحواسنا أو نعقله بعقولنا أو يصلنا عن طريق الوحى، كله لا بد أن يصدق بعضه بعضا لأنه تعبير عن هذه الحقيقة الواحدة.
الصراع بين علماء الشريعة والفلاسفة
لكن التاريخ الإسلامى يحتوى حكايات عن صراع قد دار بين الفقهاء - علماء الشريعة- والفلاسفة، ولما كانت الفلسفة عند مثقفينا المتغربين مرادفة للتفكير العقلى، فقد استدل بذلك الدكتور فؤاد زكريا -والآخرون- على أن الفقهاء لا بد وأنهم كانوا ضد التفكير العقلى، وفى هذه الدراسة نحاول أن نوضح أن صراع الفقهاء لم يكن ضد التفكير الفلسفى فى حد ذاته، بل ضد بعض النتائج التى وصل إليها بعض المفكرين الذين اشتهروا باسم "الفلاسفة"، وأن الفقهاء لم يحاولوا دحض أقوال الفلاسفة لأنها كانت نتيجة استخدام العقل، ولكنهم أرادوا دحضها لأنهم رأوا فيها سوء استخدام للعقل.. لكن لنبدأ أولا بفحص حكاية أن الفلسفة هى مرادف للتفكير العقلى.
الفلسفة عند الفلاسفة المعاصرين
لن نحاول أن نقدم تعريفا للفلسفة، فأهل الفلسفة أنفسهم لم يتفقوا على تعريف واحد لها، ونراهم بدلا من ذلك يحدثوننا عن المجالات التى تتناولها الفلسفة، وبصورة شديدة العمومية، مثل القول بأن: "الفلسفة نظرة شاملة تحيط بكل جوانب النشاط الإنسانى فكرا وسلوكا.. فالعلوم تقف عند تخصصاتها لا تعدوها.. فالوجود والحياة بكل جوانبها، والإنسان بكل ألوان نشاطه، لا يمكن أن يكون موضوعا لعلم واحد من العلوم، أو: "كل علم يعمل فى نطاق ميدان معين يرسم لنفسه مجموعة من القوانين والنتائج التى يؤمن بصحتها، ولكن أى واحد منها لا يدخل فى حسابه ربط النتائج التى وصل إليها بتلك التى حصل عليها غيره لرسم صورة عامة، ويمكننا أن نشبه ذلك بأن كل علم يركز على نوع معين من الأشجار ولا يوجد منهم من يهتم بالغابة ككل".
وكما لم يتفقوا على تعريف لم يتفقوا على هدف للفلسفة، فالبعض يرى أن "الفلسفة تمكننا من استشراف الأهداف البعيدة للإنسانية، وتحفزنا على المساهمة فى تحقيقها.. فهى موقف إنسانى من العالم ومن العصر ومن المجتمع يستوعب كل جوانب الإنسان، وعلى النقيض من هذا الهدف الواسع الشامل نجد الوضعية المنطقية ترفض أن يكون للفلسفة الحق "فى أن تشيد لنفسها مذاهبها أو أنساقها الفكرية الخاصة، بل عليها فقط أن تقتصر على مهمة التحليل المنطقى لجميع أشكال الفكر الإنسانى، تاركة للعلم مهمة تفسير الكون، على أن تؤسس نظريتها للمعرفة على تحليل نتائجه فحسب، وبذلك تغدو الفلسفة أحد النواتج الثانوية للبحث العلمى"، وبين هذين الطرفين المتقابلين يتحرك كل فيلسوف حسبما يحدد لنفسه.
فالفيلسوف هو الذى يحدد الميدان الذى سيعمل فيه، ويقتصر داخل هذا الميدان على بعض الموضوعات التى يود أن يعالجها، وهو بالطبع يختار ما يعتقد أنه مهم، أو ما يجد فيه إشباعا لميوله الخاصة... وميول الفلاسفة وطباعهم وطبيعة العصر الذى يعيشون فيه لا تؤثر فقط على اختيارهم لموضوعاتهم، ولكنها تؤثر أيضا على الطريقة التى يعالجون بها دراسة هذه الموضوعات، فلا غرابة إذن أن تؤثر هذه العوامل الشخصية غير الموضوعية على النتائج التى يصل إليها الفيلسوف.
الأعمال الفلسفية... تمرينات عقلية ذكية
يخبرنا الدكتور صلاح قنصوه أننا لن نجد شيئا محددا نسميه "الفلسفة"، فنحن مضطرون للتعامل مع فلسفات عديدة، تختلف كل منها عن الأخرى، ربما بعدد الفلاسفة الذين سنتعامل مع إنتاجهم، ومع ذلك فإن غالبيتهم يأبون أن توصف فلسفاتهم بأنها مجموعة من الافتراضات الفضفاضة التى تكتنفها بعض الجوانب الذاتية، بل يصرون على أنهم يقررون الواقع ويعبرون عن الحقيقة، غير أن الدكتور قنصوه ينصحنا "بألا نسلم لهم بما زعموه لمذاهبهم من بلوغ للمعرفة اليقينية، لأننا ندرك اليوم الكثير من أخطائهم الفادحة، إلى جانب ما تبدى من سوءاتهم فى أثناء ما استعر بينهم من جدال وخصومة"، ومن قبل أعلنها فرانسيس بيكون بصيغة أكثر درامية: "إن جميع الأنظمة الفلسفية التى نتلقاها عن الفلاسفة من وقت لآخر ليست سوى روايات مسرحية تمثل عالما خلقه الفلاسفة أنفسهم بطريقة روائية مسرحية".
لا يعنى هذا بالطبع أننا نرغب فى إلقاء كل الإنتاج الفلسفى جانبا، بل على العكس، فإننا نعده جانبا مهما من عطاء الفكر الإنسانى، إننا فقط نود ألا يأخذ أكثر من حجمه، إن الأعمال الفلسفية هى تمرينات عقلية ذكية وربما كانت مفيدة، ولكن الفلسفة ليست مرادفة للعقل، فهى عقل مختلط بأشياء أخرى.. بالإضافة لذلك فإن ما لدينا هو فلسفات عديدة لا فلسفة واحدة، يمكنك أن ترفض الفلسفة الماركسية مثلا دون أن تكون عدوا للفلسفة، أو أن تعترض على الفلسفة النفعية (البراجماتية) لأنك ترى فلسفة أخرى أكثر إقناعا.. لماذا إذن لا يمكن أن يكون رفض علماء المسلمين للفلسفة الإغريقية إلا رفضا لكل أنواع التفكير الفلسفى؟
سنعرض فى الحلقة التالية من هذه الدراسة لأهم مقولات فلسفة الإغريق التى ظهرت فى مجتمع المسلمين بعد ترجمتها للعربية فى القرن الثانى الهجرى وما تلاه، ثم نعرض فى الحلقة الثالثة للموقف العام الذى اتخذه فقهاؤنا من هذه المقولات، لنوضح أنهم لم يعترضوا على التفلسف من حيث هو تفكير عقلى منظم، لكنهم اعترضوا على المقولات الإغريقية التى خالفت عقائد المسلمين، وأن معارضتهم كانت بعد مناقشة هذه المقولات وتفنيدها تفنيدا عقليا، وبعض هذا التفنيد كان مباحث فلسفية التزمت منطق أرسطو. أما الحلقة الرابعة فسنخصصها للموقف الذى اعترض على قيمة منطق أرسطو الصورى، ودافع عن منهج الاستقراء الذى تأسس عليه فيما بعد منهج البحث العلمى التجريبى الحديث.
 

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers